📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل العاشر 10 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل العاشر 10 بقلم آية احمد عرفة





وحدها بين الظنون، وحمل البراءة ثقيلاً، تتخبّط بين خطوات قد تضلّها وصحبة تزيّف البسمة... فليكن قلبك دائمًا مرشدك، فالحقيقة لا تُخدع.
.
.
.

خرج من المحاضرة بعدما انتهت، وسار بخطوات ثابتة نحو الكافيه، كعادته يجلس في الركن الأبعد عن الضجيج، واضعًا حقيبته أمامه، يفتح هاتفه ليتابع الوقت؛ فالانتظار بالنسبة إليه جزء من نظامه الذي لا يحب تغييره.
1

جلست فتاة أمامه فجأة، قاطعة هذا الهدوء الذي يعتاد عليه، وقالت بحماس ولهفة:
"ازيك!"

رفع حمزة طرف عينيه فقط، ليأخذ نظرة خاطفة بلا تركيز، ثم خفَض بصره بسرعة، كأن أطراف عينيه تؤلمه حين تلتقي بنظرات أحد. حرّك أصابعه فوق طرف الحقيبة، وهي حركة لا إرادية كان يفعلها دائمًا حين يتوتر، قبل أن يقول بصوت منخفض:
"كويس"

قالت مريم، محاولة كسر صمته:
"ايه يا حمزة هتخلّف بوعدك معايا انت وعدتني إنك هتشرحلي المادة"

نظر إليها هذه المرة دون أن يطيل، وقال بنبرة جافة لا تعرف المجاملة:
"إنتي اللي خلّيتيني أوافق... عشان رغاية"

ثم فتح الكتاب الذي دفعته أمامه، يقلّب الصفحات بسرعة وتوترٍ واضح في أطراف أصابعه، وقال:
"هشرحلك... عشان أنا وافقت، وأنا مبرجعش في كلامي."

كان بعض الطلاب يمرون بنظرات مستغربة، فمن لا يعرف حمزة الزيني يظنه متكبرًا أو غريب الأطوار. هو الشاب المتوحّد الذي لا يُحبّ الحديث مع أحد، ولا يطيق النظرات المباشرة. ثلاث سنوات حاول فيها الجميع التقرب منه، ولو حتى ليأخذوا منه إجابة في الامتحانات، لكنه كان يشيح بوجهه فيرفض حتى الرد.

كان يشرح لها، وعيناه معلّقتان على الكلمات وحدها، لا يرفع بصره من الصفحة كأنها هي الشخص الوحيد الذي يستطيع النظر إليها دون تقييد. كانت مريم تستمع بكل انتباه، لكنها تشعر من نظرات الذين حولها أنها اخترقت جدارًا لم يستطع غيرها الاقتراب منه.

انتهى من شرح المسألة، ثم كتب أخرى مشابهة بخط منظّم، ودفع بها نحوها قائلاً بلهجة جافة:
"حلّيها."

هزّت رأسها بحماس، أمسكت القلم، وبدأت تحلّ بينما هو ينظر إلى ساعة يده مرارًا، ينقر بأصبعه على الطاولة بإيقاع ثابت يعكس توتره من الانتظار.

رفعت رأسها فجأة وقالت بحماس طفل صغير:
"خلصت! حلّتها."

دفعت الدفتر ناحيته، فأمسكه بحذر كعادته، نظر فيه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، وهز رأسه:
"برافو... صح."

شُقَّ ثغرها بابتسامة واسعة، كأنها اجتازت جبلًا لا مسألة واحدة.

لكن حمزة تابع بنبرة جادة تمامًا، تخلو من أي حساسية:
"بس لو خدتي الوقت ده في الامتحان عشان تحلّي مسألة واحدة يبقى هتشِيلي المادة."


انطفأت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بعبوس واضح:
"انت ليه بتقفلني؟"

توقّف حمزة عن الحركة، كأن الكلمة اصطدمت بجدار عقله ولم يجد لها بابًا ليفهم معناها. عقد حاجبيه قليلاً، وقال بتساؤل صادق:
"يعني إيه مش فاهم."

تنفست مريم وقالت ببساطة:
"يعني فرحتني إنّي حلّيتها صح وزعلتني لما قولت إني باخد وقت كتير وهشيل المادة. يعني قفّلتني."

هز رأسه ببطء، يفكّر قليلًا، ثم قال بصدق لا يعرف غيره:
"أنا بحب أقول الحقيقة اعتبريها نصيحة عشان تطوّري من نفسك."

ثم التفت لساعة يده، وقال بلهجته الرتيبة المعتادة:
"المحاضرة التانية فاضل عليها خمس دقايق وهتبدأ."

التقط حقيبته وهمَّ بالقيام، لكنخا أمسكت معصمه، أردفت بتلقائية :
"طب هنكمل شرح إمتى في القوانين؟"

تجمّد حمزة في مكانه، كأن الصدمة شلّت جسده. سحب يده بسرعة أكبر مما توقعت، وهبط ببصره إلى الأرض، وصوته يرتجف قليلًا:
"أنا مش بحب حد يلمسني.مش بحب كده... متعمليش كده تاني متجيش ناحية إيدي تاني."

ظهر الارتباك والغضب الخافت في نبرة صوته، لا لأنه غاضب بل لأنه لا يحتمل اللمس.

قالت مريم بسرعة، محاولة إصلاح ما حدث:
"انا آسفة نسيت."

لكنه لم يرد. اكتفى بالنظر للأرض، ثم غادر الكافيه بخطوات سريعة، وكأنه يهرب من شعور ثقيل لا يعرف كيف يعبر عنه.

ورغم ذلك كان هناك شيء خافت في صدره، شيء صغير يشبه الرغبة في البقا.

"لا يعلم أن هذه الصدفة التي جمعته بها ليست إلا بداية طريق،
طريق سيسلكه يومًا ما، مهما ظنّ أنه بعيد عنه.
فلا مهرب حين يدقّ القلب ولا أحد ينجو من طريقٍ كُتِب له دون أن يدري."
.
.
.

كان يقف أمام غرفة الطوارئ، يتسمّر مكانه كأن الأرض قد شدّت جذوره إليها. بعد أن انتزعوا فريدة من بين ذراعيه ليلحقوا بها إلى غرفة الطوارئ وعمل الإسعافات اللازمة، ظلّ القلق يرتسم على ملامحه بوضوح لا يحتاج إلى تفسير.
أدار رأسه نحو أخته، فوجدها جالسة على المقعد القريب، تبكي وتنتحب بحرقة، بينما كانت والدته تحاول مواساتها بكلمات مطمئنة، تؤكّد لها أن الصغيرة ستكون بخير.

تنفّس بضيق، وكتم تنهيدة أثقل صدره. كيف له أن يهدّئها وهو نفسه غير قادر على تهدئة أعصابه؟ وكيف يطلب منها الصبر وهو يكاد يفقد صبره؟
فريدة لم تكن بالنسبة إليه مجرد ابنة أخته... كانت قطعة منه. يتذكر يوم وُلدت، كان هو أول من حملها بين يديه، نعم... هو، لا والدها. هو من ضمّها إلى صدره للمرة الأولى، وهو من أذّن في أذنها الصغيرة بصوت مرتجف من شدّة الفرح.

أتكأ بظهره إلى الحائط، وترك رأسه ينحني إلى الأمام كأن ثقل الدنيا يضغط عليه. عيناه ظلّتا معلّقتين على باب الغرفة التي ترقد فيها الصغيرة، يفكّر بلا توقف، يتساءل بلا إجابة، والصداع يكاد يفتك به من شدّة الخوف، من شدّة العجز.


أما سُكن، فكانت تتابعه بعينيها القلقتين، تستشعر اضطرابه وخوفه وتوتره الذي لا يخفى على أحد.
وقطع هذا التوتر خروج الطبيب من الغرفة.

تقدّم براء بسرعة، صوته محمّل بالهلع:
"طمني... عليها! هي كويسة صح؟"

واقتربت أميرة أيضًا بجسد مرتجف، تبحث في وجه الطبيب عن بارقة أمل.

نظر الطبيب إلى براء قائلًا بنبرة عملية هادئة لا تخلو من الجدية:
"عملنّا لها منظار الواضح إنها شربت حاجة فيها مادة كيميائية. عملنّا تحاليل عشان نعرف نوع المادة، وللأسف اكتشفنا إنها صودا كاوية. عشان كده معدتها التهبت جامد أوي الالتهاب دا هو اللي خلّى الدم يخرج."

شهقت أميرة بصدمة، وارتجفت شفتاها وهي تحدّق فيه بعدم تصديق. أما سُكن فلم تكن أقل ذهولًا منها؛ فكيف وصلت مادة كهذه إلى يد طفلة صغيرة؟
تفوه براء، وصوته يحمل خليطًا من الذهول والغضب:
"صودا كاوية! هتوصلها منين؟ حضرتك متأكد؟"

هزّ الطبيب رأسه بثقة:
"أكيد. التحاليل بتقول كده. إحنا علّقنّا لها محاليل، وبإذن الله هتكون بخير. هي هتروق على العلاج... بس بلاش إهمال مع الأطفال.
حمد الله على سلامتها."

قال ذلك، ثم غادر بهدوء.

صاحت أميرة بدموع تتساقط على وجنتيها:
"بنتي ما غابتش عن عيني! فريدة شربت البتاعة دي إمتى؟!"

لتقول والدتها محاولة التماسك:
"يا بنتي إحنا ما عندّناش المادة دي في البيت أصلاً!"

أما هو فظلّ واقفًا في مكانه، الصمت يثقل صدره، وعقله شارداً في كل اتجاه، يبحث عن ثغرة، عن تفسير.
وأخيرًا قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
"نتطمن عليها الأول وبعدين نشوف وصلت لكل دا إزاي."

قال ذلك ودلف إلى الغرفة لينظر إليها. كانت ممدّدة على السرير الصغير، والمحاليل معلَّقة إلى جوارها، ووجهها الشاحب يزيد من وخز القلق في صدره. مال عليها ببطء، وأمسك كفّها الصغير وقبّله برفق، قائلاً بحنو وهو يمسح بيده على خصلات شعرها المبعثرة فوق الوسادة:

"حبيبِت خالك إنتِ ربنا يباركلي فيكِ يا عيوني."

ظلّ للحظات، يتأمل أنفاسها الهادئة، يرجو أن تستقرّ حالتها سريعًا.

ليستمع إلى صوت بكاء أخته خلفه، فاستقام والتفت إليها على الفور. رآها منهارة، فضمّها إلى صدره بلا تردد، محاولًا أن يزرع بعض الطمأنينة داخل قلبها المرتجف.

"خلاص يا حبيبتي الدكتور طمّنّا. هي هتبقى كويسة إن شاء الله."

هزّت رأسها بينما عيناها ما زالتا معلقتين بابنتها، تتوسل في صمت أن تفيق أن تعود إليها كما كانت. وكل رجائها أن تمرّ هذه الأزمة سريعاً لترتاح.
.
.
.
داخل بيت أل نصّار، كان يجلس في غرفته يتحدث عبر الهاتف مع زميله في العمل. كان صوته جادًا، وحاجباه يزدادان عقدًا كلما تقدّم الحديث، ليختم أخيرًا:

"خلاص يا علي أنا شوية وهكون عندك. حقّق إنت وهات اللي عندهم."

قال ذلك وأغلق الخط، ثم غادر الغرفة بخطوات ثابتة، ليقع نظره على والدته الخارجة لتوّها من الغرفة المقابلة. تساءل مستغربًا:

"حضرتك كنتِ بتعملي إيه جوه؟ هي نور مش راحت المدرسة؟"

ألقت عليه نظرة تجمع بين الإرهاق والقلق، وهزّت رأسها إيجابًا:

"أختك تعبانة قالت إنها مش قادرة تروح النهارده."

تملك الضيق في صدره فورًا من دلال أخته المبالَغ فيه مؤخرًا:

"تعبانة! ومن يومين برضه قالت إنها تعبانة كده كتير يا ماما."

اتجه نحو غرفتها بخطوات حادة، ودلف إليها. كانت تجلس على السرير متكئة إلى الخلف، محاولة إخفاء توترها. ألقى عليها نظرة صارمة وهو يقول بحدّة:

"مش روحتي مدرستك ليه؟ مش كفاية دروسك اللي بتهملِيها كمان؟"

ابتلعت لعابها وهي تناظره بخوف، تحاول جاهدة أن تخرج صوتها بهدوء:

"حسّيت إني تعبانة شوية بس."

هزّ رأسه على مضض، ونظرات الشك لا تفارقها، قبل أن يتابع بنبرة محذّرة:

"شوّفي أوعي تفتكري إني مش واخد بالي منك، ولا من تغيّراتك الفترة دي. خدي بالك من دراستك أحسنلك يا نور... عشان كده الأحسن ليكِ تركزّي."

هزّت رأسها موافقة، ليخفض صوته قليلًا وقد رقّت ملامحه:

"تحبّي أجيبلك دكتور؟"

هزّت رأسها نفيًا بسرعة:

"لأ... عندي برد. هشرب حاجة دافية وهبقى كويسة."

تنهد واقترب منها، وقبّل رأسها بحنان، ثم قال بنبرة تحمل خوفه العميق عليها:

"أنا بخاف عليكِ يا حبيبتي إنتِ مش بس أختي الصغيرة. إنتِ بنتي اللي ربتها وكبرت قدّامي. عشان كده مش هسمح إن تربيتي ليكي تكون غلط أو إن وِعْيِك أو تركيزك يتأثروا. فاهمة؟"

نعم هذه أخته. بعد وفاة أخيه أواب ووالده، اكتشفت والدته أنها حامل في شهرها الثاني، ثم ولدت فتاة سماها أيوب نور، لأنها كانت النور الوحيد الذي دخل حياتهم بعد ظلمة الفقد. تحمّل مسؤوليتها وهو في التاسعة عشرة من عمره، وربّاها كابنته، وما زال يشعر أنها قطعة من قلبه.

وها هي اليوم في السابعة عشرة، في العام الدراسي الثالث من المرحلة الثانوية، ولهذا يريد منها الاجتهاد يريد أن يصنع لها مستقبلاً يليق بتعب السنين.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة مطمئِنة، ليغادر الغرفة أخيرًا. وما إن أغلق الباب حتى زفرت براحة، وكأن جبلًا كان جاثمًا على صدرها وانزاح. فهي رغم حبها لأخيها، ورغم أنه الأب والأخ معًا إلا أنها تخافه كثيرًا. والخوف لا يولد من العدم، بل من خطأ ترتكبه هي وتخشى أن يكتشفه وليّ أمرها الذي كان دائمًا السند والحارس لها.
.
.
.

داخل مقابر عائلة آل نصّار، كان يجلس أمام قبرين متجاورين، وقد افترش التراب بملابسه، فيما طأطأ رأسه وهو ينقش بأصابعه على الرخام اسمين يحفظهما قلبه قبل عينيه:
أواب آل نصّار
و
نصّار آل نصّار.

نعم فالأسم الدارج لعائلتهم هو "آل نصّار"، نسبةً إلى جدّ الجدّ، أما والدهما فكان اسمه نصّار أيضًا، وكأن القدر أراد أن تبقى هذه الكنية متوارثة، تُذكِّر كل جيل بمَن رحلوا قبله.كان شاردًا، يرمق الاسمين والتاريخ المنقوش تحتهما، ويفيض صدره بأوجاع يحاول منذ سنوات أن يدفنها مثلما دُفن أصحاب هذين القبرين.
آهٍ من هذا التاريخ كيف له أن ينساه وهو محفور في رأسه منذ كان ابن الثانية عشرة؟ كيف ينسى اليوم الذي فقد فيه أخاه أولًا، ثم لحقه والده بعد ساعاتٍ بسكتة قلبية، ليُلقى عليه اللوم كله؟
لطالما أحبّ أخاه، كان الأقرب إليه سنًا وروحًا، لكن إلى مَن يقول هذا؟ مَن سيُصغي؟ لا أحد
ارتجفت شفتاه، وانهمرت الكلمات منه متعثرة بنبرة مختنقة:
"أواب أنا كل فترة باجي هنا واقعد أكلمكم كإنكم هتسمعوني، عشان مفيش غيركم اتكلم معاهم."

مسح دمعة سالت رغمًا عنه، وتابع وهو يزفر بضيق:
ـ"أيوب وحش أوي. قاسي بس مش عارف أكرهه."

ساد صمتٌ قصير قبل أن يواصل بنبرة مختنقة:
"حاولت والله حاولت أكرهه بس مش قادر. هو شايلني ذنب كل حاجة. حتى ماما...ماما ولا حاولت تكون جنبي أنا وحشني بيتنا ووحشاني ماما ووحشتني نور، أختي اللي مش بشوفها غير صدفة، ومن بعيد كمان."

ارتعشت أنفاسه، وازدادت نبرة الألم، ليردف:
ـ "وحشني الأمان وحشني الدفا بتاع العيلة. أنا تعبت من الوحدة واتخنقت منها لدرجة إني تعبت من نفسي وكرهتها."

انهمرت عبراته وهو يتابع بنبرةٍ مختنقة:
"مش عارف إمتى هرتاح... ولا لسه هشوف إيه، إذ كان أخويا كان هو الجلاد اللي مش رحمني، وماما على ما اظن نسيت إن عندها ابن اسمه أويس."

تصلّب جسده فجأة، وكأن كل الأوجاع تجمّعت في صدره دفعة واحدة، ليقول بنبرة محطَّمة:
"يا ريتني كنت أنا اللي مُت... وإنت اللي عِشت. يا ريتني ما حاولت أمنعك... يا ريت الرصاصة كانت جات فيّا أنا. على الأقل كنت هرتاح... وإنت..."

سكت ثواني، ارتعاش يده لا يخفى، قبل أن يهمس بمرارة:
"وإنت...إنت لو كنت عِشت كانوا هيقولوا برضه إنك السبب؟ يا ترى كان أيوب هيعمل فيك زي ما عمل فيّا؟ وماما كانت هتنسى إنك ابنها زي ما نسيتني؟"

أسئلة ظلت تجول في خاطره سنواتٍ طويلة، ولم يجد لها يومًا جرأة الخروج... لكن ها هو يقف أمام القبرين، فيتدفق الماضي بكل ثقله كأنه حدث البارحة.

وتنساب ذكرياته إلى الماضي حيث الألم

كان يجلس في غرفته، تلك الغرفة التي باتت سجنًا صامتًا يختبئ فيه خلال ذلك الشهر الذي مضي، كان يستمع إلى وقع خطوات أيوب تقترب، فيرتجف دون إرادة، فقد زرع فيه أخوه خوفًا لم يعرف مثله من قبل، وأطفأ في داخله أي رغبة في الحديث
صار صبيًا ضائعًا يبحث عن أمانٍ كان من المفترض أن يجده في أحضان عائلته، لا أن يُحرم منه.

يا لقسوة الدنيا حين تضطر للبحث عن الأمان في بيتٍ يُفترض أنه ملجؤك الأخير.

اقتحم أيوب الغرفة فجأة، فانتفض أويس من مكانه، يضم ركبتيه إلى صدره كمن يستعد لتلقّي الضرب، فقد اعتاد أن يُنهال عليه أخوه بالاتهامات واللوم، وكأنه يريد أن يذكّره بجريمته كل يوم، وكل لحظة.

لكن تلك المرة... كانت مختلفة.

جلس أيوب أمامه، ينظر إليه بنظرات ساخرة باردة، نظرات لا تحمل سوى احتقارٍ موجع. بقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال:
"بيقولوا إنك اتخرست... وبقيت ما بتردش على حد."

ثم أمال رأسه قليلًا وتابع:
"ماما نفسيتها تعبت واللي حصل ده كله انت السبب فيه. كان زمان أخويا وبابا موجودين بس كله راح بسببك."

تجمّدت أنفاس أويس.
بسببه؟
ألا يوجد شيء اسمه قدر؟ نصيب؟
لكن أيوب لم يترك له مساحة للرد.

"قدّمت ورقك على مدرسة داخلية هتغور تكمل تعليمك هناك. نومك أكلك شربك كله هناك. وما تستناش زيارة وجودك هنا مش بيجيب غير وجع لينا. وأنا مش مستعد أخسر أمي بسببك كمان."

اقترب منه قليلًا قبل أن يضيف بقسوة صاعقة:

"وجودك بقى لعنة في وسطنا. وأنا مش جاي آخد رأيك أنا جاي أعرّفك. حضر حاجتك بكرة هوصلك."

ثم نهض وغادر، كأن شيئًا لم يكن.

ظنّ أويس وقتها أن الأمر سيكون اعتياديًا... ربما يكون أفضل له أن يبتعد، فهو يرى نفسه ثِقلًا عليهم جميعًا.
لكن ما لم يكن يعرفه... أن المدرسة التي نُقل إليها لم تكن مدرسة.
كانت سجناً.
طوق يلتف حول عنقه... لا يريد أن يخنقه فيريحه، ولا يريد أن يبتعد فينقذه... فقط يُبقيه حيًّا بما يكفي ليذوق الألم كل يوم.

طوق... كانت تمسك به إدارة المدرسة، تشدّه متى شاءت، وتُرخي حين ترغب، دون رحمة.

أحيانًا أشعر أن قلبي يعيش في مكانٍ آخر، بين الذكريات التي لم تتركني، والأحلام التي تاهت في صمت الليالي الطويلة.
أحاول أن أبتسم، أن أتنفس، أن أُخبر نفسي أن غيابهم لن يقتلني... لكنّي أكتشف أن الألم أصبح رفيقي الدائم، وغياب الأمان ظلّ يزرع في داخلي خوفًا من كل شيء.
أتساءل أحيانًا هل كان الأقدار رحيمة يوم ابتعدوا عنّي، أم أنها تركتني لأتجرع وحدتي؟

كان هذا الحديث الذي يجول داخل عقله، لكنه لا يتلقي الإجابة، ولا يعرف متي سيتيح له الفهم.
.
.
.

داخل أروقة المستشفى، كان الهدوء يلف الغرفة التي ترقد فيها فريدة. جلس الجميع من حولها في انتظار أن تفيق، علّ قلوبهم تهدأ وتطمئن. وقد أتى حمزة مسرعًا فور أن علم بما حدث؛ فهو يحب فريدة حبًّا خالصًا، الوحيدة التي كان يضمها إلى صدره دون خوف أو تردد.
ولم تمضِ لحظات حتى لحقت بهم هند، لتجلس جوار أميرة وقد وضعت يدها فوق كفها وربتت عليها قائلة بهدوء:

"بإذن الله تفوق وتتطمني عليها..." ثم تابعت بنبرة لا تخلو من التهكم وهي تلقي كلماتها:
"البنت كانت كويسة... كأنها خدت عين! وهي كانت قدم سعد علينا، قدمها باين من أولها."

تقمّصت سكن شعورًا بالضيق؛ فهي تعرف تمامًا أن أميرة تقصدها بالحديث، لكنها فضّلت الصمت، واكتفت بالنظر إلى براء، الذي رمق هند بنظرات تحذيرية قائلاً بحدة مكتومة:
"هوني عليها من غير تلقيحات... إحنا مش ناقصين."

صمتت هند بضجر، لتمسك هاتفها وتتفقد رسالة كانت قد بعثتها إلى حسن، والد فريدة. أخبرته أن ابنته في المستشفى، وطلبت منه ألا يخبر أحدًا أنها صاحبة الخبر.
كانت فكرتها أن تستغل الموقف ليذهب حسن ويأخذ أميرة معه، فتبتعد عن البيت وتتركه كما تتمنى وكأنها تملك الحق في تحريك كل شيء كما تريد. لكنها رغم ذلك كانت مستغربة من تأخر وصوله.

ولم تمر سوى دقائق حتى فُتح الباب بقوة، ودلف حسن بوجه متجهم وصوت مشدود قائلاً بحدة:
"إيه اللي حصل لبنتي؟!"

نظرت أميرة إليه بصدمة، بينما ارتسمت على ملامح براء دهشة واضحة، إذ لم يفهم كيف عرف بالأمر بهذه السرعة. تنهد ونهض من مكانه، مقتربًا منه وهو يقول بهدوء:
"هي كويسة الحمدلله... شويّة وتفوق."

لكن حسن لم يمنحه فرصة، وانفجر فيه بعصبية ممتزجة بالاتهام:
" مراتي وبنتي في بيتك... يعني مسؤوليتك! إزاي بنتي تتعب وتيجي المستشفى وما تتصلش بيا؟! أنا أبوها! ولا عشان فضلوا معاك نسُوك مين الأحق إنه يعرف؟!"

قاطعه براء وقد بدأ صدْره يضيق من حديثه:
"صوتك عالي... وأنا بكلمك باحترام. وبلاش فرد العضلات دي... عشان هتطلع منها خسران.
انت أبوها بالاسم... اسم هي شايلـاه وبس. مش عايزين نضحك على بعض."

ليسترسل حديثه بضيق أكبر:
"وأنت كنت فين يوم ما اتولدت؟ ها؟! رد عليّ! أقولك أنا... مكنتش فاضي تيجي وتكون جنب مراتك!
كنت فين لما كانت تتعب نص الليل وترفض تنزل بيها للدكتور؟! وأنا اللي كنت آجي آخد أختي وأوّديها!
قبل ما تقول إنك أبوها... افتكر أنت عملت لها إيه في الخمس سنين اللي كانت فيها معاك غير إنها شايلة اسمك!"

اقترب أكثر، والغضب يشتعل في عينيه:
"فاكر الأبوة مجرد لقب؟!
انت حتى فشلت توفّر لها أمان ولا رحمة... لا ليها ولا لأمها.
يا راجل... ده بنتك عندي بقالها فترة! لا طلبت تشوفها... ولا حتى سألت عليها!
وحتى لو كنت طلبت... كنت هروح أوديها لك.
بس قولّي... ازاي أطلب منك ؟! إذا أنت أبوها مبتسألش عليها!"

ثم أشار إليه بضيق قائلا:
"فبلاش بقى تيجي تلومني وتقول مش محافظ عليهم!
الأول... شوف نفسك بتعمل إيه!
دي أختي... اللي جيت أنت بنفسك وحطيت إيدك في أيدي وخدتها!
بس أنت طلعت مش قدّ الأمانة.
ولو سايبك لحد دلوقتي... فدا كان من باب الذوق.
إنما دلوقتي... هتطلق بالرضا يكون احسن ليك.
ولو على بنتك... فأنا هربيها زي ما ربيت أمّها... لأنك ما تعرفش يعني إيه مسؤولية."

أدرك حسن حينها أنه دخل معركة خاسرة، فحاول أن يغيّر نبرته ويتقمص دور الضحية:
"خلي أميرة ترجع معايا... هي وبنتي.
وبوعدك كل دا هيتغير.
صدقني... مش هتسمع عن مشاكل تاني."

ابتسم براء بسخرية واضحة:
"قولت الكلام دا كام مرة يا حسن؟
كام فرصة أخدتها... وضيّعتها؟"

وهنا قفز صوت حمزة بحماس:
"سَبعة!"

التفت الجميع إليه، فقال مرة أخرى مؤكدًا وهو يرفع سبابة... ثم يكمل العد:
"أيوه... سبع فرص!"

لوّت هند فمها بازدراء وهي تنظر له، وحسن ازداد غضبًا من هذا "الأجدب" كما يراه.
أما سكن فكانت تكتم ضحكتها بصعوبة؛ أحبت صراحته العفوية وقلبه النقي.

رمقه براء قائلاً بحزم:
"سمعت؟ سبعة.
سبع فرص... ماعرفتش تستغل ولا واحدة.
انت مش جدير تبقى أب يا حسن... ولا حتى زوج.
وعشان كده... عقابك الوحيد إنك تخسرهم.
ومش هتجي تقولي أخد بنتي تاني."

وأشار إلى فريدة قائلًا:
"دي مش هتخرج من حضن أخوالها... أبدًا. وصلت؟"

وفجأة جاءهم صوتها الضعيف:
"خالو... براء..."

التفتوا جميعًا، ففريدة قد أفاقت.
ابتسم براء بارتياح، وكأنه تنفّس أخيرًا، واقترب منها قائلاً وهو يوصل حديثه إليه:
"سمعت بنفسك... هي قالت إيه."

ثم أمسك بكفها بحنان، بينما أميرة من الجهة الأخرى كانت تقبّل كل أنش من وجهها قائلة وهي تبكي:
"يا عيوني... إنتي وقّعتي قلبي عليكي!"

وأضاف براء مبتسمًا:
"أميرة خالك خوّفتيني عليكي يا روحي."

ابتسمت فريدة له، أمّا حسن فكان واقفًا في مكانه، يتابع المشهد بعجز وضيق.
تنهد بغيظ، ثم استدار وغادر الغرفة دون حتى أن يطمئن على ابنته... وكأنه لم يأتِ إلا ليستغل الموقف ويحاول أخذهما معه، وحين فشل... رحل فورًا.
وهكذا بدا واضحًا... أن من كان مثله لا يتغيّر، ولا يعرف سوى المكابرة والعناد.

أيها الأب...
قد تكون أبًا بالاسم، لكن الأبوة الحقيقية ليست مجرد لقب يُكتب في سجلّ الوراثة.
هي حضن يدفئ، هي كلمة طيبة تُسكن القلب، هي أمان يُحيط بالروح.
ليس الفشل في أن تتأخر أو تغضب، بل الفشل أن تترك قلبًا صغيرًا ينتظر، ويشعر بالوحدة... ويبحث عنك بلا جدوى.
ابنك أو ابنتك ليست ملكًا، بل هي امتداد لروحك... وحقها أن تشعر بحبك بلا شروط، واهتمامك بلا تردد.
تعلّم أن تكون حاضرًا قبل أن تتعلم أن تكون أبًا بالاسم فقط، فالأوقات الضائعة لا تُستعاد، والفرص تمرّ... ولا تعود.

قال الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾
فالأب الحقيقي من يتقي ربه في أهله، ويكون لهم سندًا وعونًا لا مصدر خوفٍ وألم.
فالأبوة ليست مجرد اسم يُنسب، بل أمان ورحمة وحب صادق لا يُوزَّع حسب المزاج. فمن ترك أولاده ينتظرون حضنه ولم يحفظ قلوبهم، فقد قصّر في الأمانة التي أمر الله بها من التقوى والإحسان..
.
.
.
دلف أدهم إلى الشقة وأغلق الباب خلفه، سار بخطوات ثقيلة قبل أن يستقر على الأريكة متثاقلاً من التعب الذي بدا جليًا على ملامحه. بعد لحظة، خرجت سندس من المطبخ على صوت إغلاق الباب، اقتربت منه بقلق وتساؤل:
"عملت إيه في المقابلة؟"

رمقها بنظرة مليئة بالضيق وتفوه بصوت منخفض:
"هيكون إيه يعني؟ مش اتوافق عليّ... رفضوا."

ابتسمت ابتسامة باهتة محاولةً تخفيف الجو، لكنه أضاف متهكمًا:
"عارفة إيه اللي مضحك؟ أنا تعبت في كلية الطب واتخرجت بامتياز، تخصص أطفال، ومع كده مش لاقي تعيين بسهولة... وأمال اللي معاهم كلية تجارة أو آداب أو تربية يعملوا إيه؟"

حاولت سندس أن تهون عليه:
"معلش... حاول تاني، طبيعي، مش من أول مرة."

تنهد أدهم ببطء، كأن كل هموم الدنيا تثقل كاهله، وقال:
"هي مفيش حاجة من أول مرة بتحصل... والأحلى بعد المعاناة بقي إنها مش بتحصل بردو."

ابتسم لنفسه بسخرية مرة، وهو يتحدث عن حاله وحال كثير من الشباب.

لكن تفوهت سندس، بهدوء وبصوت مليء بالأمل:
"ربنا مش بيضيع تعب حد... صدقني، تعبك هيوصلك لمكانك.ـ

انتابه قليلًا شعور بالراحة في قلبه، وكأن كلماتها كست الحزن الذي تراكم خلال اليوم.

لتتابع بهدوء:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾

أبتسم براحة عند سماعه لهذه الآية

قاطع حديثَهم طرقٌ مفاجئ على الباب، فنهضت سندس لترى مَن الطارق. وما إن فتحته حتى بدت عمّتُهم واقفة على العتبة، تلقى عليها نظرة ضيّقة قبل أن تدلف إلى الداخل بخطوات واثقة. تقدّمت وجلست في مواجهة أدهم، تراقبه بنظراتٍ فاحصة كأنّها تفتّش ملامحه بحثًا عمّا تريد قوله:

- "انت كنت بَرَّه؟"

هزّ رأسه بالإيجاب، لتتابع حديثها بنبرة تحمل مزيجًا من التعالي والتلميح:

- "كويس إنك موجود عشان تسمع الكلمتين اللي جاية أقولهم... وتقول رأيك بدل ما في ناس بتتدلع."

قالت ذلك وهي ترمق سندس نظرةً مباشرة لم تخطئها عين أدهم، ليُدرك أنها تقصد أخته تحديدًا. اعتدل في جلسته، منصتًا لها باهتمامٍ حذِر:

- "كلمتين إيه؟"

ابتسمت ابتسامة واسعة، كأنّها تُلقي عليهم منّة عظيمة:

- "شوف بقى... في واحد قولتله على أختك، ومرحب جدًّا بالموضوع. أرمل... وعنده ولادين وبنت. عنده ستة وأربعين سنة ومرتاح مادّيًا. وأنا لما قولت له على سندس رحّب جدًّا بـ..."

تركها تواصل ثرثرتها تلك، بينما ألقى نظرة خاطفة على أخته. كانت الدموع تتلألأ داخل عينيها، يغمر وجهها حزنٌ وانكسارٌ واضحان. التفتت لتغادر الغرفة، لكن صوت أدهم أوقفها بصرامة:

- "سندس... خليكي. عشان تسمعي الكلام اللي هقوله... وأنا مش هعيده تاني."

توقّفت غير مستوعبة تمامًا ما يحدث، بينما عاد هو يرمق عمّته بنفاد صبرٍ ظاهر:

- "شوفي... سِكن قالتلي على اللي بتعمليه، وعلى العرسان اللي بتجيبيهم لأختي. لو سمحتي... متدخّليش في الموضوع ده. وستة وأربعين إيه اللي هجوزه أختي؟ دا تروحي تجيبي له واحدة تربي له عياله!"

احمرّ وجه عمّته غضبًا، وارتفعت نبرة صوتها:

"عاوز أختك تفضَّل قاعدة جنبكم؟ دي دخلت التلاتين وشوية، وتلاقيها قربت على الأربعين! أنا غلطانة إني شايلة همّها! سيبوها تعنس جنبكم... ومش هتلاقوا حد لما القطر يفوّتها!"

نهض أدهم بغضبٍ مكبوت انفجر دفعةً واحدة:

"آه... غلطانة! وحضرتك ملكيش أي دخل بالموضوع. لما ييجي نصيبها ربنا هيعدّلها. إنما أنا مش هارميها في جوازة فاشلة عشان خاطرك انتي... ولا خاطر الناس... ولا خاطِر المجتمع المريض اللي بيحكم على البني آدم من غير ما يفهم!"
1

ارتفع صوته وهو يتقدّم خطوة للأمام:

"المجتمع اللي لو واحدة اتطلقت يحطّوا الذنب عليها... ولو متجوزتش يقولوا عنست... ولو جوزها بيعاملها كويس يقولوا ممشّياه... ولو بيضربها يقولوا استحملي... ولو خانها يقولوا عادي هيتغيّر!
هو دا المجتمع اللي فالح بس يرمي اللوم من غير ما يشوف الصورة كاملة. حتي انتِ... جيتي تشمتي فينا بسبب صور سِكن، وتجرّحي أختي سندس بكلامك!"

خرج والدهما من الغرفة على صوت أدهم العالي، يسأله بقلق:

"في إيه يا أدهم؟ مالَك؟"

بادرت فاطمة تشكو:

"شوف ابنك بيعلي صوته عليّا!"

لكن أدهم قاطعها برجاء واضح ونبرة حاسمة:

"لو سمحتي... ملكيش دعوة بحدّ فينا. بيتنا مفتوح ليكي... وبنحبّك وبنحترمك عشان إنتي عمتنا. وأخواتي البنات عمرهم ما ردّوا عليكي عشان ميجرحوكيش. بس خلاص... أنا جبت آخري. ملكيش علاقة بسِكن... ولا بسندس."

اقترب من أخته وضمّها إلى صدره بقوة، قائلاً بنبرة ثابتة:

"أنا راضي بقعدة أختي جنبي. قعدة في بيت أبوها... وتحت جناح أخوها. تبقي أنتِ شايلة همّ جوازها ليه أكتر مننا؟"

ارتبكت عمتهم من كلماته، والتقطت حقيبتها على عجل وغادرت. تبعها صوت والده يعاتبه:
1

"ليه كده يا أدهم... زعلت عمتك منك."

التفت إليه أدهم بعينين تشعان صدقًا:

"بس أختي أهمّ عندي من أي حد يا بابا. وبِدام هي مش محترمة مشاعرها... أنا عمري ما هافضل ساكت."

في تلك اللحظة أحسّت سندس أنّ أخاها الذي عرفته قد عاد إليها... عاد بكل قوته وصلابته. صحيح أنها أكبر سنًّا منه، لكنه كان دائمًا السند الذي احتموا به في طفولتهم، والذراع التي تحميهم من كل قسوة.
وماذا كانت تريد أكثر من ذلك؟
سندًا... ودرع يحميهم من القريب قبل الغريب.

عجيبٌ أمرُ هذا المجتمع؛ يضع المرأة في ميزانٍ لا يُقاس فيه عقلُها ولا قلبُها، بل يُحصي سنواتِ عمرها كأنّها دَينٌ واجبُ السداد.
ينظر إليها إن تأخّرت في الزواج كأنّها ناقصة حظ، أو مقصّرة في قدرٍ لم يُكتب لها بعد.
لا يعلمون أنّ الأعمار بيد الله، وأنّ النصيب لا يأتي على عجلٍ ولا يتأخر، بل يأتي حين يشاء الله، وفي الوقت الذي كُتب له، لا حين يضغط الناس.

يا لجهلهم...
يحكمون على امرأةٍ لم تتزوج بعد، ولا يرون ما داخل قلبها من قوة، وما حول عقلها من نور، ولا ما وهبها الله من صبرٍ يوازي الجبال.

ليتهم يفهمون أنّ "العنوسة" ليست في عدم الزواج...
إنما في عقولٍ ضاقت حتى ظنّت أن قيمة المرأة تُقاس بخاتمٍ في إصبعها، لا بما تحمله في ذاتها من شرفٍ وكرامة وتعليم وأخلاق ورضا.

فلتبقَ المرأة أعلى من كلماتهم، وأقوى من أحكامهم، وأقرب إلى الله من قلوبٍ لا تعرف إلا اللوم.
فالنصيب لا يطرقه الناس...
النصيب يطرقه القدر.
.
.
.
داخل شقّة آل نصّار، كانت تجلس في غرفتها تتكئ على الوسادة، تمسك بهاتفها وتتحدث مع إحدى صديقاتها قائلة:
"يا بنتي... بقى مش كفاية كدبت وقلت إني تعبانة؟ كمان عاوزاني أخرج! هقول إيه لماما بقى؟"

جاءها صوت صديقتها بثقة زائفة:
"عادي... قولي ليها إنك حاسّة نفسك أحسن، وإنك رايحة تذاكري معايا. وهي لو كلّمتني هأكّد كلامك. يلا بقى يا نور... خلّينا ننبسط. هخدّك حتت مكان جديد... الشلّة أول مرة تروّحوا."

تنهدت نور قليلًا، لكن كلمات صديقتها سحبت ترددها، فقالت:
"أوكي... باي عشان أغيّر هدومي."

أغلقت الهاتف، ونهضت تستعد، غير شاعرة بأن الخطوة الصغيرة التي تنوي اتخاذها قد تُلقي بها في منحدر لا يُرى من أوله مصيره.

وهنا نقول: إن أصحاب السوء يقودون إلى الهلاك، وما أسوأ تلك الصحبة التي تتزيّن باسم "الصداقة" ولا تحمل من معناها شيئًا. الصداقة الصادقة لا تجرّ القلب إلى طريقٍ محرّم، ولا تدفع صاحبتها إلى الكذب والاختباء والخوف.

كم من يدٍ امتدت إلينا باسم القرب... وما كانت إلا بابًا إلى الضياع.
وكم من ضحكةٍ خدّاعة خبّأت خلفها طريقًا لا عودة منه.
فليس كل من سار معنا يُدعى صديقًا،
ولا كل من أقنعنا بالمرح... أراد لنا النجاة.
بعض الخطوات تُؤخذ بجهل،
لكنها تُكسر القلب بعُمق... حين نكتشف أننا كنّا نسير خلف سراب.
.
.
.

حلَّ الليل داخل بيت الزيني، وقد سُطِّحت فريدة على السرير برفق؛ نعم، فقد أخذوها بعد أن أخبرهم الطبيب بما يجب أن تأكله لتتحسّن، كما ستظلّ تلك المحاليل معلّقة إلى جانب بعض الأدوية الموصوفة لها.

كانت سُكن تقف وتعلّق المحاليل بعناية، بينما كان براء يدثّر فريدة بالغطاء جيّدًا قائلاً بلطف:
"أجبلك حاجة؟"

هزّت رأسها نافية، وفي تلك اللحظة دلفت أميرة وهي تحمل طبق الطعام الذي أوصى به الطبيب، لتجلس بجوار ابنتها وتقول بحنان:
"يلا يا روحي عشان تأكلي."

لكن فريدة هزّت رأسها بنفي متعب:
"لا... لا مش قادرة."

تفوه براء مازحًا وهو يداعبها برفق، محاولًا التخفيف عنها:
"بلاش دلع بقى يا فِري، كُلّي عشان تاخدي أدويتك... وأنا وَعِد، أول ما تخفي هخرجك خروجة حلوة أوي."

ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها المرهق:
"بجد يا خالّو؟"

هزّ رأسه مؤكّدًا:
"أكيد يا عيون خالّو... يلا بقى كُلي."

قال ذلك وهو يساعدها على الجلوس براحة، لتفتح فمها وتأكل من يد والدتها. ثم نظر براء إلى أميرة قائلاً:
"هروح أغيّر هدومي... وهاجي أطّمن عليها قبل ما أنام."

هزّت رأسها له موافقة، وغادر الغرفة. عندها التفتت سُكن نحو أميرة قائلة:
"حمد لله على سلامتها... والحمد لله إنها جِت على قد كده."

ابتسمت أميرة إليها بحنوّ تحمل فيه امتنانًا واضحًا:
"حبيبتي تسلمي... كفاية إنك عروسة وروحتي يوم صباحيتك المستشفى."

ابتسمت سُكن بخفوت:
"ولا يهمّك... المهم إن فريدة بخير."

قالت ذلك وغادرت الغرفة، ثم دلفت إلى غرفتها كي تبدّل ملابسها. فتحت الدرفة لتأخذ ثيابًا لها، وفجأة وقعت زجاجة صغيرة من الدولاب. انخفضت تلتقطها باستغراب، لتقرأ ما عليها... وفي لحظة اتسعت عيناها بعدم تصديق:

"صودا كاوية"

تجمّدت مكانها، وجحظت عيناها من الصدمة، وفي اللحظة ذاتها انفتح الباب ودلف براء.
.
.
.
1

كم هو قاسٍ أن يُلقى الظلّ فوق قلبٍ لم يعرف يومًا سوى النقاء.
أن تُرمى التهمة في حضن البريء، فينهار صوته.
لم تكن هي من آذت فريدة، لكنها وجدت نفسها في مرمى أصابع لا تفرّق بين الحقيقة والريبة، وفي وجه نظرات تنقبت في روحها تبحث عن ذنبٍ لم ترتكبه.

لكن أيُّ صبرٍ يحتمل أن يُوضع اسمها قرب أذى طفلة كانت تدعو لها بالشفاء؟

لكن الله الذي يرى الخفايا... لا يترك براءة تُكسر دون أن يمسسها نوره في النهاية.
.
.
.

انتظروا البارت الجاي
هنتظر رأيكم في كومنت حلو زيكم

ظل البراء
أية أحمد عرفة



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات