📁 آخر الروايات

رواية ست قوارير الفصل التاسع 9 بقلم امينة محمد

رواية ست قوارير الفصل التاسع 9 بقلم امينة محمد


الفصل التاسع من
|ست قوارير|
"بدأ الاشتباك"
أغلق تميم باب غرفته، وكان لا يزال يستشعر تعب اليوم الطويل، لم يكد يضع هاتفه على الطاولة حتى تذكر سجى فأتى برقمها وقام بالإتصال بها فورًا، ظل منتظرًا ومستمعًا لصوت الجرس وحينما أتاه صوتها أجاب
"ألو.. وصلتي يا سجى؟"
سمع صوتها يأتيه عبر السماعة وكان واهنًا يحمل بقايا التعب ومسافات الطريق، تنهد تميم وهو يفك أزرار قميصه ببطء، بحركة آلية خالية من أي تركيز.
"كويس، حمد الله على سلامتك، إن شاء الله حوار السفر ده مش هيبقى علطول.. إحنا بنجهز شقق تابعة للشركة هناك، الكل هيقعد فيها طول فترة الشغل"
صمتت سجى لثوانٍ، كان صمتهايحمل التفكير قبل أن تتحدث مجددًا:
"بجد؟ أنا مكنتش أعرف الحكاية دي، هو بصراحة المشوار طويل ومتعب أوي.. بس مش عارفة بابا هيوافق إزاي!"
توقف تميم عن فك أزرار قميصه وظلت يده عالقة عند الزر الثالث ثم قطب حاجبيه بحدة ظهرت في نبرة صوته التي حاولت جاهدة أن تظل عادية:
"وليه ميوافقش؟ ده شغل.. وبعدين أختك معاكِ، يعني مش لوحدك"
وصلته ضحكة خفيفة من الجهة الأخرى، لم تصل لمستوى الفرح بل كانت مغلفة بمرارة يعرفها تميم جيدًا:
"عشان بابا بيخاف علينا من الهوا الطاير.. حرفيًا بس هحاول معاه، وأكيد عشان شغل مش هيرفض، كدا كدا لسه 9 أيام على ما الشغل الحقيقي يبدأ"
بيخاف علينا
ترددت الجملة في عقل تميم بصوتٍ مزعج، لم يستطع منع نفسه من مقارنة هذا الخوف بـ "القسوة" التي اعتادها في بيته، والده لم يخف عليه يومًا بل كان يراقبه لينتظر منه خطأً يُبرر له عقابًا جديدًا، لذلك ضغط تميم على فكه بقوة، وشعر ببرودة تسري في أطرافه رغم حرارة الجو.
"سجى.."
نطق اسمها بصوتٍ منخفض يختبر وقعه على مسامعه وتذوقه من فمه
"نعم يا تميم؟"
"لو والدك رفض.. قوليلي"
_"هتقدر تعمل حاجة؟"
سألته بنبرة فيها خليط من الأمل والشك معًا
أمسك تميم طرف القميص وشده بقوة
"هتصرف، المهم إنك تكوني موجودة لأن المشروع ده.. مش هيكمل غير بيكِ"
ساد صمتٌ طويل هذه المرة، كان محملاً بكل ما لم يجرؤ أحدهما على قوله، كان تميم يسمع صوت أنفاسها المنتظمة وهي تسمع اضطراب أنفاسه التي يحاول كتمها.
"تميم؟"
همست سجى
_"معاكِ"
"أنت ليه مهتم كدة؟"
تحجرت الكلمات في حلق تميم، فهو لم يكن يملك إجابة، أو ربما كان يملك واحدة يخشى أن يعترف بها حتى لنفسه، نظر إلى انعكاس صورته في مرآة الغرفة؛ بدا غريبًأ عن نفسه، مجهدًأ، وعيناه تحملان لمعةً لم يعهدها.
"عشان أنتِ الوحيدة اللي مصدقة إني أقدر أعمل حاجة.. من غير ما تكوني مجبورة"
قالها بصوتٍ جاف وألقي بحقيقة ثقيلة بينهما الآن معترفًا بما في خاطره
"تصبح على خير يا تميم"
قالتها سجى بسرعة وكأنها تهرب من اعترافه أو بالفعل هي تتهرب الآن
"وأنتِ من أهله"
أغلق الخط، وظل واقفًا في مكانه، يشعر بالضيق الشديد، كانت الغرفة التي كانت تبدو واسعة وأصبحت فجأة ضيقة عليه
تخيل والدها وكيف يغلف بناته بذلك النوع من الحماية الذي يشبه الحبس شعر برغبة في كسر هذا السور، لكن ذلك لم يكن من أجل سجى فقط بل انتقامًا من كل القيود التي كبلت روحه هو الآخر.
لم يكمل خلع قميصه بل ألقى بنفسه على السرير بكامل ملابسه، ونظر إلى السقف بجمود
كانت هناك تسعة أيام تفصله عن البداية، لكنه كان يشعر أن المعركة قد بدأت بالفعل داخل صدره، وأن "سجى" لم تعد مجرد شريكة في مشروع، إنما أصبحت هي المشروع الذي قد يخسر بسببه كل شيء.. أو يربح به نفسه.
_____________________
جلست سجى على طرف سريرها، كانت أصابعها تعبث بطرف غطاء الفراش في حركة عصبية لا تتوقف وكانت الغرفة هادئة، لكن هدوءها كان يضج بأسئلة تسبيح التي لم تُنطق بعد وتبدأ معها التحقيق اليومي، دخلت تسبيح الغرفة وكانت نظرتها قوية، ليست لائمة بقدر ما هي باحثة عن شيء ضاع وسط الزحام أو ربما تلك الروح التي بداخلها مملوءة بالأمومة لأجل إخوتها وما تشعر به من مسؤولية تجاههن
"والله يا تسبيح ماكنت أعرف إنه الموضوع هيكمل.. الموضوع جه فجأة"
قالت سجى تسبق أسئلة تسبيح لها وصوتها يرتجف قليلاً
تنفست تسبيح بعمق وجلست بجانبها، وظلّت تنظر إلى يديها المتربتين من أثر الموقع:
"وأنا كمان اتفاجئت.. لأن الباشمهندس ماجد هو اللي اقترح عليا نخلص الشغل ده سوا ومكنتش أعرف إنه كبير كدا وفيه العدد ده كله"
رفعت سجى رأسها وعيناها تلمعان ببريق قلق قائلة:
"بس أنتِ معترضتيش؟ لأول مرة سكتي يا تسبيح.. كنت خايفة ترفضي قدامهم وتصغريني"
سكتت تسبيح لبرهة وكانت تفكر في ملامح ماجد، وفي برود فيصل، وفي الخوف الذي شعرت به حين رأت أختها وسط تلك الذئاب.
"هعترض بصفتي إيه؟ الشغل انفرض علينا إحنا الاتنين وبعدين.. لو رفضت قدامهم ولا أتكلمت شكلنا كان هيكون
إيه يعني، بس هو أنت للدرجة دي كنتِ قلقانة مني يا سجى؟"
دنت سجى منها ولمست كتفها بتردد:
"ها.... لا أبدًا وامم تميم بيقول إن فيه سكن تبع الشركة هناك.. شقق لينا لأن المشوار كل يوم هيهدنا"
هنا تصلب ظهر تسبيح لأن فكرة السكن بعيدًا عن البيت كانت كحجر أُلقي في ماءٍ راكد.
ثم نبست بتيه:
"سكن؟ أنتِ عارفة بابا.. بابا ممكن يوقف الدنيا كلها ولا إننا نبيت ليلة بره البيت"
كان الخوف ينمو تحت جلدهما كاللبلاب.
انفتح الباب ببطء وظهر يوسف الذي كان وجهه يحمل تجاعيد سنوات من العمل والخوف المفرط على "بناته"، دخل الغرفة وجلس على مقعد ينظر إليهما بصمت يزن الجبال.
"أتأخرتوا النهاردة برا أوي وكنتوا سوا وحد جايبكم بالعربية عايز أفهم كل حاجة"
نظرت سجى نحو تسبيح تستنجد بصمتها، ابتلعت تسبيح ريقها وقالت بصوت حاولت أن تجعله متزنًا:
"بابا.. إحنا جالنا شغل في نفس المكان وكنا النهاردة سوا هناك بنشوف العقود، الباشمهندس اللي بشتغل معاه قالي إنه هيكون محتاجني معاه كمان في المشروع ده، وسجى كمان جالها شغل تظيم المكان وحفلات له في كل زيارة وحفلة تنظيم كبيرة وقت الافتاح والموضوع محتاج دراسة كويسة مننا ونتواجد هناك، هي بس المشكلة إن المكان بعيد شوية، المشروع في الساحل بعيد أوي الطريق بياخد أربع ساعات وده تعب علينا.. وسجى كمان شغلها هناك محتاج وجودها طول الوقت"
ضيق يوسف عينيه و قبض بيده على مسند الكرسي:
"يعني إيه؟"
تابعت سجى بسرعة والكلمات تخرج منها متلاحقة:
"يعني فيه شقق هناك تبع الشركة، متأمنة جدًا.. وأنا وتسبيح هنكون في شقة واحدة، مش هنسيب بعض لحظة، ده عشان الشغل يا بابا، وعشان منضيعش يومنا في الطريق"
ساد صمتٌ خانق وكان صوت أنفاس يوسف مسموعًا وكأنه يحاول استيعاب فكرة أن "عصافيره" تريد الطيران بعيدًا عن القفص، حتى لو كان القفص يؤلم أجنحتها، نظر إلى تسبيح كان يثق في عقلها لكنه لا يثق في العالم.
_"هتباتوا بره؟ في وسط غريب؟"
قالها بنبرة مكسورة خالية من القسوة بل ممتلئة بالرعب.
أجابته تسبيح هذه المرة وهي تشعر بوجع في قلبها لرؤية هذا الرعب في عيني والدها
"إحنا مع بعض يا بابا.. ومفيش حد هيقدر يقرب لنا"
الحب قيد، والحماية أحيانًأ تخنق.
قام يوسف ببطء ولم ينظر إليهما، بل اتجه نحو النافذة، يراقب الشارع المظلم بالخارج وكانت يده ترتجف قليلاً وهو يلمس الستارة: "هفكر.. سيبوني دلوقتي"
خرج من الغرفة بخطىً وئيدة تارك،ا خلفه توترًأ لا يوصف، ارتمت سجى على صدر أختها، تستنشق الهواء بتنهيدة بعد هذا التعب الثقيل، بينما ظلت تسبيح تمسح على ظهرها وعيناها معلقتان بالباب.
كانت تشعر أن هذه الخطوة لو تمت، لن تكون مجرد سفر للعمل بل ستكون البداية لنهاية العالم الذي عرفوه.
نظرت تسبيح إلى هاتفها الذي أضاء برسالة عمل ثم أطفأته.
تذكرت "رائد" ونظرته لسجى، و"تميم" واندفاعه، وتلك المهبولة التي تدعى "نورهان" التي كانت نظراتها نارية غريبة وذلك "فيصل" الذي ظل يراقبهم بنظراتهالخبيثة ويلقي بكلماته بمكر الثعلب وأيضًأ "ماجد" الذي بالنسبة لها سيكون تحته ألف سؤال وهو يشبهها وشعرت أن الساحل سيكون بل سيكون اختبارًا لكل القيم التي زرعها يوسف فيهما.
"تفتكري هيوافق؟"
همست سجى
"بابا بيحبنا يا سجى.. والنوع ده من الحب ساعات بيضطر يستسلم عشان ميخسرناش"
وحين سينطق بالموافقة سيكون ذلك بداية تلاقي المتشابهين والمتشابهات
في الفكر والقيم، في القلوب وما خفت، في النفوس وما تخبئ، في الأرواح وما عاشت
وحتى في جمع المحبين سويًا.
________
مرت الأيام التسعة وكأنها دهر مشحونة بتجهيزات قلقة وحقائب تُفتح وتُغلق حتى جاء صباح الرحيل
كان يوسف قد وافق بقلبٍ مثقل لم يقلها صراحة وقتها إنما اكتفى بوضع يده على كتف تسبيح وهو يهمس:
"أختك في رقبتك يا تسبيح.. وخلوا بالكم من بعض كويس".
وصلت السيارات إلى موقع العمل في الساحل مع أول خيوط الفجر، المكان الذي كان بالأمس مجرد رمال وحديد، سيصبح اليوم خلية نحل بدأت "الكرفانات" والمكاتب المتنقلة تستقبل أصحابها، وبدأ الهواء يتشبع برائحة القهوة المرة الممتزجة بملوحة البحر.
وقفت تسبيح أمام المكتب الخشبي المخصص لها، كانت ترتدي سترة العمل "السيفتي" فوق ملابسها الرسمية وضعت خوذتها على الطاولة بقوة، ونظرت عبر النافذة الزجاجية لترى سجى وهي تتحرك بخفة بين العمال، تنسق مع فريقها أماكن وضع المنصات الترحيبية تتابعها بنظراتها حتى وصلت لها للمكتب
دخلت سجى المكتب وكانت ملامحها تشع حيوية لم تعهدها تسبيح من قبل.
"المكان هنا طاقته تانية خالص يا تسبيح.. حاسة إني بدأت أتنفس بجد"
لم تلتفت تسبيح إنما ظلت عيناها على لودر عملاق يتحرك في البعيد
"التنفس هنا له تمنه... ركزي في شغلك، وخليكِ قريبة من المكتب، مش عايزة حركة كتير وسط العمال من غير لازمة"
ابتسامة سجى خفتت قليلاً:
"أنا منظمة الحفلة والافتتاح يا تسبيح، يعني شغلي كله حركة.. وبعدين تميم قايل للكل إن.."
قاطعتها تسبيح وهي تلتفت إليها بحدة وفكها مشدود:
"تميم ده مدير إداري، مش ولي أمرك وأنا هنااختك المسؤولة عنك، يعني كلمتي هي اللي تمشي لو حصل تداخل مفهوم؟"
سجى بلعت ريقها وأومات برأسها بصمت، كانت تشعر بـ "ثقل" حماية أختها الذي بدأ يتحول هنا إلى قيود حديدية.
في جهة أخرى من الموقع، كان ماجد يقف أمام أول شاحنة توريدات، كان يمسك بقطعة من حديد التسليح، يتحسس ملمسها بيده الخشنة، وعيناه تضيقان بريبة.
_"الخامة دي مش هي اللي اتفقنا عليها يا حاج فرج.. الحديد ده مُعاد تصنيعه ونسب الكربون فيه عالية"
جاء صوت كعبٍ عالٍ يطرق على الأرض الخرسانية بقوة، ليعلن وصول نورهان التي كانت ترتدي نظارة شمسية ضخمة تخفي عينيها، ووشاحًأ حريرًا يتطاير خلفها.
_"الحديد ده من أفضل المصانع يا باشمهندس ماجد.. بلاش تشكيك في ذمة الموردين من أول يوم"
التفت ماجد إليها وكان يقف بثباتٍ يشبه الأعمدة التي يبنيها:
"لما يتكوني أنتِ عندك ذمة الأول.. هنا فيه مواصفات فنية فالحديد ده يرجع، والعهدة مش هتتمضي وهو كدا مش عاوزين خراب من الأول"
اقتربت نورهان منه حتى أصبحت المسافة بينهما قليلة، تلك الخبيثة تتعمد الإقتراب منه لترى تأثيرها عليه حتى الآن ثم خفضت نظارتها قليلاً، وظهرت في عينيها نظرة لؤم قديمة:
"أنت لسه زي ما أنت.. ناشف وقاسي، بس خلي بالك فيصل السعدون مبيحبش اللي يعطل المركب عشان تفاهات فنية،عديها يا ماجد.. الدنيا بقت محتاجة مرونة"
"النشفان والقسوة كان سببهم واحدة خاينة غدرت بقلبي اللي حبها للأسف"
قبض ماجد على قطعة الحديد حتى ابيضت مفاصل يده مكملًا:
"والمرونة اللي بتكسر الضهر مسمهاش مرونة.. اسمها خيانة، والحديد ده هيرجع، والكلمة دي هي الأخيرة ده شغلي ومش هشتغل بالشكل ده حتى لو فيصل نفسه وافق يجيب مهندس تاني غيري"
تركها ومشى
تاركاً إياها تشتعل غيظًا خلفه، وهي تدرك أن ماجد فوزان هو العقبة الوحيدة التي لم تستطع كسرها بالمال سابقًا.. ولا بالماضي حاليًا
وصل رائد العزمي بسيارته الفاخرة، ترجل منها بهدوئه المعتاد وألقى بنظره على المكان حتى لمح سجى وهي تقف بجانب إحدى المعدات، فاتجه نحوها مباشرة...
_"صباح النشاط يا آنسة سجى.. الموقع منور بصاحبة الذوق كله"
ارتبكت سجى وحاولت ترتيب خصلات شعرها التي بعثرها الهواء
"أهلاً يا أستاذ رائد.. متشكرة"
_" اه صحيح كنت عايزك في جولة سريعة، نتخيل سوا شكل الإضاءة على الممشى ده بالليل محتاج لمستك"
كان تميم يراقب المشهد من بعيد، كان يمسك بجهاز اللاسلكي ويضغط عليه بقوة كاد يحطمه، رؤية رائد وهو يتحدث مع سجى بهذا القرب جعلت الدماء تغلي في عروقه، تحرك نحوهم بخطوات سريعة وصوته يسبقه:
- "سجى! محتاجك في المكتب حالاً.. فيه أوراق ناقصة في تصور المنصة"
نظر رائد لتميم ببرود وابتسم ابتسامة خفيفة مستفزة:
"أظن الشغل يقدر يستنى خمس دقايق يا تميم.. إحنا بنرسم تصور عام"
_"والتصور ده ملوش قيمة لو الورق مش جاهز يا رائد بيه"
رد تميم بحدة، ثم نظر لسجى بلهجة آمرة:
"يلا يا سجى."
مشت سجى خلف تميم وهي تشعر بالاختناق؛ رائد يعاملها كلوحة، وتميم يعاملها كـ ملكية خاصة
وفي الخلفية كان فيصل يراقب كل شيء من نافذة مكتبه العلوي، يرتشف قهوته ببرود، وعلى وجهه تلك الابتسامة الرمادية التي تقول إن كل شيء يسير وفق خطته الشيطانية.
كانت الأرض قد بدأت تهتز تحت أقدامهم جميعًأ وما خفي كان أعظم.
____________
توجها سويًا نحو المكتب وكانت تنظر للأوراق على المكتب تنتظر منه أن يأتي بما قاله لها ولكنها لمحته يتجه لها ويقترب أمامها مباشرةً، رافعًا إحدى حاجبيه يردف بنبرة خفيفة لكنها قاسية:
"هو عايز إيه الراجل الفاضي ده منك، حاولي متقفيش معاه كتير شكله مش تمام بتصرفاته دي"
رفعت سجى رأسها، ونظرت إليه بعينين اتسعتا من فرط الدهشة الممزوجة بالضيق، تركت الأوراق من يدها وسكنت حركتها تمامًا بينما ظل هو واقفاً بصلابة، يوزع نظراته بينها وبين عينيها تحديدًا
- "إيه الأسلوب ده يا تميم؟ أنت بجد جايبني هنا عشان تقولي الكلمتين دول؟"
قالتها بنبرة منخفضة لكنها حادة، محاولةً كتم انفعالها الذي بدأ يظهر في ارتعاشة يدها.
لم يتراجع تميم بل زاد من حدة نظرته وهو يشبك ذراعيه أمام صدره:
"أنا بقول اللي شايفه.. رائد العزمي مش جايلشغل شكله، الراجل ده طريقته مش مريحة، ووقفتك معاه بالشكل ده بتفتح أبواب إحنا في غنى عنها"
زفرت سجى بضيق، وخطت خطوة للأمام لتواجهه بجرأة عهدها فيها في أول لقائتهما:
"أبواب إيه؟ إحنا في موقع شغل يا تميم، مش في خناقة في حارة! الأستاذ رائد هو ممول المشروع، يعني وجوده وكلامه معايا في تفاصيل الافتتاح ده صلب شغلي، اقتحامك للمكان بالشكل ده، وطريقتك في الكلام قدامه، هي اللي مش تمام ومحرج ليا قبل ما تكون محرج ليه"
كانت أنفاسها متلاحقة، وشعرت أن الهواء في المكتب الصغير أصبح ثقيلاً.
_"محرج ليكِ؟"
رد تميم بسخرية مريرة، وهو يميل برأسه قليلاً:
"أنا خايف عليكِ وعلى شكلك في الموقع مش أكتر، لازم تعرفي إن العين عليكِ هنا، وأنا مش هسمح لحد إنه يستغل طيبتك أو يحاول يتخطى حدوده معاكِ"
سجى هزت رأسها بيأس، وشعرت بغصة في حلقها ثم قالت:
"أنت مش خايف عليا يا تميم.. أنت بتحاول تفرض سيطرة وبس، الحماية مش معناها إنك تكسر هيبتي قدام الناس اللي بشتغل معاهم، دي مش ساحة حرب ده مستقبل وتعب، ولو فضلت تتعامل بالمنطق ده، فأنا اللي مش هعرف أكمل.. مش عشان بابا ولا عشان تسبيح، عشانك أنت لأني مش عيلة صغيرة هتمشيها بكلمتين وتقولها تقف مع مين ومتقفش مع مين"
هي بطبيعة حالها سطحية الطباع، لا ترى بالآخرين الإ الظواهر لهم ولا تضع حذر لهم ابدًا.
ساد صمتٌ مفاجئ، صمتٌ يشبه سكون ما قبل العاصفة.
نظر إليها تميم لثوانٍ، تحجرت فيها ملامحه وكانت كلماتها كالماء البارد الذي سُكب على نيران غضبه، لكنه لم يطفئها بل ترك خلفها دخانًا من الحيرة، وأحس بضيق في صدره؛ فهو لا يعرف كيف يشرح لها أن رؤيتها مع رجل آخر تثير فيه وحشًا لا يعرف كيف يروضه، وحشًا لا علاقة له بـ "قواعد العمل" التي يتحجج بها
_"يعني شايفة إني غلطان؟"
سأل بصوت خافت والآن هو فقد الكثير من عدائيته.
_"غلطان جدًا يا تميم"
ردت وهي تسحب نفسها وتتجه نحو الباب
"الشغل محتاج احترافية مش اندفاع خالص زي ما بتتعامل، والمرة الجاية لو عندك ملاحظة ياريت تتقال في وقتها وبالطريقة اللي تليق بيا وبمكاني هنا"
فتحت الباب وخرجت تاركة إياه واقفًأ في منتصف المكتب، يراقب أثرها بضياع، أحس ببرودة مفاجئة رغم حرارة الجو هنا، وشعر لأول مرة أن امتلاكه للأمور بدأ يفلت من بين أصابعه، وأن سجى التي ظنها عصفورًأ رقيقًا يحتاج حمايته، تملك أجنحة قد تحلق بها بعيدًأ جدًأ عن سمائه الرمادية.
لم يكن الندم قد عرف طريقه إليه بعد، لكنه كان يشعر بثقلٍ غريب في قلبه..
ثقل يشبه الهزيمة.
_______________
في المكتب العلوي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المكيف الهادئ، كان فيصل يجلس خلف مكتبه يقلب أوراق تقرير "الحديد" الذي رفضه ماجد، وكانت تسبيح تقف أمامه بعدما استدعائها ليرى إن كان تفكيرها يوافق تفكير رب عملها او لنقل شريكها، تشعر بأن برودة الغرفة تخترق عظامها، لكنها ظلت محتفظة بوقفتها المتزنة.
"ماجد رافض يستلم الشحنة.. والعمال واقفين، وإحنا معندناش وقت نغير مصنع الحديد"
قال فيصل دون أن يرفع عينه عن الورق.
ردت تسبيح بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
"أنا معرفش الباشمهندس رفض ليه بس أكيد عنده سبب مقنع وإلا مش هيأخر الشغل ولو فيه حاجة غلط فالاستلام معناه إننا بنبني مشروع قايم على غش"
رفع فيصل رأسه ببطء، ونظر إليها بنظرة فاحصة وكأنه يتفحص تركيبتها النفسية:
"الغش كلمة كبيرة أوي.. أنا بسميها تسيير أعمال، قوليلي يا تسبيح لو مضيتي أنتِ على الاستلام، وطلبتي من ماجد يكمل.. تفتكري هيسمع كلامك؟"
ابتلعت تسبيح ريقها وأحست بالفخ؛ لا يريد مجرد استلام، بل يريد كسر كلمة ماجد عن طريقها، أو ربما اختبار مدى ولائها للمبادئ مقابل التحدي أو علوها على رئيسها:
"إحنا بنشتغل بصوت الضمير المهني.. لو مضيت هكون بخونه وبخون نفسي قبل ما أخون المشروع"
ابتسم فيصل ابتسامة باهتة، مالت إلى الخبث:
"الخيانة وجهة نظر.. والضمير رفاهية بالنسبة لشغلنا اللي احيانًا بنضطر نتخلى عنه، عمومًا اطلعي يابشمهندسة بس خليكِ فاكرة إن اللي بيقف قدام القطر، القطر مبيقفلوش.. هو اللي بيدوس"
خرجت تسبيح وهي تشعر بثقل جبل على صدرها، بينما ظل فيصل يراقب أثر كلماته على ظهرها المنسحب، مدركًا أنها أصبحت "نقطة ضعف" أو "قوة" لا يمكن تجاهلها في حساباته القادمة.
__________________
بعد ساعة توجهت تسبيح ناحية المكان الذي يقف فيه ماجد يراقب أوضاع بداية المشروع والعمال يتحركون أمام ناظريه هنا وهناك يرتبون كل شيء لمحها تقترب بينما هو لم يلتفت بجسده كاملاً، بل اكتفى بنظرة خاطفة قبل أن يعود بصره للميدان، وقال بنبرة ترحيب هادئة غلفها ضجيج الآلات:
"أهلاً وسهلاً.. جاهزة للشغل هنا؟"
هزت رأسها فقط، ونظرت أمامها بشرودٍ غريب، وكأن عقلها لا يزال محبوس في ذلك المكتب الزجاجي العلوي، لاحظ ماجد صمتها، فعدّل من وضع خوذته والتفت إليها بملامح بدأت تفقد صرامتها المعتادة:
"ساكتة ليه؟ فيه حاجة حصلت؟"
تنفست تسبيح بعمق وكأنها تزيح صخرة عن صدرها تفسر ما تشعر به:
"مستر فيصل ناداني من شوية.. وقالي عن حوار إنك مش راضي توقع على استلام عهدة الحديد، وبيقولي أوقع أنا وأقنعك"
توقف ماجد عن الحركة تمامًا برزت عروق يده وهو يقبض على لفة من الأوراق كان يحملها، نظر لها بتوجس وعيناه تفتشان في ملامحها عن إجابة لم ينتظر سماعها: "وقولتي له إيه؟"
نظرت إليه تسبيح مباشرة، ولم تسمح لعينيها بالهرب هذه المرة:
"رفضت.. قولتله هكون بخون نفسي، وبخونك، وبخون مشروعنا، وبصراحة أسلوبه موتر أوي، مش فاهمة هو عاوز إيه بالظبط؟"
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه إلا صوت الرياح التي بدأت تشتد، اقترب ماجد خطوة فكانت المسافة بينهما تسمح لها برؤية ذرات الغبار العالقة على رموشه، خفض صوته حتى أصبح بالكاد مسموعًا وسط ضجيج الموقع:
"عايز يكسرني بيكِ يا تسبيح.. فيصل مبيعرفش يواجه حد لوشه، ده مكار بجد هو بيحب يضربك في أكتر حاجة أنت مآمن ليها، ودخولك المكتب عنده لوحدك كان أول اختبار ليكي وليا، عشان يشوف هيعمل إيه فينا كلنا ويخلينا كلنا نرجعله وكأننا دايرة حواليه هو بس.. سمعت عنه كتير بصراحة بس أول مرة اتحط في شغل معاه واشوف قذارته كدا"
شحب وجه تسبيح، وشعرت ببرودة مفاجئة تسأله:
"يعني أنا بقيت نقطة ضعفك عنده؟"
أشاح ماجد بنظره عنها، ونظر إلى هيكل الحديد الضخم الذي يرفض استلامه ثم قال بمرارة:
"أنتِ بقيتِ الطرف الوحيد اللي بيخوفني من الخسارة هنا، فيصل مش عايز حديد ولا توقيع ولا زفت، عايز يشوف طاعتنا له، وعارف إن طاعتك أنتِ هي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليني أغمض عيني عن أي غش"
وضع ماجد يده على حافة سورٍ حديدي، مالت نبرته للقسوة وهو يكمل:
"الحديد ده لو دخل الموقع ومضيتي عليه، المشروع ده هيفضل واقف على كدبة.. والكدب بيبلع أصحابه قبل ما يبني مشاريعهم وانا مبشتغلش على كدب"
سكتت تسبيح وكانت تشعر بثقل كلمات ماجد، لم يكن الأمر مجرد حديد وأسمنت، كانت حرب إرادات، فجأة لمحا نورهان تقف على مقربة منهما، تراقب الحوار بابتسامةٍ باردة، وهاتفها في يدها وكأنها توثق شيئًا ما ربما
_"خليكي قريبة مني يا تسبيح طول الوقت"
قال ماجد وهو يلمس طرف كم سترة العمل الخاصة بها بحركة خاطفة يجذبها جواره ولاحظتها نورهان جيدًا لكنها لم تسمع الباقي:
"اللي جاي مش شغل.. اللي جاي حرب تكسير عضم وفيصل لسه مبدأش لعب معانا شكله"
نظرت تسبيح نحو المكتب الزجاجي، رأت ظلاً يتحرك خلف الستائر؛ كان فيصل يراقب وقفتهما من بعيد هذا ما تخيلته، شعرت فجأة أن الموقع كله تحول إلى قفص كبير، وأن الرمال التي تحت أقدامها لم تعد ثابتة.
التفت ماجد إليها قبل أن ينصرف، وقال بلهجة لم تسمعها منه من قبل لهجة حملت تحذيرًا أخيرًا:
"أنا يومي يعتبر خلص هنا، وجهزي نفسك لأن بكرة الصبح الحديد ده يا إما يرجع لنورهان، يا إما إحنا اللي هنرجع بيوتنا.. ومظنش إن فيصل ناوي يسيبنا نمشي بسلام"
تركها واقفة وسط الرياح
ونظرات نورهان تلاحقها كأشواكٍ مسمومة.
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات