رواية ست قوارير الفصل العاشر 10 بقلم امينة محمد
الفصل العاشر
|ست قوارير| °°°° |ساحة حرب|
نحن لا نُبنى من عظام ولحم فقط
بل من تلك الكلمات التي ابتلعناها غصةً، ومن الصمت الذي اخترناه سلاحًا حينما كانت الكلمات الخارجة من أفواههنا عاجزة عن حمايتنا.
وإن كان للضعف مسمى؛ فهو الضعف في أن ندّعي القوة ونحن نرتجف من الداخل
نحن نقسو.. لنخفي رغبتنا العارمة في البكاء.
نبتعد.. ونحن نتمنى لو أن أحدًا يمسك يدنا ويمنعنا من الرحيل.
نصمت.. لأن ما بداخلنا أكبر من أن تحتويه جملة مفيدة.
أصعب ما يواجه المرء هي تلك النسخة القديمة من نفسه؛ النسخة التي كُسرت يومًا، وما زالت تحاول أن تطل برأسها في كل لحظة نجاح.
الإنسان عبارة عن ترميم مستمر لشقوق النفس؛ نداوي جرحًا بكلمة عابرة، ونسدُّ فجوةً في الروح بعملٍ شاق، لكننا نظل دائمًا.. غير مكتملين.
فإن حقيقة الإنسان لا تكمن في الكلام المنمق أو الوعود المقطوعة إنما تكمن في رعشة اليد التي نحاول إخفاءها خلف مظهر حازم، والنظرة الشاردة التي تلاحق طيفًا غادر المكان منذ سنين، القرار الذي نتخذه بقلبٍ بارد، بينما غليان الندم يأكل صدورنا.
في النهاية نحن مجرد محاولات للبقاء؛ نحاول أن نكون صالحين، أقوياء، وناجحين، لكننا في الحقيقة لسنا سوى بشر، أقصى أمانيهم أن يجدوا مكانًا آمنًا يضعون فيه أثقالهم.. دون أن يُحكم عليهم بالضعف.
كان الصباح يتسلل بخجل عبر الأفق، حيث كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين الغيوم، لتضيء العالم بلون دافئ، رائحة البحر كانت تعطر الأجواء تحمل معها نسمات منعشة تلامس الوجوه برفق، في هذا الوقت من الصباح الباكر حيث تداخل الخيط الأبيض بالأسود كانت الحياة تبدأ من جديد، حيث كل شيء يتجدد مع كل شروق شمس.. ويتنفس الجميع من جديد مع بدايات جديدة في خيالهم يودون تحقيقها
كان ماجد يقف على حافة الشاطئ، شعر بتلك النسمات تداعب شعره، بينما كانت عينيه تتأمل الأفق البعيد، وكان يرتدي سترته الثقيلة، ويداه مدفونتان في جيوبه، لكنه لم يشعر بالبرد بل كان يشعر بدفء غريب يملأ قلبه مع هذا الصباح الجميل، كان دومًا مُحِب للحظات الصباح هذه دومًا، تجعله تلقائيًا يشعر بانتعاش لا يقاوم
في تلك اللحظة كانت أفكاره تتجول بين الماضي والحاضر، تتصارع بين الذكريات الجميلة والأحلام التي لم تتحقق بعد، كان ينظر لأطنان من المعدن التي أمامه يرى فيها تفاصيل اكثر لحياته، كان يرى فيها تفاصيلًا لطموحاته وآماله، تشبهه ربما؟
غير مرغوب بها؟
أم أنها مرغوب بها ولكن قلة الاهتمام جعلتها بهذا الشكل؟
ها هو مستعد لمواجهة الحياة وكوارثها... بعد كل تلك الاضطرابات التي واجهها ويحتفظ بها بينه وبين نفسه!
اقتربت تسبيح منه بخطوات هادئة، لكن في أعماقها كان هناك اضطراب لا يمكنها إخفاؤه، عندما توقفت بجانبه نظرت إلى ما كان يراقبه، تاركةً لبرودة الصباح أن تمتص بعضًا من توترها.
— "جهزت التقرير يا ماجد؟"
سألت بصوتٍ خفيض غلفه بخار أنفاسها في الهواء البارد.
أخرج ماجد يده من جيبه وأشار إلى الشحنة بمرارة:
"جاهز ومكتوب فيه كل طلب وتفصيلة عايزها تكون موجودة في حديد كويس مش زي اللي جابوه مليان صدأ، الحديد ده لو نزل الموقع المشروع كله هيبقى في سمعتي.. ونورهان عارفة ده كويس"
التفتت تسبيح إليه وهي تتابع ملامحه في ضوء الصباح تبدو كأنها منحوتة من صخر، قاسية وثابتة، تحمل آثار التعب، شعرت بشيء يتحرك في صدرها، مزيج من الامتنان والخوف... هي التي اعتادت دائمًا على أخذ زمام المبادرة، وجدت نفسها الآن تحتمي بصلابة هذا الرجل، ولم يكن ذلك ضعفًا منها، بل كانت تدرك أن الحرب هنا لا تحتاج إلى أسلوب مهني أو كما يقال عنهم عظماء المهنة -مهندسين- أو حتى شخصًا عاديًا فحسب بل إلى مقاتل لا يرتجف قلبه أمام التحديات.
_"فيصل مش هيسكت عمومًا يا ماجد.. أعتقد إنه لو كان عايز يقبل كلامنا من الأول كان عمل كدا ولكن حسب ما فهمت من اللي عرفته عنه وسمعته عن شخصيته إنه بيعند لما الحاجة متجيش على مزاجه.. ولا أنت إيه رأيك؟"
ابتسم ماجد ابتسامة جافة ونظر في عينيها مباشرة:
"وهو ده المطلوب لأن فيصل لازم يعرف إن فيه خط أحمر، والخط ده هو اللي بيحمينا إحنا قبل ما يحمي المشروع، مستعدة نمضي التقرير سوا؟"
أومأت برأسها دون تردد مدركة أن هذا التوقيع قد يكون نهاية لها والتي كانت بمثابة بداية جديدة لها ومع ذلك كان لديها شعور عميق بأن كرامتها المهنية أهم من الاستمرار في ظل تلاعب نورهان التي لديها الكثير من الأسئلة تدور في عقلها تجاه هذه الشخصية أو عبث ومكر فيصل.
_" مستعدة.. معنديش مشكلة أخسر فرصة زي دي مع شركات السعدون بس أنا مش هعمل حاجة اتحاسب عليها قدام ربنا"
للحظة لمعت عيناه من قولها هذا دون لحظة تردد أبدًا، هي اختارت أن تكون ذات ضمير علاوة على أن تكسب بعض النقود دون التفكير في العواقب التي قد تحدث فيما بعد.. شتان بينها وبين الأخرى.. شتان بينها وبين تلك التي خانته هو وقلبه...
°°°°°°°°°°°
وهنا في مكتبه المؤقت في هذا الموقع
كان فيصل جالسًا كأنما هو منحوتة فنية خُلقت من صخر، قوي، صلب ربما.. كما يدعي للجميع قلبًا وقالبًا، كان يجلس يراقب شاشة حاسوبه التي تعرض له تسجيلات شركته في القاهرة ليرى كيف يعمل الموظفين؛ لا تفوته فائتة
لم يكن يوجه نظره نحو الناس كما لو كانوا كائنات بشرية، بل كان يتأمل كل فرد منهم من منظور خاص، كأنه ينفذ كالسراب إلى أعماق شخصياتهم الغامضة، التي لا تعير اهتمامًا للآخرين ولا تضع ثقة فيهم.
كان الضياء الخافق المتسلل من شاشة حاسوبه ينعكس على ملامح وجهه، ليُظهر تلك الخطوط الرقيقة المحيطة بعينيه؛ خطوط لم تشكلها السنوات بقدر ما شكلتها القدرة الفائقة على فهم ما وراء قناعه الثابت هذا..
خرجت رسالة منبثقة أمامه وصلته لبريده الإلكتروني وكان الاسم واضحًا ليعرف مِمَن هي، استنشق نفسًا عميقًا من سيجارته، أخرجه ببطء ليتصاعد الدخان ويحجب الرؤية قليلاً، ثم مدّ أصابعه الطويلة ليفتح الرسالة.
قرأ فيصل السطور الأولى والتي كانت تحتوي على طريقة كتابة قاطعة للتقرير، تخلو من أي مواربة قد تسمح له بالنفاذ؛ وكان من ضمنها "تلاعب في الجودة"، "عدم مطابقة للمواصفات"، "خطر داهم على سلامة المنشأ".
ابتسم فيصل تلك الابتسامة الغير مفهومة بالمرة، التي تظهر على وجهه حين يجد أن فريسته تسير تمامًا في الممر الذي حفره لها، سحب نفسًا آخر، وعقله يبدأ في تفكيك الخفايا التي يجب أن يفهمها قبل أن يأخذ أي قرار، وهذا هي طريقته.. يفكر جيدًا؛ يُعطي قرار!!
كان يعلم أن نورهان ستحاول التذاكي، نورهان تلك المرأة التي تظن أن الأنوثة والمال يمكنهما التغطية على حماقة التفكير، كانت تظن أنها بتمرير شحنة مغشوشة ستوفر بضعة ملايين تحت رعاية فيصل السعدون.
هي لا تدرك أن فيصل لا يشتري ولاء موظفيه بالمال، بل يشتريه بمدى حاجتهم له، نعم هو يراهم الآن موظفيه وهم ليسوا كذلك بالأساس!
لكن ما استوقفه حقًا لم يكن غش نورهان، بل كان ذلك التحالف الصغير الذي نبت فجأة في رحم موقعه؛ ماجد وتسبيح، الأسد العجوز الذي أرهقته المبادئ، والقطة المتمردة التي بدأت تكتشف أن مخالبها قوية.
نظر إلى الاسمين المتجاورين في نهاية التقرير، هو يدرك أن المبادئ هي أضعف نقطة في الإنسان، لأنها تجعله متوقعًا وهذا ما كان يسير عليه ماجد المُغفل بالنسبة لفيصل الذي لا يمتلك منها أي شيء.
ماجد وتوقيعه، تسبيح وإصرارها..
وموافقة فيصل السعدون
كلاهما الآن يشعر بلذة الانتصار الأخلاقي، كلاهما يظن أنهما وضعا فيصل السعدون في مأزق ربما وضغطا عليه، لا يدركان أنه من أعطهما الورقة والقلم ليرى إن كانا سيجرؤان على التوقيع ليعرف تمامهما
الإنسان في نظر فيصل ليس سوى مشاعر ونقاط ضعف مغطاة بالثياب؛ ماجد ثغرته هي كبرياؤه العملي، وتسبيح ثغرتها هي رغبتها في أن تكون محمية دون أن تظهر ذلك؛ والآن وبموافقته على هذا التقرير، كان يخطط بداخله التالي؛ سأبني لهما قصرًا من الأمان الزائف، سأجعلهما يعتقدان أنني بصفهما.. حتى تأتي اللحظة التي أهدم فيها القصر فوق رؤوسهما، ولن يجدا أحدًا يلومانه سوى قرارهما وذلك التوقيع الذي يفتخران به الآن.
تسمونه مرض نفسي؟
تسمونه خبث؟
صدقًا ليس له مسمى لأن فيصل لا يعتمد تلك المسميات، هو فقط يحب اللعب بمن حوله كما يرغب، لشعور السيطرة التي يتملكه، عنده سيطرة مفرطة بكل من حوله ومن يعملون عنده، ولذلك كان هذا من أكبر أسباب خلافاته مع تميم!
ضغط فيصل على زر الرد، وبدأ يكتب بالعامية المصرية التي يستخدمها حين يريد أن يبدو قريبًا ومتفهمًا، وهي أخطر حالاته:
_"تمام يا بشمهندسين.. قريت التقرير كلمة كلمة، ومعاكم حق... أنا ميرضينيش أبدًا إن اسم مجموعة السعدون يتحط على مشروع فيه غش، الحديد يرجع لشركة نورهان النهاردة وهيتم استبداله بغيره أفضل، وأي تأخير في الشغل أنا اللي هشيله، كملوا شغلكم، وأنا واثق في ذمتكم"
أرسل الرسالة ثم ألقى بالهاتف جانبًا واتجه نحو النافذة الزجاجية الكبيرة التي تطل على زرقة البحر، ليست مثل القاهرة التي يراها من شركته العالية كناطحة سحاب؛ تلك المدينة التي تبدو من الارتفاع كمستعمرة نمل، والجميع يركض خلف أوهامه.
________________________
تحت شمس الساحل التي ازدادت حدتها مع مرور الوقت، كانت الساحة تزخر بصخب المطارق وصوت المحركات، بداية يوم توحي بالنشاط والحركة المستمرة، وفي إحدى الزوايا المطلة على الممشى السياحي الذي يُعاد تشكيله الآن للمنتجع الذي سيبنى هنا، كان هناك ضجيج من نوع آخر؛ صمت يغلفه التوتر، نظرات متبادلة، وصراع داخلي كان على هيئة حضور غير معلن، وهو هنا؛ كان رائد العزمي يقف مثل لوحة فنية ناطقة من شدة أناقته، لم يكن منظره يوحي بأنه خرج من غمار غبار الورش والموقع، بل بدا كما لو أنه انسلّ للتو من بين صفحات إحدى المجلات الأنيقة كعار وسيم وجذاب ؛ قميصه الكتاني الأبيض أضاف لمسة من الخفة، ونظارته الشمسية عكست الصورة الشاسعة للبحر الممتد دونما نهاية.
يفرض سيطرته ويحظى بالاهتمام دون أن يطلبه، كان وجوده وحده كافٍ لتغيير مسارات الحضور تقريبًا... إلى جانبه وقفت سجى، تشد بين أصابعها لوحة المخططات بعناية، ورغم أنها كانت تتحدث بإصرار عن تفاصيل تقنية تخص الإضاءة المخفية وانسجام الألوان مع طبيعة المناخ البحري، إلا أن كلماتها كانت تخفي اضطرابًا داخليًا؛ كانت تحاول جاهدة أن تحافظ على جدية مظهرها الرسمي، لكن لمعة عينيها كانت تفضح ذاك الشعور الآسر الذي استولى على جزء من كيانها، شعورٌ قاومته بحزم لكنه أبى إلا أن يُظهر نفسه بوضوح.
سجى بطبعها المتيم بالجمال الخارجي لا يمكنها مقاومة جاذبية الغلاف قبل أن تتعمق في جوهر المضمون، وكان رائد هو الغلاف الأبهى الذي استحوذ على نظرها ذات يوم، كان هناك سحر خفي في نبرة صوته الواثقة، وفي حركات يده المتقنة أثناء عرض أفكاره، كأن حضوره يفرض هيبته بطريقة تجعلها تشعر بصغر حجمها أمام وقاره، وهذا لا ينقص من قدرها بل هو تعبير عن تقدير لرجولة تسيدت المساحات من حولها.
وفي أعماق نفسها كانت تدرك أن هذا الإعجاب قد يكون مجرد تفاعل سطحي أمام كاريزما طاغية وطابع فاخر يجسد كل ما تأسر به الحياة خارج عالمها التقليدي، ومع ذلك لم تستطع مقاومة سحره؛ رائد كان بالنسبة لها تجسيدًا حيًا لكل الأحلام التي طالما استلهمتها من خيالها، الحلم المختلف الذي واجهته للمرة الأولى في واقعها.
اقترب رائد خطوة محسوبة لا هي قريبة حدّ الإرباك، ولا بعيدة حدّ البرود ثم أشار بطرف القلم إلى زاوية في المخطط، ونظر إليها بنظرة تحمل قدرًا من التحدّي المرح
_"بصّي هنا يا سجى...الممشى ده لو طلع عادي، هعتبره إهانة شخصية ليا، عايز أي حد يمشي عليه يحس بكل حاجة قبل ما يوصل للمنتجع نفسه، يعني مثلا الناس تمشي وتحس إنها وسط المايه... وأنا شايف إنك تقدري تعمليها صح، مش عايز حاجة عادية، عايز فخامة بتنطق كدا"
حاولت سجى أن تحافظ على رباطة جأشها، فعدّلت من وقفتها وأجابت بنبرة رسمية متماسكة بالكاد:
"أكيد طبعًا يا مستر رائد كل ده هيتم بالشكل المطلوب من غير تقصير في العمل"
مال رائد برأسه قليلًا وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية توحي بأنه يستمتع بارتباكها أكثر مما ينبغي:
"أستاذ رائد! إحنا مش في اجتماع رسمي، رائد بس... أسهل عليكِ وأريح ليّا"
سكت لحظة ونظر لها مباشرة:
"وبصراحة... أنا بثق في ذوقك في العموم مش بس في الشغل"
كان تميم يقف متظاهرًا بالانشغال بجهاز اللاسلكي، لكن عيناه كانت تتأملانهما بترقب، كان يلاحظ رائد وهو ينحني بجسده نحو سجى يتحدث معها، ويرى بوضوح بريق الإعجاب في عينيها.
كان تميم يعيش حالة من الاضطراب الداخلي، شاعرًا بنار مترامية الأطراف تشتعل في أعماقه، تلك النار لم يتمكن حتى الآن من منحها اسمًا دقيقًا كالحب مثلاً، إذ كان كبرياؤه يقف سدًّا منيعًا يحجبه عن الاعتراف بالهشاشة التي قد يجلبها الانسياق وراء مشاعر الهوى.
ولأنه كان عاجزًا عن مواجهة تلك الحقيقة بشكل مباشر، لجأ لعقله لتبرير تلك الانفعالات المتأججة، أقنع نفسه أن ما يشعر به ليس سوى -إحساس بالمسؤولية-، كما لو أنه أصبح وصيًا عليها، مطالبًا بحمايتها من الأخطار المحدقة، وكأن العالم من حولها يعج بالذئاب الضارية التي تنتظر الفرصة للإيقاع بها.. لأنه بالتأكيد سبب تواجدها هنا.
ضغط تميم على الجهاز اللاسلكي بقوة كادت تحطمه، واندفع نحوهما بخطوات ثقيلة كأنها قرع طبول الحرب، وقال بصوت حاد قطع خيط الحديث بينهما:
"سجى... مش خِلصنا كلام في موضوع الممشى ده الصبح؟ المكتب باعت استعجال على أمر الشغل بتاع المنصة والتصميم المطلوب لازم يوصلهم، ملوش لزوم نضيع وقت في تفاصيل لسه قدامها شهر"
رائد التفت لتميم ببرود شديد، ولم يرفع نظارته بل اكتفى بنظرة من خلف الزجاج الأسود جعلت تميم يشعر بمدى اندفاعه الصبياني وحينها قال رائد بهدوء مستفز:
"الوقت مبيضعش يا تميم طالما بنرسم صورة صح للشغل، والآنسة سجى مُنظمة ديكور شاطرة وعارفة بتعمل إيه.. مش محتاجة حد يوزع عليها الوقت والمهام بتاعتها.. ولا إيه؟"
جزّ الثاني على أسنانه ولم يعره أي اهتمام، ونظر لسجى بحدة:
"سجى.. ياريت نحترم مواعيد المكتب اتفضلي قدامي"
شعرت بالإهانة من طريقة تميم الآمرة أمام رائد، وبالذات لأنها كانت تستمتع بتقدير رائد لها.
نظرت لتميم ببرود لم يعهده منها، وقالت بصوت هادئ:
"أنا هخلص الجولة مع رائد بيه، وهحصلك على المكتب يا تميم بيه، مفيش داعي للتوتر ده الشغل ماشي"
زاد من ضيقه الشديد أنها اختارت البقاء مع رائد، وقف تميم مكانه لثوانٍ يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه، وأن سجى التي كان يظن أنه يمتلك مفاتيحها، أصبحت الآن قلعة مغلقة في وجهه، ومشرعة أبوابها لهذا الغريب الأنيق.
انسحب تميم بصمت دون أن ينبس ببنت شفة، لكن شدّة ظهره كانت تنبئ عن قرار اتخذه بينه وبين نفسه الآن، كان واضحًا أنه يرى أن المعركة قد انطلقت بالفعل، وأن رائد العزمي لن يغادر هذا المكان إلا محمّلًا بهزيمة نكراء، حتى لو استلزم الأمر التضحية بكل شيء من حوله.
بقي رائد وسجى في مكانهما، ونظر هو في أثر تميم بابتسامة غامضة، ثم التفت لسجى وقال:
"عصبي زيادة تميم ده.. بس أظن ده خوف مش أكتر"
لم ترد وإنما تطلعت في الأفق البعيد، وهي تشعر أن قلبها بدأ يميل لجهة لا تملك فيها أي سلطة، وأن الأيام القادمة ستكون أطول أيام حياتها.
_______________________
ركنت سيارتها الفارهة بهدوء متأنّي، ثم خرجت منها بخطوات ثابتة ومدروسة، تعامل نفسها كأنها ملكة تأمر فتُطاع.
كان عطرها الفرنسي الثقيل يسبقها دومًا، يتسلل إلى الأجواء المشبعة برائحة البحر والحديد والرمال، خلف نظارتها السوداء الكبيرة كانت عيناها توحي ببرودة السطح واحتراق الأعماق التي بداخلها، أتت الآن بسبب رف الشحنة التي لم تكن ترى رفضها خسارة مادية فقط؛ بل استفزازًا وتحديًا مباشرًا؛ والتحديات -لمن يعرفون نورهان- ليست مما يمكن أن يهمل أو يُنسى.
لم يكن القرار بحدّ ذاته هو ما أثار غضبها، وإنما ذلك الانسجام الهادئ الذي صاغ طبقات من الاتفاق غير المعلن بين ماجد وتلك المهندسة الجديدة، شعرت وكأنهما يخططان سويًا، ضدّ شيء تمثله هي وحدها.
خطت نحوهما بقوام منتصب وثقة مطلقة، خطوات مستقيمة، مررت نظرها على المكان من بعيد بنظرات متفحصة، وقعت عينها عليهما؛ كان كلاهما منحنيين على بعض الأوراق، يتبادلان أطراف الحديث بشكل يبدو عمليًا بحتًا، لكنها شعرت بأن ما وراء هذه الجلسة ينذر بشيء آخر، ارتسمت على شفتيها ابتسامة عابرة دون أثر للدفء.
ولم تكد تلك الابتسامة تعيش طويلاً حتى خطَت نحو الهدف مباشرةً ودون أن تأبه بما حولها، لم تأتي لتطرح تساؤلات الحقيقة، هي آتية لترمي قنابل!
كانت نورهان تنظر إلى العالم بمنظار الثمن؛ فكل شيء برأيها قابل للبيع، ومن لم يستطع المال شراؤه فإن الخوف كفيل بذلك، ومع ذلك كان ماجد فوزان دائمًا يمثل الاستثناء الذي أربك معتقداتها، مشهدها له وهو يقف بثباتٍ وكبرياءٍ، رغم كل ما عانى منه من غدرها، كان يوقظ بداخلها أسوأ ما يمكن أن يظهر.
أما تسبيح، فقد كانت بالنسبة لنورهان مجرد عائق صغير وغير ذي أهمية، هي لا ترى العالم كما السطحيون وإنما تعلم جيدًا ما يخرج من كل شخص منهم هنا ومن بداخله وما يظهر على وجهه..
مُغفلة تعتقد ذلك!
وبالنسبة لها كانت تسبيح وجهًا طاهرًا يعيد إليها ذكرى نزاهة افتقدتها منذ زمن بعيد، كانت نورهان تؤمن أن النزاهة ليست سوى قناع يخفي ضعفًا وفشلًا، لذا قررت في لحظة واحدة أن تنتزع هذا القناع عن وجه تسبيح، لم تكن تفعل ذلك من أجل تنافس على شيء مادي كالفولاذ لغلائه مثلًا، بل من أجل أن تُثبت لماجد قناعتها الراسخة؛ أن جميع النساء يمكن لهن أن ينكسرن ويكسرن كما حطمت هي كبرياءه سابقًا
توقفت نورهان أمامهما ثم نزعت نظارتها ببطء متعمّد:
"إيه اللي أنا سمعته ده؟ الحديد يرجع؟ إنتوا فاكرين نفسكم شغالين في ورشة ولا إيه ياجماعة؟ إحنا في موقع يا بشمهندس ماجد واللعب هنا بيبقى بملايين، مش بكلمتين في تقرير ملوش لازمة وتسلموه والحديد يرجعلي بكل بساطة.. لا والله إيه ده بقى نسميه إيه، انا متعرفش بتتعامل مع مين ولا إيه!"
كلام كثير وراء بعضه لا تعطهم أي فرصة للتحدث قط!
أتمّ قراءة السطر الذي أمامه، ثم رفع عينيه نحوها برويّة، في داخله كان يدرك تمامًا أنها ستأتي لتناقش معه ذلك الموضوع، ملامحه حملت نظرةً خالية من الاهتمام:
"ما للأسف أنا عارف أنا بتعامل مع مين عشان كدا رجعت الحديد لمكانه، ولو مش قد اللعب بملايين منلعبش وأكيد أنتِ عارفة كويس إن لو كل الموارد بتاعتك كويسة نشتغل بيها، مش تمام ترجع من مكان ما جت"
وفي نهاية حديثه كان يشملها هي لا الموارد، وظهر ذلك من نظرته المتفحصة لها باحتقار..
التفتت نورهان لتسبيح ونظرت لها من أعلى لأسفل بمرارة واضحة، وقالت بضحكة مستفزة:
"وإنتِ بقا يا قطة.. مصدقة إن ماجد بيدافع عن الموارد والحديد بجد؟"
ثم رفعت كفيها تخفض وترفع اصبعيها الوسطى والسبابة معًا بمعنى هل تصدقين تلك التمثيلية!
ثم أكملت:
"ماجد بيدافع عن كبرياءه القديم بس، بلاش تعيشي دور البطلة المهتمة بالأمانة، لأن أرض العمل اللي إحنا فيها دي بتبلع الناس اللي زيك في يومين، عدي الشحنة يا شاطرة واكسبي ودّي.. صدقيني الودّ ده تمنه غالي أوي"
هنا تدخل بحمقٍ شديد لأجل تسبيح ونطق بضيقٍ:
"كلامك معايا على فكرة"
_"والله بتتدافع عنها يعني وتتحمق، لا حلو أوي ده بقى مش شغل، شكلها قلبت قصة حب"
رغم شعورها بالاشمئزاز من أسلوب نورهان الفظ، حافظت على هدوئها في مكان عملها وردت بصوت واثق:
"الودّ اللي بيتبني على حساب سلامة المشروع وسلامة بشر هيكونوا هنا.. ملهوش لازمة عندي يا نورهان هانم، أنا وماجد مضينا على التقرير، وده قرار بحت ملوش علاقة بالماضي ولا بالمستقبل بتاعك، الحديد هيخرج من الموقع دلوقتي وهيجي مكانه وبموافقة مستر فيصل عادي جدًا، وياريت الشحنة الجاية تلتزم بالمواصفات عشان منضيعش وقت بعض"
احتقن وجه نورهان واقتربت من تسبيح خطوة، هامسة بصوت فحيح الأفاعي:
"ماشي.. الحديد هيخرج، بس خليكِ فاكرة يا بشمهندسة إن اللي بيقف في طريق نورهان بيلاقي نفسه في الآخر واقف لوحده لا طايلة شغل ولا طايلة حتى البطل اللي ساندة عليه.. وزي ما هديته مرة.. برضو أنا اللي ههده المرة دي تاني.. وإنتي معاه"
تهديد صريح منها جعلته يغلي ويود لو يفتك بها حقًا ولكنها إمراة!!
تقدم لها خطوة تحمل تهديد ووعيد ونظر بعينين تلمعان بتحدٍ قديم:
"انتهى الكلام يا نورهان، خدي كرامتك وامشي قبل ما أخليكِ تمسحيها دلوقتي من عالأرض، الشغل هنا للناس اللي تعرف ربنا وعارفة الأمانة، لشخص عنده إنسانية مش شخص بيدوس عالناس بكل حقارة عشان يوصل"
لبست نورهان نظارتها الشمسية بعنف والتفتت لترحل، لكنها توقفت للحظة وقالت دون أن تلتفت:
"فيصل وافق النهاردة عشان يريحكم بس.. بس بكرة لما تلاقوا الموقع واقف ومفيش توريدات تانية بتوصل، ابقوا خلوا الضمير هو اللي يبني لكم المنتجع يابشمهندسين... سلام يا.. بشمهندسين"
غادرت نورهان، تاركة خلفها سحبًا من الغبار الكثيف الذي أثقل الهواء وأحاط بالأجواء بثقل لا يُحتمل، وكأنها رسمت في قلب تسبيح قيدًا من القلق والخطر يضيق عليها كقبضة لا تُفلت، التفتت تسبيح نحو ماجد بينما عينها تلتقط ملامحه الجامدة كصخرة راسخة لا تهتز، لكن وراء ثباته لم تستطع أن تتجاهل ومضات من الغيوم الداكنة في عينيه، غيومًا تحمل في طياتها نذر عاصفة قاسية تلوح بلا شفقة، وعلى الرغم من الهدوء المزيف الذي خيم على ملامح وجهه ونظرته المترقبة، إلا أن أعماقه كانت تفيض بشيء لا تستطيع كلماته أن تخفيه.
استنشقت تسبيح بعمق محاولة استدعاء شعور السكينة الداخلية، بينما كانت تسحب نسيم الهواء برفق كأنها تسعى للتخفيف من رائحة العطر الثقيل الذي خلفته نورهان في رحيلها، ببطء أعادت عينيها نحو ماجد الذي اتخذ وضعية صامدة أشبه بتمثال جاثم في مكانه، وبدت يده المشدودة على السور الحديدي شاهدة على توتر مكتوم، حيث برزت عظام أصابعه بوضوح من قوة قبضتها.
كان ينظر بعيدًا عيناه مغرقتان في الأفق الممتد بمحاذاة البحر المتلاطم، تتحرك نظراته كما لو كانت تنبش عميقًا في طيات ذاكرة غارقة، محاولة أن تستعيد أو تمحو شذرات ماضٍ ضبابي بين ضجيج الأمواج وصخبها العنيف.
أرخى ماجد قبضته ببطء والتفت إلى تسبيح، فرأت في عينيه انكسارًا طفيفًا حاول مواراته بابتسامةٍ باهتة لا تصل إلى عينيه، ثم قال بصوتٍ خفيض غلبه الندم:
"أنا آسف يا تسبيح.. مكنتش أحب إنك تتحطي في موقف زي ده، ولا تسمعي كلام رخيص بالشكل ده بسبب وجودك جنبي"
هزت تسبيح رأسها برفق، وخطت خطوة تقترب فيها منه وقالت بنبرة هادئة حملت الكثير من الدفء والمواساة:
"متتأسفش على حاجة إنت مأجرمتش فيها يا ماجد، نورهان مشكلتها مش معايا، هي مشكلتها مع الحقيقة تقريبًا وعايشة حياتها في خداع وبعدين.. أنا مش ورقة شجر عشان شوية ريح زي دول يوقعوني زي ماقالت.. فمتقلقش"
تعمق ماجد بنظره نحوها وكأنه يعيد اكتشاف ملامح وجهها بعيدًا عن رسميتها كمهندسة، تسرب إلى أعماق قلبه إحساس لم يألفه من قبل، شعور يحمل في طياته دفءًا غير مألوف، حيث أن قربها في تلك اللحظة لم يكن مجرد التزام رسمي محدود، وإنما أصبح أشبه بواحة هادئة وسط اضطراب أمواج بحر تتلاطم بلا هوادة.
_"نورهان مبتهزرش يا تسبيح"
قال ماجد وهو يمسح وجهه بيده بتعب:
"بتضرب في الوش بوقاحة، ومبتعملش حساب لحد، لا حبيب ولا غريب حقيقي"
ابتسمت تسبيح بصدق ورفعت يدها في حركة عفوية كادت تلمس ذراعه لكنها توقفت في اللحظة الأخيرة وقالت:
"عادي مش فارق معايا، هو إحنا مش إيد واحدة هنا في الشغل ولا إيه ولا كنت بتقول كدا عشان تغيظها؟"
ابتسم بعفوية قائلًا بينما عيناه تتفحصانها عن كثب أكثر:
"لا مكنتش بغيظها، إحنا فعلًا ايد واحدة"
لم يخصص أنهما يد واحدة في العمل، بل تركها معممة في العمل وغير العمل!!
___________________
القاهرة - الزمالك
كانت أحدى المعارض الفنية تفتح أبوابها لنخبة المجتمع، كانت القاعة فسيحة وجدرانها ناصعة البياض تعكس أضواء "السبوت لايت" المركزة على اللوحات كأنها تيجان من نور، رائحة العطور الباريسية الفاخرة تختلط برائحة الورود الطبيعية الموزعة في الأركان، وصوت موسيقى "تشيل آوت" هادئة تملأ الفراغ.
كان فيصل يتحرك وسط القاعة كأنه طيفٌ من عالم آخر، يرتدي بذلة رسمية ويتحرك وسط تلك اللوحات بهدوءٍ بالغ، يطلع تلك تارة وهذه تارة، يتفحص بعض التفاصيل، يرى التوقعيات العالمية ليرى إن كانت لوحة مميزة ونادرة أم مجرد لوحة عابرة!
بجانبه كانت ميار تتألق بفستان يلمع تحت الأضواء تمسك بذراعه وتوزع ابتساماتها يمينًا ويسارًا، فهي معروفة بأنها تعمل معه، وتظهر رفقته دومًا في تلك الحفلات الرسمية!
كان فيصل يشعر بمللٍ خانق؛ بالنسبة له معظم هؤلاء المتذوقين للفن ليسوا سوى مجموعة من الكائنات السطحية التي تشتري اللوحة ليس لأنها تلمس أرواحهم، بل لأن ثمنها سيُبهر الجيران في صالوناتهم...
حسنًا
مثله تمامًا
كان ينظر للوحات المعروضة بازدراء خفي؛ ألوان صارخة بلا معنى، وتجريدٌ يختبئ خلفه ضعف الموهبة، كان يبحث عن شيء حقيقي، شيء لا يمكن شراؤه بالمال فقط، بل يُشترى بالدهشة التي يجب أن تحتله، ولسنينٍ طوال ظل على هذا الحال بتلك الهواية التي لا يعرف من أين أتته يبحث عن لوحة تبهره وتدهشه!
توقفت ميار أمام لوحة ضخمة لأحد المشاهير، وبدأت تشرح بإسهاب:
"شايف يا فيصل؟ فرشة الفنان هنا عبقرية، بتعبر عن الصراع الوجودي.. بجد الفنان ده سابق عصره حبيتها أوي!"
لم ينظر حتى للوحة، بل أشاح بنظره للجهة المقابلة، في ركنٍ بعيد لم تصله زحمة الضيوف بعد...
هناك كانت تقبع لوحة متوسطة الحجم، إطارها خشبي بسيط وقديم، موضوعه بمكانٍ يرفض أن تكون جزءًا من هذا الترف.. حتى بعيدة عن الأنظار كأنها وضعت هُنا من أجل مرضاة النفس فقط!
سحب ذراعه من يد ميار بهدوء، وتحرك نحوها كأن مغناطيسًا خفيًا يجذبه، كانت اللوحة غريبة؛ تمثل يدًا ممتدة من وسط دخان كثيف، تحاول الإمساك بقطرة مطر وحيدة، لكن القطرة لم تكن ماءً، كانت تبدو وكأنها عين بشرية تدمع.
الألوان كانت مزيجًا عبقريًا بين الرمادي الداكن والأزرق الليلي، مع لمسة من الأبيض الذي يبدو كأنه ينزف ضوءًا، الفنان ذكي في إختيار ألوانه أيضًا لتجذب عين شخصٍ مميز كفيصل!
وقف فيصل أمامها بصمتٍ تام، لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك من يتحدث لغته؛ لغة الوحشة والسيطرة والألم المختبئ.
انحنى قليلاً ليتفحص الزاوية السفلى، حيث يضع الفنان توقيعه، كان التوقيع غريبًا، لم يكن اسمًا صريحًا بل رمزًا هندسيًا يجمع بين حرفي (م.ت).
حرف الميم كان مرسومًا كأنه قوس يحمي التاء، والتاء كانت تنتهي بنقطتين تشبهان -العين- التي كانت في قلب قطرة المطر في اللوحة.
من هذا الذي رسم هذا الوجع؟
وكيف تجرأ على وضع هذا التوقيع خفي! اللعنة
فيصل لم يكن يعرف صاحبة التوقيع، لكنه شعر أن هناك رابطًا كيميائيًا نشأ في تلك اللحظة بينه وبين هذا العمل، كان التوقيع يذكره بشيء لم يره، لكنه يتمناه.
كمالٌ في الرسم
وغموضٌ في الرمز.
شعر برغبة عارمة في امتلاك هذه اللوحة، ليس ليعلقها في مكتبه، بل ليخبئها في غرفته الخاصة، كأنه عثر على سرٍّ لا يجب أن يراه أحد غيره.
اقتربت ميار منه ووضعت يدها على كتفه بدلال:
_"روحت فين يا فيصل؟ بقالي ساعة بكلمك.. اللوحة عجبتك؟ إنت بجد واقف قدامها كل ده؟"
صمت ولم يجيب لتتحدث مجددًا قائلة:
"كئيبة!"
دون أن يلتفت إليها قال بصوتٍ منخفض يحمل نبرة الآمر:
_"اللوحة دي مش كئيبة يا ميار.. اللوحة دي حقيقية والفرق بينها وبين اللي وراكي، إن دي وراها روح، واللمسة اللي فيها ميعرفش يعملها هاوي"
ميار رفعت حاجبها باستنكار:
_"روح؟ طيب يا سيدي، ومين بقا الفنان العبقري ده عرفته عشان تدفع فيه ملايين، مشهور يعني؟"
نظر للتوقيع مرة ثانية، وهمس كأنه يحفظه في ذاكرته:
_"م.ت".
التفت لأحد المنظمين الذي كان يمر بالقرب منهما، وأشار للوحة ببرود:
_"اللوحة دي محجوزة لحد؟"
المنظم ابتسم بأدب:
_"لأ يا فيصل بيه، دي لرسامة لسه في بداية طريقها، وطلبت إن اسمها ميتعلنوش، بتوقع بس بالرمز ده... لو حضرتك مهتم، السعر.."
قاطعه فيصل بحدة:
_"السعر مش مهم اللوحة دي تتشال وتتبعت على مكتبي بكره الصبح.. والرسامة دي مبتظهرش يعني مش حد مشهور ومات مثلًا وده رمزه لأني مسمعتش عنها قبل كدا!"
أجاب المنظم قائلًا:
"منعرفش أي حاجة بس فيه معرفة بينها تقريبًا وبين حد هنا معروف واتطلب إننا نحط اللوحة"
اومأ له فيصل فقط فتحرك الموظف، ونظرت ميار له بذهول:
_"فيصل! إنت بجد هتشتري لوحة لرسامة مجهولة؟ وبدون ما تعرف هي مين؟ ده إنت دايمًا بتقول إنك بتشتري الاسم قبل الفن!"
لم يجيبها إنما أخرج هاتفه والتقط للوحة صورة أيضًا بالرغم من أنها ستكون له وملكه تمامًا، ثم تحرك قائلًا بأمر:
" يلا أنا خلصت النهاردة!"
ركبا سيارته، وبينما كان السائق ينطلق به في شوارع القاهرة الهادئة، أخرج هاتفه وفتح الكاميرا، ونظر للصورة التي التقطها للوحة. تمتم لنفسه بصوتٍ شبه هامس:
_"م.ت.. إنتي مين؟"
كانت ميار تتابعه وتنهدت بعمقٍ قائلة:
"إحنا هنروح فين؟"
نظر لها للحظة ثم سألها:
"عندك مانع تتحولي من آنسة.. لمدام؟"
تبدلت ملامحها لصدمة.. ثم استغراب ثم سألت بتيهٍ:
"عفوًا؟"
_"مبحبش اللف والدوران وكتر الرغي، أنا وأنتِ عارفين كويس اللي حاسينه تجاه بعض.."
قرب يده بينما يتحدث ليدها لتسري رجفة بجسدها ثم أكمل حديثه بكل ثقة:
"ونظرًا إن الوقت ميسمحش بحاجة عالية دلوقتي خلينا في الهادي.. بس الحلال برضو!"
أخرستها كلماته صدقًا ولا تعرف كيف تجيبه الآن
سوى بفيه فارغ..
لذلك أكمل:
"عُـــرفي!"