📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل التاسع 9 بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل التاسع 9 بقلم وسام اسامة 


"ماذا يا دُنيا، الان أدركتِ أنكِ ألقيتِ نفسكِ في التهلكة مع مسخ بعين واحدة وتريدين من نُصير إنقاذكِ.. هل استفقتِ من كلمات الحب الساذجة التي ترددينها؟
تحسبين الحب لعبة
الفصل التاسع
..............................
كانت كعادتها منذ أتت إليه، تجلس على الأريكة في زاوية الغرفة، تتلحف بدثارها كأنها تحاول الاختباء من حقيقة وجودها هنا، تحسباً لدخول طبيب أو زائر. كانت تلتزم بتعليمات "فراس" حرفياً..تجلس كصنمٍ لا ينطق، لا يسمع، ولا يتكلم.
حتى حضر "نُصير" ذات مرة وهي في حالتها تلك، تحدق في الفراغ بشرود. انتفضت من جلستها الهادئة مع فتحه للباب بحدة جعلت فراس يفتح عينيه منزعجاً من فظاظة الزائر، ولكن حين بصر وجه نُصير الواجم، تمتم ببرود مستفز:
"أهلاً يا "نسيب".. تفضل"
أراد نُصير لكمه؛ ففراس يستخدم ذات الأسلوب البغيض الذي يتقنه لإغاضة خصومه. اقترب من فراشه دون أن ينظر لـ "دُنيا" التي وقفت بلهفة، وهي تغمغم بصوت متكسر ينذر بالبكاء:
"أخي"
التفت رأس فراس إليها بضيق، وأشار لها بالعودة للأريكة، فبدت غير مستجيبة؛ فلهفتها نحو شقيقها كانت أكبر من طاعتها له. هنا، زجرها فراس بصوت حاد كالسكين:
"ألم يعلمكِ شقيقكِ سماع حديث زوجكِ؟ لا بأس.. سأعلمكِ أنا لاحقاً"
انكمشت دُنيا في نفسها، وتراجعت بخطوات واهنة لتجلس حيث كانت، وهي تخفي الدمع الذي أحرق مقلتيها. أما نُصير، فقد كور قبضته بغضب عارم؛ فراس يعامل أخته وكأنها "شيء" يُروض. تنهد بمرارة وهو يشتم حماقة أخته التي ألقت نفسها تحت قدم من لن يرحمها.
لاحظ فراس غضب نُصير المكتوم، فقال بلهجة واثقة:
"اجلس يا نُصير ودعنا نتحدث بدلاً من الأفكار التي تدور في رأسك.. جئت لأجل سيف الدين، أليس كذلك؟"
للمرة الثانية، يرسل هذا الخبيث رسالة مبطنة لدُنيا بأنها مجرد "ثمن". تجاهل نُصير استفزازه وتحدث بحدة:
"لماذا لم يخرج سيف الدين حتى الآن؟ ألم تصل لمرادك الخبيث يا فراس؟ أم أن نواياك أكبر مما حصلت عليه عنوة؟"
سخر فراس ببرود:
"مرادي الخبيث؟ هل لأني أخذت زوجتي أصبح مرادي خبيثاً؟ وأنت.. ماذا كان مرادك وأنت تتزوج أرملة فايز وتعادي الجميع لأجلها؟"
لم يتمالك نُصير نفسه، فاندفع نحو فراس يمسكه من ياقة ثوبه بقوة، وصوته خرج خطيراً لا تهاون فيه:
"هذه المرأة صارت امرأتي أنا، ولو سمعتك تشير إليها بمجرد إشارة، سأقطع لسانك يا فراس.. هي لي، ولن أسمح لك بكلمة في حقها"
رد فراس بجمود، وهو يرفع يده السليمة ليفك قبضة نُصير عن ملابسه بهدوء:
"عجباً! وهذا ما فعلته أنا.. أخذتُ امرأتي. من المفترض أن تكون أنت خير العارفين بمرادي"
هتف نُصير بنبرة تقطر احتقاراً:
"تعلم أنك أخذتها لتحرق قلبي.. أنت تنتقم يا فراس، وتمشي على نهج أمك دون اكتراث بما يجوز وما لا يجوز. أما أنا فتزوجت "مرام" لأنني أحبها، ولم أستغل طفلة صغيرة لتحقيق مآرب خبيثة ثم ألقيها كخرقة بالية"
ابتسم فراس ابتسامة باهتة ومخيفة:
"لا تشغل بالك، لن ألقيها.. أنت تعرفني، أحب الاحتفاظ بأشيائي حتى تهلك تماماً"
ارتجف جسد دُنيا عند سماع كلمته الأخيرة، بينما همس نُصيرفي ازدراء:
"هل كنت حقاً بهذا القبح دائماً وأنا لا أشعر؟ كيف كنت صديقي يوماً؟"
"ألم يقل المثل احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة؟ عيبي أنني لم أحذرك يا نُصير. ولأنني أفضل منك، أنبهك الآن توقف عن الحوم حول زوجتي أو التأثير عليها.. لترضى هي بالواقع، ونعود جميعاً عائلة كما كنا"
ضحك نُصير بسخرية مريرة وهو يتراجع نحو الباب:
"أي عائلة يا فراس؟ أنت وأمك لا تعرفان سوى الغدر والكراهية
اسمعني جيدًا.. سيف سيخرج ، لكن تذكر.. دُنيا ليست ملكية خاصة، والظلم الذي تمارسه عليها الآن، ستحاسب عليه حين يفرغ صبري.. وصبري ليس له حدود حين يتعلق الأمر بكرامة أختي"
غادر نُصير الغرفة تاركاً خلفه صمتاً ثقيلاً كالجبل، بينما التفت فراس نحو الزاوية، ونظر لدُنيا التي كانت تغرق في دثارها، وقال بصوت أجش:
"والآن يا "دُنيا".. بما أن مسرحية شقيقك انتهت، اقتربي.. فالآن يبدأ حسابي معكِ على تلك النظرة التي استجديتِ بها عطفه"
تحركت دُنيا بآلية، أقدامها بالكاد تحملها وهي تقترب من فراشه، بينما كان هو يراقب كل ذبذبة في جسدها بعينين كعيني صقر يرى فريسته تتهاوى.
توقفت على مسافة قصيرة، ولم ترفع عينها إليه، فجاء صوته هادئاً بشكل مخيف:
"ماذا يا دُنيا، الان أدركتِ أنكِ ألقيتِ نفسكِ في التهلكة مع مسخ بعين واحدة وتريدين من نُصير إنقاذكِ.. هل استفقتِ من كلمات الحب الساذجة التي ترددينها؟
رفعت رأسها أخيراً، وكانت عيناها غارقتين في بريق الدمع، لكنها نطقت بصوتٍ فيه بقايا من كرامة جُرحت:
"أنا لا أراك مسخًا، ولازالت مشاعري كما هي نحوك، وأثق أنك تحمل قلب صالح خلف أفعالك السيئة، أنا أتحمل منك أي شيء إلى أن تهدأ.. ولكن ..
ابتسم فراس ابتسامة لم تصل لعينيه، ومد يده السليمة ليمسك بطرف وشاحها، يجذبه برفقٍ لا يخلو من تهديد:
"ولكن ماذا؟.. أكملي يا جولييت"
رغم سخريته منها الواضحة، وأفعاله التي تضرب بكرامتها ومشاعرها عرض الحائط.. قالت بصوت مرتجف باكِ:
"أخرج أخي سيف الدين.. ولا تُشكك فيما شعرت به نحوك"
صمت للحظات يتأمل وجهها الذ حمل احمرار البكاء، وعيناها الذابلة التي ترجوه بشيء لا يفهمه.. ترك وشاحها فجأة وكأنه أصيب بالملل، ثم أغمض عينيه وقال يأمرها:
"إن كنتِ تريدين الرحيل مع أخيكِ فاخرجي له الان وعودي معه قبل أن يغادر، وإن كنتِ مستمرة في لعب دور العاشقة الولهانة فعودي للأريكة وكفى نواح"
أنهى كلماته وهو يغمض عينيه ويريح رأسه على الوسادة وقد فرغ صبره على الحديث معها ومع أخيها.. حل الصمت للحظات تحولت لدقائق دون أن يسمع صوت الباب يُفتح ؟
فتح عينه ونظر في ركن الغرفة ليجدها قد عادت لتجلس على الأريكة كما كانت وقد غطت وجهها بوشاحها وفي عينيها نظرة لم يفهمها، فلم يجد نفسه إلا هو يهمس في سخرية ودهشة:
"فتاة غبية"
ثم عاد يغمض عينه وتنهيدة طويلة خرجت من فمه يعقبها نوم هادئ بلا منغصات.. بينما الأخرى تحدق فيه بعيون حملت العتب والحب.. ادركت أنه أعطاها الحرية للحظات معدودة لتختار طريقها.. ولكن كيف تخبره أن دربهما واحد حتى لو أراد هو العكس.. كيف تقنعه أنه لعنتها التي تشك في زوالها؟
***
انتصف الليل وممرات المشفى صارت أهدأ، حتى فراس بدا خائر القوى بعد ساعات من الزيارات العائلية التي كانت تزيد إرهاقه. حتى دُنيا، التي كانت تجلس في زاوية الغرفة بلا حراك، وخاصة في حضور الرجال، كانت متعبة بما يكفي لتتكوم على نفسها نائمة فوق الأريكة. ولم يقلق نومها سوى صوت أنفاس عالية، كأن صاحبها ينازع.
فتحت عينيها في قلق، تنظر لفراش فراس الساكن، ثم وقفت متجهة نحو الباب لتغلقه بإحكام وتتحرر من غطاء وجهها. بخطوات بطيئة، اتجهت نحو فراشه لتنظر إليه عن قُرب. كانت الغرفة تسبح في ظلام لم يبدده سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة، جاعلاً الرؤية معقولة؛ فرأت حبات العرق تلمع على جبين فراس، الذي بدا يتألم أثناء نومه بأنفاس محشرجة وجبين متجعد في عذاب صامت.
وقفت أمامه مترددة، وفي عينيها دموع عاتبة، وأنامل خائفة ترتفع لتقترب منه ثم تعود خائبة. بدا فراس في نومه أبسط من جبروته في يقظته؛ فرغم ملامحه الخشنة وعينه المصابة التي تزيد من هيبته ورهبته، إلا أن ملامحه كانت تميل للجاذبية الرجولية كبقية رجال آل غانم، وإن كانت أكثرهم قسوة وجموداً لقلة ابتسامه.
رفعت أناملها للمرة الثانية واتجهت نحو وجهه بارتجاف، مسحت على جبينه ثم وجنته، حتى استقرت يدها على عينه المفقودة. في تلك اللحظة، تبدد عتبها ليحل محله تعاطف محب؛ فقلبها يرفض كراهيته رغم كل شيء. هل تكره من أحبت يوماً؟
عادت بها الذاكرة لسنوات عمرها حين كانت ابنة اثنتي عشرة سنة، مجرد طفلة تلهو في باحة الدار وتحتمي بنُصير من حنق إخوتها. كان فراس دائماً مع نُصير، يتحاشى النظر إليها ويشيح بوجهه فور حضوره. وحين سأله نُصير يوماً عن السبب، أجاب بهدوء:
"كي لا تفزع من شكل عيني".
سنة تلو الأخرى، وهي تنتظر في الباحة لتراه صدفة، حتى حين كبرت وفُرض عليها الحجاب، صارت تلتجئ للشرفة لتختلس النظر إليه ثوانٍ معدودة. صار دون سبب مفهوم أمير خيالها وبطل حكاياتها، حتى كبر حبه في قلبها، ومع أول خاطب رُفض من إخوتها، سارعت تبوح لفراس بمشاعرها بجرأة غريبة.
انتبهت من شرودها وذكرياتها البعيدة على لمسة يده الخشنة وهو يقبض على كفها، ويسألها بوعي شحيح وأعياء:
"ما الذي تفعلينه؟".
شهقت في حرج وسحبت يدها بسرعة وهي تغمغم بارتباك:
"أنت كنت.. تتألم في نومك وأنا كنت سأ...".
وقبل أن تكمل تبريرها، وجدته يغمض عينيه ويغرق في نومه من جديد. حينها زفرت في راحة، وتحركت بقدمين مرتجفتين لتعود للأريكة، ممسكة بكفها المرتعش وهي تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة.
***
تحدثت "فلك" بضيقٍ وقد نفذ صبرها تماماً، وهي تمسك الهاتف بقوة:
"ما الأمر يا فيدرا؟ كلما تحدثتُ معكِ كان صوتكِ مخنوقاً وكأنكِ كنتِ تبكين، وكلما طلبتُ منكِ أن تفتحي مكالمة مرئية تتحججين بألف حجة.. ما الذي يحدث معكِ بحق الله؟"
حاولت فيدرا أن تتحكم بغصة البكاء التي ارتفعت في حلقها لتسد مجرى أنفاسها، وقالت في خفوتٍ يرتجف:
"أنا بخير يا فلك لا تقلقي.. أخبريني أنتِ ما أخبارك؟ وأخي فراس كيف حاله؟ لم أتحدث معه منذ فترة طويلة جداً"
لم تنتبه فلك في غمرة انشغالها أن شقيقتها تحاول ببراعة تغيير مجرى الحديث، بل شردت فيما حل بأخيها في الفترة الأخيرة؛ ورغم مرارة ما حدث، إلا أنها حمدت الله أن الأخبار لم تصل لفيدرا المنقطعة عن الجميع منذ مدة، كي لا تفزع على شقيقها وهي في غربتها.
تنهدت فلك وقالت في هدوءٍ مشوب بالحذر:
"فراس بخير ولله الحمد، قطعاً سيحادثكِ قريباً.. أنتِ أخبريني ما أحوالكِ؟ وكيف هو زوجكِ؟ هل يعاملكِ جيداً؟"
جاء رد فيدرا مقتضباً وسريعاً كعادتها مؤخراً:
"الحمد لله يا فلك نحن بخير.. سأغلق الآن وأتحدث معكِ لاحقاً.. مع السلامة"
أغلقت فيدرا الهاتف في عجل، تاركةً شقيقتها في حيرةٍ من أمرها. زفرت فلك في ضيق وهي تلقي الهاتف جانباً، وهمست بقلقٍ ينهش قلبها:
"لماذا أشعر أن بكِ خطباً ما يا فيدرا؟ اللهم اجعله خيراً"
بينما على الطرف الآخر، كانت فيدرا قد استسلمت تماماً؛ وضعت وجهها بين كفيها تذرف دموعاً صامتة وحارقة لا تقوى على البوح بها. كانت تتجرع ألمها في صمتٍ مطبق، مضحيةً براحتها كي لا تشغل إخوتها بما يؤرق مضجعها ويفتت روحها في بلاد الغربة.
***
كان سيف الدين ينظر بذهول للأساور الحديدية وهي تفارق معصميه، يراقب لمعانها تحت ضوء المكتـب الباهت وهي تُوضع جانباً.. لم يستوعب عقله كيف ولماذا نال حريته الآن، خاصة وأن كلمات الضابط عند دخوله كانت لا تزال تتردد في أذنيه كحكم إعدام، حين أخبره أن أقل عقوبة قد يواجهها هي السجن لخمس سنوات قاسية.
سار خلف "عبد العزيز" بخطوات ثقيلة، لا يفهم سر هذا الانفراج المفاجئ، بينما كان الضابط يلقي نصائحه ببرود مستفز عن ضرورة ضبط النفس والالتزام بالقانون وترك أساليب الغاب التي ينتهجها، وكان عبد العزيز يتجاوب معه بمرونة المحامي الخبير، يضمن موكله وينهي إجراءات الكفالة المطلوبة بسرعة مريبة.
تحدث سيف الدين بخشونة وقد استبد به القلق، وصوته يخرج كحشرجة مكتومة من بين أسنانه:
"لماذا تم الإفراج عني فجأة؟ ما الذي يحدث في الخفاء يا حضرة الضابط؟"
التفت إليه الضابط بسخرية لاذعة، وهو يتأمل عنفوانه الذي لم تكسره جدران الحجز، ولا مخالطته للسجناء:
"ما حدث أن حظك من السماء يا سيف، وإلا لكنت قد شرفتنا لفترة كافية لتهذيب طباعك المتهورة هذه.. ابن عمك تنازل عن حقه رسمياً، ولو كنت بمحلك لذهبت إليه وقبلت يده على كرم أخلاقه الذي لم تكن تستحقه"
قبض سيف الدين أنامله بقوة حتى ابيضت مفاصله، وشعر بنار الغضب تشتعل في عروقه، كاد أن ينفجر لولا تدخل عبد العزيز الذي جذبه من ذراعه بسرعة محاولاً تدارك الموقف قبل أن يرتكب سيف حماقة جديدة داخل المكتب، قائلاً للضابط:
"بالنهاية هم عائلة واحدة يا سيادة الضابط، والدم لا يصير ماءً.. شكراً لتعاونك، سنغادر الآن"
صافحه الضابط وهو يرمق سيف بنظرة تهكمية أخيرة:
"لم أفعل سوى عملي يا أستاذ عبد العزيز، المهم أن تجلس مع موكلك وتفهمه أن زمن "قانون الغاب" قد ولى، وعليه أن يهدأ ولا يتفاخر بقوته ونسبه بعد الآن"
ود سيف الدين لو انقض على هذا الرجل وهشم وجهه ليفرغ فيه شحنة الغضب والقهر التي تملكه، لكن قبضة عبد العزيز كانت حازمة وهي تجره خارج الممر الضيق وصولاً إلى الهواء الطلق أمام بوابة القسم. وفور ابتعادهما، التفت عبد العزيز إليه بحنق:
"ما بك يا رجل؟ صرت كالبارود تشتعل من أقل كلمة! حاول أن تتحكم في أعصابك ولو لمرة واحدة".
توقف سيف في منتصف الطريق، والتفت لعبد العزيز بحدة، وعيناه تلمعان بتساؤلات قتالة:
"أخبرني الحقيقة يا عبد العزيز.. لماذا تنازل فراس عن القضية؟ ما هو الثمن؟ هذا الحقير لن يتنازل إلا لشيء في نفسه"
تأمله عبد العزيز للحظات بصمت، ثم تراجع خطوة للخلف وهو يكمش أنفه باشمئزاز متعمد ليهرب من الإجابة المباشرة:
"رائحتك كريهة لدرجة لا تُطاق يا سيف، تحتاج للمبيت في مغطس ماء ليومين كاملين لتعود إنساناً كما كنت.. دعنا نتحرك الآن».
صرخ سيف به منادياً وهو يلحق به بضيق:
"عبد العزيز.. لا تتهرب! أخبرني ماذا حدث ليتنازل هذا الحقير؟»
توقف عبد العزيز عند باب السيارة، وأشار بيده نحو الداخل بملامح واجمة:
"شقيقك نُصير ينتظر في السيارة، وهو الوحيد الذي سيشرح لك كل شيء.. "
توجه سيف الدين نحو السيارة بخطى متعثرة يشوبها التوجس، ليجد هارون ونُصير يجلسان في المقاعد الأمامية يغلفهما صمت غريب لم يعهده فيهما من قبل. فتح الباب الخلفي بعنف وجلس وهو يلقي سؤاله الذي يكاد يحرق جوفه بحدة:
"كيف تم إطلاق سراحي بهذه السهولة؟"
تجعد جبين هارون في ضيق وهو يلتفت إليه، محاولاً الهروب من نظرات سيف الثائرة، فقال في هدوئه المعتاد:
"رائحتك كريهة جداً.. لا تُطاق"
وقبل أن يندفع سيف الدين في ردٍ هجومي، أجاب نُصير بهدوءٍ حذر لا يتماشى مع بركان الغضب الذي يغلي بداخله:
"لن نعود به إلى المنزل بهذا الشكل.. لنذهب للمنزل الجنوبي أولاً ليتحمم ويبدل ملابسه، ثم نعود للمنزل"
أدار هارون محرك السيارة وانطلق بها بسرعة، محاولاً تبديد التوتر الذي خنق أنفاس الجميع، وقال متمتماً في هدوء:
"أظن أنني في ذلك الحين سأذهب لأغسل السيارة من الداخل والخارج، فلا أظن أن العطور ستقضي على هذه الرائحة التي علقت بالمقاعد"
ضرب سيف الدين بيده على المقعد وصاح بهما:
"ألم تسمعا سؤالي؟ لـمـاذا تنازل هذا الحقير فجأة؟ ما هو المقابل الذي أخذه فراس غانم ليتركني أخرج "
هنا، تحدث نُصير بجمودٍ تام وهو يثبت نظره على سيف عبر المرآة الأمامية، ليرى انعكاس أخيه المندفع الذي لا يدرك حجم الكارثة التي خلفها وراءه:
"اخفض صوتك ولا تنسى أنك تحادث إخوتك الكبار.. لو كنتُ بمحلك لسجدتُ شاكراً لله على خروجك، ففعلتك الحمقاء كانت ستضيع مستقبلك تماماً يا فتى.. اصمت الآن حتى نصل"
لم يستطع سيف الصمود أمام هذا التجاهل المتعمد، فاندفع بجسده للأمام ليكون بين مقعدي نُصير وهارون، وصوته يخرج كحشرجة مكتومة:
"سأصمت حين تجيبني يا نُصير"
أطبق نُصير يده حتى ابيضت مفاصله، بينما ظل بصره معلقاً بالطريق:
قلت لك انتهى الأمر، ستعرف كل شيء في وقته.. المهم الآن أنك خرجت.. لتكف عن التهور واقحام نفسك في مصائب لا تنتهي"
سخر سيف بمرارة وهو يعود بجسده للخلف:
"وهل حمايتي لاختي مصيبة ؟.. هذا النذل ليشكر الله أننا لم نقتله أول مره حينما تعدى على شرفنا"
ساد صمتٌ ثقيل داخل السيارة، كان هارون يختلس النظر لشقيقه نُصير، شاعراً بمدى الحمل الذي ينوء به صدره، فكيف سيخبر هذا المندفع أن "دُنيا" التي كان يحميها بروحه، هي الآن في عهدة عدوهم اللدود؟
وصلت السيارة إلى "المنزل الجنوبي"، وهو بيتٌ ريفي قديم للعائلة نادراً ما يُستخدم. ترجل سيف وهو ينظر للمكان بريبة، بينما كان نُصير يتحرك بآلية وكأنه يحاول تأخير اللحظة الحتمية.
داخل المنزل، وقف سيف وسط الردهة يرفض التحرك نحو الحمام، وسأل نُصير الذي كان يضع ملابس جديدة له على المقعد:
"أنا لم أحصل على إجابة بعد"
توقف نُصير عن الحركة تماماً، وظهر التصلب في ظهره الواجم، دون أن يلتفت إليه. في تلك اللحظة، شعر سيف ببرودةٍ غريبة تسري في أوصاله، وكأن صمت نُصير هو الجواب الذي كان يخشاه.
"نُصير.. أنظر إليّ وأجبني. أين دُنيا؟..مؤكد هذا النذل ساومك عليها"
التفت نُصير ببطء، وكانت عيناه تحملان غضبًا وقهر لم يره سيف فيهما طوال حياتهما، وقال بصوتٍ منخفض متعب::
"دُنيا اختارت أن تنهي هذا الصراع يا سيف.. هي الآن في دار زوجها، بموجب الاتفاق الذي أخرجك من السجن"
سقطت الكلمات على مسامع سيف كالصاعقة، تراجع خطوة للخلف وهو يهز رأسه برفضٍ هستيري، والجنون يبدأ في التسلل لعينيه:
"زوجها؟ فراس؟ سلمتموها له مقابل خروجي؟"
قابله صمت مطبق من أخويه، فكاد يندفع خارج الدار ولكن نُصير أحكم قبضته على رسغه وهو يتحدث في حدة:
"قف مكانك وكف عن جنونك هذا! لولا فعلتك الغبية لما كنا في هذا الموقف السخيف. هل أخبرك أحد أن تلاحقه وتطلق النار عليه يا أحمق؟ ماذا كنا نفعل برأيك، نتركك تتعفن بالسجن مع المجرمين؟"
هتف سيف الدين والشرر يتطاير من عينيه:
"لا يا كبير العائلة، ترسل أختك مع ذاك الحقير الذي دعس شرفنا لينتقم منا! ماذا كنتم تنتظرون؟ أن يأخذها وكأننا نساء؟ ألم يكفِ أنكم لم تتركوني أشرب من دمه حين استغل الفتاة وانتهى به الأمر يتزوجها بدلاً من قتله وكسر عنقها؟"
تدخل هارون يجيب عن نُصير في ضيقٍ واضح:
"أكنت تريد فضح أختك بين الناس يا أحمق؟ ثم إنها زوجته.. أتسمع؟ زوجته! لو شاء أن يأخذها من بيننا وأمام أعيننا فلا سلطة لأحد عليه، ولكن الخصومة التي تجمعنا تجعل الموقف وكأنه يتحدانا. عد لرشدك وكفى جنوناً فلا ينقصنا مصائب جديدة"
تحدث نُصير بلهجة قاطعة لينهي الجدال:
"من الآن، ليكن في عقلك؛ فراس ابن عمك وزوج شقيقتك، فقد أعلنا بين الناس أن زواجهما تم بعد الحادث. عد لعقلك وباشر حياتك كما كنت، ولا تجعل الشيطان يعمي بصرك"
كان سيف الدين ينظر لأخويه بغضب مكتوم والوجوم يحتل ملامحه، فزفر نُصير في ضيق وهو يتأمل هيأته الرثة:
• «والآن ارحم أنوفنا واستحم، ما عدنا نتحمل يا فتى».
انسحب سيف الدين مبتعداً عنهما بخطوات ثقيلة غاضبة، بينما تنفس نُصير وهارون بعمق كأن جبلًا انزاح عن صدريهما مؤقتًا. سأل هارون بعد ثوانٍ بنبرة قلقة:
"أتظنه اقتنع؟ صمته هذا يقلقني أكثر من جنونه"
رد نُصير بوجوم وهو ينظر في أثر أخيه:
"وأنا أيضاً لستُ مطمئناً، ولكن على الأقل سيمنعه من التهور تجربته السيئة في السجن"
***
انتقلت شهيرة إلى جناح آخر وسط تكتم أمن الفندق بعد الحادثة التي شاهدوها عبر كاميرات المراقبة ورواية يحيى، وبالطبع استطاعوا توفير أقرب غرفة ليحيى لتكون شهيرة نصب عينيه. ورغم صعوبة ما عاشته وحاجتها للراحة والأمان، لم تحظَ بهما وهي تعود للعمل مرة أخرى أمام الكاميرات تتقمص الشخصية التي تؤديها. وبالتبعية، كان يحيى يذهب معها في كل مكان؛ حتى لو عادت للكرفان يعود معها، فيجلس أمام الباب كالحارس تماماً، بينما كانت منة قريبة من شهيرة وتساعدها، رغم أن شكوك يحيى لم تنجلِ عنها.
انتهى اليوم الثاني من التصوير وهي تكاد تسقط من التعب، تسير نحو الكرفان مع منة وقد تملك الإرهاق منها حتى بدأت تترنح وتطالب بالارتماء على الفراش فوراً. فتحدثت منة وهي تتوقف أمام الكرفان:
«أدخلي وأنا سأجمع أغراضكِ من موقع التصوير وسآتي خلفكِ».
حركت شهيرة رأسها نافية وهي تغمغم بإرهاق واضح:
«عودي للفندق لترتاحي وتحضري ملابس مشهد الصباح، وأنا سأنام لحين مجيئكِ».
كادت منة تعترض، ولكن بالنظر للرجل الذي يجلس أمام الكرفان في ملل وهو يعبث في هاتفه، كانت هيئته الضخمة وبنيته القوية تبعث الرعب في نفس أي شخص يفكر بالاقتراب فقط من كرفان شهيرة.. وهذا ما حدث خلال ايام التصوير الماضية.. الجميع ينظرون له في قلق وكأنه سيلتهمهم..!
خرجت منة من افكارها ووافقت على الاقتراح وقد اطمأنت على أمان شهيرة. وبالفعل غادرت خلال لحظات، وتحركت شهيرة للكرفان فوقف يحيى قائلاً وهو ينظر في أثر منة:
"إلى أين ذهبت هذه؟"
تحدثت شهيرة بإرهاق وتثاؤب كمن لا يرى أمامه:
"ذهبت لتحضر ملابس مشاهد الغد.. سأدخل لأنام، تصبح على خير يا يحيى."
دخلت الكرفان وأغلقت الباب خلفها، بينما يحيى ينظر في أثرها ساخراً وهو ينظر لساعة معصمه التي تشير لقرب الفجر بتوقيت البلاد الأجنبي وقال في تهكم:
"متى أنام لأصبح يا فنانة؟"
وقبل أن يجلس من جديد، سمع ضجة عالية من داخل الكرفان، فاندفع بسرعة يفتح الباب مستعداً لأي هجوم، حبس يحيى أنفاسه وهو يقتحم الكرفان، لكنه وجدها ملقاة أرضاً تحاول استيعاب ما حدث بملامح يغلب عليها النعاس أكثر من الألم؛ فقد تعثرت في حقيبتها الضخمة التي لم تلاحظ وجودها من شدة الإرهاق.
اقترب منها بهدوء وهو يزفر براحة لأن الأمر لم يتجاوز مجرد عثرة، ثم انحنى نحوها ومد يده السليمة ليحملها من الأرض قبل أن تبذل أي مجهود إضافي. شهقت شهيرة بخفوت وهي تشعر بجسدها يرتفع عن الأرض بين ذراعيه، وكأن وعيها قد توقف عن العمل تماماً، فاستسلم رأسها الذي سقط مستندًا على كتفه دون مقاومة.
خطى بها خطوات معدودة ووضعها برفق على الفراش الصغير داخل الكرفان. وقف يتأملها في صمت مشوب بالضيق والشفقة معاً.. ضيق من طبيعة عملها وإرهاقها لنفسها بهذا الشكل، وشفقة على تلك الملامح الرقيقة التي هدّها التعب، فبدت كطفلة فقدت قدرتها على الاستيقاظ.
تمتم يحيى في حنق وتهكم وهو يفرغ الفراش حولها من الملابس المبعثرة:
"لما لا تتزوجين كبقية النسوة بدلا من هذا الهراء.. ولو اخبرك احدهم هذا ستقولين فن ورسالة.. أليس كذلك؟"
انحنى ببطء وخلع حذاءها برفق، ثم جذب دثاراً قريباً ودثرها به ليحميها من برودة المكان، وظل واقفاً يتأمل وجهها الساكن لثوانٍ بدت أطول مما يجب، وكأنه يكتشف ملامحها لأول مرة بعيداً عن صخب الكاميرات.
جميلة.. لن يستطيع انكار جمالها أبدًا.. ولكنها بدت له غريبة على العالم الذي تعيشه.. حتى أنه تفاجئ أنها ليست من نفس جنسية بلده، بل من بلد أخر مشهور بجمال شعبه وخاصة النساء ؟
فما الذي أتى بها من هذه البلاد البعيدة لتعمل ممثلة في بلده؟
شعر أن أفكاره نحوها جرفته وعندما همَّ بالالتفات ليغادر الكرفان، تمتمت شهيرة بصوتٍ واهن ممتزج بالنعاس، وكأنها تتحدث في منطقة رمادية بين الوعي واللا وعي:
"يحيى.. لا تخرج، لا تتركني وحدي.. ابقَ هنا".
توقف يحيى في مكانه، وشعر بغصة في حلقه وهو يرى الخوف يتجلى في طلبها حتى وهي نائمة.. اقترب من الفراش مجدداً، وتمتم بصوت هادئ يطمئن روعها:
"لن أذهب بعيداً، سأكون خلف الباب مباشرة.. لا تقلقي"
حاولت أن تفتح عينيها بنصف جفن وهي تكرر في صوت ناعم بلغ منه الارهاق:
"ابقَ داخل الكرفان.. أخاف أن يفتح أحدهم الباب وأنا نائمة.. ويتعدى عليّ"
نظر يحيى إلى مساحة الكرفان الضيقة، ورغم تفهمه العميق لخوفها الناتج عن الحادثة الأخيرة، إلا أن مروءته ومنطقه رفضا أن يتواجدا بمفردهما في مكان مغلق في هذا الوقت المتأخر... وخاصة معها وهي في هذه الحالة التي لا تساعد أبدًا.. زفر مطولا وهو يشيح وجهه عنها وقال بحسم مغلف بالرفق:
"لا يصح أن أبقى هنا يا شهيرة، سأجلس أمام الباب، ولن يجرؤ أحد على الاقتراب خطوة واحدة.. ثقي بي"
خرج يحيى وأغلق الباب خلفه بهدوء دون انتظار ردها، ثم جلس على مقعده الخارجي وهو يشعر بضغطٍ هائل على أعصابه في هذه اللحظة. رفع يده يشد شعره في توتركي يستفيق من شروده، وصورتها وهي غارقة في دثارها، بملامحها الناعسة وجمالها الفريد الذي لا تخطئه عين.. كيف لوجه نائم ونبر ناعسة ناعمة يكون لها تأثير على نفسه أقوى حتى من مشاهد الاغراء؟
أخرج هاتفه من جيبه يلتهي بلعبته الالكترونية وهو يهمس لنفسه بحنق:
"أعود فقط لخالتي نعمات وتبحث لي عن عروس، لا يجوز أن أبقى هكذا بلا زواج، استغفر الله العظيم..أنا المخطئ أنني لم اتزوج للان."
عاد ينشغل في لعبته الالكترونية ولا يفصله عن تلك النائمة سوى جدار من المعدن وعوالم مختلفة تمامًا لا تجتمع لا في الاحلام ولا في الحقيقة.
***



تعليقات