رواية تحسبين الحب لعبة الفصل العاشر 10 بقلم وسام اسامة
تحسبين الحب لعبة
الفصل العاشر
..................................................
خرج فـراس من المشفى أخيرًا، بقرارٍ حاسم لم يجرؤ أحد على ثنيه عنه، فرغم جسده الواهن وضيق أنفاسه، إلا أن روحه لم تطق جدران الغرف المعقمة وصخب الممرضات. أوصى الطبيب برعاية فائقة وراحة تامة ليلتئم جرح كتفه بشكلٍ صحي، لكن فـراس كان قد غادر المشفى بجسده، وعقله قد استبق الجميع إلى حصنه القديم.
تولى سند إيصاله للمنزل، ولم يتوقف طوال الطريق عن التذمر وهو يرمق شحوب فـراس الذي يزداد مع كل هزة للسيارة:
"يا أخي لمَ تُصر على ارهاق نفسك بهذا الشكل؟ عناية المشفى تخلصك من العناء، أما المنزل فستحمل همّه وهمّ جرحك."
كان سند هو الشخص الوحيد الذي لم تتغير نبرته ولا ملامحه مع فـراس بعد تلك العاصفة التي ضربت اسم "أميرة" بين العشائر؛ كان يتصرف بهدوءٍ متزن وكأن الأمر لا يعنيه، وهو ما جعل فـراس يتقبل وجوده جواره، علّه يسد ثغرة غياب صديق عمره الذي بات الآن في معسكر الخصوم. ومنذ حادثة إطلاق النار، لم ينقطع سند وشباب القبيلة عن زيارة فـراس، فمكانته لم تتزحزح في عيونهم، بل كانوا ينظرون إليه بتقديرٍ ممزوج بالرغبة في رؤيته يقف على قدميه مجدداً، بينما كان البعض الآخر يواسيه بنفاق يتشح بالشماتة، ونفوسهم تقتات على فتات الفتنة بينه وبين أبناء عمومته.
تنهد فـراس في ضيق وهو يرمق سند الذي يقود السيارة بضجر:
"كفـاك تذمراً يا سند، هل أخبرتك أن تأتي أنت لتعولني وتفتعل كل هذه الضجة؟"
أجابه سند بلهجة فيها من التسامح الكثير:
"لا أتأخر عنك يابن العم، ولكن بارك الله لك في زوجتك، فهي تحملك في عينيها والله، إنها أخت الغالي على قلبك."
تمتم سند كلماته وهو يولي انتباهه للطريق، غافلاً عن تلك القابعة في المقعد الخلفي، والتي كانت تتابع حوارهما في صمتٍ مريب وداخلها دهشة تفتت الروح؛ فسند هذا هو من تقدم لخطبتها يوماً، وهي من بكت على صدر والدتها ترفضه بحجة الدراسة، بينما قلبها كان قد حسم أمره لفـراس.. والآن، دارت الدوائر لتكون زوجة لمن تمنت، ولكن بأي ثمن؟
أما فـراس، فقد صمت شاردًا في وصف سند لـ "دُنيا" بأنها أخت الغالي. كان يدرك في قرارة نفسه أن نُصير كان أغلى ما لديه، لكنه الآن عدوٌ انتزع منه أخته بالقوة ليدق مسماراً في كرامته. ولولا انها اخته لما تزوجها فمن يو
الزواج بفتاةٍ "وقحة" مثلها؟
بينما كان سند يحاول ألا ينظر في المرآة ويبصر تلك العيون الحزينة المحملة بالدمع، كان يهمس في نفسه: "ما أغرب القدر.. من كنتُ أريدها زوجة بالأمس، تصير اليوم زوجة لغيري.. لفـراس كبير شباب العشيرة".
أما دُنيا، فكانت عيناها لا تغادران صورة فـراس المنعكسة في المرآة؛ بدا واجماً، عينه غائمة بنظرة حملت مزيجاً غريباً بين الحسرة والغضب. "أتراه نادم على أخذه لي؟" سألت نفسها بحرقة. لقد أخبرها في الماضي بملء فيه أنه يكرهها، يكره حتى النظر لوجهها، وأنها مجرد أداة انتقام.. ورغم كل الإهانات والألم الذي سببه لها ولعائلتها، كان في قلبها بضعٌ من أمل يغلب وجعها؛ أملٌ في أن تهدأ ثورته يوماً، ويميل قلبه لها ولو قليلاً. أغمضت عينيها تحرر الدموع الساخنة، وفي سرها دعاء صامت ألا يسوء الوضع أكثر، فهي الآن معه، ولن يكون لها اختيارٌ آخر.
وصلوا أخيراً للمنزل، واستقبلهم "عبدو" الذي فتح البوابة العالية لتدخل السيارة وتسلك طريقها في الممر الترابي المظلل بأشجار الحديقة الكثيفة. توقفت السيارة وسارع عبدو ليهرول نحوهم ويساعد سيده على النزول. وعلى عتبة الباب، كانت "أم عبده" تستقبلهم بزغاريد تعبر عن فرحتها العارمة رغم الدموع التي غلبتها:
"الحمد لله أنك بخير يا سيدي، أنرت بيتك من جديد.. أطال الله عمرك ورفع قدرك."
"آميـــن"
تلفظت بها دُنيا بصدقٍ ولوعة وهي تراقبه وهو يستند بثقله على عبدو. همستها تلك جعلت سند يبتسم بحسرة مكتومة، بينما حدجها فـراس بنظرة حادة جمدت الدماء في عروقها، وكأن صوتها محرمٌ عليه حتى في الدعاء.
تنحنح سند قائلاً:
"سأرحل الآن يابن العم.. إن احتجتني فاتصل بي، والحمد لله على سلامتك مرة أخرى."
حرك فـراس رأسه بامتنانٍ قارس، وتمتم بهدوء:
"انتبه لسير العمل في المصنع، وإن حدث شيء عد إليّ أو لنُصير، المهم ألا يتأثر العمل بما حدث."
غادر سند، وخطى فـراس لداخل المنزل ودُنيا تتبعه بآلية، تحاول التغلب على الذكريات السيئة التي سكنت أركان هذا المكان. عاد عبدو للحديقة، ووقفت أم عبده أمام فـراس الذي جلس على مقعده في المجلس وقالت بلهفة:
"سيدي، لقد حضرتُ لك الطعام، هل أسكب لكم الآن أم ترتاح أولاً وأوقظك في موعد الغداء؟"
رد فـراس بجفاءٍ لم تتوقعه:
"سلمت يداكِ يا أم عبده.. خذي إجازة ولا تشغلي عقلكِ بشيء، وإن احتجت لكِ سأخبر عبده يأتي بكِ."
اندهشت الخادمة العجوز:
"إجازة؟.. لماذا يا سيدي؟ كيف أتركك في هذه الحالة؟ سيدتي فلك أخبرتني أن.."
قاطعها بحدة:
"لا شأن لكِ بفلك، أنا أقول لكِ استريحي في دارك لأسبوع، وأنا سأخبرك متى تعودين."
"حاضر سيدي.. ولكن من سينظف المنزل ويعتني بشؤونه؟"
"زوجتي ستفعل كل هذا يا أم عبده لا تقلقي، سأحرص على ألا تقصر مثلكِ تماماً."
كلماته كانت كالصفعة على وجه دُنيا، بينما انصرفت أم عبده وهي تتمتم بالسمع والطاعة. التفت فـراس نحو دُنيا، وبعد صمتٍ ثقيل، سألها بتهكم:
"والآن يا دُنيا، أظنكِ فهمتِ دوركِ هنا.. هل علمتكِ الخالة فاطمة أصول العمل أم أنها فشلت معكِ في هذا أيضاً؟"
رفعت دُنيا غطاء وجهها، وحدقت فيه مطولاً بعينين تلمعان بالدمع:
"هل ما فعلته الآن هو لإهانتي أيضاً؟"
سخر منها قائلاً:
"وماذا ستفعلين لو قلتُ نعم؟ هل ستركضين لأخيكِ باكية؟"
أجابت بثباتٍ لم يتوقعه رغم ارتجافها كجزع شجرة ضعيفة:
"أخبرتُك أنني لن أغادر يا فـراس، لذا افعل ما شئت.. أنا الآن زوجتك كما أردت أنت."
لمعت عينا فـراس بوميضٍ غامض:
"يعجبني تماسككِ هذا، لنرَ إلى متى ستصمد شهرزاد.. والآن اذهبي لتبدلي ملابسكِ، وجهزي الحمام لأغتسل."
حركت رأسها إيجاباً، لكنها تسمرت في مكانها بعد خطوات، فسألها بصوته الغليظ:
"لماذا لازلتِ تقفين؟"
أجابت بصوتٍ خفيض:
"أنا لا أملك ملابس، ولا أعرف أين الحمام."
رد ببرودٍ أعاد فتح جروح الماضي:
"ستجدين ما يلزمكِ في غرفة فيدرا.. سبق ودخلتها كما أذكر."
كان يلمح لذلك اليوم المشؤوم الذي جاءته فيه بمنتصف الليل، وانتهى بكارثة أسفرت عن عداء غاشم. أطرقت دُنيا رأسها وسارت بخطى مثقلة نحو غرفة فيدرا، تاركةً خلفها فـراس ينظر لأثرها في وجوم واضح..
دلفت دُنيا إلى غرفة "فيدرا" بخطواتٍ تتهيب لمس الأرض، وكأنها تخشى أن توقظ ذكريات تلك الليلة المشؤومة التي حُفرت في جدران هذا المنزل. كانت رائحة الغرفة لا تزال تحمل شيئاً من عبق فيدرا، لكنها الآن بدت باردة ومهجورة، تماماً كقلب دُنيا في هذه اللحظة.
فتحت خزانة الملابس بقلبٍ يرتجف، لتجد أثواباً كانت فيدرا قد تركتها خلفها حين انتقلت لدار زوجها. تناولت ثوباً بسيطاً يميل لونه للقتامة، وكأنه يواسي حزنها منه، وبدلت ملابسها بسرعة .
خرجت دُنيا من الغرفة، محاولةً التظاهر بالثبات أمام نظراته التي تلاحقها كظلها. توجهت نحو "الحمام" الذي أشار إليه، وبدأت في تحضير الماء الدافئ، بينما كانت أناملها المرتعشة تعبث بالصنابير، وعقلها يستعيد كلمات نُصير المحذرة لها قبل رحيلها. كانت تعلم أن فراس لن يجعل الأمر سهلاً، وأن كل خطوة تخطوها هنا ستكون تحت مجهر غضبه وانتقامه.
بعد دقائق، اقتربت منه في المجلس، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله متزناً رغم الاضطراب الكامن فيه:
"الحمام جاهز يا فـراس.. هل أساعدك في النهوض؟"
رفع فـراس بصره إليها، وكانت عينه الغائمة تشع ببرودٍ أخافها أكثر من صراخه. اتكأ على ذراع المقعد، وحاول النهوض بمفرده، لكن أنة مكتومة خرجت من صدره حين ضغط على كتفه المصاب. وقبل أن يسقط ثانية، كانت يد دُنيا قد امتدت لتسنده بلهفة عفوية، لكنه دفعها بخشونة جعلتها تتراجع للوراء.
تحدث فـراس من بين أسنانه وهو يغالب الألم:
«لا تلمسيني يا دُنيا.. لا تظني أنكِ بوجودكِ هنا قد ملكتِ الحق في الاقتراب مني والتصرف وكأنك زوجتي. أنتِ هنا لأنني أردتُ ذلك.. فانسي أحلامك الوردية هذه"
ابتلعت دُنيا غصة مريرة في حلقها، وأطرقت رأسها قائلة بمرارة:
"أذًا لما أخذتني وافتعلت كل تلك الجلبة إن كنت لا تريدني أن ألمسك أو أتصرف كزوجتك؟ هل تهوى تعذيبي ؟.. هل أخذتني لتذلني فقط.. ألم تقل لي أنك تود أن يكون لك زوجة وعائلة؟"
صمت فـراس لحظات يتأمل نظراتها العاتبة فسخر منها بضحكة باهتة خلت من أي مرح:
"مهلا مهلا.. اتريد الصغيرة أن تتصرف كزوجة؟ تبهريني بوقاحتك يوم بعد أخر.. حسنا يا صغيرة ليكن لكِ ما أردتي
من هذه اللحظة ستكونين زوجتي قولا وفعلا فلا تلومي إلا نفسك."
بدت دُنيا حائرة من مقصده للحظات وكادت تسأل عما ستلوم نفسها لأجله ولكن صوته الصارم جعلها تنافض:
، كفي عن الكلام الفارغ وسيري أمامي.. سأغتسل، وبعدها أريد الطعام جاهزاً على الطاولة كما أمرت، والأفضل أن تتعجلي كي تعلمي مهمك المنزلية من ام عبده قبل مغادرتها هيا لما لازلت واقفة ؟"
تحركت دُنيا بسرعة وكل قدم تسابق الأخرى حتى كادت تسقط أمامه، ولكن غضبه يفزعها، وصوته الهادر يجعلها تود الهروب من أمامه خشية يبطش بها..لا تعلم كيف يجتمع الحب والخوف في قلبٍ واحد.. ولكنهما اجتمعا عليها .
***
امتد تصوير المشاهد لأسبوع كامل في تلك البلاد الباردة، حيث لم تهدأ وتيرة العمل ليلاً ولا نهاراً. كانت شهيرة منغمسة في تقمص شخصيتها لدرجة أذهلت الجميع؛ فكانت لا تغمض جفنيها سوى لساعتين أو ثلاث، ثم تنتفض لتقف أمام الكاميرا بكامل حيويتها، إلى أن تسقط صريعة الإرهاق في نهاية اليوم. هذا الجدول القاتل لم يترك لها ثغرة واحدة ليتسلل منها الخوف أو القلق بعد الحادث الأخير، خاصة وأن يحيى غدا كظلها الذي لا يفارقها؛ أينما ولّت وجهها تجد عينيه الصقريتين ترصدان كل حركة حولها، مما منحها شعوراً مباغتاً بالاسترخاء، فتركت له عبء الحماية وتفرغت هي تماماً لعملها.
أما يحيى، فقد كان نصيبه من النوم شحيحاً لدرجة الإنهاك، فمهمته مزدوجة؛ يحرسها ساعات العمل الطويلة، ويقف مرابطاً أمام بابها وهي نائمة. ومن فرط مراقبته لأدق تفاصيلها، لاحظ أنها ترسم لنفسها صورة مثالية مبالغاً فيها؛ فهي تبتسم للجميع دون استثناء، تجامل هذا على براعة أدائه، وتثني على تلك لجمال إطلالتها، وتواصل التصوير في ظروفٍ قاسية كان زملاؤها يعترضون عليها بشدة. كانت تحاول إثبات شيءٍ ما، كأنها في سباق مع نفسها لتكون الفنانة المثالية، وهو أمر لم يستسغه يحيى ولم يفهمه.
كان جمالها ناعماً، يحمل جاذبية فطرية جعلتها محط أنظار كل الرجال في موقع التصوير، وهي ببساطة تثير حنقه
تقابل تلك النظرات المتفحصة بابتسامة عذبة وكلمات شاكرة. تنهد يحيى بمرارة وهو يمسح على وجهه المجهد متمتماً في غيظ:
«الرجل يكاد يلتهمها بعينيه، وهي تبادله الشكر ببرود.. هل هذه المرأة حمقاء أم أنها تتجاهل الواقع؟»
كان يحيى يلعن الموقف في سره عشرات المرات يومياً؛ تارة بسبب أزياء الشخصية التي تبرز فاتن جمالها وتجعل العيون تجحظ في تأملها، وتارة بسبب تباسطها المفرط في التعامل مع الرجال رغم تنبيهاته المتكررة لها بضرورة وضع حدود، ومرة أخرى بسبب تلك الرقة التي يراها "عملة نادرة" لا تليق بمكان صاخب ومختلط كهذا.
انتبه من شروده على صوت المخرج وهو يصرخ في حماس هز أركان المكان:
«فـــركش.. انتهى التصوير يا رفاق! لندعوا جميعاً أن يحقق هذا الفيلم أعلى الإيرادات... وبهذه المناسبة سنقيم حفل في الغد لنودع البلد قبل سفرنا».
ضحك يحيى بسخرية وهو يفتح قنينة ماء، هامساً لنفسه:
«الأحمق واثق من النجاح حتى لو كانت الفكرة تافهة.. لكنه يعلم أن وجود شهيرة وحده يكفي ليغمر شباك التذاكر بالمال».
كاد يتجرع الماء، لكنه غصّ به وبصقه بعنف حين رأى "حفلة العناق" الجماعية التي اندلعت فجأة احتفالاً بالنهاية. رأى شهيرة تعانق المخرج وهي تضحك، ثم المؤلف، وكادت تمد ذراعيها لزميلها الممثل، لولا أن سعال يحيى الحاد وصل لمسامعها محذراً، بينما احتقن وجهه بالدم.
مسح فمه بحدة، وهمس بصوت فحيح وهي تقترب منه في قلق:
«قليلة حياء.. والله لو كان لي عليكِ سلطان لصفعت وجهكِ الضاحك هذا».
لم تلتقط شهيرة همسه القاسي، ووقفت تحدق في وجهه المخطوف وهي تغمغم بريبة:
«هل أنت بخير؟ هل توقف الماء في حلقك؟».
رد بجفاء وهو يشيح بوجهه عنها:
«لا شأن لكِ بي.. اذهبي لتكملي توزيع "الهدايا"».
قطبت جبينها بتعجب:
«هدايا؟ أي هدايا؟ ما بك يا يحيى لا أفهمك».
قال بنبرة تقطر تهكماً:
«ألم تكوني تعانقين الرجال منذ دقيقة؟ هم يرون أن هذه "عطايا" سخية من فنانتهم الجميلة.. اذهبي وأكملي الكرم».
اشتعلت عيناها بالضيق وقالت:
«ما الأمر؟ ولماذا كل هذا الغضب؟ انتهى التصوير ونحن جميعاً سعداء ونهنئ بعضنا بانتهاء التعب.. أنت الوحيد الذي يقف متجمداً هنا كأنك في جنازة».
أجابها بحدة:
«ماذا تريدين؟ هل عليّ أن أصطف في ذاك الطابور الطويل لأعانقكِ وأهنئكِ سيدتي؟».
ردت بعفوية لم تحسب عواقبها:
«لست بحاجة للطابور.. أنا سأعـ...».
قاطعها بصرخة مكتومة وهو يتراجع خطوة للخلف:
«قفي مكانك يا امرأة! هل فقدتِ عقلكِ؟ ابتعدي!».
اتسعت عيناها بذهول:
«ماذا؟ ألم تكن غاضباً لأنك تقف وحدك؟».
هتف بها وهو يشد على أعصابه:
«اسمعيني جيداً.. إياكِ أن تقتربي مني بهذا الشكل، ولا تفكري في عناقي أبداً.. ممنوع اللمس نهائياً، هل فهمتِ؟».
ضحكت بذهول مشوب بالإحراج:
«هل جننت؟ تصوّرني وكأنني أتحرش بك! أنت الذي بدوت غاضباً لأنني لم أخصك بالتهنئة».
رفع يده إلى السماء متمتماً بيأس:
«يا مثبت العقل يارب.. أنا لا أقصد نفسي! أنا أقصد أن عناقكِ لهذا وذاك أمر لا يجوز ولا يصح، ولكن يبدو أن مفاهيمنا عن "الأصول" بعيدة كل البعد عن بعضها».
نظرت إليه شهيرة بذهول، وقد تلاشت ابتسامتها تدريجياً لتحل محلها نظرة فاحصة، وكأنها تراه للمرة الأولى بعيداً عن كونه "الحارس المطيع". شعرت بإهانة خفية في كلماته، لكن شيئاً ما في نبرة صوته المبحوحة جعلها لا تنفجر فيه غضباً.
تحدثت بنبرة هادئة، لكنها حادة كالشفرة:
« هؤلاء الناس قضيت معهم شهوراً في العمل، نأكل معاً ونمرض معاً ونواجه البرد معاً.. العناق هنا ليس هدايا كما تسميها بعقلك المريض بالشك، بل هو لغة إنسانية بسيطة لانتهاء رحلة شاقة».
اقترب يحيى منها خطوة واحدة، وهبط بصوته إلى طبقة رخيمة مرعبة:
«ولغة "الإنسانية" هذه لا تعرفونها إلا بالملامسة؟ هل ينقص تقديركِ للمخرج إن قلتِ له "شكراً" من بعيد؟ أم أن المؤلف سيفشل فيلمه إن لم يشعر بدفء ذراعيكِ؟.. اسمعي يا فنانة، أنا لستُ من عالمكِ، وهذا صحيح، لكنني رجل.. وأعرف جيداً كيف ينظر هؤلاء "الإنسانيون" إليكِ حين تضحكين وتعانقين.. هم لا يرون فنكِ في تلك اللحظة، بل يرون شيئاً آخر تماماً».
ارتجفت أهداب شهيرة، ليس خوفاً، بل لأن كلامه لامس حقيقة كانت تهرب منها دائماً تحت مسمى "الزمالة". شعرت برغبة في الدفاع عن نفسها، لكنها وجدت نفسها تسأل بفضول مستفز:
«ولماذا يغضبك الأمر هكذا؟ أنت هنا لتحميني من المضايقات والاعتداءات، لست واصياً على أخلاقي أو طريقتي في التعبير عن فرحتي».
صمت يحيى للحظة، وبدت عيناه كأنها تحترق بنار لا يعرف هو نفسه مصدرها. أبعد نظره عنها بسرعة وهو يلملم أغراضه بخشونة قائلاً:
«معكِ حق.. أنا هنا لأحميكِ فقط، أما ما تفعلينه بكرامتكِ وبنظرة الرجال لكِ، فهذا شأنكِ.. اذهبي، الحافلة تنتظر لنعود للفندق، وأرجو أن تلتزمي بالصمت طوال الطريق، فقد استهلكتِ طاقتي في الكلام أكثر مما فعل أسبوع التصوير».
تحرك يحيى أمامها بخطوات واسعة وغاضبة، تاركاً إياها تقف في منتصف موقع التصوير، تشعر ببرودة الجو لأول مرة منذ ساعات. لم تعد تشعر بفرحة انتهاء التصوير، بل شعرت بضيق يطبق على صدرها؛ فكلمات يحيى الفظة تركت خلفها تساؤلات لم تكن تود طرحها على نفسها أبداً.
صعدت الحافلة، ووجدته يجلس في المقعد الأخير، واضعاً رأسه على الزجاج ومغمضاً عينيه بتعب شديد، لكن عروق يده النافرة كانت توضح أنه ليس نائماً، بل يحاول كبح جماح غيظه. جلست في المقعد الأمامي، وظلت طوال الطريق تنظر إليه عبر المرآة، تماماً كما كان يفعل هو معها طوال الأسبوع، وكأن الأدوار قد تبدلت
سمعت همس منة وهي تسألها في فضول:
"ما الأمر؟ هل عاد يضايقك مره أخرى ؟"
لم ترد شهيرة عليها وانما تركت رأسها يميل على الزجاج وهي تغمض عينيها تتذكر ملامحه الغاضبة وهو يزجرها على معانقتها لزملائها.. ورغم ضيقها منه.. رأت حماية لم تراها قبلا..!
كادت ضحكة مجنونة تنفلت منها وهي تتذكر وجهه وهي تقترل منه لتعانقه، كاد يقفز من أرضه وهو يخبرها عن قواعدة
ممنوع اللمس ؟؟
انقشعت ابتسامتها حينما سمعت منة تغمغم في ضيق:
"ماذا حدث لينظر لكِ هكذا، الرجل وكأن يود خنقك ؟"
فتحت شهيرة عينيها ونظرت في المراه لتجده يحدق في انعكاسها في حنق واضح، وحالما تلاقت نظراتهما
اشاح وجهه عنها مغمغمًا بشيء لم يصلها.
وصلت الحافلة للفندق وبدأ الطاقم يهبطون منها، وكان أخر من نزل منها يحيى الذي أخذ مسافة كبيرة بينه وبين سهيرة التي حدقت فيه بدهشة.
لما يتصرف وكأنها مرض مُعدي يحاول الابتعاد عنها قدر الامكان ؟... لقد ظنت ان علاقتهم تحسنت بعد الحادثة الأخيرة.
وقبل أن تتحرك لداخل الفندق وجدت أحد الفتيات استوقفته وتحدثت معه بابتسامة تفهمها شهيرة جيدًا، ونظراتها تحوم على بنيته الضخمة تأكله بعينيها
وكان يحيى يبادلها الحديث في هدوء، ورغم عدم سماعها ما يدور بينهما إلا أنها تقسم أنها اطرت عليه في شيء جعله يبتسم ابتسامة صغيرة ثم يتابع سيره والفتاة تلتفت وتغادر ولم ترى شهيرة ما ارتسم على وجهها.
كادت توقفه تتحدث معه ولكنه انطلق من جوارها كصاروخ وقد وصلتها تمتمة خافتة لم تفهمها:
" لن أؤجل الأمر، خالتي نعمات ستتولى المهمة في أسرع وقت"
جعدت شهيرة جبينها في ذهول وسارت خلفه وهي تراه يسير كالمسوس.. ما الذي يحدث معه ؟
دخلت شهيرة جناحها ومعها منة مساعدتها تثرثر في اشياء لم تكن شهيرة منتبهة لها.. بل كان عقلها شارد مع يحيى وتصرفاته الغير مفهومة، لما هو غاضب منها هكذا؟
حتى أنه لم يقف أمام جناحها كالعادة، بل دخل لغرفته القريبة من جناحها فورا دون كلمة بعد تأكده من دخولها للجناح ؟
انتبهت على كف منة التي وضعت على جبينها :
"ما الأمر شهيرة لما أنتِ صامتة هكذا؟ هل انتِ مريضة ؟"
حركت سهيرة رأسها نافية وجلست على الفراش تغمغم في خفوت:
"لا أنا بخير، ولكن يحيى غاضب، لا أفهم ما الذي حدث ليكون بهذه الحالة ؟"
"بماذا كنتم تتحدثون بعد انتهاء التصوير، لقد صعد الحافلة وهو يستشيط غضبًا"
صمتت شهيرة شاردة في المحادثة القصيرة التي دارت بينهما، وشيء ما في نفسها منعها من البوح بما حدث لمنة، فتمتمت وهي ترمي ظهرها على الفراش متأوهة في ارهاق واضح:
"اتركيني الان لأرتاح يا منة، أريد النوم وتعويض الأيام الماضية.. لا توقظيني مهما حدث"
حركت منة رأسها في ايجاب وتركتها وغادرت الغرفة، بينما شهيرة احتضنت وسادتها واغمضت عينيها لتنام، ولكن للدهشة لازمها وجهه الغاضب حتى في أحلامها.. فتمتمت بصوت خافت ضاع في سباتها:
"يحيى.. يحيى عسل ؟"
انقضت الساعات في سلام وهدوء غريبان، فشهيرة لم تخرج من جناحها منذ دخلته، وحتى منة اختفت في غرفتها؛ فاستطاع يحيى أخيراً أن يظفر بالنوم بما يكفي، وقد خالط نومه أحلام مزعجة جعلته ينتفض من فراشه مستغفراً وهو يمسح على وجهه المبلل بالعرق.
استوى من الفراش متجهاً نحو الحمام، ووقف أمام المرآة يتأمل هيأته؛ مسح على بطنه التي بدت مقسمة بسبب رياضته المستمرة، فحتى أكل خالته نعمات اللذيذ لم يستطع تهديد لياقته التي تعد واجهة لعمله. ثم نظر لكتفيه القويين وهو يسترجع كلمات الفتاة الأجنبية التي بدت معجبة ببنيته ولم تتردد في إعلان إعجابها الصارخ أمامه. تنهد في حنق وهو يبحث عن معجون الحلاقة متمتماً بغيظ:
"ما بال النساء فقدن حياءهن؟ واحدة تعانق هذا وذاك، وأخرى توقفني لتقول لي جسدك رائع.. ماذا تركن لنا؟"
وضع المعجون على ذقنه وبدأ حلاقته في تركيز حتى انتهى من نصفها، ولا يدري لما شرد ذهنه بعيداً عنه.. فجأة تذكر وجهاً رقيقاً جميلاً، خصلات شقراء طبيعية طويلة وعيوناً مكحلة بلون فريد ما بين الأزرق والأخضر.. وجنات كثمرة ناضجة وفماً كقلب مضغوط مغري.. ويحك يا يحيى؟
انزلقت الشفرة وجرح نفسه حينما استفاق من أفكاره التي بدأت تأخذ منحى خاطئاً؛ تأوه وهو يرى الجرح الصغير قد أخرج قطرات دماء لوثت بياض المعجون. جز على أسنانة وهو يلقي الشفرة في عنف وهو يهمس لنفسه:
"تستحق يا أحمق.. فيما تفكر أنت؟ عد لرشدك يا يحيى.. عد لرشدك"
"يحيى؟"
انتفض على الصوت الناعم الذي جاء من خلفه، التفت ليرى شهيرة تقف أمام باب الحمام تحدق فيه بعيون وساع، تنظر للدماء التي بدت واضحة على ذقنه ورددت في قلق واضح:
"ما الأمر؟ هل جرحت نفسك؟"
قرنت قولها باقترابها، فعاد خطوة للخلف بسرعة وهو يمد يده يصدها قائلاً في حدة:
"قفي مكانك.. ما الذي تفعلينه هنا؟"
بدت حائرة من حدته وتمتمت في خفوت مرتبك:
"أنا أردت التمشي قليلاً، والساعة متأخرة.. أردت أن أخبرك ولكنك لم تُجب على هاتفك فاستخدمت المفتاح الذي أعطيتني إياه للطوارئ.. خشيت أن تكون لست بخير"
زفر يحيى في عصبية مكتومة يود لو يصفع رأسه في الجدار أمامه.. ما الذي تفعله هذه المرأة هنا معه في غرفة مغلقة؟ ود لو يزجرها حتى تستفيق لنفسها وتنتبه لوضعهم المريب، وكاد يضع أفكاره حيز التنفيذ، ولكنه وجدها تتحرك وتجذب منشفة نظيفة تبللها أسفل مياه الصنبور وتقترب منه قائلة في قلق:
"لو تركت هذا المعجون على الجرح سيلتهب ويحكك جلدك"
رفعت يدها بمنشفة تمسح المعجون الذي اختلط بالدماء، وقبل أن تُكمل.. قبض يحيى على رسغها يمنعها وعينه مثبتة في عمق عينيها الغريبتين بلونهما الفريد. بدت قبضته قوية تؤلمها وقد طال نظرته لها حتى ارتبكت، فتمتمت في ألم دون أن تحرر يدها:
"يحيى أنت تؤلمني، ما الذي تفعله؟"
هل يؤلمها حقاً؟ إذاً ماذا تفعل به هي؟ هل ساقها شيطانه له.. ما الذي تفعله في حمامه الآن؟ ترك رسغها وهو يغمغم بكلمات لم تصل لها والتفت يوليها ظهره يمنع نفسه من زجرها بصعوبة، وغمغم بصوت حاد متحشرج:
"انتظريني في الخارج وأنا سأخرج لكِ في الحال.. ولا تدخلي لغرفتي مرة أخرى إن لم يكن الأمر طارئاً حقاً"
حدقت في ظهره للحظات لا تفهم سبب حدته معها، ولكنها لم تجادل؛ شعرت بأن الأجواء مشحونة بتوتر غريب أربكها، لذا فعلت ما طلب وتركت غرفته تنتظره خارجها وهي تضع كفيها في جيوب معطفها وقد شردت في النظرة الطويلة التي تلاقت أعينهما فيها.. لم تكن نظرة تشبه نظرات الرجال عادة، كانت نظرة حملت مزيجاً غريباً من الغضب والضعف وشيئاً آخر لم تفهمه.
خلال دقائق قليلة خرج لها بذقن حليقة وقد بدت ندبة حمراء على ذقنه أثر جرحه لنفسه،! انتبهت على صوته الحاد يسألها:
"أين تريدين الذهاب؟"
تأملته شهيرة في وقفته المهيبة، وقد ارتدى معطفه الجلدي الذي احتوى جسده الضخم في أناقة متوحشة لا تليق بسواه، وشعرت بوخز الحرج ينهش ثباتها وهي تراه يتحاشى النظر إليها. تمتمت بخفوت وهي تحاول لملمة شتات كرامتها الجريحة من صده:
"ليس لمكانٍ معين.. فقط أردتُ التمشّي قليلاً، إن لم تكن ترغب في الخروج فأنا.."
لم تكن نبرتها الواهنة سوى وقودٍ زاد من اشتعال النار في صدره؛ فهو يدرك أن خلف هذا الضعف تكمن "شهيرة" التي تزلزل حصون ثباته بلمسة من يدها. قاطعها وهو يتقدم نحو الباب في وجومٍ قاطع:
"هيا"
سارت خلفه بخطواتٍ سريعة، تجاهد لمجاراة خطواته الواسعة التي تعبر عن رغبته في الهروب من حيز الغرفة الضيق، حتى خرجا من الفندق لتلفحهما برودة الليل القاسية. حينها فقط، أبطأ يحيى إيقاعه حتى أصبحت خطاهما متوازية، وكأنه يفسح مجالاً لصمتٍ لا يقل ثقلاً عن الجدران التي تركاها خلفهما.
تنهدت شهيرة في راحة مباغتة، لكن سرعان ما تغضّن جبينها الرقيق في ضيق، وهمست وهي تحاول استنشاق الهواء:
"هذه البلاد.. لا أستطيع التنفس فيها بحرية، كلما بحثتُ عن هواء نقي وجدتُ رائحةً عفنة تملأ الأجواء"
كانت الكلمة بمثابة مفتاحٍ لصندوق الحنين الموصد في قلب يحيى. شرد بصره نحو الأفق المليء بناطحات السحاب الباردة، وقال بصوتٍ هادئ
"هذا ما استقر في وجداني منذ وطأت قدماي هذه الأرض. رغم كل هذا التقدم والحداثة الخادعة، إلا أن مدينة البحر عندي بألفٍ من هذه المدينة"
التفتت إليه شهيرة بفضولٍ طغى على إرتباكها، وسألت:
"مدينة البحر؟ هل تعيش هناك؟"
انبسطت أسارير يحيى في حنينٍ نادراً ما يسمح له بالظهور على ملامحه الصارمة. بدت نبرته أكثر ليونة وهو يصف وطنه الصغير:
"نعم، هناك تعيش عائلتي.. مدينة هادئة، لا تعرف المباني الشاهقة التي تحجب السماء، ولا الزحام الذي يخنق الأنفاس. بيوتها بسيطة، ملامحها ألفة، والبحر يمتد أمامك بمد البصر بهواء نقي يغسل النفس. ذاك المكان هو جنة الأرض بالنسبة لي"
ابتسمت شهيرة برقة، ولامست كلمات الحنين داخلها وتراً لم تعتد العزف عليه، فقالت بنبرة حلوة:
"أودُّ حقاً زيارة مدينة البحر، لأرى إن كانت بتلك الروعة التي وصفتها"
توقف يحيى فجأة، والتفت إليها بنظرةٍ اخترقت هالتها اللامعة، ليعيدها إلى واقعها القاسي ببرودٍ متعمد:
"لن تعجبكِ.. لا تلائم شخصيتكِ"
قطبت جبينها في دهشة مشوبة بالاستنكار:
"كيف لا تلائم شخصيتي؟ لا أفهمك"
ثبت يحيى عينيه في عينيها، وكان في نظراته مزيجٌ من حمايةٍ فطرية وقسوةٍ أراد بها حماية نفسه أولاً:
"حياة مدينة البحر هادئة، تسير وفق إيقاع الفطرة والبساطة.. وهي أبعد ما يكون عن صخب حياتكِ وضجيج الأضواء الذي يحيط بكِ. لن تنسجمي مع هدوئها، ولا أظن أن أهلها سينسجمون مع عالمكِ"
شعرت شهيرة بلسعةٍ في قلبها من هذا الحكم القاطع والرسالة المبطنة التي يحاول ايصالها لها، وأطرقت رأسها وهي تدرك أن الفوارق بينهما ليست مجرد مسافات، بل هي عوالم لا تلتقي. قالت بأسى مكتوم من كراهيته نحوها:
"قد تكون محقاً.. أنا اعتدتُ على الضجة، وربما أصبح الهدوء يربكني الآن"
أحس يحيى بغصة وهو يرى لمعان الحزن في عينيها، لكنه جاهد ليظل "الحارس" الذي لا تهزه المشاعر، فقال وهو يستدير ليعود:
"وأنا أرى هذا تماماً.. هل اكتفيتِ من التمشّي لنعود؟"
"نعم، اكتفيت.. لنعد"
سارا في طريق العودة، وبينما كانت هي تشعر بالوحدة وسط الزحام، كان يحيى يصارع رغبةً مجنونة في مواساتها لتمسح هذه النظرة الحزينة من عينيها؛ لا يود رؤيتها في مدينة البحر، يود لو تنتهي هذه المهمة في أسرع وقت ويختفي من حياتها الصاخبة.. يخشى أن تغرق في بحره، فلا يجد هو حينها سبيلاً لإنقاذ نفسه من الغرق في سحرها.
وقف أمام جناحها ينتظرها تدخل وتغلق الباب خلفها، ولكنها وقفت للحظات قبل أن تلتفت له تنظر له وقد طال صمتها المتردد قبل أن تقول:
"أراك مساء الغد في الحفل"
حرك رأسه في إيجاب وهو لازال يقف ويضع يديه في جيوب معطفه الجلدي، لم تجد ما تقوله بعد ايمائته، فدخلت وأغلقت الباب خلفها، حينها فقد زفر يحيى يخرج طاقة مكبوتة في صدره، وشيء ما يأجج نيران غريبة في جوفة، نار أشعلتها شهيرة ولا سبيل كي تنطفئ.
أما الأخرى فوقفت خلف الباب تحدق في الفراغ شاردة، تسأل نفسها ما الذي يحدث معها.. ؟؟
ولكنها لم تجد إجابة صادقة تعبر عما يحدث داخلها.. وفي عقلها اسم يروح ويجيء بلا توقف
"يحيى عسل ؟"
***
في اليوم التالي، اتخذت شهيرة قراراً بالاعتكاف التام داخل غرفتها، موصدةً الأبواب أمام أي محاولة للاختطاف بصرياً بجمال المدينة أو صخبها. ورغم إلحاح منة المستمر وتذمرها من ضياع الفرصة الأخيرة لاستغلال يومهما الأخير في هذه البلاد الباردة، إلا أن شهيرة بقيت على موقفها الصلب.
ولكي تضع حداً لثرثرة منة، هاتفت يحيى باختصار شديد، وبنبرة خالية من الروح أخبرته أنها لن تغادر الغرفة اليوم. بل وذهبت لأبعد من ذلك حين منحته "صك حرية" مؤقت، قائلة إنه لو شاء الخروج واستكشاف المدينة فليفعل، ولا يشغل عقله بها.
لم يتردد يحيى في قبول العرض؛ فرغبته في الابتعاد عنها وتطهير عقله من صورتها كانت أقوى من أي منطق مهني. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن حذره الفطري؛ فقد أوصى أمن الفندق بتعيين حارس خاص مرابط في الرواق المؤدي لجناح شهيرة، لضمان عدم تكرار أي اعتداء أو حادثة مريبة في غيابه.
انطلق يحيى في شوارع المدينة، غارقاً في معطفه الجلدي، يسير بلا وجهة محددة، محاولاً إلهاء عقله بوجوه المارة وواجهات المحلات الشاهقة. لكن صمته لم يكن سلاماً، بل كان ضجيجاً من الأفكار المتصارعة؛ فصوت "دريد" كان يتردد في أذنيه كصاعقة تحذيرية.
لقد كان دريد محقاً حين نصحه بالابتعاد قبل أن يقع في "فتنتها". والآن، وهو يسير وحيداً تحت سماء غريبة، أدرك يحيى بمرارة أنه لم يعد يراقبها لحمايتها فحسب، بل أصبح يراقب نفسه لئلا ينزلق أكثر في منحدر الإعجاب الذي بدأ يسحب قدميه رغماً عنه.
في جناحها الهادئ، كانت شهيرة تخوض معركتها الخاصة مع المرآة، وكأنها تستعد لمواجهة لا تقل ضراوة عن مشاهدها أمام الكاميرا. اختارت لهذه الليلة ثوباً بلون الأخضر الزمردي اللامع، قماشه ينساب من صدرها في انسيابية مذهلة وصولاً إلى كاحليها، بلا ذراعين أو حمالات، وكأنه نُحت خصيصاً ليحتضن جسدها. كانت الفتحة الطويلة التي تصل لأعلى فخذها تبرز بشرتها المرمرية اللامعة مع كل حركة، لتعطيها بريقاً يخطف الأنفاس تحت أضواء الفندق.
أما شعرها الأشقر الطويل، فقد تركته حراً ينسال كشلال من الذهب على ظهرها، باستثناء جانب واحد رفعته برقة بواسطة مشبك شعر فضي على شكل فرع شجر مرصع، ليظهر عنقها الطويل ويزيد من حدة جمال وجهها الفريد.
كانت منة تقف خلفها، تراقبها بذهول وإعجاب وهي تضع اللمسات الأخيرة، فقالت بنبرة منبهرة:
"شهيرة.. أنتِ لستِ مجرد فنانة الليلة، أنتِ حرفياً قطعة من الزمرد المشع. هل أنتِ متأكدة من هذا الفستان؟ أراهن أن كل من سيرونكِ سيقعون في حبكِ بالتأكيد"
توقفت أنامل شهيرة وهي تضع قرطاً ماسياً في أذنها، ونظرت لانعكاسها ببرود يشوبه الشرود ، ثم همست:
"لا حظ لي في الحب على ما يبدو يا منة.. هيا لقد تأخرنا على الحفل"
خارج الجناح، كان يحيى قد عاد من جولته في المدينة، وعقله لا يزال يصارع التعليمات الذي وضعها لنفسه اثناء خلوته اليوم. وقف في الممر ببدلته الرسمية السوداء التي زادت من هيبته وصرامته، تملم في وقفته ينتظراً خروجها. كان يحاول إقناع نفسه بأنها مجرد مهمة وستنتهي بسرعة لكن حين فُتح الباب وخرجت شهيرة بهذا الثوب الذي يكشف أكثر مما يستر، وبذاك الجمال الذي يتحدى كل مبادئه وقناعاته، شعر بأن الأرض تميد من تحت قدميه.
تسمر يحيى في مكانه، وجحظت عيناه وهو يمسح هيأتها بذهول غلب عليه الغضب المكتوم. لم تكن مجرد فاتنة، كانت "فتنة" تمشي على قدمين، مما جعل فكّه يتشنج وهو يهمس بصوت مبحوح:
"لاحول ولا قوة إلا بالله.. أهذا ما ستحضرين به الحفل وسط كل هؤلاء الرجال؟"
لم تصل همسته لشهيرة التي جعدت جبينها وهي تردد:
"لِمَ تنظر إليّ هكذا؟ أهناك شيءٌ خاطئ فيما ارتديتُه؟"
كان التواءُ فمه، المشوبُ بعدم الرضا وربما بشيءٍ من الانتقاد كفيلًا بأن يهز ثقتها بنفسها في لحظةٍ واحدة. بل بدا لها، في قسوة نظراته وحدتها، وكأنه يراها بثيابٍ ملطخةٍ بالوحل، لا بفستانٍ اختارته بعناية… تلك النظرة الفظيعة أربكتها
مرّرت كفّها على قماش فستانها في حيرة، كأنها تبحث عن عيبٍ خفيّ، وهمست لنفسها بصوتٍ خافت:
"ما الأمر؟… أَلَم يُناسبني اللون؟"
ردّ ببرودٍ قاسٍ وهو يكتف ذراعيه ويستند على الحائط خلفه:
"لا أظن أن رأيي في فستانك سيسرك، كما أنه ليس من صميم عملي… أنتِ حرةٌ فيما ترتدينه، طالما أنكِ لستِ زوجتي، أو خطيبتي، أو أختي… أو حتى ابنة خالتي."
بدت صراحته تميل للوقاحة، واندفعت تسأله في حدة وكأنها استثناها من العائلة المالكة:
"ماذا؟… وماذا لو كنتُ إحداهن؟ ماذا كنتَ ستقول؟"
شملها بنظرة مطولة يتأمل فستانها الكارثي بكل معنى الكلمة، كان جمالها شيطاني يقود لهلاك، كتفاحة حمراء شهية تجذبك بمدى جمالها، وغلاف قشرتها الحمراء اللامعة سم ..!
اقتربت نبرته من الحِدّة، وقال دون تردد:
"قطعًا… كنتُ سأكسر عنقكِ لو فكرتِ بالخروج به، ولو حتى إلى الشرفة.. وربما خنقتكِ بيدين عاريتين"
توقف لثانية، وعيناه تشتعلان بشيءٍ غامض، ثم أردف بنبرةٍ أشد قسوة وحملت شيء من الازدراء:
"أتظنينني عاجزًا إلى هذا الحد؟… لأترك امرأةً تخصّني ترتدي ما يُبرز استدارة جسدها ومنحنياته، وكأنها عارية، بوجهٍ مكشوفٍ لا يعرف الخجل؟"
صُدمت وشعرت أنه ضرب كرامتها في مقتل، وتلعثمت الكلمات على شفتيها، كانت اهاناته متلاحقة تصفع وجهها بصلافتها وقسوتها، فلم تجد ما تدافع به عن نفسها سوى الهجوم وهي ترفع سبابتها في وجهه في حدة مهتزة :
" أنت… أنت همجي.. متخلّف! تعيش بعقلية رجل الكهف، ولا تفهم شيئًا عن الموضة أو الأناقة!"
ابتسم بسخريةٍ خفيفة، وقال بهدوءٍ مستفز وهو يقلب عينيه حولها:
"لِمَ لا؟… قد أكون كذلك فعلًا. لكن بما أنكِ أبديتِ رأيكِ بي بكل هذه الصراحة… فدعيني أُبدي رأيي فيكِ أيضًا، يا سيدتي."
ثم اقترب منها وانحنى قليلًا ليناسب طولها ، وصوته يهبط إلى نبرةٍ أخفض، أكثر حدّة ولاذع دون شفقة وهو يرى طبقة شفافة من الدمع طفت على عينيها الجميلتان :
"إمّا أنكِ فتاة ساذجة… أو امرأة لعوب، تنتشي بنظرات الرجال لجمالكِ اللعين… ذلك الجمال الذي لا يريدونه إلا في حالةٍ واحدة… ولغرضٍ واحد.. ونسائي لا يكن في هذه المواضع من الشبهة."
بدأت دموعها تتساقط فوراً من قوة تأثير كلماته، فكانت الإهانة واضحة لا تقبل النقاش. لذا، وفي ظرف ثوانٍ، التفتت عائدة لجناحها وصفعت الباب خلفها رافضة الذهاب للحفل. لم تنتبه منة لسبب بكائها، بل انتفضت فقط على وقع صفع باب غرفتها أيضاً، فخرجت من الجناح وهي تنظر ليحيى الواجم تسأله في قلق:
"ما الأمر؟ ماذا حدث لتغضب شهيرة هكذا؟"
لم تجد إجابة من يحيى الذي انسحب لغرفته بذات الملامح الواجمة دون أن ينطق بحرف واحد، بينما بقيت منة مكانها لا تفهم ما الذي يدور بين هذين الاثنين.
بعد أن انغلق باب غرفته، لم يجد يحيى الراحة التي كان يرجوها من هذا الانفجار بل وجد جدران الغرفة تضيق عليه وكأنها تلومه على قسوته. كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، وكلماته الحادة لا تزال تتردد في أذنيه، لكن هذه المرة كان وقعها على قلبه هو أمرّ من وقعها على مسامعها.
سند ظهره إلى الباب الموصد، وأغمض عينيه بقوة محاولاً طرد صورتها وهي تبكي..كانت دموعها التي طفت على عينيها الخضراوين الممزوجتين بالزرقة كأنها جمرٌ أحرق ثباته. تساءل في سره: «هل بالغت؟»، لكن كبرياءه منعه من التفكير .. هو قال الحقيقة فقط لا غير.. وإن كانت الحقيقة تجرحها فلتغير نفسها إذًا.
الفصل العاشر
..................................................
خرج فـراس من المشفى أخيرًا، بقرارٍ حاسم لم يجرؤ أحد على ثنيه عنه، فرغم جسده الواهن وضيق أنفاسه، إلا أن روحه لم تطق جدران الغرف المعقمة وصخب الممرضات. أوصى الطبيب برعاية فائقة وراحة تامة ليلتئم جرح كتفه بشكلٍ صحي، لكن فـراس كان قد غادر المشفى بجسده، وعقله قد استبق الجميع إلى حصنه القديم.
تولى سند إيصاله للمنزل، ولم يتوقف طوال الطريق عن التذمر وهو يرمق شحوب فـراس الذي يزداد مع كل هزة للسيارة:
"يا أخي لمَ تُصر على ارهاق نفسك بهذا الشكل؟ عناية المشفى تخلصك من العناء، أما المنزل فستحمل همّه وهمّ جرحك."
كان سند هو الشخص الوحيد الذي لم تتغير نبرته ولا ملامحه مع فـراس بعد تلك العاصفة التي ضربت اسم "أميرة" بين العشائر؛ كان يتصرف بهدوءٍ متزن وكأن الأمر لا يعنيه، وهو ما جعل فـراس يتقبل وجوده جواره، علّه يسد ثغرة غياب صديق عمره الذي بات الآن في معسكر الخصوم. ومنذ حادثة إطلاق النار، لم ينقطع سند وشباب القبيلة عن زيارة فـراس، فمكانته لم تتزحزح في عيونهم، بل كانوا ينظرون إليه بتقديرٍ ممزوج بالرغبة في رؤيته يقف على قدميه مجدداً، بينما كان البعض الآخر يواسيه بنفاق يتشح بالشماتة، ونفوسهم تقتات على فتات الفتنة بينه وبين أبناء عمومته.
تنهد فـراس في ضيق وهو يرمق سند الذي يقود السيارة بضجر:
"كفـاك تذمراً يا سند، هل أخبرتك أن تأتي أنت لتعولني وتفتعل كل هذه الضجة؟"
أجابه سند بلهجة فيها من التسامح الكثير:
"لا أتأخر عنك يابن العم، ولكن بارك الله لك في زوجتك، فهي تحملك في عينيها والله، إنها أخت الغالي على قلبك."
تمتم سند كلماته وهو يولي انتباهه للطريق، غافلاً عن تلك القابعة في المقعد الخلفي، والتي كانت تتابع حوارهما في صمتٍ مريب وداخلها دهشة تفتت الروح؛ فسند هذا هو من تقدم لخطبتها يوماً، وهي من بكت على صدر والدتها ترفضه بحجة الدراسة، بينما قلبها كان قد حسم أمره لفـراس.. والآن، دارت الدوائر لتكون زوجة لمن تمنت، ولكن بأي ثمن؟
أما فـراس، فقد صمت شاردًا في وصف سند لـ "دُنيا" بأنها أخت الغالي. كان يدرك في قرارة نفسه أن نُصير كان أغلى ما لديه، لكنه الآن عدوٌ انتزع منه أخته بالقوة ليدق مسماراً في كرامته. ولولا انها اخته لما تزوجها فمن يو
الزواج بفتاةٍ "وقحة" مثلها؟
بينما كان سند يحاول ألا ينظر في المرآة ويبصر تلك العيون الحزينة المحملة بالدمع، كان يهمس في نفسه: "ما أغرب القدر.. من كنتُ أريدها زوجة بالأمس، تصير اليوم زوجة لغيري.. لفـراس كبير شباب العشيرة".
أما دُنيا، فكانت عيناها لا تغادران صورة فـراس المنعكسة في المرآة؛ بدا واجماً، عينه غائمة بنظرة حملت مزيجاً غريباً بين الحسرة والغضب. "أتراه نادم على أخذه لي؟" سألت نفسها بحرقة. لقد أخبرها في الماضي بملء فيه أنه يكرهها، يكره حتى النظر لوجهها، وأنها مجرد أداة انتقام.. ورغم كل الإهانات والألم الذي سببه لها ولعائلتها، كان في قلبها بضعٌ من أمل يغلب وجعها؛ أملٌ في أن تهدأ ثورته يوماً، ويميل قلبه لها ولو قليلاً. أغمضت عينيها تحرر الدموع الساخنة، وفي سرها دعاء صامت ألا يسوء الوضع أكثر، فهي الآن معه، ولن يكون لها اختيارٌ آخر.
وصلوا أخيراً للمنزل، واستقبلهم "عبدو" الذي فتح البوابة العالية لتدخل السيارة وتسلك طريقها في الممر الترابي المظلل بأشجار الحديقة الكثيفة. توقفت السيارة وسارع عبدو ليهرول نحوهم ويساعد سيده على النزول. وعلى عتبة الباب، كانت "أم عبده" تستقبلهم بزغاريد تعبر عن فرحتها العارمة رغم الدموع التي غلبتها:
"الحمد لله أنك بخير يا سيدي، أنرت بيتك من جديد.. أطال الله عمرك ورفع قدرك."
"آميـــن"
تلفظت بها دُنيا بصدقٍ ولوعة وهي تراقبه وهو يستند بثقله على عبدو. همستها تلك جعلت سند يبتسم بحسرة مكتومة، بينما حدجها فـراس بنظرة حادة جمدت الدماء في عروقها، وكأن صوتها محرمٌ عليه حتى في الدعاء.
تنحنح سند قائلاً:
"سأرحل الآن يابن العم.. إن احتجتني فاتصل بي، والحمد لله على سلامتك مرة أخرى."
حرك فـراس رأسه بامتنانٍ قارس، وتمتم بهدوء:
"انتبه لسير العمل في المصنع، وإن حدث شيء عد إليّ أو لنُصير، المهم ألا يتأثر العمل بما حدث."
غادر سند، وخطى فـراس لداخل المنزل ودُنيا تتبعه بآلية، تحاول التغلب على الذكريات السيئة التي سكنت أركان هذا المكان. عاد عبدو للحديقة، ووقفت أم عبده أمام فـراس الذي جلس على مقعده في المجلس وقالت بلهفة:
"سيدي، لقد حضرتُ لك الطعام، هل أسكب لكم الآن أم ترتاح أولاً وأوقظك في موعد الغداء؟"
رد فـراس بجفاءٍ لم تتوقعه:
"سلمت يداكِ يا أم عبده.. خذي إجازة ولا تشغلي عقلكِ بشيء، وإن احتجت لكِ سأخبر عبده يأتي بكِ."
اندهشت الخادمة العجوز:
"إجازة؟.. لماذا يا سيدي؟ كيف أتركك في هذه الحالة؟ سيدتي فلك أخبرتني أن.."
قاطعها بحدة:
"لا شأن لكِ بفلك، أنا أقول لكِ استريحي في دارك لأسبوع، وأنا سأخبرك متى تعودين."
"حاضر سيدي.. ولكن من سينظف المنزل ويعتني بشؤونه؟"
"زوجتي ستفعل كل هذا يا أم عبده لا تقلقي، سأحرص على ألا تقصر مثلكِ تماماً."
كلماته كانت كالصفعة على وجه دُنيا، بينما انصرفت أم عبده وهي تتمتم بالسمع والطاعة. التفت فـراس نحو دُنيا، وبعد صمتٍ ثقيل، سألها بتهكم:
"والآن يا دُنيا، أظنكِ فهمتِ دوركِ هنا.. هل علمتكِ الخالة فاطمة أصول العمل أم أنها فشلت معكِ في هذا أيضاً؟"
رفعت دُنيا غطاء وجهها، وحدقت فيه مطولاً بعينين تلمعان بالدمع:
"هل ما فعلته الآن هو لإهانتي أيضاً؟"
سخر منها قائلاً:
"وماذا ستفعلين لو قلتُ نعم؟ هل ستركضين لأخيكِ باكية؟"
أجابت بثباتٍ لم يتوقعه رغم ارتجافها كجزع شجرة ضعيفة:
"أخبرتُك أنني لن أغادر يا فـراس، لذا افعل ما شئت.. أنا الآن زوجتك كما أردت أنت."
لمعت عينا فـراس بوميضٍ غامض:
"يعجبني تماسككِ هذا، لنرَ إلى متى ستصمد شهرزاد.. والآن اذهبي لتبدلي ملابسكِ، وجهزي الحمام لأغتسل."
حركت رأسها إيجاباً، لكنها تسمرت في مكانها بعد خطوات، فسألها بصوته الغليظ:
"لماذا لازلتِ تقفين؟"
أجابت بصوتٍ خفيض:
"أنا لا أملك ملابس، ولا أعرف أين الحمام."
رد ببرودٍ أعاد فتح جروح الماضي:
"ستجدين ما يلزمكِ في غرفة فيدرا.. سبق ودخلتها كما أذكر."
كان يلمح لذلك اليوم المشؤوم الذي جاءته فيه بمنتصف الليل، وانتهى بكارثة أسفرت عن عداء غاشم. أطرقت دُنيا رأسها وسارت بخطى مثقلة نحو غرفة فيدرا، تاركةً خلفها فـراس ينظر لأثرها في وجوم واضح..
دلفت دُنيا إلى غرفة "فيدرا" بخطواتٍ تتهيب لمس الأرض، وكأنها تخشى أن توقظ ذكريات تلك الليلة المشؤومة التي حُفرت في جدران هذا المنزل. كانت رائحة الغرفة لا تزال تحمل شيئاً من عبق فيدرا، لكنها الآن بدت باردة ومهجورة، تماماً كقلب دُنيا في هذه اللحظة.
فتحت خزانة الملابس بقلبٍ يرتجف، لتجد أثواباً كانت فيدرا قد تركتها خلفها حين انتقلت لدار زوجها. تناولت ثوباً بسيطاً يميل لونه للقتامة، وكأنه يواسي حزنها منه، وبدلت ملابسها بسرعة .
خرجت دُنيا من الغرفة، محاولةً التظاهر بالثبات أمام نظراته التي تلاحقها كظلها. توجهت نحو "الحمام" الذي أشار إليه، وبدأت في تحضير الماء الدافئ، بينما كانت أناملها المرتعشة تعبث بالصنابير، وعقلها يستعيد كلمات نُصير المحذرة لها قبل رحيلها. كانت تعلم أن فراس لن يجعل الأمر سهلاً، وأن كل خطوة تخطوها هنا ستكون تحت مجهر غضبه وانتقامه.
بعد دقائق، اقتربت منه في المجلس، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله متزناً رغم الاضطراب الكامن فيه:
"الحمام جاهز يا فـراس.. هل أساعدك في النهوض؟"
رفع فـراس بصره إليها، وكانت عينه الغائمة تشع ببرودٍ أخافها أكثر من صراخه. اتكأ على ذراع المقعد، وحاول النهوض بمفرده، لكن أنة مكتومة خرجت من صدره حين ضغط على كتفه المصاب. وقبل أن يسقط ثانية، كانت يد دُنيا قد امتدت لتسنده بلهفة عفوية، لكنه دفعها بخشونة جعلتها تتراجع للوراء.
تحدث فـراس من بين أسنانه وهو يغالب الألم:
«لا تلمسيني يا دُنيا.. لا تظني أنكِ بوجودكِ هنا قد ملكتِ الحق في الاقتراب مني والتصرف وكأنك زوجتي. أنتِ هنا لأنني أردتُ ذلك.. فانسي أحلامك الوردية هذه"
ابتلعت دُنيا غصة مريرة في حلقها، وأطرقت رأسها قائلة بمرارة:
"أذًا لما أخذتني وافتعلت كل تلك الجلبة إن كنت لا تريدني أن ألمسك أو أتصرف كزوجتك؟ هل تهوى تعذيبي ؟.. هل أخذتني لتذلني فقط.. ألم تقل لي أنك تود أن يكون لك زوجة وعائلة؟"
صمت فـراس لحظات يتأمل نظراتها العاتبة فسخر منها بضحكة باهتة خلت من أي مرح:
"مهلا مهلا.. اتريد الصغيرة أن تتصرف كزوجة؟ تبهريني بوقاحتك يوم بعد أخر.. حسنا يا صغيرة ليكن لكِ ما أردتي
من هذه اللحظة ستكونين زوجتي قولا وفعلا فلا تلومي إلا نفسك."
بدت دُنيا حائرة من مقصده للحظات وكادت تسأل عما ستلوم نفسها لأجله ولكن صوته الصارم جعلها تنافض:
، كفي عن الكلام الفارغ وسيري أمامي.. سأغتسل، وبعدها أريد الطعام جاهزاً على الطاولة كما أمرت، والأفضل أن تتعجلي كي تعلمي مهمك المنزلية من ام عبده قبل مغادرتها هيا لما لازلت واقفة ؟"
تحركت دُنيا بسرعة وكل قدم تسابق الأخرى حتى كادت تسقط أمامه، ولكن غضبه يفزعها، وصوته الهادر يجعلها تود الهروب من أمامه خشية يبطش بها..لا تعلم كيف يجتمع الحب والخوف في قلبٍ واحد.. ولكنهما اجتمعا عليها .
***
امتد تصوير المشاهد لأسبوع كامل في تلك البلاد الباردة، حيث لم تهدأ وتيرة العمل ليلاً ولا نهاراً. كانت شهيرة منغمسة في تقمص شخصيتها لدرجة أذهلت الجميع؛ فكانت لا تغمض جفنيها سوى لساعتين أو ثلاث، ثم تنتفض لتقف أمام الكاميرا بكامل حيويتها، إلى أن تسقط صريعة الإرهاق في نهاية اليوم. هذا الجدول القاتل لم يترك لها ثغرة واحدة ليتسلل منها الخوف أو القلق بعد الحادث الأخير، خاصة وأن يحيى غدا كظلها الذي لا يفارقها؛ أينما ولّت وجهها تجد عينيه الصقريتين ترصدان كل حركة حولها، مما منحها شعوراً مباغتاً بالاسترخاء، فتركت له عبء الحماية وتفرغت هي تماماً لعملها.
أما يحيى، فقد كان نصيبه من النوم شحيحاً لدرجة الإنهاك، فمهمته مزدوجة؛ يحرسها ساعات العمل الطويلة، ويقف مرابطاً أمام بابها وهي نائمة. ومن فرط مراقبته لأدق تفاصيلها، لاحظ أنها ترسم لنفسها صورة مثالية مبالغاً فيها؛ فهي تبتسم للجميع دون استثناء، تجامل هذا على براعة أدائه، وتثني على تلك لجمال إطلالتها، وتواصل التصوير في ظروفٍ قاسية كان زملاؤها يعترضون عليها بشدة. كانت تحاول إثبات شيءٍ ما، كأنها في سباق مع نفسها لتكون الفنانة المثالية، وهو أمر لم يستسغه يحيى ولم يفهمه.
كان جمالها ناعماً، يحمل جاذبية فطرية جعلتها محط أنظار كل الرجال في موقع التصوير، وهي ببساطة تثير حنقه
تقابل تلك النظرات المتفحصة بابتسامة عذبة وكلمات شاكرة. تنهد يحيى بمرارة وهو يمسح على وجهه المجهد متمتماً في غيظ:
«الرجل يكاد يلتهمها بعينيه، وهي تبادله الشكر ببرود.. هل هذه المرأة حمقاء أم أنها تتجاهل الواقع؟»
كان يحيى يلعن الموقف في سره عشرات المرات يومياً؛ تارة بسبب أزياء الشخصية التي تبرز فاتن جمالها وتجعل العيون تجحظ في تأملها، وتارة بسبب تباسطها المفرط في التعامل مع الرجال رغم تنبيهاته المتكررة لها بضرورة وضع حدود، ومرة أخرى بسبب تلك الرقة التي يراها "عملة نادرة" لا تليق بمكان صاخب ومختلط كهذا.
انتبه من شروده على صوت المخرج وهو يصرخ في حماس هز أركان المكان:
«فـــركش.. انتهى التصوير يا رفاق! لندعوا جميعاً أن يحقق هذا الفيلم أعلى الإيرادات... وبهذه المناسبة سنقيم حفل في الغد لنودع البلد قبل سفرنا».
ضحك يحيى بسخرية وهو يفتح قنينة ماء، هامساً لنفسه:
«الأحمق واثق من النجاح حتى لو كانت الفكرة تافهة.. لكنه يعلم أن وجود شهيرة وحده يكفي ليغمر شباك التذاكر بالمال».
كاد يتجرع الماء، لكنه غصّ به وبصقه بعنف حين رأى "حفلة العناق" الجماعية التي اندلعت فجأة احتفالاً بالنهاية. رأى شهيرة تعانق المخرج وهي تضحك، ثم المؤلف، وكادت تمد ذراعيها لزميلها الممثل، لولا أن سعال يحيى الحاد وصل لمسامعها محذراً، بينما احتقن وجهه بالدم.
مسح فمه بحدة، وهمس بصوت فحيح وهي تقترب منه في قلق:
«قليلة حياء.. والله لو كان لي عليكِ سلطان لصفعت وجهكِ الضاحك هذا».
لم تلتقط شهيرة همسه القاسي، ووقفت تحدق في وجهه المخطوف وهي تغمغم بريبة:
«هل أنت بخير؟ هل توقف الماء في حلقك؟».
رد بجفاء وهو يشيح بوجهه عنها:
«لا شأن لكِ بي.. اذهبي لتكملي توزيع "الهدايا"».
قطبت جبينها بتعجب:
«هدايا؟ أي هدايا؟ ما بك يا يحيى لا أفهمك».
قال بنبرة تقطر تهكماً:
«ألم تكوني تعانقين الرجال منذ دقيقة؟ هم يرون أن هذه "عطايا" سخية من فنانتهم الجميلة.. اذهبي وأكملي الكرم».
اشتعلت عيناها بالضيق وقالت:
«ما الأمر؟ ولماذا كل هذا الغضب؟ انتهى التصوير ونحن جميعاً سعداء ونهنئ بعضنا بانتهاء التعب.. أنت الوحيد الذي يقف متجمداً هنا كأنك في جنازة».
أجابها بحدة:
«ماذا تريدين؟ هل عليّ أن أصطف في ذاك الطابور الطويل لأعانقكِ وأهنئكِ سيدتي؟».
ردت بعفوية لم تحسب عواقبها:
«لست بحاجة للطابور.. أنا سأعـ...».
قاطعها بصرخة مكتومة وهو يتراجع خطوة للخلف:
«قفي مكانك يا امرأة! هل فقدتِ عقلكِ؟ ابتعدي!».
اتسعت عيناها بذهول:
«ماذا؟ ألم تكن غاضباً لأنك تقف وحدك؟».
هتف بها وهو يشد على أعصابه:
«اسمعيني جيداً.. إياكِ أن تقتربي مني بهذا الشكل، ولا تفكري في عناقي أبداً.. ممنوع اللمس نهائياً، هل فهمتِ؟».
ضحكت بذهول مشوب بالإحراج:
«هل جننت؟ تصوّرني وكأنني أتحرش بك! أنت الذي بدوت غاضباً لأنني لم أخصك بالتهنئة».
رفع يده إلى السماء متمتماً بيأس:
«يا مثبت العقل يارب.. أنا لا أقصد نفسي! أنا أقصد أن عناقكِ لهذا وذاك أمر لا يجوز ولا يصح، ولكن يبدو أن مفاهيمنا عن "الأصول" بعيدة كل البعد عن بعضها».
نظرت إليه شهيرة بذهول، وقد تلاشت ابتسامتها تدريجياً لتحل محلها نظرة فاحصة، وكأنها تراه للمرة الأولى بعيداً عن كونه "الحارس المطيع". شعرت بإهانة خفية في كلماته، لكن شيئاً ما في نبرة صوته المبحوحة جعلها لا تنفجر فيه غضباً.
تحدثت بنبرة هادئة، لكنها حادة كالشفرة:
« هؤلاء الناس قضيت معهم شهوراً في العمل، نأكل معاً ونمرض معاً ونواجه البرد معاً.. العناق هنا ليس هدايا كما تسميها بعقلك المريض بالشك، بل هو لغة إنسانية بسيطة لانتهاء رحلة شاقة».
اقترب يحيى منها خطوة واحدة، وهبط بصوته إلى طبقة رخيمة مرعبة:
«ولغة "الإنسانية" هذه لا تعرفونها إلا بالملامسة؟ هل ينقص تقديركِ للمخرج إن قلتِ له "شكراً" من بعيد؟ أم أن المؤلف سيفشل فيلمه إن لم يشعر بدفء ذراعيكِ؟.. اسمعي يا فنانة، أنا لستُ من عالمكِ، وهذا صحيح، لكنني رجل.. وأعرف جيداً كيف ينظر هؤلاء "الإنسانيون" إليكِ حين تضحكين وتعانقين.. هم لا يرون فنكِ في تلك اللحظة، بل يرون شيئاً آخر تماماً».
ارتجفت أهداب شهيرة، ليس خوفاً، بل لأن كلامه لامس حقيقة كانت تهرب منها دائماً تحت مسمى "الزمالة". شعرت برغبة في الدفاع عن نفسها، لكنها وجدت نفسها تسأل بفضول مستفز:
«ولماذا يغضبك الأمر هكذا؟ أنت هنا لتحميني من المضايقات والاعتداءات، لست واصياً على أخلاقي أو طريقتي في التعبير عن فرحتي».
صمت يحيى للحظة، وبدت عيناه كأنها تحترق بنار لا يعرف هو نفسه مصدرها. أبعد نظره عنها بسرعة وهو يلملم أغراضه بخشونة قائلاً:
«معكِ حق.. أنا هنا لأحميكِ فقط، أما ما تفعلينه بكرامتكِ وبنظرة الرجال لكِ، فهذا شأنكِ.. اذهبي، الحافلة تنتظر لنعود للفندق، وأرجو أن تلتزمي بالصمت طوال الطريق، فقد استهلكتِ طاقتي في الكلام أكثر مما فعل أسبوع التصوير».
تحرك يحيى أمامها بخطوات واسعة وغاضبة، تاركاً إياها تقف في منتصف موقع التصوير، تشعر ببرودة الجو لأول مرة منذ ساعات. لم تعد تشعر بفرحة انتهاء التصوير، بل شعرت بضيق يطبق على صدرها؛ فكلمات يحيى الفظة تركت خلفها تساؤلات لم تكن تود طرحها على نفسها أبداً.
صعدت الحافلة، ووجدته يجلس في المقعد الأخير، واضعاً رأسه على الزجاج ومغمضاً عينيه بتعب شديد، لكن عروق يده النافرة كانت توضح أنه ليس نائماً، بل يحاول كبح جماح غيظه. جلست في المقعد الأمامي، وظلت طوال الطريق تنظر إليه عبر المرآة، تماماً كما كان يفعل هو معها طوال الأسبوع، وكأن الأدوار قد تبدلت
سمعت همس منة وهي تسألها في فضول:
"ما الأمر؟ هل عاد يضايقك مره أخرى ؟"
لم ترد شهيرة عليها وانما تركت رأسها يميل على الزجاج وهي تغمض عينيها تتذكر ملامحه الغاضبة وهو يزجرها على معانقتها لزملائها.. ورغم ضيقها منه.. رأت حماية لم تراها قبلا..!
كادت ضحكة مجنونة تنفلت منها وهي تتذكر وجهه وهي تقترل منه لتعانقه، كاد يقفز من أرضه وهو يخبرها عن قواعدة
ممنوع اللمس ؟؟
انقشعت ابتسامتها حينما سمعت منة تغمغم في ضيق:
"ماذا حدث لينظر لكِ هكذا، الرجل وكأن يود خنقك ؟"
فتحت شهيرة عينيها ونظرت في المراه لتجده يحدق في انعكاسها في حنق واضح، وحالما تلاقت نظراتهما
اشاح وجهه عنها مغمغمًا بشيء لم يصلها.
وصلت الحافلة للفندق وبدأ الطاقم يهبطون منها، وكان أخر من نزل منها يحيى الذي أخذ مسافة كبيرة بينه وبين سهيرة التي حدقت فيه بدهشة.
لما يتصرف وكأنها مرض مُعدي يحاول الابتعاد عنها قدر الامكان ؟... لقد ظنت ان علاقتهم تحسنت بعد الحادثة الأخيرة.
وقبل أن تتحرك لداخل الفندق وجدت أحد الفتيات استوقفته وتحدثت معه بابتسامة تفهمها شهيرة جيدًا، ونظراتها تحوم على بنيته الضخمة تأكله بعينيها
وكان يحيى يبادلها الحديث في هدوء، ورغم عدم سماعها ما يدور بينهما إلا أنها تقسم أنها اطرت عليه في شيء جعله يبتسم ابتسامة صغيرة ثم يتابع سيره والفتاة تلتفت وتغادر ولم ترى شهيرة ما ارتسم على وجهها.
كادت توقفه تتحدث معه ولكنه انطلق من جوارها كصاروخ وقد وصلتها تمتمة خافتة لم تفهمها:
" لن أؤجل الأمر، خالتي نعمات ستتولى المهمة في أسرع وقت"
جعدت شهيرة جبينها في ذهول وسارت خلفه وهي تراه يسير كالمسوس.. ما الذي يحدث معه ؟
دخلت شهيرة جناحها ومعها منة مساعدتها تثرثر في اشياء لم تكن شهيرة منتبهة لها.. بل كان عقلها شارد مع يحيى وتصرفاته الغير مفهومة، لما هو غاضب منها هكذا؟
حتى أنه لم يقف أمام جناحها كالعادة، بل دخل لغرفته القريبة من جناحها فورا دون كلمة بعد تأكده من دخولها للجناح ؟
انتبهت على كف منة التي وضعت على جبينها :
"ما الأمر شهيرة لما أنتِ صامتة هكذا؟ هل انتِ مريضة ؟"
حركت سهيرة رأسها نافية وجلست على الفراش تغمغم في خفوت:
"لا أنا بخير، ولكن يحيى غاضب، لا أفهم ما الذي حدث ليكون بهذه الحالة ؟"
"بماذا كنتم تتحدثون بعد انتهاء التصوير، لقد صعد الحافلة وهو يستشيط غضبًا"
صمتت شهيرة شاردة في المحادثة القصيرة التي دارت بينهما، وشيء ما في نفسها منعها من البوح بما حدث لمنة، فتمتمت وهي ترمي ظهرها على الفراش متأوهة في ارهاق واضح:
"اتركيني الان لأرتاح يا منة، أريد النوم وتعويض الأيام الماضية.. لا توقظيني مهما حدث"
حركت منة رأسها في ايجاب وتركتها وغادرت الغرفة، بينما شهيرة احتضنت وسادتها واغمضت عينيها لتنام، ولكن للدهشة لازمها وجهه الغاضب حتى في أحلامها.. فتمتمت بصوت خافت ضاع في سباتها:
"يحيى.. يحيى عسل ؟"
انقضت الساعات في سلام وهدوء غريبان، فشهيرة لم تخرج من جناحها منذ دخلته، وحتى منة اختفت في غرفتها؛ فاستطاع يحيى أخيراً أن يظفر بالنوم بما يكفي، وقد خالط نومه أحلام مزعجة جعلته ينتفض من فراشه مستغفراً وهو يمسح على وجهه المبلل بالعرق.
استوى من الفراش متجهاً نحو الحمام، ووقف أمام المرآة يتأمل هيأته؛ مسح على بطنه التي بدت مقسمة بسبب رياضته المستمرة، فحتى أكل خالته نعمات اللذيذ لم يستطع تهديد لياقته التي تعد واجهة لعمله. ثم نظر لكتفيه القويين وهو يسترجع كلمات الفتاة الأجنبية التي بدت معجبة ببنيته ولم تتردد في إعلان إعجابها الصارخ أمامه. تنهد في حنق وهو يبحث عن معجون الحلاقة متمتماً بغيظ:
"ما بال النساء فقدن حياءهن؟ واحدة تعانق هذا وذاك، وأخرى توقفني لتقول لي جسدك رائع.. ماذا تركن لنا؟"
وضع المعجون على ذقنه وبدأ حلاقته في تركيز حتى انتهى من نصفها، ولا يدري لما شرد ذهنه بعيداً عنه.. فجأة تذكر وجهاً رقيقاً جميلاً، خصلات شقراء طبيعية طويلة وعيوناً مكحلة بلون فريد ما بين الأزرق والأخضر.. وجنات كثمرة ناضجة وفماً كقلب مضغوط مغري.. ويحك يا يحيى؟
انزلقت الشفرة وجرح نفسه حينما استفاق من أفكاره التي بدأت تأخذ منحى خاطئاً؛ تأوه وهو يرى الجرح الصغير قد أخرج قطرات دماء لوثت بياض المعجون. جز على أسنانة وهو يلقي الشفرة في عنف وهو يهمس لنفسه:
"تستحق يا أحمق.. فيما تفكر أنت؟ عد لرشدك يا يحيى.. عد لرشدك"
"يحيى؟"
انتفض على الصوت الناعم الذي جاء من خلفه، التفت ليرى شهيرة تقف أمام باب الحمام تحدق فيه بعيون وساع، تنظر للدماء التي بدت واضحة على ذقنه ورددت في قلق واضح:
"ما الأمر؟ هل جرحت نفسك؟"
قرنت قولها باقترابها، فعاد خطوة للخلف بسرعة وهو يمد يده يصدها قائلاً في حدة:
"قفي مكانك.. ما الذي تفعلينه هنا؟"
بدت حائرة من حدته وتمتمت في خفوت مرتبك:
"أنا أردت التمشي قليلاً، والساعة متأخرة.. أردت أن أخبرك ولكنك لم تُجب على هاتفك فاستخدمت المفتاح الذي أعطيتني إياه للطوارئ.. خشيت أن تكون لست بخير"
زفر يحيى في عصبية مكتومة يود لو يصفع رأسه في الجدار أمامه.. ما الذي تفعله هذه المرأة هنا معه في غرفة مغلقة؟ ود لو يزجرها حتى تستفيق لنفسها وتنتبه لوضعهم المريب، وكاد يضع أفكاره حيز التنفيذ، ولكنه وجدها تتحرك وتجذب منشفة نظيفة تبللها أسفل مياه الصنبور وتقترب منه قائلة في قلق:
"لو تركت هذا المعجون على الجرح سيلتهب ويحكك جلدك"
رفعت يدها بمنشفة تمسح المعجون الذي اختلط بالدماء، وقبل أن تُكمل.. قبض يحيى على رسغها يمنعها وعينه مثبتة في عمق عينيها الغريبتين بلونهما الفريد. بدت قبضته قوية تؤلمها وقد طال نظرته لها حتى ارتبكت، فتمتمت في ألم دون أن تحرر يدها:
"يحيى أنت تؤلمني، ما الذي تفعله؟"
هل يؤلمها حقاً؟ إذاً ماذا تفعل به هي؟ هل ساقها شيطانه له.. ما الذي تفعله في حمامه الآن؟ ترك رسغها وهو يغمغم بكلمات لم تصل لها والتفت يوليها ظهره يمنع نفسه من زجرها بصعوبة، وغمغم بصوت حاد متحشرج:
"انتظريني في الخارج وأنا سأخرج لكِ في الحال.. ولا تدخلي لغرفتي مرة أخرى إن لم يكن الأمر طارئاً حقاً"
حدقت في ظهره للحظات لا تفهم سبب حدته معها، ولكنها لم تجادل؛ شعرت بأن الأجواء مشحونة بتوتر غريب أربكها، لذا فعلت ما طلب وتركت غرفته تنتظره خارجها وهي تضع كفيها في جيوب معطفها وقد شردت في النظرة الطويلة التي تلاقت أعينهما فيها.. لم تكن نظرة تشبه نظرات الرجال عادة، كانت نظرة حملت مزيجاً غريباً من الغضب والضعف وشيئاً آخر لم تفهمه.
خلال دقائق قليلة خرج لها بذقن حليقة وقد بدت ندبة حمراء على ذقنه أثر جرحه لنفسه،! انتبهت على صوته الحاد يسألها:
"أين تريدين الذهاب؟"
تأملته شهيرة في وقفته المهيبة، وقد ارتدى معطفه الجلدي الذي احتوى جسده الضخم في أناقة متوحشة لا تليق بسواه، وشعرت بوخز الحرج ينهش ثباتها وهي تراه يتحاشى النظر إليها. تمتمت بخفوت وهي تحاول لملمة شتات كرامتها الجريحة من صده:
"ليس لمكانٍ معين.. فقط أردتُ التمشّي قليلاً، إن لم تكن ترغب في الخروج فأنا.."
لم تكن نبرتها الواهنة سوى وقودٍ زاد من اشتعال النار في صدره؛ فهو يدرك أن خلف هذا الضعف تكمن "شهيرة" التي تزلزل حصون ثباته بلمسة من يدها. قاطعها وهو يتقدم نحو الباب في وجومٍ قاطع:
"هيا"
سارت خلفه بخطواتٍ سريعة، تجاهد لمجاراة خطواته الواسعة التي تعبر عن رغبته في الهروب من حيز الغرفة الضيق، حتى خرجا من الفندق لتلفحهما برودة الليل القاسية. حينها فقط، أبطأ يحيى إيقاعه حتى أصبحت خطاهما متوازية، وكأنه يفسح مجالاً لصمتٍ لا يقل ثقلاً عن الجدران التي تركاها خلفهما.
تنهدت شهيرة في راحة مباغتة، لكن سرعان ما تغضّن جبينها الرقيق في ضيق، وهمست وهي تحاول استنشاق الهواء:
"هذه البلاد.. لا أستطيع التنفس فيها بحرية، كلما بحثتُ عن هواء نقي وجدتُ رائحةً عفنة تملأ الأجواء"
كانت الكلمة بمثابة مفتاحٍ لصندوق الحنين الموصد في قلب يحيى. شرد بصره نحو الأفق المليء بناطحات السحاب الباردة، وقال بصوتٍ هادئ
"هذا ما استقر في وجداني منذ وطأت قدماي هذه الأرض. رغم كل هذا التقدم والحداثة الخادعة، إلا أن مدينة البحر عندي بألفٍ من هذه المدينة"
التفتت إليه شهيرة بفضولٍ طغى على إرتباكها، وسألت:
"مدينة البحر؟ هل تعيش هناك؟"
انبسطت أسارير يحيى في حنينٍ نادراً ما يسمح له بالظهور على ملامحه الصارمة. بدت نبرته أكثر ليونة وهو يصف وطنه الصغير:
"نعم، هناك تعيش عائلتي.. مدينة هادئة، لا تعرف المباني الشاهقة التي تحجب السماء، ولا الزحام الذي يخنق الأنفاس. بيوتها بسيطة، ملامحها ألفة، والبحر يمتد أمامك بمد البصر بهواء نقي يغسل النفس. ذاك المكان هو جنة الأرض بالنسبة لي"
ابتسمت شهيرة برقة، ولامست كلمات الحنين داخلها وتراً لم تعتد العزف عليه، فقالت بنبرة حلوة:
"أودُّ حقاً زيارة مدينة البحر، لأرى إن كانت بتلك الروعة التي وصفتها"
توقف يحيى فجأة، والتفت إليها بنظرةٍ اخترقت هالتها اللامعة، ليعيدها إلى واقعها القاسي ببرودٍ متعمد:
"لن تعجبكِ.. لا تلائم شخصيتكِ"
قطبت جبينها في دهشة مشوبة بالاستنكار:
"كيف لا تلائم شخصيتي؟ لا أفهمك"
ثبت يحيى عينيه في عينيها، وكان في نظراته مزيجٌ من حمايةٍ فطرية وقسوةٍ أراد بها حماية نفسه أولاً:
"حياة مدينة البحر هادئة، تسير وفق إيقاع الفطرة والبساطة.. وهي أبعد ما يكون عن صخب حياتكِ وضجيج الأضواء الذي يحيط بكِ. لن تنسجمي مع هدوئها، ولا أظن أن أهلها سينسجمون مع عالمكِ"
شعرت شهيرة بلسعةٍ في قلبها من هذا الحكم القاطع والرسالة المبطنة التي يحاول ايصالها لها، وأطرقت رأسها وهي تدرك أن الفوارق بينهما ليست مجرد مسافات، بل هي عوالم لا تلتقي. قالت بأسى مكتوم من كراهيته نحوها:
"قد تكون محقاً.. أنا اعتدتُ على الضجة، وربما أصبح الهدوء يربكني الآن"
أحس يحيى بغصة وهو يرى لمعان الحزن في عينيها، لكنه جاهد ليظل "الحارس" الذي لا تهزه المشاعر، فقال وهو يستدير ليعود:
"وأنا أرى هذا تماماً.. هل اكتفيتِ من التمشّي لنعود؟"
"نعم، اكتفيت.. لنعد"
سارا في طريق العودة، وبينما كانت هي تشعر بالوحدة وسط الزحام، كان يحيى يصارع رغبةً مجنونة في مواساتها لتمسح هذه النظرة الحزينة من عينيها؛ لا يود رؤيتها في مدينة البحر، يود لو تنتهي هذه المهمة في أسرع وقت ويختفي من حياتها الصاخبة.. يخشى أن تغرق في بحره، فلا يجد هو حينها سبيلاً لإنقاذ نفسه من الغرق في سحرها.
وقف أمام جناحها ينتظرها تدخل وتغلق الباب خلفها، ولكنها وقفت للحظات قبل أن تلتفت له تنظر له وقد طال صمتها المتردد قبل أن تقول:
"أراك مساء الغد في الحفل"
حرك رأسه في إيجاب وهو لازال يقف ويضع يديه في جيوب معطفه الجلدي، لم تجد ما تقوله بعد ايمائته، فدخلت وأغلقت الباب خلفها، حينها فقد زفر يحيى يخرج طاقة مكبوتة في صدره، وشيء ما يأجج نيران غريبة في جوفة، نار أشعلتها شهيرة ولا سبيل كي تنطفئ.
أما الأخرى فوقفت خلف الباب تحدق في الفراغ شاردة، تسأل نفسها ما الذي يحدث معها.. ؟؟
ولكنها لم تجد إجابة صادقة تعبر عما يحدث داخلها.. وفي عقلها اسم يروح ويجيء بلا توقف
"يحيى عسل ؟"
***
في اليوم التالي، اتخذت شهيرة قراراً بالاعتكاف التام داخل غرفتها، موصدةً الأبواب أمام أي محاولة للاختطاف بصرياً بجمال المدينة أو صخبها. ورغم إلحاح منة المستمر وتذمرها من ضياع الفرصة الأخيرة لاستغلال يومهما الأخير في هذه البلاد الباردة، إلا أن شهيرة بقيت على موقفها الصلب.
ولكي تضع حداً لثرثرة منة، هاتفت يحيى باختصار شديد، وبنبرة خالية من الروح أخبرته أنها لن تغادر الغرفة اليوم. بل وذهبت لأبعد من ذلك حين منحته "صك حرية" مؤقت، قائلة إنه لو شاء الخروج واستكشاف المدينة فليفعل، ولا يشغل عقله بها.
لم يتردد يحيى في قبول العرض؛ فرغبته في الابتعاد عنها وتطهير عقله من صورتها كانت أقوى من أي منطق مهني. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن حذره الفطري؛ فقد أوصى أمن الفندق بتعيين حارس خاص مرابط في الرواق المؤدي لجناح شهيرة، لضمان عدم تكرار أي اعتداء أو حادثة مريبة في غيابه.
انطلق يحيى في شوارع المدينة، غارقاً في معطفه الجلدي، يسير بلا وجهة محددة، محاولاً إلهاء عقله بوجوه المارة وواجهات المحلات الشاهقة. لكن صمته لم يكن سلاماً، بل كان ضجيجاً من الأفكار المتصارعة؛ فصوت "دريد" كان يتردد في أذنيه كصاعقة تحذيرية.
لقد كان دريد محقاً حين نصحه بالابتعاد قبل أن يقع في "فتنتها". والآن، وهو يسير وحيداً تحت سماء غريبة، أدرك يحيى بمرارة أنه لم يعد يراقبها لحمايتها فحسب، بل أصبح يراقب نفسه لئلا ينزلق أكثر في منحدر الإعجاب الذي بدأ يسحب قدميه رغماً عنه.
في جناحها الهادئ، كانت شهيرة تخوض معركتها الخاصة مع المرآة، وكأنها تستعد لمواجهة لا تقل ضراوة عن مشاهدها أمام الكاميرا. اختارت لهذه الليلة ثوباً بلون الأخضر الزمردي اللامع، قماشه ينساب من صدرها في انسيابية مذهلة وصولاً إلى كاحليها، بلا ذراعين أو حمالات، وكأنه نُحت خصيصاً ليحتضن جسدها. كانت الفتحة الطويلة التي تصل لأعلى فخذها تبرز بشرتها المرمرية اللامعة مع كل حركة، لتعطيها بريقاً يخطف الأنفاس تحت أضواء الفندق.
أما شعرها الأشقر الطويل، فقد تركته حراً ينسال كشلال من الذهب على ظهرها، باستثناء جانب واحد رفعته برقة بواسطة مشبك شعر فضي على شكل فرع شجر مرصع، ليظهر عنقها الطويل ويزيد من حدة جمال وجهها الفريد.
كانت منة تقف خلفها، تراقبها بذهول وإعجاب وهي تضع اللمسات الأخيرة، فقالت بنبرة منبهرة:
"شهيرة.. أنتِ لستِ مجرد فنانة الليلة، أنتِ حرفياً قطعة من الزمرد المشع. هل أنتِ متأكدة من هذا الفستان؟ أراهن أن كل من سيرونكِ سيقعون في حبكِ بالتأكيد"
توقفت أنامل شهيرة وهي تضع قرطاً ماسياً في أذنها، ونظرت لانعكاسها ببرود يشوبه الشرود ، ثم همست:
"لا حظ لي في الحب على ما يبدو يا منة.. هيا لقد تأخرنا على الحفل"
خارج الجناح، كان يحيى قد عاد من جولته في المدينة، وعقله لا يزال يصارع التعليمات الذي وضعها لنفسه اثناء خلوته اليوم. وقف في الممر ببدلته الرسمية السوداء التي زادت من هيبته وصرامته، تملم في وقفته ينتظراً خروجها. كان يحاول إقناع نفسه بأنها مجرد مهمة وستنتهي بسرعة لكن حين فُتح الباب وخرجت شهيرة بهذا الثوب الذي يكشف أكثر مما يستر، وبذاك الجمال الذي يتحدى كل مبادئه وقناعاته، شعر بأن الأرض تميد من تحت قدميه.
تسمر يحيى في مكانه، وجحظت عيناه وهو يمسح هيأتها بذهول غلب عليه الغضب المكتوم. لم تكن مجرد فاتنة، كانت "فتنة" تمشي على قدمين، مما جعل فكّه يتشنج وهو يهمس بصوت مبحوح:
"لاحول ولا قوة إلا بالله.. أهذا ما ستحضرين به الحفل وسط كل هؤلاء الرجال؟"
لم تصل همسته لشهيرة التي جعدت جبينها وهي تردد:
"لِمَ تنظر إليّ هكذا؟ أهناك شيءٌ خاطئ فيما ارتديتُه؟"
كان التواءُ فمه، المشوبُ بعدم الرضا وربما بشيءٍ من الانتقاد كفيلًا بأن يهز ثقتها بنفسها في لحظةٍ واحدة. بل بدا لها، في قسوة نظراته وحدتها، وكأنه يراها بثيابٍ ملطخةٍ بالوحل، لا بفستانٍ اختارته بعناية… تلك النظرة الفظيعة أربكتها
مرّرت كفّها على قماش فستانها في حيرة، كأنها تبحث عن عيبٍ خفيّ، وهمست لنفسها بصوتٍ خافت:
"ما الأمر؟… أَلَم يُناسبني اللون؟"
ردّ ببرودٍ قاسٍ وهو يكتف ذراعيه ويستند على الحائط خلفه:
"لا أظن أن رأيي في فستانك سيسرك، كما أنه ليس من صميم عملي… أنتِ حرةٌ فيما ترتدينه، طالما أنكِ لستِ زوجتي، أو خطيبتي، أو أختي… أو حتى ابنة خالتي."
بدت صراحته تميل للوقاحة، واندفعت تسأله في حدة وكأنها استثناها من العائلة المالكة:
"ماذا؟… وماذا لو كنتُ إحداهن؟ ماذا كنتَ ستقول؟"
شملها بنظرة مطولة يتأمل فستانها الكارثي بكل معنى الكلمة، كان جمالها شيطاني يقود لهلاك، كتفاحة حمراء شهية تجذبك بمدى جمالها، وغلاف قشرتها الحمراء اللامعة سم ..!
اقتربت نبرته من الحِدّة، وقال دون تردد:
"قطعًا… كنتُ سأكسر عنقكِ لو فكرتِ بالخروج به، ولو حتى إلى الشرفة.. وربما خنقتكِ بيدين عاريتين"
توقف لثانية، وعيناه تشتعلان بشيءٍ غامض، ثم أردف بنبرةٍ أشد قسوة وحملت شيء من الازدراء:
"أتظنينني عاجزًا إلى هذا الحد؟… لأترك امرأةً تخصّني ترتدي ما يُبرز استدارة جسدها ومنحنياته، وكأنها عارية، بوجهٍ مكشوفٍ لا يعرف الخجل؟"
صُدمت وشعرت أنه ضرب كرامتها في مقتل، وتلعثمت الكلمات على شفتيها، كانت اهاناته متلاحقة تصفع وجهها بصلافتها وقسوتها، فلم تجد ما تدافع به عن نفسها سوى الهجوم وهي ترفع سبابتها في وجهه في حدة مهتزة :
" أنت… أنت همجي.. متخلّف! تعيش بعقلية رجل الكهف، ولا تفهم شيئًا عن الموضة أو الأناقة!"
ابتسم بسخريةٍ خفيفة، وقال بهدوءٍ مستفز وهو يقلب عينيه حولها:
"لِمَ لا؟… قد أكون كذلك فعلًا. لكن بما أنكِ أبديتِ رأيكِ بي بكل هذه الصراحة… فدعيني أُبدي رأيي فيكِ أيضًا، يا سيدتي."
ثم اقترب منها وانحنى قليلًا ليناسب طولها ، وصوته يهبط إلى نبرةٍ أخفض، أكثر حدّة ولاذع دون شفقة وهو يرى طبقة شفافة من الدمع طفت على عينيها الجميلتان :
"إمّا أنكِ فتاة ساذجة… أو امرأة لعوب، تنتشي بنظرات الرجال لجمالكِ اللعين… ذلك الجمال الذي لا يريدونه إلا في حالةٍ واحدة… ولغرضٍ واحد.. ونسائي لا يكن في هذه المواضع من الشبهة."
بدأت دموعها تتساقط فوراً من قوة تأثير كلماته، فكانت الإهانة واضحة لا تقبل النقاش. لذا، وفي ظرف ثوانٍ، التفتت عائدة لجناحها وصفعت الباب خلفها رافضة الذهاب للحفل. لم تنتبه منة لسبب بكائها، بل انتفضت فقط على وقع صفع باب غرفتها أيضاً، فخرجت من الجناح وهي تنظر ليحيى الواجم تسأله في قلق:
"ما الأمر؟ ماذا حدث لتغضب شهيرة هكذا؟"
لم تجد إجابة من يحيى الذي انسحب لغرفته بذات الملامح الواجمة دون أن ينطق بحرف واحد، بينما بقيت منة مكانها لا تفهم ما الذي يدور بين هذين الاثنين.
بعد أن انغلق باب غرفته، لم يجد يحيى الراحة التي كان يرجوها من هذا الانفجار بل وجد جدران الغرفة تضيق عليه وكأنها تلومه على قسوته. كان صدره يعلو ويهبط بأنفاس متلاحقة، وكلماته الحادة لا تزال تتردد في أذنيه، لكن هذه المرة كان وقعها على قلبه هو أمرّ من وقعها على مسامعها.
سند ظهره إلى الباب الموصد، وأغمض عينيه بقوة محاولاً طرد صورتها وهي تبكي..كانت دموعها التي طفت على عينيها الخضراوين الممزوجتين بالزرقة كأنها جمرٌ أحرق ثباته. تساءل في سره: «هل بالغت؟»، لكن كبرياءه منعه من التفكير .. هو قال الحقيقة فقط لا غير.. وإن كانت الحقيقة تجرحها فلتغير نفسها إذًا.