رواية حلال ولكن مرفوض الفصل التاسع 9 بقلم هالة محمد
9 = حلال ولكن مرفوض - ما زالت على قيد الحياه - 9 /
للجميع@
كان يحيى يحاول الاقتراب من جسد ابنه عمه الذي لا يوجد فيها شيء يدل على أنها مازالت على قيد الحياة، ولكن قدميه لم تستطع التحرك من هول الصدمة. حاول الاقتراب مراراً وتكراراً بقلب يدق مثل طبول الحرب التي تعلن عن مصيبة سوف تحدث، وكان جسده يرتجف من الخوف والتوتر. كان جميع جسد يحيى ينفض من أن تكون ابنة عمه قد زهقت روحها. أخيراً استطاع أن يصل، كأنه شخصاً كان يمشي في طريق طويلة وصعبة، على الرغم من أنه كان بينه وبين ابنة عمه بعض الخطوات الصغيرة، ولكن الخوف والرعب جعله يشعر بأنه يمشي منذ أيام في صحراء. اقترب حتى يسمع أنفاسها، هل مازالت تتنفس أم أنها قد أصبحت جسداً بلا روح. حاول الاستماع، ولكن دقات قلبه السريعة من كثرة الخوف والتوتر لم تجعله يسمع شيئاً. اقترب مرة أخرى، ولكن هذه المرة نظر ووجد أن يديه قد غرزت وأصبحت ملطخة في الدماء، دماء ابنه عمه التي تسيل دون توقف. نظر يحيى فوجد أن ابن عمه قد قام بطعن أخته طعنة خطيرة كفيلة أن تزهق روحها، فزاد الرعب والقلق في قلب يحيى. واقترب حتى يرى هل هناك نبض، هل هناك شيء يدل على أنها على قيد الحياة. وهنا تنفس وكأنه قد كان هناك حمل وجبال فوق عاتقه وقد انزاح هذا الهم عنه. تنفس يحيى حين وجد أن هناك بعض النبض الضعيف. فاقترب بسرعة وحاول حمل ابنته عمه، ويداه ترتجفان من الخوف، ولكن وجد زوجة عمه تحتضن ابنتها بقوة. فحاول يحيى أخذها منها مرة أخرى، ولكن هنا قامت زوجة عمه بضرب يحيى ضربات قوية وشرسة وهي ترفض أن يأخذ ابنتها منها، وعيناها تملآن بالدموع والوجع. تحتضنها بخوف ورعب ، وتنظر له بشراسة
وهي تقول
: "ما حدش هياخد بنتي بعد عنها، قتلتوها يا ظلمة، قتلتوها بدل ما تدفعوا عنها وتحموها"
. ثم صرخت صرخة قوية تجعل الأصم يسمع صرختها بقلب أم مجروح يتألم حسراً ووجعاً على ابنتها.
تحدث يحيى بصوت مرتفع وهو يقول لزوجة عمه: "
عايشة، هي عايشة".
ثم حين وجد زوجة عمه تنظر له وقد صمتت عن الصراخ، تحدث لها بصوت هادئ بعض الشيء ونظر في عينيها وقال
: "لازم نروح بيها المستشفى بسرعة، مش أنتي عاوزاها تكون بخير"
. استمعت زوجة عمه له وقامت تحرك رأسها بعلامة موافقة، ودموعها تنهمر على وجهها. حمل يحيى بنت عمه التي كانت غارقة في الدماء التي تغطي ثوبها الأبيض الذي تحول إلى اللون الأحمر من الدماء. ولكن قبل الخروج بها
، تحدث الجد وقال وهو لا يستطيع الكلام، تحدث بصوت واطيء بعض الشيء، صوت يملأه الهموم والكسر، وقال:
"لو روحت بنت عمك المستشفى، هنتفضح يا ولد، سيرتنا هتبقى على كل لسان، و ولد عمك هي روح فيها".
نظر له يحيى بغضب ونفور واشمئزاز لأول مرة في حياته. خرج يحيى بالغضب وهو يحمل ذلك الجسد النايم الذي استسلم للموت، وكانها وجدت الطريق الخلاص من تلك الحياة الظالمة.
****************
كأن نوار جالسًا بصمت، تعبير الألم يبدو على وجهه، وهو ينظر بحزن عميق، كأنه يخاطب شخصًا ما بكلمات اللوم. كانت الكلمات تعبر عن الحنان والحزن، وهو شارد، يهز رأسه، وينظر إلى يديه، ويقول: "بهذه الأيدي حملتها أختي وهي صغيرة، بهذه الأيدي أطعمها، بهذه الأيدي أخذتها في حضني، بهذه الأيدي ضربت من جعلها تتألم، بهذه الأيدي مسحت دموعها، وبهذه الأيدي... قتلتها". كانت كلماته تئن من الألم، وتكاد أن تنفجر من شدة الحزن.
نزلت دموعه دون أن يدري أو يشعر، وكأن عقله الباطن يصرخ به، صور له شقيقته أمامه تعاتبه بنظرة حزينة وخيبة أمل، وتحدث له بصوت يملؤه الألم والوجع
: "أنتي السبب، خنتي العهد، قلت لك أوعى تخلي راجل يقرب منك، ولا يضحك عليكي، ولا تخلي رأسنا في الطين، مش قلت حاضر يا أخويا؟ ليه عملتي كده؟ ومع مين؟ طلعتِ الغول أنتِي؟ أنتِي السبب وتكاد أن تنفجر من شدة الحزن. ثم تغيرت ملامح وجهه وتحولت إلى غضب شديد، وقال بصوت خالي من المشاعر، ولكن مليء بالوجع: ألي"تحط رأسنا في الطين احطها في الأرض، ،.وأخذ عزاها وادفنها في قبرها
نظرت له نسمه وظلت تفكر: هل زوجها فقد علقه؟ هل أصابه الجنون؟ ماذا سيحدث؟ هل سيسجن ويتركها هي وأولادها في هذه الحياة؟ ماذا تفعل؟ تذكرت ابنت عمها وقالت:
وهي تحدث نفسها"لماذا خلقت هذه الفتاة؟ كانت الحياة ستكون أفضل إن لم تأتِ إلى هذه الحياة".
كانت عيونها مليئة بالشر والحقد، ولم يشفق قلبها لو قليلاً على ابنه عمها التي تعلم أنها مظلومة.
أما جابر، الأب الذي كان ما زال ينظر إلى دماء ابنه وينظر إلى ابنه الذي كانت يده ملطخة بدماء شقيقته، فلم يعلم على من فيهم يحزن: هل على ابنه التي بين الحياة والموت، أو على ابنه الكبير الذي يكون سندًا له في هذه الحياة. نظر إلى والده حتى يستمد القوة منه، فوجده قد أصبح رجلاً عجوزًا هزيلًا لا يقوى على شيء. وضع جابر رأسه على الأرض وهو يدعو الله أن ينجد عائلته من تلك الأزمة، وأن ينجي ابنته. عقله كان يعمل بسرعة ليجد حلاً لمشكلتهم.
كانت أمينة تحتضن الصغار وتبكي على تلك الفتاة التي تحبها مثل ابنتها، فهي لم تر منها شيئًا سيئًا. دعت الله أن ينجيها ويعيدها إلى الحياة سالمة معافاة، وأن ينتقم من الذي فعل بها هذا. كان الصغار في حالة انهيار تام، فهم يحبون عمتهم كثيرًا، فهي تهتم بهم وترعاهم أكثر من أمهم. كانوا يبكون كأنهم فقدوا أمهم وأصبحوا أيتامً
**************
- في القاهرة
ركب عمر السيارة، وكان يقودها مثل المجنون، يسابق الزمان. كانت دقات قلب عمر أسرع من سرعة السيارة التي كانت تجري مثل الريح. كان عامر يجلس بجوار عمر في السيارة، رافضًا تركه في هذه الحالة. كان يتحدث مع عمر ليهدئ من سرعته، ولكن عمر كان يقود السيارة بجنون، وكاد أن يتسبب في أكثر من حادث على الطريق. لم يكن عمر يرى أو يسمع شيئًا، فقط كان يستمع لصوت ابنته أخي وتلك الكلمات التي مازالت تتردد في أذنه. كان وجهه شاحبًا مثل الأموات، يهذي ببعض الكلمات ويتحدث مع نفسه بصوت مرتفع وغير مترابط. رفض أن يصدق أن شقيقته قد قتلت على يد شقيقها. من يراه يظن أن عقله قد ذهب وأصبح مجنونًا.
أما عن حالة عامر، فلم تكن تقل عن حالة عمر. كان جسد عامر ينفض من الخوف والتوتر، خوفاً ورعبًا على حالة صديقه. فأول مرة يرى عمر بهذه الحالة، فقد كان دائمًا يراه شابًا مبتسمًا ويمزح كثيرًا. لم يره يومًا بهذه الحالة. فاق عامر من تلك الحالة على توقف السيارة فجأة بشكل جعل السيارة كادت أن تنقلب ويفارقوا الحياة. لحظة استشهد عامر من الرعب أكثر من مرة، ولكن تفاجأ بأن عمر يعيد تشغيل السيارة ويسرع بها بسرعة فائقة، عائدًا مرة أخرى إلى المنزل. لم يفهم عامر أي شيء، ولكن كان يدعو الله أن تمر هذه الأزمة على خير.
*****************
في الصعيد
كانت سيارة يحيى تسير بسرعة كبيرة، وهو يتمنى لو يسابق الوقت حتى يصل إلى المستشفى. وأخيرًا وصل أمام بابها، ووقف متذكرًا ماذا يحدث جده ماذا لو رأى الناس ابنه عمه وهي غارقة في بحر من الدماء. كانت زوجة عمه تجلس في الخلف وتحمل ابنتها التي تنزف الدماء، وتحتضنها كأنها رضيع يحتاج إلى حنان وأمه. تكلمت فاطمة وقالت بصوت حزين مبحوح من كسرة البكاء على ابنتها:
"مش هيرحموها يا يحيى، بلاش تروح بيها هنا، بلاش تدخل بيها المستشفى".
قرر يحيى أن يأخذ ابنة عمه إلى مكان آخر، قاد السيارة بسرعة كبيرة حتى يصل إلى المكان الذي حدده. وأخيرًا قد وصل إلى الوجهة، واتصل بصاحب المكان وطلب منه إخلاء المكان جميعًا من الناس. ثم بعد ثوانٍ، اتصل به صاحب المكان وأكد له أن المكان خالٍ لا يوجد فيه أحد غيره والممرضات. حمل يحيى ابنة عمه ثم دخل من باب الخلف حتى لا يرى أحدًا، فالناس هنا لا يرحمون ويجعلون البريء مذنبًا.
دخل يحيى العيادة الخاصة لصديقه هشام، فاصطدم هشام برؤيتها بهذا المنظر، ولكن تحدث يحيى سريعًا وقال:
"انقذها بسرعة يا هشام، لا وقت للتأخير". فصوته كان يملأه الرعب والخوف والقلق.
**************
وقف عمر أمام المنزل، وانطلق عائدًا إلى الداخل. ثم وقف أمام الباب وحاول البحث عن المفتاح المفتوح، ولكن لم يجده. لم ينتظر، فاصطدم الباب بكتفه وحاول فتحه، كان في حالة لا تسمح له بالتفكير، وكأن هذا الباب هو باب الخلاص والنجاة. حاول كل من أحمد وعامر إيقاف عمر عن هذه الأفعال وهذه الحالة التي هو فيها، ولكن كان عمر يرفض ويضرب الباب بقوة. دخلت مديحة إلى الداخل تبحث عن نسخة المفاتيح التي يتركها دائمًا لها عمر ويحيى، وأخيرًا قد وجدتها. ذهبت إلى عمر وهي تبكي عليه ولا تفهم ماذا جرى له، وقامت بفتح الباب بعد ما استطاع كل من أحمد وعامر إبعاد عمر. دخل عمر إلى الداخل سريعًا، فقام بجلب جواز السفر. فكر عمر وهو يعد أن الطائرة أسرع من السيارة بكثير، وهو بحاجة إلى هذه السرعة. كاد يقود السيارة بنفس السرعة حتى يصل للمطار. قام عامر بحجز تذكرة الطيران له هو وعمر، وأخيرًا وصل عمر للمطار.
*****************
خرج هشام من غرفة العمليات، ووجهه يعكس قلقًا وخوفًا شديدين، كأنه يحمل همًا ثقيلًا على كتفيه، يهدد بتحطيمه في أي لحظة. نظر يحيى إليه، ولم تطمئن نفسه، بل زاد قلقه وتملكه الخوف. قال هشام بصوت مهزوز، وكلماته تخرج من بين شفتيه ببطء:
"الحالة خطرة يا يحيى، لازم تروح مستشفى أكبر، ومحتاجة دم كتير، ..."
. صرخت فاطمة مرة أخرى، ودموعها تتدفق كالأنهار، وكأن قلبها يئن من الألم، وتملكها الخوف على ابنتها. تحدث يحيى أخيرًا، وكلماته تخرج من بين شفتيه ببطء،
"اعمل كل حاجة تقدر عليها، مش هينفع تروح المستشفى، الناس هنا مش هرحموها"
. فكر هشام قليلًا، وأدرك أن يحيى محق، فتلك القرية تنتشر فيها الشائعات بسرعة البرق، والمظلوم يصبح ظالمًا والبريء يصبح متهمًا. قال هشام:
"طيب يا يحيى، بس هنحتاج دم كتير،
أجاب يحيى بسرعة، وكأنه يتذكر لحظات صعبة: " هناخد مني ؟ احنا نفس الفصيلة".
تذكر يحيى لحظات صعبة، حين كان والده يحتضر، وكان هو وهالة يتبرعان بدمائهما لإنقاذه. توفي سليم والد يحيى في حادث سير غامض، وتركت ذكراه جروحًا عميقة في قلب يحيى، وجعلته يشعر بالحزن والأسى. اضطر هشام لسحب كميات كبيرة من دم يحيى، مما جعله يشعر بالدوار ويكاد يسقط، وكأن قوته تتلاشى. نظر حوله، يبحث عن زوجة عمه، لكن إحدى الممرضات أخبرته:
"الحجة فاطمة تعبت جدًا، وأعطيناها حقنة مهدئة،
. لم ينطق يحيى كلمه وحده من شفاتاه، فقط نظر إليها بنظرة حزينة، والتزم الصمت، وهو يدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير، وأن ينجي ابنت عمه من هذا الكرب.
*******************
وصل عمر إلى المنزل، وبدا له وكأنه منزل مهجور تسكنه الأشباح، خيم الظلام على المكان، فتوقف أمام الباب يتساءل بقلق وألم: أين الجميع؟ أين شقيقته التي كانت دائمًا تنتظره وتحتضنه بحرارة وحب؟ أين أمه وأبوه وشقيقه؟ هل صحيح أنه قتل شقيقته؟ كيف تمكنت القسوة من قلبه حتى يفعل هذا بشقيقته؟ كانت دموعه تتدفق كالأنهار، وقلبه يئن من الألم والخوف، وكأن روحه تخرج من جسده. فاق عمر من دوامة الأفكار المؤلمة على صوت حمدي الذي همس في أذنه بلهفة:
"ما تخافش، عايشة، تعالى معايا".
تنفس الصعداء، ودموع الفرح تملأ عينيه، وابتسم ابتسامة خفيفة، ونزل إلى الأرض ساجدًا يحمد رب العالمين لأن شقيقته على قيد الحياة. ركض عمر مع حمدي وعمار الذي فهم أخيرًا ما يجري، وملأ قلبه الأمل والفرح، وكأن العالم كله قد تغير في لحظة واحدة.
*****************
.
في القاهرة
كانت مديحة تمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة، وقلبها يضطرب من القلق والخوف، تريد أن تعلم ماذا حدث، ماذا جرى؟ لا أحد يجيب، وكل دقيقة تمر عليها كأنها ساعة. لقد اتصلت بابنها أكثر من مرة، لا يجيب، وكل مرة تزداد قلقًا وتوترًا. اقتربت منها مريم فقامت بمواساتها وتهدئتها، ووقفت معها، وانفجرت مديحة في البكاء كأنها طفلة صغيرة خائفة، ودموعها تتدفق كالأنهار. لم تتحمل مريم أيضًا البكاء، لا تعرف لماذا، ولكن قلبها يحس أن هناك شيئًا سيئًا يحدث، ويدفعها للشعور بالخوف والقلق. كان أحمد يمسك الهاتف ويقوم بالاتصال على يحيى، ولكنه لا يرد، وكل مرة يتصل فيها يشعر بالضيق والقلق. قام بالاتصال على تلميذته، ولكنها لا ترد، وأحس بالوحدة والخوف. أين هي؟ لماذا قلبه بهذا الشكل؟ لقد أحس بهذا الشعور حين خسر أعز الناس لديه، وتركه يشعر بالحزن والوحدة. نظر إلى السماء قائلًا: "يا الله، لا أريد أن أعيش هذا الشعور مرة أخرى". وأخيرًا رن الهاتف برقم عامر. مسكت الهاتف مديحة وهي كأنها وجدت طوق النجاة، ولكن حين سمعت ما بقي معها من وقع الخبر، سقطت أرضًا، وكأنها فقدت كل شيء. صرخت مريم وركض أحمد لإنقاذها، قام بحمل مديحة وأدخلها إلى غرفتها، ثم اتصل بالطبيب حتى يأتي، وقلبه يضطرب من القلق والخوف عليها. وقام باتصال آخر حتى يفهم ماذا جرى، ولكنه وجد الهاتف مغلقًا، وازداد قلقًا
******************
دخل عمر العيادة الخاصة بهشام وهو يبحث عن شقيقته، لكنه وجد ابن عمها يضع رأسه أرضًا، منظر لم يطمئن عليه، الحزن والهم الشديد يملآن عينيه، وكأنه يحمل همًا ثقيلًا على كتفيه. اقترب منه عمر وهو خائفًا أن يسمع شيئًا لا يريد سماعه، وقلبه يضطرب من القلق والخوف. شعر به يحيى فنظر إليه وجزت دموع تنهمر من عيون عمر، ويعلم يحيى كم عمر يحب شقيقته، فقام باحتضانه بحرارة. نظر له في عينيه وقال
: ما فيش"عندنا رجالة تبكي؟ أجمد يا ولدي العامري، هتكون بخير إن شاء الله".
حاول عمر التحدث حتى يعرف أخبار شقيقته، ولكن خرج هشام من غرفة العمليات، ووجهه يعكس القلق والتوتر. اقترب منه عمر ويحيى وهم يتعطشون لسماع خبر يطمئن قلوبهم التي يملأها الرعب والخوف. تحدث هشام وقال:
"ادعوا لها يا جماعة، أنا عملت اللي عليا كله، على ربنا أن شاء الله تقوم بالسلامة، تعدي بس مرحلة الخطر دي وهي هتكون بخير إن شاء الله"
. لم تطمئن قلوبهم، فهشام لم يقل شيئًا مطمئنًا، هذا كل ما هنالك، فجلسوا فقط يدعون الله بخشوع وخوف.
اقترب حمدي من يحيى ثم تحدث له بصوت منخفض وقال:
"
: "باشمهندس يحيى، أنا عرفت مين اللي وراها".
نظر له يحيى، وتحولت مشاعره كليًا من يأس وحزن وخوف إلى رعب وغضب، غضب كفيل أن يدمر تلك القرية بأكملها. ذهب يحيى معه، ثم اقترب من عامر وهو يقول له
: "عامر، خليك مع عمر، اوعى تسيب عمر يروح أي مكان،
". تحدث عامر وقال له: "
ما تخافش يا يحيى، أنا هنا مش هتحرك، بس انت خلي بالك من نفسك، بلاش تهور، فكر في عيلتك قبل ما تعمل أي حاجة".
لم يتحدث يحيى، ولكنه نظر لصديقه وانطلق إلى الخارج مع حمدي، انطلق وهو غاضب والشر يملأ عينيه، وتوعد للذي فعل كل هذا أنه سوف يكون هذا آخر يوم له.
.
ووويتبع
للجميع@
كان يحيى يحاول الاقتراب من جسد ابنه عمه الذي لا يوجد فيها شيء يدل على أنها مازالت على قيد الحياة، ولكن قدميه لم تستطع التحرك من هول الصدمة. حاول الاقتراب مراراً وتكراراً بقلب يدق مثل طبول الحرب التي تعلن عن مصيبة سوف تحدث، وكان جسده يرتجف من الخوف والتوتر. كان جميع جسد يحيى ينفض من أن تكون ابنة عمه قد زهقت روحها. أخيراً استطاع أن يصل، كأنه شخصاً كان يمشي في طريق طويلة وصعبة، على الرغم من أنه كان بينه وبين ابنة عمه بعض الخطوات الصغيرة، ولكن الخوف والرعب جعله يشعر بأنه يمشي منذ أيام في صحراء. اقترب حتى يسمع أنفاسها، هل مازالت تتنفس أم أنها قد أصبحت جسداً بلا روح. حاول الاستماع، ولكن دقات قلبه السريعة من كثرة الخوف والتوتر لم تجعله يسمع شيئاً. اقترب مرة أخرى، ولكن هذه المرة نظر ووجد أن يديه قد غرزت وأصبحت ملطخة في الدماء، دماء ابنه عمه التي تسيل دون توقف. نظر يحيى فوجد أن ابن عمه قد قام بطعن أخته طعنة خطيرة كفيلة أن تزهق روحها، فزاد الرعب والقلق في قلب يحيى. واقترب حتى يرى هل هناك نبض، هل هناك شيء يدل على أنها على قيد الحياة. وهنا تنفس وكأنه قد كان هناك حمل وجبال فوق عاتقه وقد انزاح هذا الهم عنه. تنفس يحيى حين وجد أن هناك بعض النبض الضعيف. فاقترب بسرعة وحاول حمل ابنته عمه، ويداه ترتجفان من الخوف، ولكن وجد زوجة عمه تحتضن ابنتها بقوة. فحاول يحيى أخذها منها مرة أخرى، ولكن هنا قامت زوجة عمه بضرب يحيى ضربات قوية وشرسة وهي ترفض أن يأخذ ابنتها منها، وعيناها تملآن بالدموع والوجع. تحتضنها بخوف ورعب ، وتنظر له بشراسة
وهي تقول
: "ما حدش هياخد بنتي بعد عنها، قتلتوها يا ظلمة، قتلتوها بدل ما تدفعوا عنها وتحموها"
. ثم صرخت صرخة قوية تجعل الأصم يسمع صرختها بقلب أم مجروح يتألم حسراً ووجعاً على ابنتها.
تحدث يحيى بصوت مرتفع وهو يقول لزوجة عمه: "
عايشة، هي عايشة".
ثم حين وجد زوجة عمه تنظر له وقد صمتت عن الصراخ، تحدث لها بصوت هادئ بعض الشيء ونظر في عينيها وقال
: "لازم نروح بيها المستشفى بسرعة، مش أنتي عاوزاها تكون بخير"
. استمعت زوجة عمه له وقامت تحرك رأسها بعلامة موافقة، ودموعها تنهمر على وجهها. حمل يحيى بنت عمه التي كانت غارقة في الدماء التي تغطي ثوبها الأبيض الذي تحول إلى اللون الأحمر من الدماء. ولكن قبل الخروج بها
، تحدث الجد وقال وهو لا يستطيع الكلام، تحدث بصوت واطيء بعض الشيء، صوت يملأه الهموم والكسر، وقال:
"لو روحت بنت عمك المستشفى، هنتفضح يا ولد، سيرتنا هتبقى على كل لسان، و ولد عمك هي روح فيها".
نظر له يحيى بغضب ونفور واشمئزاز لأول مرة في حياته. خرج يحيى بالغضب وهو يحمل ذلك الجسد النايم الذي استسلم للموت، وكانها وجدت الطريق الخلاص من تلك الحياة الظالمة.
****************
كأن نوار جالسًا بصمت، تعبير الألم يبدو على وجهه، وهو ينظر بحزن عميق، كأنه يخاطب شخصًا ما بكلمات اللوم. كانت الكلمات تعبر عن الحنان والحزن، وهو شارد، يهز رأسه، وينظر إلى يديه، ويقول: "بهذه الأيدي حملتها أختي وهي صغيرة، بهذه الأيدي أطعمها، بهذه الأيدي أخذتها في حضني، بهذه الأيدي ضربت من جعلها تتألم، بهذه الأيدي مسحت دموعها، وبهذه الأيدي... قتلتها". كانت كلماته تئن من الألم، وتكاد أن تنفجر من شدة الحزن.
نزلت دموعه دون أن يدري أو يشعر، وكأن عقله الباطن يصرخ به، صور له شقيقته أمامه تعاتبه بنظرة حزينة وخيبة أمل، وتحدث له بصوت يملؤه الألم والوجع
: "أنتي السبب، خنتي العهد، قلت لك أوعى تخلي راجل يقرب منك، ولا يضحك عليكي، ولا تخلي رأسنا في الطين، مش قلت حاضر يا أخويا؟ ليه عملتي كده؟ ومع مين؟ طلعتِ الغول أنتِي؟ أنتِي السبب وتكاد أن تنفجر من شدة الحزن. ثم تغيرت ملامح وجهه وتحولت إلى غضب شديد، وقال بصوت خالي من المشاعر، ولكن مليء بالوجع: ألي"تحط رأسنا في الطين احطها في الأرض، ،.وأخذ عزاها وادفنها في قبرها
نظرت له نسمه وظلت تفكر: هل زوجها فقد علقه؟ هل أصابه الجنون؟ ماذا سيحدث؟ هل سيسجن ويتركها هي وأولادها في هذه الحياة؟ ماذا تفعل؟ تذكرت ابنت عمها وقالت:
وهي تحدث نفسها"لماذا خلقت هذه الفتاة؟ كانت الحياة ستكون أفضل إن لم تأتِ إلى هذه الحياة".
كانت عيونها مليئة بالشر والحقد، ولم يشفق قلبها لو قليلاً على ابنه عمها التي تعلم أنها مظلومة.
أما جابر، الأب الذي كان ما زال ينظر إلى دماء ابنه وينظر إلى ابنه الذي كانت يده ملطخة بدماء شقيقته، فلم يعلم على من فيهم يحزن: هل على ابنه التي بين الحياة والموت، أو على ابنه الكبير الذي يكون سندًا له في هذه الحياة. نظر إلى والده حتى يستمد القوة منه، فوجده قد أصبح رجلاً عجوزًا هزيلًا لا يقوى على شيء. وضع جابر رأسه على الأرض وهو يدعو الله أن ينجد عائلته من تلك الأزمة، وأن ينجي ابنته. عقله كان يعمل بسرعة ليجد حلاً لمشكلتهم.
كانت أمينة تحتضن الصغار وتبكي على تلك الفتاة التي تحبها مثل ابنتها، فهي لم تر منها شيئًا سيئًا. دعت الله أن ينجيها ويعيدها إلى الحياة سالمة معافاة، وأن ينتقم من الذي فعل بها هذا. كان الصغار في حالة انهيار تام، فهم يحبون عمتهم كثيرًا، فهي تهتم بهم وترعاهم أكثر من أمهم. كانوا يبكون كأنهم فقدوا أمهم وأصبحوا أيتامً
**************
- في القاهرة
ركب عمر السيارة، وكان يقودها مثل المجنون، يسابق الزمان. كانت دقات قلب عمر أسرع من سرعة السيارة التي كانت تجري مثل الريح. كان عامر يجلس بجوار عمر في السيارة، رافضًا تركه في هذه الحالة. كان يتحدث مع عمر ليهدئ من سرعته، ولكن عمر كان يقود السيارة بجنون، وكاد أن يتسبب في أكثر من حادث على الطريق. لم يكن عمر يرى أو يسمع شيئًا، فقط كان يستمع لصوت ابنته أخي وتلك الكلمات التي مازالت تتردد في أذنه. كان وجهه شاحبًا مثل الأموات، يهذي ببعض الكلمات ويتحدث مع نفسه بصوت مرتفع وغير مترابط. رفض أن يصدق أن شقيقته قد قتلت على يد شقيقها. من يراه يظن أن عقله قد ذهب وأصبح مجنونًا.
أما عن حالة عامر، فلم تكن تقل عن حالة عمر. كان جسد عامر ينفض من الخوف والتوتر، خوفاً ورعبًا على حالة صديقه. فأول مرة يرى عمر بهذه الحالة، فقد كان دائمًا يراه شابًا مبتسمًا ويمزح كثيرًا. لم يره يومًا بهذه الحالة. فاق عامر من تلك الحالة على توقف السيارة فجأة بشكل جعل السيارة كادت أن تنقلب ويفارقوا الحياة. لحظة استشهد عامر من الرعب أكثر من مرة، ولكن تفاجأ بأن عمر يعيد تشغيل السيارة ويسرع بها بسرعة فائقة، عائدًا مرة أخرى إلى المنزل. لم يفهم عامر أي شيء، ولكن كان يدعو الله أن تمر هذه الأزمة على خير.
*****************
في الصعيد
كانت سيارة يحيى تسير بسرعة كبيرة، وهو يتمنى لو يسابق الوقت حتى يصل إلى المستشفى. وأخيرًا وصل أمام بابها، ووقف متذكرًا ماذا يحدث جده ماذا لو رأى الناس ابنه عمه وهي غارقة في بحر من الدماء. كانت زوجة عمه تجلس في الخلف وتحمل ابنتها التي تنزف الدماء، وتحتضنها كأنها رضيع يحتاج إلى حنان وأمه. تكلمت فاطمة وقالت بصوت حزين مبحوح من كسرة البكاء على ابنتها:
"مش هيرحموها يا يحيى، بلاش تروح بيها هنا، بلاش تدخل بيها المستشفى".
قرر يحيى أن يأخذ ابنة عمه إلى مكان آخر، قاد السيارة بسرعة كبيرة حتى يصل إلى المكان الذي حدده. وأخيرًا قد وصل إلى الوجهة، واتصل بصاحب المكان وطلب منه إخلاء المكان جميعًا من الناس. ثم بعد ثوانٍ، اتصل به صاحب المكان وأكد له أن المكان خالٍ لا يوجد فيه أحد غيره والممرضات. حمل يحيى ابنة عمه ثم دخل من باب الخلف حتى لا يرى أحدًا، فالناس هنا لا يرحمون ويجعلون البريء مذنبًا.
دخل يحيى العيادة الخاصة لصديقه هشام، فاصطدم هشام برؤيتها بهذا المنظر، ولكن تحدث يحيى سريعًا وقال:
"انقذها بسرعة يا هشام، لا وقت للتأخير". فصوته كان يملأه الرعب والخوف والقلق.
**************
وقف عمر أمام المنزل، وانطلق عائدًا إلى الداخل. ثم وقف أمام الباب وحاول البحث عن المفتاح المفتوح، ولكن لم يجده. لم ينتظر، فاصطدم الباب بكتفه وحاول فتحه، كان في حالة لا تسمح له بالتفكير، وكأن هذا الباب هو باب الخلاص والنجاة. حاول كل من أحمد وعامر إيقاف عمر عن هذه الأفعال وهذه الحالة التي هو فيها، ولكن كان عمر يرفض ويضرب الباب بقوة. دخلت مديحة إلى الداخل تبحث عن نسخة المفاتيح التي يتركها دائمًا لها عمر ويحيى، وأخيرًا قد وجدتها. ذهبت إلى عمر وهي تبكي عليه ولا تفهم ماذا جرى له، وقامت بفتح الباب بعد ما استطاع كل من أحمد وعامر إبعاد عمر. دخل عمر إلى الداخل سريعًا، فقام بجلب جواز السفر. فكر عمر وهو يعد أن الطائرة أسرع من السيارة بكثير، وهو بحاجة إلى هذه السرعة. كاد يقود السيارة بنفس السرعة حتى يصل للمطار. قام عامر بحجز تذكرة الطيران له هو وعمر، وأخيرًا وصل عمر للمطار.
*****************
خرج هشام من غرفة العمليات، ووجهه يعكس قلقًا وخوفًا شديدين، كأنه يحمل همًا ثقيلًا على كتفيه، يهدد بتحطيمه في أي لحظة. نظر يحيى إليه، ولم تطمئن نفسه، بل زاد قلقه وتملكه الخوف. قال هشام بصوت مهزوز، وكلماته تخرج من بين شفتيه ببطء:
"الحالة خطرة يا يحيى، لازم تروح مستشفى أكبر، ومحتاجة دم كتير، ..."
. صرخت فاطمة مرة أخرى، ودموعها تتدفق كالأنهار، وكأن قلبها يئن من الألم، وتملكها الخوف على ابنتها. تحدث يحيى أخيرًا، وكلماته تخرج من بين شفتيه ببطء،
"اعمل كل حاجة تقدر عليها، مش هينفع تروح المستشفى، الناس هنا مش هرحموها"
. فكر هشام قليلًا، وأدرك أن يحيى محق، فتلك القرية تنتشر فيها الشائعات بسرعة البرق، والمظلوم يصبح ظالمًا والبريء يصبح متهمًا. قال هشام:
"طيب يا يحيى، بس هنحتاج دم كتير،
أجاب يحيى بسرعة، وكأنه يتذكر لحظات صعبة: " هناخد مني ؟ احنا نفس الفصيلة".
تذكر يحيى لحظات صعبة، حين كان والده يحتضر، وكان هو وهالة يتبرعان بدمائهما لإنقاذه. توفي سليم والد يحيى في حادث سير غامض، وتركت ذكراه جروحًا عميقة في قلب يحيى، وجعلته يشعر بالحزن والأسى. اضطر هشام لسحب كميات كبيرة من دم يحيى، مما جعله يشعر بالدوار ويكاد يسقط، وكأن قوته تتلاشى. نظر حوله، يبحث عن زوجة عمه، لكن إحدى الممرضات أخبرته:
"الحجة فاطمة تعبت جدًا، وأعطيناها حقنة مهدئة،
. لم ينطق يحيى كلمه وحده من شفاتاه، فقط نظر إليها بنظرة حزينة، والتزم الصمت، وهو يدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير، وأن ينجي ابنت عمه من هذا الكرب.
*******************
وصل عمر إلى المنزل، وبدا له وكأنه منزل مهجور تسكنه الأشباح، خيم الظلام على المكان، فتوقف أمام الباب يتساءل بقلق وألم: أين الجميع؟ أين شقيقته التي كانت دائمًا تنتظره وتحتضنه بحرارة وحب؟ أين أمه وأبوه وشقيقه؟ هل صحيح أنه قتل شقيقته؟ كيف تمكنت القسوة من قلبه حتى يفعل هذا بشقيقته؟ كانت دموعه تتدفق كالأنهار، وقلبه يئن من الألم والخوف، وكأن روحه تخرج من جسده. فاق عمر من دوامة الأفكار المؤلمة على صوت حمدي الذي همس في أذنه بلهفة:
"ما تخافش، عايشة، تعالى معايا".
تنفس الصعداء، ودموع الفرح تملأ عينيه، وابتسم ابتسامة خفيفة، ونزل إلى الأرض ساجدًا يحمد رب العالمين لأن شقيقته على قيد الحياة. ركض عمر مع حمدي وعمار الذي فهم أخيرًا ما يجري، وملأ قلبه الأمل والفرح، وكأن العالم كله قد تغير في لحظة واحدة.
*****************
.
في القاهرة
كانت مديحة تمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة، وقلبها يضطرب من القلق والخوف، تريد أن تعلم ماذا حدث، ماذا جرى؟ لا أحد يجيب، وكل دقيقة تمر عليها كأنها ساعة. لقد اتصلت بابنها أكثر من مرة، لا يجيب، وكل مرة تزداد قلقًا وتوترًا. اقتربت منها مريم فقامت بمواساتها وتهدئتها، ووقفت معها، وانفجرت مديحة في البكاء كأنها طفلة صغيرة خائفة، ودموعها تتدفق كالأنهار. لم تتحمل مريم أيضًا البكاء، لا تعرف لماذا، ولكن قلبها يحس أن هناك شيئًا سيئًا يحدث، ويدفعها للشعور بالخوف والقلق. كان أحمد يمسك الهاتف ويقوم بالاتصال على يحيى، ولكنه لا يرد، وكل مرة يتصل فيها يشعر بالضيق والقلق. قام بالاتصال على تلميذته، ولكنها لا ترد، وأحس بالوحدة والخوف. أين هي؟ لماذا قلبه بهذا الشكل؟ لقد أحس بهذا الشعور حين خسر أعز الناس لديه، وتركه يشعر بالحزن والوحدة. نظر إلى السماء قائلًا: "يا الله، لا أريد أن أعيش هذا الشعور مرة أخرى". وأخيرًا رن الهاتف برقم عامر. مسكت الهاتف مديحة وهي كأنها وجدت طوق النجاة، ولكن حين سمعت ما بقي معها من وقع الخبر، سقطت أرضًا، وكأنها فقدت كل شيء. صرخت مريم وركض أحمد لإنقاذها، قام بحمل مديحة وأدخلها إلى غرفتها، ثم اتصل بالطبيب حتى يأتي، وقلبه يضطرب من القلق والخوف عليها. وقام باتصال آخر حتى يفهم ماذا جرى، ولكنه وجد الهاتف مغلقًا، وازداد قلقًا
******************
دخل عمر العيادة الخاصة بهشام وهو يبحث عن شقيقته، لكنه وجد ابن عمها يضع رأسه أرضًا، منظر لم يطمئن عليه، الحزن والهم الشديد يملآن عينيه، وكأنه يحمل همًا ثقيلًا على كتفيه. اقترب منه عمر وهو خائفًا أن يسمع شيئًا لا يريد سماعه، وقلبه يضطرب من القلق والخوف. شعر به يحيى فنظر إليه وجزت دموع تنهمر من عيون عمر، ويعلم يحيى كم عمر يحب شقيقته، فقام باحتضانه بحرارة. نظر له في عينيه وقال
: ما فيش"عندنا رجالة تبكي؟ أجمد يا ولدي العامري، هتكون بخير إن شاء الله".
حاول عمر التحدث حتى يعرف أخبار شقيقته، ولكن خرج هشام من غرفة العمليات، ووجهه يعكس القلق والتوتر. اقترب منه عمر ويحيى وهم يتعطشون لسماع خبر يطمئن قلوبهم التي يملأها الرعب والخوف. تحدث هشام وقال:
"ادعوا لها يا جماعة، أنا عملت اللي عليا كله، على ربنا أن شاء الله تقوم بالسلامة، تعدي بس مرحلة الخطر دي وهي هتكون بخير إن شاء الله"
. لم تطمئن قلوبهم، فهشام لم يقل شيئًا مطمئنًا، هذا كل ما هنالك، فجلسوا فقط يدعون الله بخشوع وخوف.
اقترب حمدي من يحيى ثم تحدث له بصوت منخفض وقال:
"
: "باشمهندس يحيى، أنا عرفت مين اللي وراها".
نظر له يحيى، وتحولت مشاعره كليًا من يأس وحزن وخوف إلى رعب وغضب، غضب كفيل أن يدمر تلك القرية بأكملها. ذهب يحيى معه، ثم اقترب من عامر وهو يقول له
: "عامر، خليك مع عمر، اوعى تسيب عمر يروح أي مكان،
". تحدث عامر وقال له: "
ما تخافش يا يحيى، أنا هنا مش هتحرك، بس انت خلي بالك من نفسك، بلاش تهور، فكر في عيلتك قبل ما تعمل أي حاجة".
لم يتحدث يحيى، ولكنه نظر لصديقه وانطلق إلى الخارج مع حمدي، انطلق وهو غاضب والشر يملأ عينيه، وتوعد للذي فعل كل هذا أنه سوف يكون هذا آخر يوم له.
.
ووويتبع