رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثامن 8 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل الثامن:
عقدت غزل حاجبيها و إرتسمت الدهشة على وجهها بقوة و قالت بحدة :
_ و إنت عرفت منين إنى كنت مجروحة فى كتفى .
إعتدل فى جلسته و قال بصوت عميق :
_ كده يبقى هحكى من الأول لما كنت طول الوقت بزور ستى رأفة وخصوصا بعد ما إتجوزت خالتوا نغم و قبلها مامتك .... كنت بساعدها و بعملها اللى هى عوزاه ... لغاية ما إنتى جيتى .. و شوفتك ... كنتى حلوة قوى و شبه العيال اللى بتبقى على الصور اللى بنعلقها .
إبتسمت على كلاماته التلقائية البسيطة فأردف قائلا :
_ إتعلقت بيكى و بقيت بستنى اليوم اللى بتيجى فيه بفارغ الصبر و عدت السنين و إنتى كمان إتعلقتى بيا عن أخوكى الرخم اللى كان بيضربك و ياخد اللعب بتاعتك و لما بقا عندك خمس سنين و فى عيد ميلادك حضرتلك مفاجأة و جيت علشان أخدك من عند ستى لقيت خالتو حور بتعيط و بتشتكى لستى من باباكى ... و إنتى كنتى زعلنة على زعلها .
إمتعض وجه غزل و هى تتذكر والدتها و التى لم ترى يوما واحدا سعيدا ... و ربما ورثت منها ذلك الحظ العثر ... خرجت من شرودها على صوت فارس متابعا :
_ نزلتى معايا و إديتك هديتك و اللى كانت عروسة و إنتى فرحتى بيها جدا و نسيتى زعلك فقررت أزود فرحتك دى و قولتلك تعالى أوريكى القصر اللى هتجوزك فيه .. أصلنا كنا بنحب بعض ... لعب عيال بقا .
إبتسمت على مزحته و قالت بإهتمام :
_ هاه و باعدين ؟!!!
مرر أنامله فى شعراته الناعمة و قال بجدية :
_ مسكتك من إيدك و روحنا للقصر و إحنا بنجرى و صوت ضحكك مالى الدنيا و ضفايرك كانت بتطير حواليكى ... كنتى جميلة جدا .. و باعدين طلبتى تشوفى القصر فاشيلتك على كتفى و فجأة ... لقيت ورايا خمس عيال منهم واحد كان بيكرهنى جدا ... وقتها كان عندى ..... .
قاطعه صبرى قائلا :
_ كان عندك 13 سنة يا فارس .
أومأ برأسه و تابع سرده قائلا :
_ المهم العيال دول إتلموا عليا و ضربونى لما عدمونى العافية ... و كل اللى كان شاغلنى و أنا بتضرب هو إنتى كنت خايف عليكى و بعد ما خلصوا و إنكسر دراعى و الواد ده طلع سكينة صغيرة من هدومه و قرب منى علشان يضربنى بيها و كأن الأرض إنشقت و إنتى خرجتى منها ووقفتى قدامى وخدتى السكينة فى كتفك .. بس صرختك ساعتها و قفت الدنيا حواليا ... و بصتك ليا و إنتى بتنزفى كأنى أنا اللى إنجرحت مش إنتى .
أغمضت غزل عيناها متذكرة تلك الليلة بكل تفاصيلها و تذكرت دمائها التى سالت على دميتها و صراخ فارس بعدها و ركض هؤلاء الأوغاد ... فأغمضت عينيها بألم ... إقترب منها فارس و سألها بقلق :
_ إنتى كويسة يا غزل ؟!!
فتحت عيناها لتتقابل بنظرات فارس الحنونة و قد تذكرته بالفعل و لعنت عقلها البائس كيف نفضه و مسحه بهذا الشكل المخجل ... طالت النظرات بينهم ... فحك رامى ذقنه بأنامله و قال قاطعا تلك الحالة بتعجب :
_ قولى برضه عرفت منين إن غزل كانت فى ضيقة بعد كل القصة دى ؟!!!!!!
يوم واحد و ستة عشر ساعة فقط مرت عليه و لم يرها ... شعور بغيض من الشوق و اللهفة ملأه و فاض منه ... لأول مرة تهجره بهذا الشكل و تبعد عن عينيه بصورتها الملائكية ... و عطرها الهادئ و البريء مثلها ... و نظراتها الملتاعة والتى تشعره بأنه لا ينقصه شئ ...
إبتسم بسخرية على حاله ... يُهينها و يضربها و يقلل من شأنها و يراهن انها ستأتى إليه بإبتسامتها العذبة و التى تظهر معها غمازتيها الناعمة ... و كأن شيئا لم يكن ... و الأسوء أنه بكل مرة يربح الرهان و لكن هذه المرة قررت أن يخسر و لأول مرة ..
خرج من غرفته فوجد نشوى تخرج من غرفة ميناس حاملة صينية الطعام و لم ينتقص منها شيئا ... فسألها بقلق :
_ هى ميناس مأكلتش برضه .
زمت نشوى شفتيها و تطلعت بالبعيد بعبوس و قالت بتهكم مغلف بالأدب :
_ و هى هتاكل إزاى و فكها وارم ... أكيد مش هتعرف تمضغ ... فبتشرب عصاير بس .
رفع أنامله ناحية فمه و بدأ فى قضم أظافره بأسنانه ... و هو يفكر قليلا ... ثم رفع عينيه ناحية نشوى و قال آمرا :
_ حضريلها شوربة و هاتيها مع الغدا بتاعى على أوضتى .
عارضته قائلة بعملية :
_ بس يا فندم هى ..... .
قاطعها قائلا بحدة و هو يحدجها بقوة :
_ إلى أقوله يتسمع ... و إتفضلى إمشى إعملى اللى طلبته ... يالا .
أومأت برأسها و قالت بإنصياع :
_ حاضر يا حمزة بيه ... دقايق و الأكل يبقى جاهز .
و تركته و إبتعدت وهى تغمغم قائلة :
_ تتشك فى إيدك يا أخى ... عملتلك إيه الغلبانة دى علشان تعمل فيها كده .. ربنا على المفترى .
حرك كرسيه حتى أصبح أمام باب غرفة ميناس .. فتنفس مطولا و طرقه بهدوء ... وصله صوتها ضعيفا و هى تقول :
_ إدخلى يا نشوى .
أدار المقبض و دلف بعينين تكادا تسبقه لرؤيتها ... و بالفعل رآها ممددة على فراشها ... و وجهها شاحب و كدمة زرقاء بجوار فمها تخبره أنه وحش لا يحمل بداخله أى ذرة إنسانية .... يعلم جيدا أن وجهها يوما ما سينطق بما فعله به أمام رب العباد و الذى لا يضيع عنده حق مظلوم .....
جلست ميناس مسرعة و غطت جسدها بغطائها رغم أنها ترتدى عبائة منزلية بأكمام لا تظهر منها شيئا ... و لكن ألم فكها سيجعلها ترتدى حاجبها أمامه لتتقى شره ....
نظرات الذعر بعينيها جعلته يشمئز من نفسه أكثر ... فإلتف بكرسيه حول فراشها و تقابلت نظراتهم ... لم يحد بعينيه عن عينيها الخريفية بخضارها المائل للون العسلى فجعلها باهتة كورقة شجر ذابلة و فى إنتظار ريح خفيفة لتقتلعها و تهوى ببطء حتى تستقر على الأرض ميتة ...
كانت نظراتها ممتلئة بعبرات سجينة لا تسمح لها بالإنهمار ... و لوم على عقاب مؤلم جعلها ممزقة داخليا و خارجيا ....
إبتلع حمزة ريقه يجلى به حلقه الجاف و خرج صوته متحشرجا و هو يقول بهدوء منفعل :
_ هتفضلى حابسة نفسك فى أوضتك كتير ... أنا سبتك يومين تدلعى ... كفاية كده.
إبتسمت ميناس إبتسامة ميتة ... كانت كخنجر مسموم طعن قلبه و هى تقول بداخلها :
_ طولت حكايتنا يا حمزة و خايفة حبنا يموت من قربنا ... لأول مرة بقولها حتى لو بينى وبين نفسى ... هنبعد ... عدت فترات فى حياتنا كنا بنلف فى دايرة و نرجع لنقطة البداية ... بس شكلها مش هتنفع و حكايتنا هتقف بدرى ... لأنى خايفة ... أكرهك .
وصلته كلماتها حرفا حرف .... لم يكن يتوقع أن يكون بداخلها تلك القسوة ... فميناس الحنونة الصابرة قررت التمرد عليه ... و على عشقها ....
وقفت ميناس أمامه و ضمت فكها بكفها لتستطيع التحدث و قالت بوهن :
_ أنا تحت أمرك .
ساد الصمت للحظات قبل أن يقول بهدوء :
_ ودينى أوضتى لو سمحتى .
إلتفت خلف كرسيه و دفعته بيديها حتى وقفا فى منتصف غرفته ... طرقت نشوى باب الغرفة ... فأذنت لها ميناس بالدخول ... وضعت نشوى الطعام على الطاولة و خرجت ... فأشار حمزة لميناس بالجلوس أمامه ... فجلست بهدوء ... حمل طبق الحساء و وضعه أمامها قائلا بحزم :
_ أنا عاوز الطبق ده فاضى ... تمام .
تطلعت إليه بحيرة ... و هى ترى لحظات الحنان النادرة بعينى متعجبة من تناقضه الغير مبرر بالنسبة إليها ... إنتبه لتحديقها فأكد عليها قائلا بإقتضاب :
_ تمام .
أومأت برأسها ... و تطلعت بالطبق بشرود ... ناولها ملعقة بيده فأخفت وجهها بخوف بيديها ظنا منها أنه سيطالها مجددا ... فوجدته يمد يده ناحيتها بالملعقة .... فأخفضت ذراعيها بخجل ....
أغمض حمزة عينيه كاظما غيظه ... و فتحهما بحدة و قذف الملعقة فإصطدمت بالحائط ... فإنكمشت ميناس خوفا ... فها هو يعود من جديد ... بينما إستدار هو و توجه ناحية شرفته بغضب ....
- برضه إيه اللى عرفك إنها فى ضيقة .
قالها رامى متعجبا ... فإعتدل فارس فى جلسته وقال و هو يطالعه بحدة :
_ كفاية بقا يا رامى ... خلى عندك دم يا أخى .
إشتدت قامة رامى و قال بضيق :
_ عندى دم و الله بس مش هسيبك غير لما تفهمنى .
إستندت غزل بمرفقيها على حقيبتها و قالت برجاء :
_ please يا فارس .. أنا كمان عاوزة أعرف .
رفع فارس عينيه بملل و حك ذقنه مفكرا قليلا حتى قال متابعا سرده :
- لما شوفت دمك و شوفتك و إنتى بيغمى عليكى ... ما إستحملتش و وقفت بسرعة .. رغم إن جسمى كان متكسر شيلتك على دراع واحد و جريت على الوكالة هنا .. أبويا أخدك منى و جرى بيكى على المستشفى .. و أنا معاه .. بعد فترة الدكتور طمنا عليكى .. و خرجتى من العمليات وجه أبوكى وقعد يزعق ويصرخ فينا و خدك و مشى من غير ما يعمل إعتبار لإنك كنتى لسه خارجة من العملية .....
توقف عن الإسترسال للحظات لإلتقاط أنفاسه و تخفيف ألم تلك اللحظة التى لم ينساها مطلقا ... و ما أن هدأ حتى تابع قائلا بحزن عميق :
_ روحت تانى يوم أسأل عليكى ستى رأفة .. قالتلى .. قالتلى إنك سافرتى مع أهلك .
تهدلت ملامحه الحزينه فقاطعه صبرى قائلا بأسى :
- بعدها يا بنتى فارس دخل فى نوبة صرع .. بقا يقوم كل يوم من نومه و هو بينده بإسمك .. لحد فترة قريبة و هو على الحالة دى .
جلس رامى هو الآخر من هول ما سمع بملامح مندهشة .. بينما تابع صبرى بحزن و قد إلتفتت إليه غزل :
- فارس كان عامل زى البنات لا بيعرف يهش و لا ينش .. بس بعد الحادثة دى .. راح للعيال اللى ضربوكى و خد حقه وحقك .. و من يومها و هو ماعدش فارس ... بقا العوو لأى حد ييجى عليه أو على حد يخصه .
لم تترك عينى فارس غزل و لو لثانية .. كأنه يتأكد أن الصغيرة البريئة قد عادت ... و لكنه لا يعلم أى عذاب قد عانت تلك الصغيرة و التى لم تعد بريئة بعد ..... تسائل رامى ثانية بإلحاح :
- برضه عرفت إزاى إن غزل فى مشكلة .
أجابه فارس بإبتسامة هادئة و هو يطالع شغفه :
- آخر صوت سمعته لغزل كان صرختها قبل ما يغمى عليها و باعدين سابتنى و سافرت .. مرت السنين .. وأنا كل فترة أسمع صوت صرخة بنت فى ودانى .. وكنت ببقى هتجنن وأعرف الصوت ده منين .
إلتفت مجددا ناحية غزل و تابع ببساطة شديدة :
لغاية يوم ما قريبك ده كان بيشدك فى الشارع .. سمعت صرختك فى عقلى و بعد كده سمعتها جنبى فلاقيتك إنتى .
ضيق رامى عينيه غير مصدق ما تسمعه أذنيه .. و قال بسخرية :
- يا سلام .. ده بجد ده .
ضحك فارس و قال بتنهيدة متابعا :
- و لما مسعد ضايقك أول مرة .. سمعت صرختك برضه .. و دورت عليكى حواليا لغاية ما لقيتك .. والنهاردة كمان حصلى نفس الموقف و حسيت بصرختك فكلمت رامى ... هى دى كل الحكاية .
فغر رامى فمه ببلاهة وقال :
- أنا مش فاهم حاجة برضه .
إبتسمت غزل و هى لم تحيد بعينيها عن فارس و قالت مسرعة :
- الحالة دى إسمها telepathy أو تخاطر .. اللى بيحصلك ده تقريبا تخاطر .. و ده بيحصل بينا وبين الناس اللى بتربطنا بيهم قرابة شديدة من أى نوع ... و لما بيحصل البعد المخ بيحتفظ بآخر صورة و صوت و بيلجأ بعدها للتخاطر علشان يحتفظ بالأمل إنه هيقابل الشخص ده تانى .
خرج صوته متحشرجا بنبرة متأثرة و هو يقول لها مؤكدا :
_ و قابلتك ... و رجعتيلى .
شعرت غزل بدغدغة بمشاعرها و إنهيار بأعصابها التى لم تعد تحتمل أى ضغط بعد و خصوصا بعد .. رجعتيلى تلك ... فهذا الجالس أمامها يعلن حصريته لها ... بجرأة ... وقفت مسرعة و حملت حقيبتيها قائلة بتوتر :
- متشكرة جدا يا أنكل .. وأسفة يا رامى لو عرضتك للخطر .
وقف رامى هو الآخر و قال لها مبتسما بهدوء :
_ ما تقوليش كده إنتى بقيتى زى أختى و حمايتك واجب عليا .
بادلته إبتسامته فى لحظات هدوء بينهما ربما لن تتكرر و قالت بمداعبة .. لرامى ؟! .. حقا ؟! :
_ هستناك بعد المغرب يا عريس علشان هنخرج ... done .
أومأ رامى برأسه وقال بإبتسامة :
- done .
تطلعت غزل بفارس الجالس بهدوء و ثقة و قالت بعدما ملأت عينيها من ملامحه :
- بعد إذنكم .
وتركتهم وخرجت .. أشار فارس بعينيه لرامى أن يتبعها .. فأومأ له برأسه موافقا ..
توجهت غزل لمنزل جدتها و دقات قلبها قد زادت بصورة مؤلمة .. وقفت على الدرج تستجمع قواها .. وهى شاردة بما سمعته و قيل لها .. تسائلت بإستغراب جلى على قسماتها ... هل هو مرتبط بها لهذا الحد .. كانت دائما ما تشعر بالوحدة مع أنه كان يحاوطها بقلبه رغم المسافات و السنين .
تنهدت مطولا بحزن و صعدت الدرج مشدوهة قليلا ... طرقت الباب ففتحت لها ليال و سمحت لها بالدخول قبل أن تحتضنها لتتطمئن و قالت بخوف :
- إنتى كويسة يا غزل طمنينى .
مسحت غزل على ظهرها بنعومة و قالت بهدوء :
_ don't worry ... أنا كويسة .
أبعدتها ليال عنها وتطلعت بوجهها و ملست عليه بحنان و قالت :
- خفت عليكى قوى .. إزاى تقفى قدام المسدس وإنتى مش خايفة .. إنتى مجنونة .
خلعت غزل حجابها و قالت بقوة :
_ أمال عوزانى أسيبه يأذى رامى و هو بيدافع عنى ... كان لازم أتصرف طبعا .
تطلعت غزل ناحية غرفة جدتها و قالت بقلق :
_ هى تيتة عرفت حاجة .
أومأت ليال برأسها و قالت و هى تحدجها بحدة :
_ عرفت طبعا ... ما هى سمعت صوتى لما شوفت المسدس و لما حضرتك عملتى بطلة و وقفتى قدامه .
هزت غزل رأسها بيأس .. فقالت لها ليال موضحة :
_طبعا هى ما عرفتش الكلام ده ... هى عرفت اللى حصل على خفيف .
تركتها غزل و توجهت لغرفة جدتها التى ما أن رأتها حتى فتحت لها ذراعيها .. فإرتمت غزل فى حضنها و قالت بقوة :
- ما تقلقيش عليا ... بنتك بميت راجل .
قبلتها رأفة فى جبهتها و قالت بخوف :
- عملك إيه البأف اللى إسمه مسعد ده .
رفعت غزل عيناها ناحية جدتها و أجابتها بهدوء و إتزان :
- و لا أى حاجة .. عاكسنى فضربته و رامى كمل عليه .. هو مسعد ده حكايته إيه يا تيتة .. و إيه سبب الخلاف اللى بينه و بين عيلة السعيد .
تنهدت رأفة بأسى و قالت بضيق :
- دى قصة طويلة قومى إرتاحى وباعدين هحكيلك .
مررت غزل أناملها على وجهها وقالت بسخرية :
- هو النهاردة يوم الحكايات العالمى .. إحكى يا تيتة أنا عاوزة أسمعك.
إعتدلت غزل فى جلستها و عقدت ساقيها إستعدادا للقادم .. فقالت لها رأفة بجدية :
- مسعد وأبوه كانوا بيشتغلوا فى وكالة السعيد .. بس مسعد طول عمره بيغير من فارس .. و فى مرة غلط فى فارس .. فالعوو ما سكتش .. وضربه قدام الكل و بهدله .. الواد مسعد قعد يهدده و حلفله إنه هيرجع غنى زيه وراسه براسه .. وفعلا بعد سنين رجع الحارة غنى و فتح محل بلاط و حمامات .. و الكل عارف إنه جاب فلوسه من المخدرات ... منه لله دمر شباب كتير فى الحتة .. وماىبيكرهش حد فى حياته قد العوو .
زمت غزل شفتيها وقالت بخوف :
- مخدرات ؟!!
فتابعت الجدة بقلق و رفعت سبابتها بوجه غزل محذرة :
- خلى بالك منه يا بنتى ده شيطان .. ربنا يحميكى منه و من أمثاله .
إبتسمت غزل وسألت جدتها بمكر :
- قوليلى يا تيتة هى إيه حكاية فارس معايا بالظبط .
إبتسمت الجدة و قالت بحنو :
- لسه فاكرة تسألى .. إتأخرتى فى سؤالك يا غزل .
هزت غزل كتفيها و قالت و هى تضم كفيها بحجرها :
- بس سألت ومحتاجة إجابة .
لملمت رأفة شعرات غزل المنسدلة على وجهها خلف أذنها و قالت بإبتسامة هادئة :
- كنتى هتودى نفسك للموت علشان خوفتى عليه .. خدتى السكينة مكانه .. بس ربنا ستر .. فضل يسأل عليكى زى المجنون .. و كان بيجى يقعد معايا و صورتك وإنتى صغيرة ما بتفارقش إيده .. لحد ما إتجوز بنت خالته .. بعد زن أمه عليه .. و من سنتين ماتت و سابت مهاب لوحده .
إبتلعت غزل ريقها بصعوبة و قالت بغضب لا تعلم له سببا :
- كان بيحب مراته يا تيته ؟!
إبتسمت الجدة بمكر و قالت بهدوء :
- مش عارفة .. بس متهيألى لأ .. لأن يوم الحادثة اللى ماتت فيها كانت سيباله القصر ورايحة عند أمها غضبانة .. وحمزة كان شارب ومسطول حب يوصلها لأمها فالبس فى مقطورة .. هى ماتت و حمزة إتشل و مهاب ربنا حماه .
شردت غزل فى كل ما سمعته .. و عقلها يقذفها و يتلقفها بعنف ... و رغم ذلك لم تنكر أنها شعرت ببعض التعاطف مع فارس .. آه فارس ... ذلك المجهول المعلوم فى حياتها ... نفضت تلك الأفكار من رأسها .. و وقفت و قالت بإبتسامة مشرقة :
- خلاص قفلنا صفحة اللى حصل النهاردة و عاوزين نفرح .. كتب كتاب لولو بعد بكرة .. و أنا النهاردة إشتغلت يعنى ننبسط و بس .
وقفت ليال بجوارها و سألتها بفضول :
_ صحيح ... عملتى إيه فى شغلك ؟!
إتسعت إبتسامة غزل و قالت بفرحة إرتسمت على قسمات وجهها :
_ الحمد لله كنت فرحانة جدا ... إتعرفت على دكتورة زميلتى فى الأوضة إسمها سالى بس إيه دمها عسل ... و كمان المشرف عليا دكتور أحمد شكله محترم و بروفشنال جدا ... ده غير إنه قمور بشكل .
غمزت لها ليال بعينها و قالت مازحة :
_ و الأمور ده متجوز و لا سنجل .
ضربتها غزل على ذراعها و قالت بمزاح :
_ قصدك إيه يا بت إنتى ... تكونيش عقلتى و هتسيبى اللى إسمه رامى ده .
زمت ليال شفتيها بضيق و قالت مستنكرة كلمات غزل الحادة :
_ زعلت منك .. و باعدين مافيش راجل فى الدنيا مهما كان .. أمور .. يملى عينى بعد رامى .
قرصت غزل وجنتيها و قالت من بين أسنانها :
_إشبعى بيه يا روحى .... أنا جعانة مووت ... جهزى الأكل على ما أرتاح شوية .
ضحكت الجدة عليهما و قالت مؤكدة كلمات غزل :
- عندك حق يا غزل .. روحى أوضتك غيرى على ما ليال تجهز الغدا ... يالا .
قبلتها غزل وتوجهت لغرفتها .. فتحت نافذتها لتشتم بعضا من الهواء النقى لتصفى ذهنها مما سمعت و فاق توقعاتها .. و جعلها تتخبط أكثر و تعيد حساباتها من جديد .....
دلف فارس لمنزلهم بوجه متجهم من إثارة مشاعر بداخله إعتقد أنها قد إنطمست و تم محوها .. إلا أنها عادت و تأججت بقوة مع عودة صاحبتها ...
إرتمى بجسده على الأريكة و إستند برأسه عليها متطلعا بالسقف ... حتى رأى وجه والدته يطل عليه من الأعلى فإبتسم بهدوء و قال :
_ أخبارك إيه يا ست الكل .
إنحنت إليه و قبلت جبهته بحنو و قالت بصوت رائق :
_ كويسة يا حبيبى .. جعان أحطلك تاكل .
أومأ برأسه مؤكدا و بحث بعينه حوله عن مهاب ثم تسائل بتعجب :
_ هو مهاب فين .. مش شايفه يعنى ؟!
ربتت زينب على كتفه و قالت مشيرة بعينيها ناحية غرفة الصغير :
_ نايم ... تعب من كتر اللعب فنام .. قوم صحيه على ما أجهز الأكل .
تركته و توجهت للمطبخ بينما وقف هو و سار ناحية غرفة مهاب لإيقاظه .. دلف بهدوء فوجده يغط بنوم عميق .. إبتسم بحب و جلس بجواره على الفراش و هزه قائلا :
_ مهاب ... إصحى يا حبيبى .
تململ الصغير قليلا و إستسلم لغفوته مجددا .. فهتف به فارس بنبرة أعلى :
- واد يا مهاب قوم يالا علشان نتغدى .. بطل كسل .
تمطأ مهاب فى فراشه و فتح عينيه عابسا و قال بكسل :
_ خمس دقايق كمان ...please .
رفع فارس حاجبه بحدة .. فجلس مهاب مسرعا و قال :
- حبيبى يا عوو .. ثوانى و هبقى عالسفرة .
و وقف على الفراش و قبل والده بوجنته و تركه و توجه للمرحاض .. إبتسم فارس عليه و فتح نافذة غرفته .. فوقعت عينيه عليها .. حورية ناعمة ... وهى تتحرك بحريتها بغرفتها وشعراتها السوداء تهفو مع حركتها .. إبتسم و هو يطالع جمالها المثير و قال هامسا :
- فى بعد كده جمال .. مستحيل .
ثم إلتفت برأسه حتى لا تلاحظ تطلعه بها وإستغفر ربه على سقطته تلك و إنقياده وراء مشاعره المتخبطة .....
حملت غزل منشفتها وتوجهت للمرحاض .. فوقعت عيناها على فارس يوليها ظهره .. لثانية إضطربت أنفاسها .. و شعرت برجفة خفيفة إمتلكتها ... فتنحنحت وهى تتحكم فى أعصابها .. ثم إبتسمت بمكر و وضعت حجابها على رأسها وبسبست له ...
إنتبه فارس على بسبستها .. فإلتفت إليها متعجبا فقالت له بإبتسامتها الساحرة :
- هاى .
إبتسم بهدوء وقال ساخرا :
- إيه الأدب ده مش متعود .
رفعت حاجبها بغضب و قالت لائمة :
- ليه الداخلة دى .. ده أنا قولت هنحط نقطة و من أول السطر .
ضحك ضحكة عالية وقال مازحا :
- بهزر معاكى .. عموما .... هاى .
عادت الإبتسامة تداعب شفتاها القاتلة وقالت بتأدب :
- ممكن تيجى معانا بالليل وإحنا بنعمل الشوبنج .. عزماكم على العشا إنت و رامى .. done .
تطلع إليها مطولا ثم قال ببرود :
- مش عارف عندى شغل ولا لأ .. هشوف .
تطلعت إليه بغضب و قالت :
- ماشى يا عم المشغول .. مسير الحى يتسفلت.. سلام .
وصفعت ورائها النافذة بغضب و قالت بشراسة :
- أنا غلطانة اللى عملتلك بقيمة أصلا .. بارد .
حملت منشفتها مجددا و خرجت تشع شرارا من عينيها .....بينما دخل هو فى نوبة ضحك لقدرته على إغضابها .. و رؤيتها مشتعلة ... و هو يفكر فى طلبها بجدية .
فى المساء تجهزت الفتيات للخروج .. إرتدت ليال فستانا طويلا باللون الأسود مطبوع على أطرافه من الأسفل وردات حمراء و حجاب أحمر .. أما غزل فإرتدت سترة من اللون الأبيض و جيب سوداء قصيرة تصل لمنتصف ساقيها و أسفلها جوربا إسود ثقيل و حجاب باللون الأسود و حذاء بكعب عالى مدبب ... وقفت ليال أمام غزل وهى تعقد حجابها خلف عنقها و قالت بشفقة :
- زولا حبيبتى لو تعبانة بلاش ننزل النهاردة .. شغلك و الموقف اللى حصلك أكيد تعبوكى .
إبتسمت غزل وتطلعت إليها بحنان و قالت :
- له حق رامى يدوب فيكى .. إنتى نقية كده إزاى .
ردت ليال بخجل :
- كده تبقى كويسة يالا ننزل بقا .
ودعتا رأفة و خرجا سويا من الشقة فالتقوا بمهجة وهى تصعد الدرج فتطلعت نحوهم بغضب ..بينما حدجتها غزل بقوة وقالت بجدية :
- إستنى يا إسمك إيه إنتى .. بهجة باين .. المهم هنستناكى بكرة .. عاوزين نهيص للبت ليال شوية كتب كتابها يوم الجمعة ... تمام ولا أظبطك .
ضحكت مهجة ساخرة و مصمصت شفتيها قائلة :
- يا سم .. أنزل على الساعة كام .
ضخكت غزل و قالت بهدوء :
- بعد الغدا و لو إتأخرتى هطلع أجيبك من شعرك .. يالا سلام .
أجابتها مهجة بإبتسامة هادئة :
_ مع السلامة .
وهبطت تتبعها ليال المتعجبة مما حدث أمامها و ردة فعل مهجة أيضا... فأوقفتها قائلة بإستغراب :
- عملتى كده ليه يا زولا .
إلتفت غزل بجسدها ناحيتها و قالت بإبتسامة هادئة :
- يا هبلة سيدنا محمد وصانا على سابع جار .. والبت دى مالهاش صحاب فكانت بتناكفك علشان تكلمك مش قصدها تأذيكى .
أومأت ليال برأسها وقالت بتفهم :
- عليه الصلاة و السلام .. فهمتك .. يالا بقا علشان إتأخرنا على رامى .
رفعت غزل وجهها دليل على مللها وقالت :
- يادى رامى .. قدامى يا أختى .
وجدوا رامى بإنتظارهم فى مدخل البناية ..و كعادته تطلع لليال بلهفة ..و بالتأكيد بادلته ليال نظراته بتنهيدة حارة ... حركت غزل رأسها وقالت بضيق :
_ أستغفر الله العظيم ...دى بقت حاجة تقصر العمر .
لم ينتبها إليها فزفرت بشدة و قالت و هى تبتعد عنهما :
- أنا هروح أستناكم فى العربية خلصوا تسبيل وحصلونى .. يا ساتر عليكم .
خرجت تضرب الأرضية بقدميها عابسة الوجه حتى وجدت فارس يستند على سيارة رامى .. فتحول وجهها و هى تبتسم بإشراق و ... و إنتصار ...
تطلع إليها فارس متفحصا ملابسها المستفزة .. وقسمات جسدها المثير كأنه يعريها .. وذلك الحجاب الذى عقد خلف عنقها وقد هربت منه بعض الشعرات السوداء المتمردة كصاحبتها .. ثم عاد لعينيها ليسبح ببحرهم الخاص الفيروزى ... راغبا فى جذبها من خصلات شعرها تلك و ضرب رأسها بالحائط و ربما حبسها بشقتها كى لا يراها أحدا بهذا الشكل .. المغرى ...
لاحظت نظراته التى لا تتركها فاقتربت منه بثقة وقالت بإبتسامتها الساحرة بنبرة ساخرة :
- جيت يعنى ... إيه جدول أعمالك سمح .
وضع يده فى جيبه وقال بهدوء مبتسما :
- أيوة .. سمح .
رفعت حاجبها بحدة تجعله كل مرة يقترب من نزعه بأظافره ليتخلص من تلك النظرة المقيتة... و قالت بإمتعاض من بروده :
- طب كويس والله .. هتنورنا .
إبتسم على طريقتها وقال بهدوء وهو يفتح الباب الخلفى للسيارة :
- إتفضلى إركبى .
كم تغتاظ وبشدة من بروده أثناء حديثه معها .. ربما تتهور فى مرة و تركله بقدمها فى ساقه أو تضغط بكعبها على قدمه و ترى تجمع الدموع المؤلمة بعينيه و وقتها سترتاح قليلا .... ركبت السيارة وهى تشتعل من غضبها .. و بعد قليل و بعد إنتهاء فقرة التسبيل و النحنحة ... ركبت ليال بجوارها .. وركب فارس بجوار رامى فى الأمام .. تطلع رامى إليهم وقال متسائلا بفضول :
- تروحوا المول أول ولا نتعشى أول .
أجابته غزل بضيق و هى تتطلع بذلك البارد الجالس أمامها :
- لأ هنشترى فساتينا أول وبعد كده نبقى نتعشى .
أومأ رامى برأسه وإنطلق بالسيارة .. وقف مسعد يتابع إنطلاق السيارة بضيق .. ثم أصدر صوتا نابيا وقال بغضب :
- عاملين لى رجالة قوى .. وكل واحد منكم ساحب واحدة .. بس مش هسيبها القطة دى .. وهاكلها .. بس هاكلكم قبلها يا ولاد السعيد.
كانت بعينيه نظرات توعد شيطانية تنذر بالأسوء القادم كعاصفة ستقتلع أحدهم ....
وقف يتابع إنطلاقة السيارة بنظرات شيطانية حقودة مثله ... لم تهدأ نيرانه لثانية و هو ينتظر اللحظة التى سيسحق بها رأس ذلك المغرور المتكبر ... بداية بإستقوائه بأمواله و أموال والده و التى كبرها و نماها بذكائه و حنكته ....ولم تتوقف فقط عند الأموال فقد نال فارس قدرا من التعليم جعله يتميز عنه بشئ أكبر ... فالأموال بمفردها لا تصنع الإحترام .... نعم الإحترام الذى يحظى به فارس من الجميع فمعاملته البسيطة لأهل حارته جعلته المفضل بينهم و المنفر بعينيه هو ....
سحب مسعد نفسا طويلا و زفره دفعة واحدة زافرا معه نيرانه المقتدة و الذى قرر أن يضع لها حدا و نهاية اليوم .. إبتسم بخبث و هو يخطط و يحيك برأسه خطة محكمة للتخلص منه و التلذذ بقطعة السكاكر و التى لم يرغب بإمرأة كما رغبها ... غزل ...
أخرج هاتفه من جيب بنطاله و أجرى إتصالا فأتاه الرد ... فإتسعت إبتسامته و قال بقوة :
_ تمام جدا .... إستعدوا بإشارة منى و عاوزها ليلة حمرا و الدم يبقى للركب .
أتاه الرد بالموافقة و الدعم ... فأغلق الهاتف و أعاده بجيبه و أخرج علبة سجائره و أشعل سيجارته و نفث دخانها بنشوة و هو يدندن :
_ هو قانون البحر و الكل عارفينه ... وزن السمك فى الشبك بإسم اللى صايدينه ....
و إنطلق ناحية سيارته جلس بها منتظرا لحظة الصفر ليصبح كبير تلك الحارة البغيضة منتصرا على ألد أعدائه و حاصلا على مبتغاه و لو بالزواج ....
حاصرها طوال طريقهم بنظراته الثابتة عبر مرآة السيارة الجانبية ... لم تشعر بالضيق أو النفور من محاصرته بل كانت تشعر بنشوة و زهو بأنها أثرت بذلك الجلمود الثلجى ... فقررت أن تمنحه بعض النظرات الفيروزية الساحرة و هى تتطلع إليه بغرور و ثقة ...
إبتسم فارس بسخرية على زهوها بنفسها ... مغرورة .. و لكنها لذيذة رغم كل شئ و الأهم أنها صغيرته المشاغبة فلتعبث معه قليلا ... يحق لها ...
إنتبه الجميع على هتاف غزل بضجر و غضب :
_ وقف العربية فورا يا رامى ... بسرعة .
ضغط رامى كوابح سيارته مسرعا .. و إلتفت إليها قائلا بتعجب :
_ فى إيه يا غزل ؟!!
لم تجبه بل ترجلت من السيارة متحفزة و هى تكاد تكون تهرول مسرعة .. تعقبها فارس و رامى بقلق من تصرفها العجيب ...
وقفت غزل أمام عربة يجرها حمار و صاحبه ينهال عليه بالسياط دون رحمة و لا إحساس ... و صرخت قائلة بغضب :
_ إنت يا بنى آدم خلى فى قلبك رحمة ... بتضربه بالشكل ده ليه ؟!
أجابها الرجل و هو يشيح بيده بوجهها قائلا بنبرة ماجنة :
_ و إنتى مالك يا ست .. خليكى فى نفسك .
لم يكمل كلماته لأن ذراعى فارس كانتا الأسرع و هو يجتذبه من جلبابه و أوقفه على قدميه مواجها تلك العينين المشتعلتين و ملامحه الصلبة و هو يهدر به بغضب :
_ إتكلم بأدب لهحط عليك التاتش بتاعى .
إبتلع الرجل ريقه بتوتر و قال بهدوء :
_ يا باشا هى اللى إتهجمت عليا .
مسحت غزل بكفها على ظهر الحمار و عاينت جروحه و لاحظت دموعه الصامتة و كأنه يستجديها ان ترحمه من عذابه ... فإلتفتت برأسها ناحية الرجل و حدجته بقوة و قالت بصوت قاتم :
_ أنا دلوقتى همسك البتاع ده اللى كنت بتضربه بيه و هضربك بيه علشان تحس بوجعه يا حيوان .
ثم هزت رأسها نافية و أردفت قائلة بحدة :
_ لأ الحيوان أحسن منك .. إنت ظالم و مفترى .
ثم تطلعت بتلك الحمولة التى تحتاج عربة نقل لسحبها و قالت بصدمة :
_ بقا إنت عاوز الحمار الغلبان ده يشد العربية دى كلها ... إتقى الله يا أخى حرام عليك .
اجابها الرجل بتريث و خوفا من ذلك الوحش المتأهب للإنقضاض عليه :
_ يا ست هو متعود ... و باعدين ده حمار مش بيحس يعنى .
كأنه سكب البنزين على النار فإزداد غضبها و عادت للحمار و كففت دموعه بيدها و عادت للرجل و صفعته على وجهه بقوة و سط نظرات التعجب من فارس و رامى و الرجل ذاته .. و قالت له بصوت منفعل :
_ حسيت بدموعه على وشك .. و لا تحب أخليك تحس بيه أكتر .
كظم الرجل غضبه خوفا من نظرات فارس نحوه بينما إقترب رامى من غزل و قال لتهدئتها :
_ خلاص بقا يا غزل ما تكبريهاش .
فتحت حقيبتها و قالت للرجل بنبرة قاطعة :
_ الحمار ده تمنه كام .. مش هسيبه معاك ثانية .
إتسعت عينى الرجل بتعجب و أجابها مسرعا :
_ مش هبيعه طبعا .. ده أنا باكل من وراه عيش انا و عيالى .
أجابته مسرعة :
_ هتقول بكام و لا هتصل بمدير عام حقوق الحيوان و هوديك فى ستين داهية .
وقف بجوارهم رجل صاحب كشك بقالة و قال لها بإعجاب من تصرفها :
_ ربنا ما يوقعك فى ضيقة يا ست هانم ... إنتى صح .
تحدث فارس أخيرا و قال للرجل بحزم غير قابل للنقاش :
_ فك الحمار ده فورا .
تطلع إليه الرجل بعجز .. و زفر بضيق قائلا :
_ حاضر يا فندى بس عاوز فيه تلت بكاوى .
أخرج فارس حافظته و أعطاه المبلغ و عليه زيادة و قال بقوة :
_ إتقى ربنا بعد كده .. لأن ده روح و هتتحاسب فيه .. سامع .
أومأ الرجل برأسه و فك الحمار من سيارته .. فحك رامى مؤخرة رأسه و قال بضيق :
_ هنعمل إيه مع الحمار ده بقا هنركبه معانا فى العربية .
إبتسم فارس بخفوت و اخرج هاتفه و هو يطالع حنان غزل مع الحمار و كأنه إنسان يشعر بها .. و خاطب أحد رجاله قائلا :
_ أيوة يا سعيد ... تعالا شارع ***** عند بنك **** هتلاقى بعده كشك قدامه حمار ... خد الحمار و ديه مخزن من مخازنا لغاية ما أشوف هعمل معاه إيه ....... آه حمار .. و إعمل اللى بقوله من غير برطمه سامع .... تمام مع السلامة .
أخرج فارس من حافظته مبلغا ماليا و أعطاه للرجل صاحب الكشك و طلب منه قائلا بتهذب :
_ خلى الحمار ده قدامك يا حاج و واحد من رجالتى هيجى ياخده دلوقتى .
أخذ الرجل المبلغ المالى بسعادة و قال له بإمتنان :
_ الله يعمر بيتك يا باشا ... و هحطه فى عنيا ما تقلقش .
إلتفت فارس ناحية غزل التى تنظف للحمار جروحه بمحارم ورقية و طالعها بفخر .. ثم إلتفت ناحية صاحب الكشك و إبتاع لها قارورة مياة ... و قال لها بحنو :
_ تعالى إغسلى إيديكى يا غزل .
إنصاعت لأمره و غسلت يديها و أخرجت من حقيبتها سائل مطهر و طهرت كفيها و ودعت الحمار بكلمات مقتضبة و عادوا للسيارة و فارس يبتسم براحة ....
وقفت ورائه تطالع شروده بألم ... فمن كانت تتفانى فى إسعاده و تلبية أوامره دون إعتراض الآن أصبحت ترى نفسها سببا لألمه ... جزء ما بداخلها يشعر بنشوة رؤيته منكسرا بسببها و متألما .. تعرف هوية هذا الجزء إنه كرامتها و كبريائها .....
سارت بخطوات ثقيلة و دلفت لشرفته و جلست أمامه على ذلك المقعد الخاص بها و الذى يرغمها على الجلوس عليه أمامه دون حراك و لكن هذه المرة بإرادتها ... طالعته بنظرات غلبها الوهن و... الشوق .....
أحيانا يصبح قلبنا عدوا لنا لا جزء منا .. يجعلنا ننصاع لأوامره و لو بدعسنا على كرامتنا .... رؤيتها له بهذا الشكل جعلها تشعر بالذنب و الضيق فحبيبها يجلس حزينا بسببها فعن أى كرامة تفكر الآن ... فليضربها و يسبها لو أراد و لكن ليتخلى عن تهدل وجهه ذلك و نظرته المنكسرة تلك ...
طال صمته و شروده فقالت ميناس قاطعة تلك الحالة بتوجس :
_ حمزة .
خرج من شروده العميق و البعيد على رؤيتها أمامه جالسة على كرسى الإرضاخ كما يسميه فكلما أراد أن يشعر بقوته أجلسها عليه عنوة لساعات كى تشعر بقهر جلسته على كرسيه المتحرك طوال اليوم ... و كى يضمن بقاء سيطرته عليها و كبته لرغباتها و التى ستشعر بها يوما ما و ستتركه و تبحث عنها فى مكان آخر مع شخص آخر ...
لم يجيبها و إكتفى بنظرات ذات مغزى لم تفهم منها شيئا ... فأردفت قائلة بهدوء :
_ مش هتاكل ... ميعاد الدوا فات .
نسمة رقيقة نثرت شعراته الطويلة و الناعمة على وجهه .. فسقط معها قلب ميناس من جمال تلك اللحظة و من جماله و هو يعود بتلك الشعرات خلف عنقه بأنامله قائلا بنبرة مداعبة :
_ عوزانى أقعد أكل قدامك و إنتى آخرك تشربى شوربة .. مش هتبصيلى فى الأكل .
إبتسمت بخفوت و قد عادت الحياة لعينيها و وجهها و أجابته بوهن :
_ لأ مش هبصلك فى الأكل .... وأنا ليا يوم فى الإسبوع بشرب فيه شوربة و مشروبات ديتوكس فعادى يعنى .
هز رأسه متفهما و قال بنبرة ثابتة :
_ أكيد نشوى هتدعى علينا دى المرة الكام اللى بتحضر فيها الأكل .
وقفت ميناس و إلتفت حوله و دفعت كرسيه قائلة بهدوء :
_ فداك ... بس كل كويس علشان العلاج .. إتفقنا .
إتسعت إبتسامته التى لم تراها و أجابها قائلا :
_ إتفقنا .
بعدما إنتهت نشوى من إعداد المائدة ... تطلعت لإبتسامتهم بيأس و قالت بداخلها :
_ هما دول مجانين و لا أنا اللى لسعت ... و لسه لما الحبيبة التانين يتجوزوا و يجوا هنا ... هتحلو على الآخر .. أصل أنا ناقصة ليال و رامى كمان ... إنت المستعان يا رب .
إبتسمت لميناس بخفوت و تركتهم يتناولون وجبتهم بهدوء و خرجت تهز رأسها ......
دلفوا الشباب إلى المول يتطلعون لواجهات المحلات و غزل متحمسة للغاية تشاركها ليال حماسها .. أما رامى فكانت عينيه كاميرا تحاوط ليال فى محاولة بحث عن متطفل سيتجرأ و ينظر فقط ناحيتها ....
وقفت غزل أمام واجهة محل بدل رجالى وأشارت لرامى قائلة :
- شوف يا رامى البدلة دى تجنن .. تعالى ندخل و قيسها .
رد رامى مسرعا :
- لأ سيبك منى خلونا فيكم و بس .
وقفت ليال أمامه و قالت راجية بطريقة طفولية :
- علشان خاطرى يا رامى قيسها .
إقترب رامى منها وقال وهو يلتهمها بعينيه :
- ده أنا علشان خاطرك أشترى المحل كله .
عضت ليال على شفتيها بخجل .. و أشاحت بوجهها بعيدا عنه فضربت غزل جبهتها وقالت بحنق :
- إخلص يا رامى هتقيسها و لا لأ .
زفر بضيق و قال بتسليم :
_ حاضر .... إتفضلوا .
دخلا أربعتهم للمحل .. و أشارت غزل للبائع على طلبها ... فأحضره إليها مشيرا لرامى بتتبعه ....فدلف معه لغرفة القياس لرؤي البدلة عليه .. وقفت غزل تبحث وسط البذلات عن شئ آخر لرامى .. إقترب منها فارس وقال مداعبا :
- وأنا مش هتختاريلى حاجة أنا كمان .
تطلعت إليه بغرور و قالت :
- ﻷ .
إبتسم فارس وقال بعبث :
- ليه كده .. بصراحة ذوقك عجبنى .
تذكرت فستانها والتى سترتديه بعرس ليال ورامى .. فبحثت عن بذلة مناسبة له ورابطة العنق والتى بنفس لون الفستان و قالت :
- إدخل قيس دول .. وأنا متأكده من ذوقى والمقاس .
دنا منها قليلا و قال مازحا :
_ بقولك صحيح عندى مشكلة كده فى المرور و كنت عاوز رقم " مدير عام حقوق الحيوان " ِمعرفتك ده يمكن يحلهالى .
رفعت عينيها نحوه و هى زمة شفتيها فى محاولة فاشلة منها لكبح ضحكتها التى إنفجرت بها بنبرة رنانة جعلته يلتفت حوله متحفزا لأى منتحر سيطالها بنظرة واحدة .... فهدأت قليلا و قالت بلهاث :
_ إنت شرير على فكرة .
حمل بذلته من يدها ودخل لغرفة القياس ... بعدما طالعها مطولا و تركها فى تخبطها و حيرتها ...
قاس البدلة والقميص ورابطة العنق .. إبتسمت شفتيه وهو يطالع هيأته الجذابة و ذوقها الرفيع .. ثم خلعهم ..
خرج رامى من غرفة القياس قائلا بفرحة :
- هاه إيه رأيكم .. هى ليال فين ؟!
أجابته غزل ببديهية :
- مقعداها فى جنب علشان ما تشوفكش بيها غير يوم الفرح .. بس طالع عريس بجد .. ربنا يحميك ... واجهة .
ضحك رامى ضحكة عالية و قال :
- والنبى لسانك اللى بينقط عسل .. يعنى هعجبها .
أشارت غزل بإبهامها و قالت :
- الشياكة ليها ناسها .. وسيم وسيم وسيم .. يالا بسرعة غير هدومك لتشوفك .
عاد مرة أخرى لغرفة القياس .. بينما خرج فارس وهو يحمل بذلته على يده .. عقدت غزل حاجبيها منه وقالت بتعجب :
- إيه ده .. قلعتها من غير ما أشوفك ليه .
رد ببروده المعتاد :
- هتشوفيها عليا يوم الفرح .. مفاجأة يعنى .
زمت شفتيها وقالت بطفولة :
- ماليش دعوة كنت عاوزة أشوفك بيها .
رد بإقتضاب :
- ﻷ .
حدجته بغضب وتركته وإبتعدت .. إشترى كل من رامى وفارس بدلتيهما .. ودلفوا لمحل فساتين سهرة وأفراح .. وقفت ليال أمام الفساتين البيضاء بفرحة وأخذت تتطلع إليهم بإعجاب .. غالبتها دموعها .. فإقترب منها رامى وقال وهو يكفف دموعها :
- دى دموع الفرحة مش كده .
أومأت ليال برأسها وقالت و هى تطالعه بسعادة :
- مبسوطة قوى .. والفساتين تجنن .
إقتربت منها غزل و لفت ذراعها حول كتفها و قالت بحنو :
- حبيبتى يا لولو إن شاء الله هتبقى عروسة زى القمر .
ثم وقفت بينهم و قالت لرامى بصرامة :
- زى ما هى ما شافتش بدلتك إنت كمان مش هتشوف فستانها .. إختفى بقا شوية .
قطب رامى جبينه و قال بضيق :
- يا سوسة ... خلتينى أشترى بدلتى أول علشان تزنقينى .. أصلى .
ضحكت غزل و قالت و هى تقترب من فارس :
- أنا و فارس هنقوم بالواجب و هنختار لها فستان يعجبها .. إخرج إنت إقعد فى الكافيه اللى قدام السنتر .
أومأ رامى برأسه وقال :
- ماشى يا غزل مردودالك يوم فرحك .
و تركهم و خرج .. وقفت غزل هى و ليال يبحثان وسط فساتين الزفاف بفرحة .. و فارس يشاركهما بحثهما حتى رأى ليال بفستان ما .. فأشار عليه و قال بحماس :
- قيسى ده يا ليال .
تطلعت الفتاتان إليه مطولا .. تتأملان فخامته .. و تلألأله فقالت له ليال بقلق :
- بس ده شكله غالى .
تطلع إليها فارس بلوم و قال :
- مافيش حاجة تغلى عليكى يا ست البنات .. يالا قوليلهم ينزلوه علشان تقسيه .
وبالفعل دخلت ليال لقياسه معها فتاة ممن تعمل بالسنتر .. بينما تابعت غزل بحثها وسط فساتين السهرة على فستان لليال لكتب الكتاب و لها .. إقترب منها فارس وهو يحمل فستان إسود ومطرز بالأحمر و قال :
- قيسى ده يا غزل .
تطلعت غزل للفستان و قالت ببراءة :
- لأ مش هينفع لأن الفستان اللى هلبسه يوم فرح ليال إسود فى أحمر بس شكله أحلى من ده .
ضحك فارس بمكر و قال و هو يحدجها بقوة :
- كده إتأكدت .
رفعت غزل حاجبها بتعجب قائلة :
- إتأكدت من إيه .
إقترب منها وغاص داخل عينيها و قال بثبات :
- من إنك إختارتيلى بدلة سودا ميتالك .. وقميص أبيض وجرافة حمرا .. كنت متأكد إن فى سبب ورا إختيارك ده .
إبتلعت غزل ريقها من خجلها .. وأشاحت ببصرها عنه وعادت تبحث وسط الفساتين متجنبة النظر إليه فهذا الجلمود الثلجى أضاف للائحة أسمائه الجديدة أنه فظ .. لا يجيد التعامل مع الفتيات ...
حملت فستانين بيدها و طالعتهما قائلة بإبتسامة :
- أكيد هيجننوا عليها .
إنتبهوا على خروج ليال بفستانها الأبيض .. و الذى إبتلع المكان من حولهما ... و خطفت أنفاسهما .. وضعت غزل يدها على فمها من دهشتها .. بينما إبتسم فارس وقال بإعجاب :
- مكتوبالك يا رامى .
فقد كانت ليال أجمل من أن توصف .. بفستانها الواسع كأميرات الحكايات .. وتطريزه اللامع .. ومصاحب بذيل طويل .. جعلها آسرة للعيون ...
إلتفت غزل حولها أكتر من مرة وهى مبهورة و مشدوهة من جمالها .. غالبت دموعها و قالت بتأثر :
- ما شاء الله .. you look awesome .
إبتسمت ليال بفرحة و قالت هى تطالع نفسها بالمرآة :
- أنا فرحانة قوى .. الفستان يجنن .
رد فارس بإعجاب :
- أجمل عروسة شوفتها فى حياتى .. ربنا يسعدكوا يا ليال .
أجابته ليال بخجل :
- شكرا .. ده ذوقك اللى حلو .
فقالت لها غزل مسرعة و هى تلملم ذيل فستانها بحرص :
- إدخلى بقا إقلعيه لنلاقى رامى طابب علينا يالا .. وخدى الفستان ده قسيه علشان كتب الكتاب .
أومأت ليال برأسها وإلتفت بفستانها متوجهة لغرفة القياس .. تطلعت إليها غزل بفرحة و قالت :
- ربنا يسعدك .
قبلتها ليال و أخذت منها الفستان التى إختارته .. بينما إنتقت غزل فستانا و إرتدته و تطلعت لنفسها بإبتسامة .. فلقد كانت كما هى دائما خلابة ..
فكرت قليلا وخلعته عنها وإرتدت ملابسها وخرجت تحمله ... سألها فارس بضيق :
- مخرجتيش ليه و إنتى لبساه كنت عاوز أشوفه عليكى .
ردت غزل بإقتضاب :
- ﻷ .
وبحثت مرة أخرى وسط الفساتين وحملت فستانين واحد أبيض من الشيفون وأطرافه من الأسفل باللون الأحمر .. و آخر زيتى ضيق وتطريزه باللون البيج .. إقترب منها فارس وسألها بفضول :
- ليه دول كمان .
ردت و هى تطالعهم بإهتمام :
- علشان ميناس .. هتجيب فساتين منين و أخوك حابسها جنبه .. إيه مش من حقها تفرح .
إبتسم فارس بحماس و قال مؤكدا :
- عندك حق .. هاتيهم لما أشوفهم كويس بقا .. دى ميناس دى غالية عندى جدا .
وحملهم أمام عينيه وتطلع إليهم بإعجاب وقال :
- ذوقك يجنن هيبقوا عليها تحفة .
دخل رامى السنتر بضيق و قال عابسا :
- خلصتوا ولا لسه أنا زهقت .
إلتفتت إليه غزل بضيق قائلة بتذمر :
- إيه اللى جابك دلوقتى .. لما ألحق ليال لتخرج بفستان كتب الكتاب .. مال على فارس قليلا و سأله بفضول :
- ليال إختارت فستان الفرح .
أومأ فارس برأسه وقال بإبتسامة هادئة :
- أيوة .. وأحب أبشرك إن عقلك هيتلحس يا زميلى .. ملاااااك .
لمعت عينى رامى من الفرحة وسأله بلهفة :
- بجد يا عوو .. كان نفسى أشوفها بس ربنا يهد القوى .
إتسعت عينى فارس وقال بضيق :
- بتدعى على مين ياض .. ولا عاوزنى أعملها معاك .
غمز إليه رامى وقال ضاحكا :
- علقتك صح .. إعترف يا مريسة وقعت والله .
إبتسم فارس بسخرية و قال من بين أسنانه :
- شكلى أنا اللى هعلقك .. وهنهد النصبة و مافيش فرح .
رفع رامى يديه فى الهواء وقال مستسلما :
- آسف يا مريسة .. كله إلا ليلتى .. عقبالك يا رب .
ضربه فارس على رأسه وقال مازحا :
- خليك فى نفسك إنت .. أنا لسه جاى من عند بونجا نخلص مشوارنا ونروح له تانى .
أومأ رامى برأسه وقال ممتنا :
- إتصلت بيه من شوية وطمنى عليه و بيشكرك قوى لأنك عالجته فى المستشفى بتاعتك .. ده إحتمال يسكن هناك ... باين عجبته القاعدة .
ضحك فارس و قال مازحا :
- خلاص يبقى يروح يصيف هناك دايما .
خرجت الفتيات وهما فى قمة سعادتهما .. وقفوا أمام مكتب مدير المكان لدفع ثمن الفساتين ... أصرت غزل أن تدفع ثمن فستانها و فستاني ميناس .. حدجها فارس بغضب وقال :
- إنت مع رجالة على فكرة وأنا اللى هحاسب .
تابعت غزل إصرارها وقالت :
- ﻷ أنا اللى هدفع تمن فستانى وفساتين ميناس .
عاينها فارس بضيق و قال :
- متنشفيش دماغك أنا اللى هدفع .
حركت رأسها رافضة وقالت :
- ﻷ شكرا .
فقال بصرامة غير قابلة للنقاش :
- أنا هدفع تمن فساتين ميناس .. هى مرات أخويا ومحبش حد يحاسبلها وإنتى حاسبى لنفسك .
طالعته بغرور و .. إنصياع لرأيه ...
إنتهت الجولة على خير .. ودلفوا إحدى المطاعم لتناول وجبة العشاء .. وكالعادة ظلت غزل تتحدث وتضحك دون توقف .. مما زاد تعلق فارس بها و إعجابه بشخصيتها المنطلقة ... أما هى فتغاضت عن نظراته المتابعة لها .. ولم تعره إهتمام أغلب الجلسة .. مما جعله يشعر بضيق من تجاهلها .... و توعدها بالأسوء ....
عادوا جميعا للمنزل .. و كان مسعد فى إنتظارهم مستعدا وينتوى شرا يشع من عينيه .
ترجلوا من السيارة وصوت ضحكهم العالى يعبر عن فرحتهم .. وقف خلفهم مسعد بحقد وورائه جمع من رجاله .. طالعهم بغل و قال بصوت عالى ساخرا :
- ولما هى سايبة كده .. بتحرمونى منها ليه .
إندفع فارس نحوه صائحا بصوت محتد :
- جيت لقضاك يا ****** .
فتح مسعد ذراعيه و قال بضحكة خبيثة :
- ده أنا مستنيك من بدرى يا عوو .
وبدأت المعركة بين فارس ومسعد .. باللكمات السريعة من فارس و مثلها من مسعد .... فإتسعت عينى غزل بذعر و صرخت قائلة :
_ فارس .
إلتفت رامى لليال و غزل و قال بصرامة :
- إطلعوا فوق بسرعة .. و إقفلوا عليكوا الباب كويس يالا .
هزت غزل رأسها نافية و قالت و هى تسير مغيبة نحوه :
_ فارس خلى بالك .
إجتذبها رامى من ذراعها و قال بصوت عالى :
_ إطلعى فوق يا غزل بقولك ... مش وقته أنا لازم أساعده ... بسرعة .
حثتها ليال للمضى معها قائلة بذعر فهى تعلم جيدا أن الأمر سيسوء عما قريب :
_ يالا يا غزل بسرعة ... أنا خايفة أبوس إيدك .
تطلعت غزل لذعرها و عادت بعينيها لفارس قبل أن تندفع أمامها على الدرج تبعتها ليال التى كانت تطالع رامى بقلق عليه حتى صعدت ورائها ....
تطلع رامى ناحية الشجار المحتدم و خلع سترته وقذفها بعيدا وتوجه ناحية فارس .. فصنع رجال مسعد حائل بين رامى وبينهما فإضطر رامى للإشتباك معهم .. بينما الضربات تتوالى من فارس لمسعد دون توقف .. شعر أحد رجال مسعد بأنه غير قادر على مجابهته فألقى بعصى إليه فحملها و دفع فارس بعيدا عنه و إنهال عليه بالضربات .. صرخ فارس متألما بشدة .. فصرخت غزل من شرفتها قائلة :
_ فارس ... إلحقه يا رامى .
عقدت غزل حاجبيها و إرتسمت الدهشة على وجهها بقوة و قالت بحدة :
_ و إنت عرفت منين إنى كنت مجروحة فى كتفى .
إعتدل فى جلسته و قال بصوت عميق :
_ كده يبقى هحكى من الأول لما كنت طول الوقت بزور ستى رأفة وخصوصا بعد ما إتجوزت خالتوا نغم و قبلها مامتك .... كنت بساعدها و بعملها اللى هى عوزاه ... لغاية ما إنتى جيتى .. و شوفتك ... كنتى حلوة قوى و شبه العيال اللى بتبقى على الصور اللى بنعلقها .
إبتسمت على كلاماته التلقائية البسيطة فأردف قائلا :
_ إتعلقت بيكى و بقيت بستنى اليوم اللى بتيجى فيه بفارغ الصبر و عدت السنين و إنتى كمان إتعلقتى بيا عن أخوكى الرخم اللى كان بيضربك و ياخد اللعب بتاعتك و لما بقا عندك خمس سنين و فى عيد ميلادك حضرتلك مفاجأة و جيت علشان أخدك من عند ستى لقيت خالتو حور بتعيط و بتشتكى لستى من باباكى ... و إنتى كنتى زعلنة على زعلها .
إمتعض وجه غزل و هى تتذكر والدتها و التى لم ترى يوما واحدا سعيدا ... و ربما ورثت منها ذلك الحظ العثر ... خرجت من شرودها على صوت فارس متابعا :
_ نزلتى معايا و إديتك هديتك و اللى كانت عروسة و إنتى فرحتى بيها جدا و نسيتى زعلك فقررت أزود فرحتك دى و قولتلك تعالى أوريكى القصر اللى هتجوزك فيه .. أصلنا كنا بنحب بعض ... لعب عيال بقا .
إبتسمت على مزحته و قالت بإهتمام :
_ هاه و باعدين ؟!!!
مرر أنامله فى شعراته الناعمة و قال بجدية :
_ مسكتك من إيدك و روحنا للقصر و إحنا بنجرى و صوت ضحكك مالى الدنيا و ضفايرك كانت بتطير حواليكى ... كنتى جميلة جدا .. و باعدين طلبتى تشوفى القصر فاشيلتك على كتفى و فجأة ... لقيت ورايا خمس عيال منهم واحد كان بيكرهنى جدا ... وقتها كان عندى ..... .
قاطعه صبرى قائلا :
_ كان عندك 13 سنة يا فارس .
أومأ برأسه و تابع سرده قائلا :
_ المهم العيال دول إتلموا عليا و ضربونى لما عدمونى العافية ... و كل اللى كان شاغلنى و أنا بتضرب هو إنتى كنت خايف عليكى و بعد ما خلصوا و إنكسر دراعى و الواد ده طلع سكينة صغيرة من هدومه و قرب منى علشان يضربنى بيها و كأن الأرض إنشقت و إنتى خرجتى منها ووقفتى قدامى وخدتى السكينة فى كتفك .. بس صرختك ساعتها و قفت الدنيا حواليا ... و بصتك ليا و إنتى بتنزفى كأنى أنا اللى إنجرحت مش إنتى .
أغمضت غزل عيناها متذكرة تلك الليلة بكل تفاصيلها و تذكرت دمائها التى سالت على دميتها و صراخ فارس بعدها و ركض هؤلاء الأوغاد ... فأغمضت عينيها بألم ... إقترب منها فارس و سألها بقلق :
_ إنتى كويسة يا غزل ؟!!
فتحت عيناها لتتقابل بنظرات فارس الحنونة و قد تذكرته بالفعل و لعنت عقلها البائس كيف نفضه و مسحه بهذا الشكل المخجل ... طالت النظرات بينهم ... فحك رامى ذقنه بأنامله و قال قاطعا تلك الحالة بتعجب :
_ قولى برضه عرفت منين إن غزل كانت فى ضيقة بعد كل القصة دى ؟!!!!!!
يوم واحد و ستة عشر ساعة فقط مرت عليه و لم يرها ... شعور بغيض من الشوق و اللهفة ملأه و فاض منه ... لأول مرة تهجره بهذا الشكل و تبعد عن عينيه بصورتها الملائكية ... و عطرها الهادئ و البريء مثلها ... و نظراتها الملتاعة والتى تشعره بأنه لا ينقصه شئ ...
إبتسم بسخرية على حاله ... يُهينها و يضربها و يقلل من شأنها و يراهن انها ستأتى إليه بإبتسامتها العذبة و التى تظهر معها غمازتيها الناعمة ... و كأن شيئا لم يكن ... و الأسوء أنه بكل مرة يربح الرهان و لكن هذه المرة قررت أن يخسر و لأول مرة ..
خرج من غرفته فوجد نشوى تخرج من غرفة ميناس حاملة صينية الطعام و لم ينتقص منها شيئا ... فسألها بقلق :
_ هى ميناس مأكلتش برضه .
زمت نشوى شفتيها و تطلعت بالبعيد بعبوس و قالت بتهكم مغلف بالأدب :
_ و هى هتاكل إزاى و فكها وارم ... أكيد مش هتعرف تمضغ ... فبتشرب عصاير بس .
رفع أنامله ناحية فمه و بدأ فى قضم أظافره بأسنانه ... و هو يفكر قليلا ... ثم رفع عينيه ناحية نشوى و قال آمرا :
_ حضريلها شوربة و هاتيها مع الغدا بتاعى على أوضتى .
عارضته قائلة بعملية :
_ بس يا فندم هى ..... .
قاطعها قائلا بحدة و هو يحدجها بقوة :
_ إلى أقوله يتسمع ... و إتفضلى إمشى إعملى اللى طلبته ... يالا .
أومأت برأسها و قالت بإنصياع :
_ حاضر يا حمزة بيه ... دقايق و الأكل يبقى جاهز .
و تركته و إبتعدت وهى تغمغم قائلة :
_ تتشك فى إيدك يا أخى ... عملتلك إيه الغلبانة دى علشان تعمل فيها كده .. ربنا على المفترى .
حرك كرسيه حتى أصبح أمام باب غرفة ميناس .. فتنفس مطولا و طرقه بهدوء ... وصله صوتها ضعيفا و هى تقول :
_ إدخلى يا نشوى .
أدار المقبض و دلف بعينين تكادا تسبقه لرؤيتها ... و بالفعل رآها ممددة على فراشها ... و وجهها شاحب و كدمة زرقاء بجوار فمها تخبره أنه وحش لا يحمل بداخله أى ذرة إنسانية .... يعلم جيدا أن وجهها يوما ما سينطق بما فعله به أمام رب العباد و الذى لا يضيع عنده حق مظلوم .....
جلست ميناس مسرعة و غطت جسدها بغطائها رغم أنها ترتدى عبائة منزلية بأكمام لا تظهر منها شيئا ... و لكن ألم فكها سيجعلها ترتدى حاجبها أمامه لتتقى شره ....
نظرات الذعر بعينيها جعلته يشمئز من نفسه أكثر ... فإلتف بكرسيه حول فراشها و تقابلت نظراتهم ... لم يحد بعينيه عن عينيها الخريفية بخضارها المائل للون العسلى فجعلها باهتة كورقة شجر ذابلة و فى إنتظار ريح خفيفة لتقتلعها و تهوى ببطء حتى تستقر على الأرض ميتة ...
كانت نظراتها ممتلئة بعبرات سجينة لا تسمح لها بالإنهمار ... و لوم على عقاب مؤلم جعلها ممزقة داخليا و خارجيا ....
إبتلع حمزة ريقه يجلى به حلقه الجاف و خرج صوته متحشرجا و هو يقول بهدوء منفعل :
_ هتفضلى حابسة نفسك فى أوضتك كتير ... أنا سبتك يومين تدلعى ... كفاية كده.
إبتسمت ميناس إبتسامة ميتة ... كانت كخنجر مسموم طعن قلبه و هى تقول بداخلها :
_ طولت حكايتنا يا حمزة و خايفة حبنا يموت من قربنا ... لأول مرة بقولها حتى لو بينى وبين نفسى ... هنبعد ... عدت فترات فى حياتنا كنا بنلف فى دايرة و نرجع لنقطة البداية ... بس شكلها مش هتنفع و حكايتنا هتقف بدرى ... لأنى خايفة ... أكرهك .
وصلته كلماتها حرفا حرف .... لم يكن يتوقع أن يكون بداخلها تلك القسوة ... فميناس الحنونة الصابرة قررت التمرد عليه ... و على عشقها ....
وقفت ميناس أمامه و ضمت فكها بكفها لتستطيع التحدث و قالت بوهن :
_ أنا تحت أمرك .
ساد الصمت للحظات قبل أن يقول بهدوء :
_ ودينى أوضتى لو سمحتى .
إلتفت خلف كرسيه و دفعته بيديها حتى وقفا فى منتصف غرفته ... طرقت نشوى باب الغرفة ... فأذنت لها ميناس بالدخول ... وضعت نشوى الطعام على الطاولة و خرجت ... فأشار حمزة لميناس بالجلوس أمامه ... فجلست بهدوء ... حمل طبق الحساء و وضعه أمامها قائلا بحزم :
_ أنا عاوز الطبق ده فاضى ... تمام .
تطلعت إليه بحيرة ... و هى ترى لحظات الحنان النادرة بعينى متعجبة من تناقضه الغير مبرر بالنسبة إليها ... إنتبه لتحديقها فأكد عليها قائلا بإقتضاب :
_ تمام .
أومأت برأسها ... و تطلعت بالطبق بشرود ... ناولها ملعقة بيده فأخفت وجهها بخوف بيديها ظنا منها أنه سيطالها مجددا ... فوجدته يمد يده ناحيتها بالملعقة .... فأخفضت ذراعيها بخجل ....
أغمض حمزة عينيه كاظما غيظه ... و فتحهما بحدة و قذف الملعقة فإصطدمت بالحائط ... فإنكمشت ميناس خوفا ... فها هو يعود من جديد ... بينما إستدار هو و توجه ناحية شرفته بغضب ....
- برضه إيه اللى عرفك إنها فى ضيقة .
قالها رامى متعجبا ... فإعتدل فارس فى جلسته وقال و هو يطالعه بحدة :
_ كفاية بقا يا رامى ... خلى عندك دم يا أخى .
إشتدت قامة رامى و قال بضيق :
_ عندى دم و الله بس مش هسيبك غير لما تفهمنى .
إستندت غزل بمرفقيها على حقيبتها و قالت برجاء :
_ please يا فارس .. أنا كمان عاوزة أعرف .
رفع فارس عينيه بملل و حك ذقنه مفكرا قليلا حتى قال متابعا سرده :
- لما شوفت دمك و شوفتك و إنتى بيغمى عليكى ... ما إستحملتش و وقفت بسرعة .. رغم إن جسمى كان متكسر شيلتك على دراع واحد و جريت على الوكالة هنا .. أبويا أخدك منى و جرى بيكى على المستشفى .. و أنا معاه .. بعد فترة الدكتور طمنا عليكى .. و خرجتى من العمليات وجه أبوكى وقعد يزعق ويصرخ فينا و خدك و مشى من غير ما يعمل إعتبار لإنك كنتى لسه خارجة من العملية .....
توقف عن الإسترسال للحظات لإلتقاط أنفاسه و تخفيف ألم تلك اللحظة التى لم ينساها مطلقا ... و ما أن هدأ حتى تابع قائلا بحزن عميق :
_ روحت تانى يوم أسأل عليكى ستى رأفة .. قالتلى .. قالتلى إنك سافرتى مع أهلك .
تهدلت ملامحه الحزينه فقاطعه صبرى قائلا بأسى :
- بعدها يا بنتى فارس دخل فى نوبة صرع .. بقا يقوم كل يوم من نومه و هو بينده بإسمك .. لحد فترة قريبة و هو على الحالة دى .
جلس رامى هو الآخر من هول ما سمع بملامح مندهشة .. بينما تابع صبرى بحزن و قد إلتفتت إليه غزل :
- فارس كان عامل زى البنات لا بيعرف يهش و لا ينش .. بس بعد الحادثة دى .. راح للعيال اللى ضربوكى و خد حقه وحقك .. و من يومها و هو ماعدش فارس ... بقا العوو لأى حد ييجى عليه أو على حد يخصه .
لم تترك عينى فارس غزل و لو لثانية .. كأنه يتأكد أن الصغيرة البريئة قد عادت ... و لكنه لا يعلم أى عذاب قد عانت تلك الصغيرة و التى لم تعد بريئة بعد ..... تسائل رامى ثانية بإلحاح :
- برضه عرفت إزاى إن غزل فى مشكلة .
أجابه فارس بإبتسامة هادئة و هو يطالع شغفه :
- آخر صوت سمعته لغزل كان صرختها قبل ما يغمى عليها و باعدين سابتنى و سافرت .. مرت السنين .. وأنا كل فترة أسمع صوت صرخة بنت فى ودانى .. وكنت ببقى هتجنن وأعرف الصوت ده منين .
إلتفت مجددا ناحية غزل و تابع ببساطة شديدة :
لغاية يوم ما قريبك ده كان بيشدك فى الشارع .. سمعت صرختك فى عقلى و بعد كده سمعتها جنبى فلاقيتك إنتى .
ضيق رامى عينيه غير مصدق ما تسمعه أذنيه .. و قال بسخرية :
- يا سلام .. ده بجد ده .
ضحك فارس و قال بتنهيدة متابعا :
- و لما مسعد ضايقك أول مرة .. سمعت صرختك برضه .. و دورت عليكى حواليا لغاية ما لقيتك .. والنهاردة كمان حصلى نفس الموقف و حسيت بصرختك فكلمت رامى ... هى دى كل الحكاية .
فغر رامى فمه ببلاهة وقال :
- أنا مش فاهم حاجة برضه .
إبتسمت غزل و هى لم تحيد بعينيها عن فارس و قالت مسرعة :
- الحالة دى إسمها telepathy أو تخاطر .. اللى بيحصلك ده تقريبا تخاطر .. و ده بيحصل بينا وبين الناس اللى بتربطنا بيهم قرابة شديدة من أى نوع ... و لما بيحصل البعد المخ بيحتفظ بآخر صورة و صوت و بيلجأ بعدها للتخاطر علشان يحتفظ بالأمل إنه هيقابل الشخص ده تانى .
خرج صوته متحشرجا بنبرة متأثرة و هو يقول لها مؤكدا :
_ و قابلتك ... و رجعتيلى .
شعرت غزل بدغدغة بمشاعرها و إنهيار بأعصابها التى لم تعد تحتمل أى ضغط بعد و خصوصا بعد .. رجعتيلى تلك ... فهذا الجالس أمامها يعلن حصريته لها ... بجرأة ... وقفت مسرعة و حملت حقيبتيها قائلة بتوتر :
- متشكرة جدا يا أنكل .. وأسفة يا رامى لو عرضتك للخطر .
وقف رامى هو الآخر و قال لها مبتسما بهدوء :
_ ما تقوليش كده إنتى بقيتى زى أختى و حمايتك واجب عليا .
بادلته إبتسامته فى لحظات هدوء بينهما ربما لن تتكرر و قالت بمداعبة .. لرامى ؟! .. حقا ؟! :
_ هستناك بعد المغرب يا عريس علشان هنخرج ... done .
أومأ رامى برأسه وقال بإبتسامة :
- done .
تطلعت غزل بفارس الجالس بهدوء و ثقة و قالت بعدما ملأت عينيها من ملامحه :
- بعد إذنكم .
وتركتهم وخرجت .. أشار فارس بعينيه لرامى أن يتبعها .. فأومأ له برأسه موافقا ..
توجهت غزل لمنزل جدتها و دقات قلبها قد زادت بصورة مؤلمة .. وقفت على الدرج تستجمع قواها .. وهى شاردة بما سمعته و قيل لها .. تسائلت بإستغراب جلى على قسماتها ... هل هو مرتبط بها لهذا الحد .. كانت دائما ما تشعر بالوحدة مع أنه كان يحاوطها بقلبه رغم المسافات و السنين .
تنهدت مطولا بحزن و صعدت الدرج مشدوهة قليلا ... طرقت الباب ففتحت لها ليال و سمحت لها بالدخول قبل أن تحتضنها لتتطمئن و قالت بخوف :
- إنتى كويسة يا غزل طمنينى .
مسحت غزل على ظهرها بنعومة و قالت بهدوء :
_ don't worry ... أنا كويسة .
أبعدتها ليال عنها وتطلعت بوجهها و ملست عليه بحنان و قالت :
- خفت عليكى قوى .. إزاى تقفى قدام المسدس وإنتى مش خايفة .. إنتى مجنونة .
خلعت غزل حجابها و قالت بقوة :
_ أمال عوزانى أسيبه يأذى رامى و هو بيدافع عنى ... كان لازم أتصرف طبعا .
تطلعت غزل ناحية غرفة جدتها و قالت بقلق :
_ هى تيتة عرفت حاجة .
أومأت ليال برأسها و قالت و هى تحدجها بحدة :
_ عرفت طبعا ... ما هى سمعت صوتى لما شوفت المسدس و لما حضرتك عملتى بطلة و وقفتى قدامه .
هزت غزل رأسها بيأس .. فقالت لها ليال موضحة :
_طبعا هى ما عرفتش الكلام ده ... هى عرفت اللى حصل على خفيف .
تركتها غزل و توجهت لغرفة جدتها التى ما أن رأتها حتى فتحت لها ذراعيها .. فإرتمت غزل فى حضنها و قالت بقوة :
- ما تقلقيش عليا ... بنتك بميت راجل .
قبلتها رأفة فى جبهتها و قالت بخوف :
- عملك إيه البأف اللى إسمه مسعد ده .
رفعت غزل عيناها ناحية جدتها و أجابتها بهدوء و إتزان :
- و لا أى حاجة .. عاكسنى فضربته و رامى كمل عليه .. هو مسعد ده حكايته إيه يا تيتة .. و إيه سبب الخلاف اللى بينه و بين عيلة السعيد .
تنهدت رأفة بأسى و قالت بضيق :
- دى قصة طويلة قومى إرتاحى وباعدين هحكيلك .
مررت غزل أناملها على وجهها وقالت بسخرية :
- هو النهاردة يوم الحكايات العالمى .. إحكى يا تيتة أنا عاوزة أسمعك.
إعتدلت غزل فى جلستها و عقدت ساقيها إستعدادا للقادم .. فقالت لها رأفة بجدية :
- مسعد وأبوه كانوا بيشتغلوا فى وكالة السعيد .. بس مسعد طول عمره بيغير من فارس .. و فى مرة غلط فى فارس .. فالعوو ما سكتش .. وضربه قدام الكل و بهدله .. الواد مسعد قعد يهدده و حلفله إنه هيرجع غنى زيه وراسه براسه .. وفعلا بعد سنين رجع الحارة غنى و فتح محل بلاط و حمامات .. و الكل عارف إنه جاب فلوسه من المخدرات ... منه لله دمر شباب كتير فى الحتة .. وماىبيكرهش حد فى حياته قد العوو .
زمت غزل شفتيها وقالت بخوف :
- مخدرات ؟!!
فتابعت الجدة بقلق و رفعت سبابتها بوجه غزل محذرة :
- خلى بالك منه يا بنتى ده شيطان .. ربنا يحميكى منه و من أمثاله .
إبتسمت غزل وسألت جدتها بمكر :
- قوليلى يا تيتة هى إيه حكاية فارس معايا بالظبط .
إبتسمت الجدة و قالت بحنو :
- لسه فاكرة تسألى .. إتأخرتى فى سؤالك يا غزل .
هزت غزل كتفيها و قالت و هى تضم كفيها بحجرها :
- بس سألت ومحتاجة إجابة .
لملمت رأفة شعرات غزل المنسدلة على وجهها خلف أذنها و قالت بإبتسامة هادئة :
- كنتى هتودى نفسك للموت علشان خوفتى عليه .. خدتى السكينة مكانه .. بس ربنا ستر .. فضل يسأل عليكى زى المجنون .. و كان بيجى يقعد معايا و صورتك وإنتى صغيرة ما بتفارقش إيده .. لحد ما إتجوز بنت خالته .. بعد زن أمه عليه .. و من سنتين ماتت و سابت مهاب لوحده .
إبتلعت غزل ريقها بصعوبة و قالت بغضب لا تعلم له سببا :
- كان بيحب مراته يا تيته ؟!
إبتسمت الجدة بمكر و قالت بهدوء :
- مش عارفة .. بس متهيألى لأ .. لأن يوم الحادثة اللى ماتت فيها كانت سيباله القصر ورايحة عند أمها غضبانة .. وحمزة كان شارب ومسطول حب يوصلها لأمها فالبس فى مقطورة .. هى ماتت و حمزة إتشل و مهاب ربنا حماه .
شردت غزل فى كل ما سمعته .. و عقلها يقذفها و يتلقفها بعنف ... و رغم ذلك لم تنكر أنها شعرت ببعض التعاطف مع فارس .. آه فارس ... ذلك المجهول المعلوم فى حياتها ... نفضت تلك الأفكار من رأسها .. و وقفت و قالت بإبتسامة مشرقة :
- خلاص قفلنا صفحة اللى حصل النهاردة و عاوزين نفرح .. كتب كتاب لولو بعد بكرة .. و أنا النهاردة إشتغلت يعنى ننبسط و بس .
وقفت ليال بجوارها و سألتها بفضول :
_ صحيح ... عملتى إيه فى شغلك ؟!
إتسعت إبتسامة غزل و قالت بفرحة إرتسمت على قسمات وجهها :
_ الحمد لله كنت فرحانة جدا ... إتعرفت على دكتورة زميلتى فى الأوضة إسمها سالى بس إيه دمها عسل ... و كمان المشرف عليا دكتور أحمد شكله محترم و بروفشنال جدا ... ده غير إنه قمور بشكل .
غمزت لها ليال بعينها و قالت مازحة :
_ و الأمور ده متجوز و لا سنجل .
ضربتها غزل على ذراعها و قالت بمزاح :
_ قصدك إيه يا بت إنتى ... تكونيش عقلتى و هتسيبى اللى إسمه رامى ده .
زمت ليال شفتيها بضيق و قالت مستنكرة كلمات غزل الحادة :
_ زعلت منك .. و باعدين مافيش راجل فى الدنيا مهما كان .. أمور .. يملى عينى بعد رامى .
قرصت غزل وجنتيها و قالت من بين أسنانها :
_إشبعى بيه يا روحى .... أنا جعانة مووت ... جهزى الأكل على ما أرتاح شوية .
ضحكت الجدة عليهما و قالت مؤكدة كلمات غزل :
- عندك حق يا غزل .. روحى أوضتك غيرى على ما ليال تجهز الغدا ... يالا .
قبلتها غزل وتوجهت لغرفتها .. فتحت نافذتها لتشتم بعضا من الهواء النقى لتصفى ذهنها مما سمعت و فاق توقعاتها .. و جعلها تتخبط أكثر و تعيد حساباتها من جديد .....
دلف فارس لمنزلهم بوجه متجهم من إثارة مشاعر بداخله إعتقد أنها قد إنطمست و تم محوها .. إلا أنها عادت و تأججت بقوة مع عودة صاحبتها ...
إرتمى بجسده على الأريكة و إستند برأسه عليها متطلعا بالسقف ... حتى رأى وجه والدته يطل عليه من الأعلى فإبتسم بهدوء و قال :
_ أخبارك إيه يا ست الكل .
إنحنت إليه و قبلت جبهته بحنو و قالت بصوت رائق :
_ كويسة يا حبيبى .. جعان أحطلك تاكل .
أومأ برأسه مؤكدا و بحث بعينه حوله عن مهاب ثم تسائل بتعجب :
_ هو مهاب فين .. مش شايفه يعنى ؟!
ربتت زينب على كتفه و قالت مشيرة بعينيها ناحية غرفة الصغير :
_ نايم ... تعب من كتر اللعب فنام .. قوم صحيه على ما أجهز الأكل .
تركته و توجهت للمطبخ بينما وقف هو و سار ناحية غرفة مهاب لإيقاظه .. دلف بهدوء فوجده يغط بنوم عميق .. إبتسم بحب و جلس بجواره على الفراش و هزه قائلا :
_ مهاب ... إصحى يا حبيبى .
تململ الصغير قليلا و إستسلم لغفوته مجددا .. فهتف به فارس بنبرة أعلى :
- واد يا مهاب قوم يالا علشان نتغدى .. بطل كسل .
تمطأ مهاب فى فراشه و فتح عينيه عابسا و قال بكسل :
_ خمس دقايق كمان ...please .
رفع فارس حاجبه بحدة .. فجلس مهاب مسرعا و قال :
- حبيبى يا عوو .. ثوانى و هبقى عالسفرة .
و وقف على الفراش و قبل والده بوجنته و تركه و توجه للمرحاض .. إبتسم فارس عليه و فتح نافذة غرفته .. فوقعت عينيه عليها .. حورية ناعمة ... وهى تتحرك بحريتها بغرفتها وشعراتها السوداء تهفو مع حركتها .. إبتسم و هو يطالع جمالها المثير و قال هامسا :
- فى بعد كده جمال .. مستحيل .
ثم إلتفت برأسه حتى لا تلاحظ تطلعه بها وإستغفر ربه على سقطته تلك و إنقياده وراء مشاعره المتخبطة .....
حملت غزل منشفتها وتوجهت للمرحاض .. فوقعت عيناها على فارس يوليها ظهره .. لثانية إضطربت أنفاسها .. و شعرت برجفة خفيفة إمتلكتها ... فتنحنحت وهى تتحكم فى أعصابها .. ثم إبتسمت بمكر و وضعت حجابها على رأسها وبسبست له ...
إنتبه فارس على بسبستها .. فإلتفت إليها متعجبا فقالت له بإبتسامتها الساحرة :
- هاى .
إبتسم بهدوء وقال ساخرا :
- إيه الأدب ده مش متعود .
رفعت حاجبها بغضب و قالت لائمة :
- ليه الداخلة دى .. ده أنا قولت هنحط نقطة و من أول السطر .
ضحك ضحكة عالية وقال مازحا :
- بهزر معاكى .. عموما .... هاى .
عادت الإبتسامة تداعب شفتاها القاتلة وقالت بتأدب :
- ممكن تيجى معانا بالليل وإحنا بنعمل الشوبنج .. عزماكم على العشا إنت و رامى .. done .
تطلع إليها مطولا ثم قال ببرود :
- مش عارف عندى شغل ولا لأ .. هشوف .
تطلعت إليه بغضب و قالت :
- ماشى يا عم المشغول .. مسير الحى يتسفلت.. سلام .
وصفعت ورائها النافذة بغضب و قالت بشراسة :
- أنا غلطانة اللى عملتلك بقيمة أصلا .. بارد .
حملت منشفتها مجددا و خرجت تشع شرارا من عينيها .....بينما دخل هو فى نوبة ضحك لقدرته على إغضابها .. و رؤيتها مشتعلة ... و هو يفكر فى طلبها بجدية .
فى المساء تجهزت الفتيات للخروج .. إرتدت ليال فستانا طويلا باللون الأسود مطبوع على أطرافه من الأسفل وردات حمراء و حجاب أحمر .. أما غزل فإرتدت سترة من اللون الأبيض و جيب سوداء قصيرة تصل لمنتصف ساقيها و أسفلها جوربا إسود ثقيل و حجاب باللون الأسود و حذاء بكعب عالى مدبب ... وقفت ليال أمام غزل وهى تعقد حجابها خلف عنقها و قالت بشفقة :
- زولا حبيبتى لو تعبانة بلاش ننزل النهاردة .. شغلك و الموقف اللى حصلك أكيد تعبوكى .
إبتسمت غزل وتطلعت إليها بحنان و قالت :
- له حق رامى يدوب فيكى .. إنتى نقية كده إزاى .
ردت ليال بخجل :
- كده تبقى كويسة يالا ننزل بقا .
ودعتا رأفة و خرجا سويا من الشقة فالتقوا بمهجة وهى تصعد الدرج فتطلعت نحوهم بغضب ..بينما حدجتها غزل بقوة وقالت بجدية :
- إستنى يا إسمك إيه إنتى .. بهجة باين .. المهم هنستناكى بكرة .. عاوزين نهيص للبت ليال شوية كتب كتابها يوم الجمعة ... تمام ولا أظبطك .
ضحكت مهجة ساخرة و مصمصت شفتيها قائلة :
- يا سم .. أنزل على الساعة كام .
ضخكت غزل و قالت بهدوء :
- بعد الغدا و لو إتأخرتى هطلع أجيبك من شعرك .. يالا سلام .
أجابتها مهجة بإبتسامة هادئة :
_ مع السلامة .
وهبطت تتبعها ليال المتعجبة مما حدث أمامها و ردة فعل مهجة أيضا... فأوقفتها قائلة بإستغراب :
- عملتى كده ليه يا زولا .
إلتفت غزل بجسدها ناحيتها و قالت بإبتسامة هادئة :
- يا هبلة سيدنا محمد وصانا على سابع جار .. والبت دى مالهاش صحاب فكانت بتناكفك علشان تكلمك مش قصدها تأذيكى .
أومأت ليال برأسها وقالت بتفهم :
- عليه الصلاة و السلام .. فهمتك .. يالا بقا علشان إتأخرنا على رامى .
رفعت غزل وجهها دليل على مللها وقالت :
- يادى رامى .. قدامى يا أختى .
وجدوا رامى بإنتظارهم فى مدخل البناية ..و كعادته تطلع لليال بلهفة ..و بالتأكيد بادلته ليال نظراته بتنهيدة حارة ... حركت غزل رأسها وقالت بضيق :
_ أستغفر الله العظيم ...دى بقت حاجة تقصر العمر .
لم ينتبها إليها فزفرت بشدة و قالت و هى تبتعد عنهما :
- أنا هروح أستناكم فى العربية خلصوا تسبيل وحصلونى .. يا ساتر عليكم .
خرجت تضرب الأرضية بقدميها عابسة الوجه حتى وجدت فارس يستند على سيارة رامى .. فتحول وجهها و هى تبتسم بإشراق و ... و إنتصار ...
تطلع إليها فارس متفحصا ملابسها المستفزة .. وقسمات جسدها المثير كأنه يعريها .. وذلك الحجاب الذى عقد خلف عنقها وقد هربت منه بعض الشعرات السوداء المتمردة كصاحبتها .. ثم عاد لعينيها ليسبح ببحرهم الخاص الفيروزى ... راغبا فى جذبها من خصلات شعرها تلك و ضرب رأسها بالحائط و ربما حبسها بشقتها كى لا يراها أحدا بهذا الشكل .. المغرى ...
لاحظت نظراته التى لا تتركها فاقتربت منه بثقة وقالت بإبتسامتها الساحرة بنبرة ساخرة :
- جيت يعنى ... إيه جدول أعمالك سمح .
وضع يده فى جيبه وقال بهدوء مبتسما :
- أيوة .. سمح .
رفعت حاجبها بحدة تجعله كل مرة يقترب من نزعه بأظافره ليتخلص من تلك النظرة المقيتة... و قالت بإمتعاض من بروده :
- طب كويس والله .. هتنورنا .
إبتسم على طريقتها وقال بهدوء وهو يفتح الباب الخلفى للسيارة :
- إتفضلى إركبى .
كم تغتاظ وبشدة من بروده أثناء حديثه معها .. ربما تتهور فى مرة و تركله بقدمها فى ساقه أو تضغط بكعبها على قدمه و ترى تجمع الدموع المؤلمة بعينيه و وقتها سترتاح قليلا .... ركبت السيارة وهى تشتعل من غضبها .. و بعد قليل و بعد إنتهاء فقرة التسبيل و النحنحة ... ركبت ليال بجوارها .. وركب فارس بجوار رامى فى الأمام .. تطلع رامى إليهم وقال متسائلا بفضول :
- تروحوا المول أول ولا نتعشى أول .
أجابته غزل بضيق و هى تتطلع بذلك البارد الجالس أمامها :
- لأ هنشترى فساتينا أول وبعد كده نبقى نتعشى .
أومأ رامى برأسه وإنطلق بالسيارة .. وقف مسعد يتابع إنطلاق السيارة بضيق .. ثم أصدر صوتا نابيا وقال بغضب :
- عاملين لى رجالة قوى .. وكل واحد منكم ساحب واحدة .. بس مش هسيبها القطة دى .. وهاكلها .. بس هاكلكم قبلها يا ولاد السعيد.
كانت بعينيه نظرات توعد شيطانية تنذر بالأسوء القادم كعاصفة ستقتلع أحدهم ....
وقف يتابع إنطلاقة السيارة بنظرات شيطانية حقودة مثله ... لم تهدأ نيرانه لثانية و هو ينتظر اللحظة التى سيسحق بها رأس ذلك المغرور المتكبر ... بداية بإستقوائه بأمواله و أموال والده و التى كبرها و نماها بذكائه و حنكته ....ولم تتوقف فقط عند الأموال فقد نال فارس قدرا من التعليم جعله يتميز عنه بشئ أكبر ... فالأموال بمفردها لا تصنع الإحترام .... نعم الإحترام الذى يحظى به فارس من الجميع فمعاملته البسيطة لأهل حارته جعلته المفضل بينهم و المنفر بعينيه هو ....
سحب مسعد نفسا طويلا و زفره دفعة واحدة زافرا معه نيرانه المقتدة و الذى قرر أن يضع لها حدا و نهاية اليوم .. إبتسم بخبث و هو يخطط و يحيك برأسه خطة محكمة للتخلص منه و التلذذ بقطعة السكاكر و التى لم يرغب بإمرأة كما رغبها ... غزل ...
أخرج هاتفه من جيب بنطاله و أجرى إتصالا فأتاه الرد ... فإتسعت إبتسامته و قال بقوة :
_ تمام جدا .... إستعدوا بإشارة منى و عاوزها ليلة حمرا و الدم يبقى للركب .
أتاه الرد بالموافقة و الدعم ... فأغلق الهاتف و أعاده بجيبه و أخرج علبة سجائره و أشعل سيجارته و نفث دخانها بنشوة و هو يدندن :
_ هو قانون البحر و الكل عارفينه ... وزن السمك فى الشبك بإسم اللى صايدينه ....
و إنطلق ناحية سيارته جلس بها منتظرا لحظة الصفر ليصبح كبير تلك الحارة البغيضة منتصرا على ألد أعدائه و حاصلا على مبتغاه و لو بالزواج ....
حاصرها طوال طريقهم بنظراته الثابتة عبر مرآة السيارة الجانبية ... لم تشعر بالضيق أو النفور من محاصرته بل كانت تشعر بنشوة و زهو بأنها أثرت بذلك الجلمود الثلجى ... فقررت أن تمنحه بعض النظرات الفيروزية الساحرة و هى تتطلع إليه بغرور و ثقة ...
إبتسم فارس بسخرية على زهوها بنفسها ... مغرورة .. و لكنها لذيذة رغم كل شئ و الأهم أنها صغيرته المشاغبة فلتعبث معه قليلا ... يحق لها ...
إنتبه الجميع على هتاف غزل بضجر و غضب :
_ وقف العربية فورا يا رامى ... بسرعة .
ضغط رامى كوابح سيارته مسرعا .. و إلتفت إليها قائلا بتعجب :
_ فى إيه يا غزل ؟!!
لم تجبه بل ترجلت من السيارة متحفزة و هى تكاد تكون تهرول مسرعة .. تعقبها فارس و رامى بقلق من تصرفها العجيب ...
وقفت غزل أمام عربة يجرها حمار و صاحبه ينهال عليه بالسياط دون رحمة و لا إحساس ... و صرخت قائلة بغضب :
_ إنت يا بنى آدم خلى فى قلبك رحمة ... بتضربه بالشكل ده ليه ؟!
أجابها الرجل و هو يشيح بيده بوجهها قائلا بنبرة ماجنة :
_ و إنتى مالك يا ست .. خليكى فى نفسك .
لم يكمل كلماته لأن ذراعى فارس كانتا الأسرع و هو يجتذبه من جلبابه و أوقفه على قدميه مواجها تلك العينين المشتعلتين و ملامحه الصلبة و هو يهدر به بغضب :
_ إتكلم بأدب لهحط عليك التاتش بتاعى .
إبتلع الرجل ريقه بتوتر و قال بهدوء :
_ يا باشا هى اللى إتهجمت عليا .
مسحت غزل بكفها على ظهر الحمار و عاينت جروحه و لاحظت دموعه الصامتة و كأنه يستجديها ان ترحمه من عذابه ... فإلتفتت برأسها ناحية الرجل و حدجته بقوة و قالت بصوت قاتم :
_ أنا دلوقتى همسك البتاع ده اللى كنت بتضربه بيه و هضربك بيه علشان تحس بوجعه يا حيوان .
ثم هزت رأسها نافية و أردفت قائلة بحدة :
_ لأ الحيوان أحسن منك .. إنت ظالم و مفترى .
ثم تطلعت بتلك الحمولة التى تحتاج عربة نقل لسحبها و قالت بصدمة :
_ بقا إنت عاوز الحمار الغلبان ده يشد العربية دى كلها ... إتقى الله يا أخى حرام عليك .
اجابها الرجل بتريث و خوفا من ذلك الوحش المتأهب للإنقضاض عليه :
_ يا ست هو متعود ... و باعدين ده حمار مش بيحس يعنى .
كأنه سكب البنزين على النار فإزداد غضبها و عادت للحمار و كففت دموعه بيدها و عادت للرجل و صفعته على وجهه بقوة و سط نظرات التعجب من فارس و رامى و الرجل ذاته .. و قالت له بصوت منفعل :
_ حسيت بدموعه على وشك .. و لا تحب أخليك تحس بيه أكتر .
كظم الرجل غضبه خوفا من نظرات فارس نحوه بينما إقترب رامى من غزل و قال لتهدئتها :
_ خلاص بقا يا غزل ما تكبريهاش .
فتحت حقيبتها و قالت للرجل بنبرة قاطعة :
_ الحمار ده تمنه كام .. مش هسيبه معاك ثانية .
إتسعت عينى الرجل بتعجب و أجابها مسرعا :
_ مش هبيعه طبعا .. ده أنا باكل من وراه عيش انا و عيالى .
أجابته مسرعة :
_ هتقول بكام و لا هتصل بمدير عام حقوق الحيوان و هوديك فى ستين داهية .
وقف بجوارهم رجل صاحب كشك بقالة و قال لها بإعجاب من تصرفها :
_ ربنا ما يوقعك فى ضيقة يا ست هانم ... إنتى صح .
تحدث فارس أخيرا و قال للرجل بحزم غير قابل للنقاش :
_ فك الحمار ده فورا .
تطلع إليه الرجل بعجز .. و زفر بضيق قائلا :
_ حاضر يا فندى بس عاوز فيه تلت بكاوى .
أخرج فارس حافظته و أعطاه المبلغ و عليه زيادة و قال بقوة :
_ إتقى ربنا بعد كده .. لأن ده روح و هتتحاسب فيه .. سامع .
أومأ الرجل برأسه و فك الحمار من سيارته .. فحك رامى مؤخرة رأسه و قال بضيق :
_ هنعمل إيه مع الحمار ده بقا هنركبه معانا فى العربية .
إبتسم فارس بخفوت و اخرج هاتفه و هو يطالع حنان غزل مع الحمار و كأنه إنسان يشعر بها .. و خاطب أحد رجاله قائلا :
_ أيوة يا سعيد ... تعالا شارع ***** عند بنك **** هتلاقى بعده كشك قدامه حمار ... خد الحمار و ديه مخزن من مخازنا لغاية ما أشوف هعمل معاه إيه ....... آه حمار .. و إعمل اللى بقوله من غير برطمه سامع .... تمام مع السلامة .
أخرج فارس من حافظته مبلغا ماليا و أعطاه للرجل صاحب الكشك و طلب منه قائلا بتهذب :
_ خلى الحمار ده قدامك يا حاج و واحد من رجالتى هيجى ياخده دلوقتى .
أخذ الرجل المبلغ المالى بسعادة و قال له بإمتنان :
_ الله يعمر بيتك يا باشا ... و هحطه فى عنيا ما تقلقش .
إلتفت فارس ناحية غزل التى تنظف للحمار جروحه بمحارم ورقية و طالعها بفخر .. ثم إلتفت ناحية صاحب الكشك و إبتاع لها قارورة مياة ... و قال لها بحنو :
_ تعالى إغسلى إيديكى يا غزل .
إنصاعت لأمره و غسلت يديها و أخرجت من حقيبتها سائل مطهر و طهرت كفيها و ودعت الحمار بكلمات مقتضبة و عادوا للسيارة و فارس يبتسم براحة ....
وقفت ورائه تطالع شروده بألم ... فمن كانت تتفانى فى إسعاده و تلبية أوامره دون إعتراض الآن أصبحت ترى نفسها سببا لألمه ... جزء ما بداخلها يشعر بنشوة رؤيته منكسرا بسببها و متألما .. تعرف هوية هذا الجزء إنه كرامتها و كبريائها .....
سارت بخطوات ثقيلة و دلفت لشرفته و جلست أمامه على ذلك المقعد الخاص بها و الذى يرغمها على الجلوس عليه أمامه دون حراك و لكن هذه المرة بإرادتها ... طالعته بنظرات غلبها الوهن و... الشوق .....
أحيانا يصبح قلبنا عدوا لنا لا جزء منا .. يجعلنا ننصاع لأوامره و لو بدعسنا على كرامتنا .... رؤيتها له بهذا الشكل جعلها تشعر بالذنب و الضيق فحبيبها يجلس حزينا بسببها فعن أى كرامة تفكر الآن ... فليضربها و يسبها لو أراد و لكن ليتخلى عن تهدل وجهه ذلك و نظرته المنكسرة تلك ...
طال صمته و شروده فقالت ميناس قاطعة تلك الحالة بتوجس :
_ حمزة .
خرج من شروده العميق و البعيد على رؤيتها أمامه جالسة على كرسى الإرضاخ كما يسميه فكلما أراد أن يشعر بقوته أجلسها عليه عنوة لساعات كى تشعر بقهر جلسته على كرسيه المتحرك طوال اليوم ... و كى يضمن بقاء سيطرته عليها و كبته لرغباتها و التى ستشعر بها يوما ما و ستتركه و تبحث عنها فى مكان آخر مع شخص آخر ...
لم يجيبها و إكتفى بنظرات ذات مغزى لم تفهم منها شيئا ... فأردفت قائلة بهدوء :
_ مش هتاكل ... ميعاد الدوا فات .
نسمة رقيقة نثرت شعراته الطويلة و الناعمة على وجهه .. فسقط معها قلب ميناس من جمال تلك اللحظة و من جماله و هو يعود بتلك الشعرات خلف عنقه بأنامله قائلا بنبرة مداعبة :
_ عوزانى أقعد أكل قدامك و إنتى آخرك تشربى شوربة .. مش هتبصيلى فى الأكل .
إبتسمت بخفوت و قد عادت الحياة لعينيها و وجهها و أجابته بوهن :
_ لأ مش هبصلك فى الأكل .... وأنا ليا يوم فى الإسبوع بشرب فيه شوربة و مشروبات ديتوكس فعادى يعنى .
هز رأسه متفهما و قال بنبرة ثابتة :
_ أكيد نشوى هتدعى علينا دى المرة الكام اللى بتحضر فيها الأكل .
وقفت ميناس و إلتفت حوله و دفعت كرسيه قائلة بهدوء :
_ فداك ... بس كل كويس علشان العلاج .. إتفقنا .
إتسعت إبتسامته التى لم تراها و أجابها قائلا :
_ إتفقنا .
بعدما إنتهت نشوى من إعداد المائدة ... تطلعت لإبتسامتهم بيأس و قالت بداخلها :
_ هما دول مجانين و لا أنا اللى لسعت ... و لسه لما الحبيبة التانين يتجوزوا و يجوا هنا ... هتحلو على الآخر .. أصل أنا ناقصة ليال و رامى كمان ... إنت المستعان يا رب .
إبتسمت لميناس بخفوت و تركتهم يتناولون وجبتهم بهدوء و خرجت تهز رأسها ......
دلفوا الشباب إلى المول يتطلعون لواجهات المحلات و غزل متحمسة للغاية تشاركها ليال حماسها .. أما رامى فكانت عينيه كاميرا تحاوط ليال فى محاولة بحث عن متطفل سيتجرأ و ينظر فقط ناحيتها ....
وقفت غزل أمام واجهة محل بدل رجالى وأشارت لرامى قائلة :
- شوف يا رامى البدلة دى تجنن .. تعالى ندخل و قيسها .
رد رامى مسرعا :
- لأ سيبك منى خلونا فيكم و بس .
وقفت ليال أمامه و قالت راجية بطريقة طفولية :
- علشان خاطرى يا رامى قيسها .
إقترب رامى منها وقال وهو يلتهمها بعينيه :
- ده أنا علشان خاطرك أشترى المحل كله .
عضت ليال على شفتيها بخجل .. و أشاحت بوجهها بعيدا عنه فضربت غزل جبهتها وقالت بحنق :
- إخلص يا رامى هتقيسها و لا لأ .
زفر بضيق و قال بتسليم :
_ حاضر .... إتفضلوا .
دخلا أربعتهم للمحل .. و أشارت غزل للبائع على طلبها ... فأحضره إليها مشيرا لرامى بتتبعه ....فدلف معه لغرفة القياس لرؤي البدلة عليه .. وقفت غزل تبحث وسط البذلات عن شئ آخر لرامى .. إقترب منها فارس وقال مداعبا :
- وأنا مش هتختاريلى حاجة أنا كمان .
تطلعت إليه بغرور و قالت :
- ﻷ .
إبتسم فارس وقال بعبث :
- ليه كده .. بصراحة ذوقك عجبنى .
تذكرت فستانها والتى سترتديه بعرس ليال ورامى .. فبحثت عن بذلة مناسبة له ورابطة العنق والتى بنفس لون الفستان و قالت :
- إدخل قيس دول .. وأنا متأكده من ذوقى والمقاس .
دنا منها قليلا و قال مازحا :
_ بقولك صحيح عندى مشكلة كده فى المرور و كنت عاوز رقم " مدير عام حقوق الحيوان " ِمعرفتك ده يمكن يحلهالى .
رفعت عينيها نحوه و هى زمة شفتيها فى محاولة فاشلة منها لكبح ضحكتها التى إنفجرت بها بنبرة رنانة جعلته يلتفت حوله متحفزا لأى منتحر سيطالها بنظرة واحدة .... فهدأت قليلا و قالت بلهاث :
_ إنت شرير على فكرة .
حمل بذلته من يدها ودخل لغرفة القياس ... بعدما طالعها مطولا و تركها فى تخبطها و حيرتها ...
قاس البدلة والقميص ورابطة العنق .. إبتسمت شفتيه وهو يطالع هيأته الجذابة و ذوقها الرفيع .. ثم خلعهم ..
خرج رامى من غرفة القياس قائلا بفرحة :
- هاه إيه رأيكم .. هى ليال فين ؟!
أجابته غزل ببديهية :
- مقعداها فى جنب علشان ما تشوفكش بيها غير يوم الفرح .. بس طالع عريس بجد .. ربنا يحميك ... واجهة .
ضحك رامى ضحكة عالية و قال :
- والنبى لسانك اللى بينقط عسل .. يعنى هعجبها .
أشارت غزل بإبهامها و قالت :
- الشياكة ليها ناسها .. وسيم وسيم وسيم .. يالا بسرعة غير هدومك لتشوفك .
عاد مرة أخرى لغرفة القياس .. بينما خرج فارس وهو يحمل بذلته على يده .. عقدت غزل حاجبيها منه وقالت بتعجب :
- إيه ده .. قلعتها من غير ما أشوفك ليه .
رد ببروده المعتاد :
- هتشوفيها عليا يوم الفرح .. مفاجأة يعنى .
زمت شفتيها وقالت بطفولة :
- ماليش دعوة كنت عاوزة أشوفك بيها .
رد بإقتضاب :
- ﻷ .
حدجته بغضب وتركته وإبتعدت .. إشترى كل من رامى وفارس بدلتيهما .. ودلفوا لمحل فساتين سهرة وأفراح .. وقفت ليال أمام الفساتين البيضاء بفرحة وأخذت تتطلع إليهم بإعجاب .. غالبتها دموعها .. فإقترب منها رامى وقال وهو يكفف دموعها :
- دى دموع الفرحة مش كده .
أومأت ليال برأسها وقالت و هى تطالعه بسعادة :
- مبسوطة قوى .. والفساتين تجنن .
إقتربت منها غزل و لفت ذراعها حول كتفها و قالت بحنو :
- حبيبتى يا لولو إن شاء الله هتبقى عروسة زى القمر .
ثم وقفت بينهم و قالت لرامى بصرامة :
- زى ما هى ما شافتش بدلتك إنت كمان مش هتشوف فستانها .. إختفى بقا شوية .
قطب رامى جبينه و قال بضيق :
- يا سوسة ... خلتينى أشترى بدلتى أول علشان تزنقينى .. أصلى .
ضحكت غزل و قالت و هى تقترب من فارس :
- أنا و فارس هنقوم بالواجب و هنختار لها فستان يعجبها .. إخرج إنت إقعد فى الكافيه اللى قدام السنتر .
أومأ رامى برأسه وقال :
- ماشى يا غزل مردودالك يوم فرحك .
و تركهم و خرج .. وقفت غزل هى و ليال يبحثان وسط فساتين الزفاف بفرحة .. و فارس يشاركهما بحثهما حتى رأى ليال بفستان ما .. فأشار عليه و قال بحماس :
- قيسى ده يا ليال .
تطلعت الفتاتان إليه مطولا .. تتأملان فخامته .. و تلألأله فقالت له ليال بقلق :
- بس ده شكله غالى .
تطلع إليها فارس بلوم و قال :
- مافيش حاجة تغلى عليكى يا ست البنات .. يالا قوليلهم ينزلوه علشان تقسيه .
وبالفعل دخلت ليال لقياسه معها فتاة ممن تعمل بالسنتر .. بينما تابعت غزل بحثها وسط فساتين السهرة على فستان لليال لكتب الكتاب و لها .. إقترب منها فارس وهو يحمل فستان إسود ومطرز بالأحمر و قال :
- قيسى ده يا غزل .
تطلعت غزل للفستان و قالت ببراءة :
- لأ مش هينفع لأن الفستان اللى هلبسه يوم فرح ليال إسود فى أحمر بس شكله أحلى من ده .
ضحك فارس بمكر و قال و هو يحدجها بقوة :
- كده إتأكدت .
رفعت غزل حاجبها بتعجب قائلة :
- إتأكدت من إيه .
إقترب منها وغاص داخل عينيها و قال بثبات :
- من إنك إختارتيلى بدلة سودا ميتالك .. وقميص أبيض وجرافة حمرا .. كنت متأكد إن فى سبب ورا إختيارك ده .
إبتلعت غزل ريقها من خجلها .. وأشاحت ببصرها عنه وعادت تبحث وسط الفساتين متجنبة النظر إليه فهذا الجلمود الثلجى أضاف للائحة أسمائه الجديدة أنه فظ .. لا يجيد التعامل مع الفتيات ...
حملت فستانين بيدها و طالعتهما قائلة بإبتسامة :
- أكيد هيجننوا عليها .
إنتبهوا على خروج ليال بفستانها الأبيض .. و الذى إبتلع المكان من حولهما ... و خطفت أنفاسهما .. وضعت غزل يدها على فمها من دهشتها .. بينما إبتسم فارس وقال بإعجاب :
- مكتوبالك يا رامى .
فقد كانت ليال أجمل من أن توصف .. بفستانها الواسع كأميرات الحكايات .. وتطريزه اللامع .. ومصاحب بذيل طويل .. جعلها آسرة للعيون ...
إلتفت غزل حولها أكتر من مرة وهى مبهورة و مشدوهة من جمالها .. غالبت دموعها و قالت بتأثر :
- ما شاء الله .. you look awesome .
إبتسمت ليال بفرحة و قالت هى تطالع نفسها بالمرآة :
- أنا فرحانة قوى .. الفستان يجنن .
رد فارس بإعجاب :
- أجمل عروسة شوفتها فى حياتى .. ربنا يسعدكوا يا ليال .
أجابته ليال بخجل :
- شكرا .. ده ذوقك اللى حلو .
فقالت لها غزل مسرعة و هى تلملم ذيل فستانها بحرص :
- إدخلى بقا إقلعيه لنلاقى رامى طابب علينا يالا .. وخدى الفستان ده قسيه علشان كتب الكتاب .
أومأت ليال برأسها وإلتفت بفستانها متوجهة لغرفة القياس .. تطلعت إليها غزل بفرحة و قالت :
- ربنا يسعدك .
قبلتها ليال و أخذت منها الفستان التى إختارته .. بينما إنتقت غزل فستانا و إرتدته و تطلعت لنفسها بإبتسامة .. فلقد كانت كما هى دائما خلابة ..
فكرت قليلا وخلعته عنها وإرتدت ملابسها وخرجت تحمله ... سألها فارس بضيق :
- مخرجتيش ليه و إنتى لبساه كنت عاوز أشوفه عليكى .
ردت غزل بإقتضاب :
- ﻷ .
وبحثت مرة أخرى وسط الفساتين وحملت فستانين واحد أبيض من الشيفون وأطرافه من الأسفل باللون الأحمر .. و آخر زيتى ضيق وتطريزه باللون البيج .. إقترب منها فارس وسألها بفضول :
- ليه دول كمان .
ردت و هى تطالعهم بإهتمام :
- علشان ميناس .. هتجيب فساتين منين و أخوك حابسها جنبه .. إيه مش من حقها تفرح .
إبتسم فارس بحماس و قال مؤكدا :
- عندك حق .. هاتيهم لما أشوفهم كويس بقا .. دى ميناس دى غالية عندى جدا .
وحملهم أمام عينيه وتطلع إليهم بإعجاب وقال :
- ذوقك يجنن هيبقوا عليها تحفة .
دخل رامى السنتر بضيق و قال عابسا :
- خلصتوا ولا لسه أنا زهقت .
إلتفتت إليه غزل بضيق قائلة بتذمر :
- إيه اللى جابك دلوقتى .. لما ألحق ليال لتخرج بفستان كتب الكتاب .. مال على فارس قليلا و سأله بفضول :
- ليال إختارت فستان الفرح .
أومأ فارس برأسه وقال بإبتسامة هادئة :
- أيوة .. وأحب أبشرك إن عقلك هيتلحس يا زميلى .. ملاااااك .
لمعت عينى رامى من الفرحة وسأله بلهفة :
- بجد يا عوو .. كان نفسى أشوفها بس ربنا يهد القوى .
إتسعت عينى فارس وقال بضيق :
- بتدعى على مين ياض .. ولا عاوزنى أعملها معاك .
غمز إليه رامى وقال ضاحكا :
- علقتك صح .. إعترف يا مريسة وقعت والله .
إبتسم فارس بسخرية و قال من بين أسنانه :
- شكلى أنا اللى هعلقك .. وهنهد النصبة و مافيش فرح .
رفع رامى يديه فى الهواء وقال مستسلما :
- آسف يا مريسة .. كله إلا ليلتى .. عقبالك يا رب .
ضربه فارس على رأسه وقال مازحا :
- خليك فى نفسك إنت .. أنا لسه جاى من عند بونجا نخلص مشوارنا ونروح له تانى .
أومأ رامى برأسه وقال ممتنا :
- إتصلت بيه من شوية وطمنى عليه و بيشكرك قوى لأنك عالجته فى المستشفى بتاعتك .. ده إحتمال يسكن هناك ... باين عجبته القاعدة .
ضحك فارس و قال مازحا :
- خلاص يبقى يروح يصيف هناك دايما .
خرجت الفتيات وهما فى قمة سعادتهما .. وقفوا أمام مكتب مدير المكان لدفع ثمن الفساتين ... أصرت غزل أن تدفع ثمن فستانها و فستاني ميناس .. حدجها فارس بغضب وقال :
- إنت مع رجالة على فكرة وأنا اللى هحاسب .
تابعت غزل إصرارها وقالت :
- ﻷ أنا اللى هدفع تمن فستانى وفساتين ميناس .
عاينها فارس بضيق و قال :
- متنشفيش دماغك أنا اللى هدفع .
حركت رأسها رافضة وقالت :
- ﻷ شكرا .
فقال بصرامة غير قابلة للنقاش :
- أنا هدفع تمن فساتين ميناس .. هى مرات أخويا ومحبش حد يحاسبلها وإنتى حاسبى لنفسك .
طالعته بغرور و .. إنصياع لرأيه ...
إنتهت الجولة على خير .. ودلفوا إحدى المطاعم لتناول وجبة العشاء .. وكالعادة ظلت غزل تتحدث وتضحك دون توقف .. مما زاد تعلق فارس بها و إعجابه بشخصيتها المنطلقة ... أما هى فتغاضت عن نظراته المتابعة لها .. ولم تعره إهتمام أغلب الجلسة .. مما جعله يشعر بضيق من تجاهلها .... و توعدها بالأسوء ....
عادوا جميعا للمنزل .. و كان مسعد فى إنتظارهم مستعدا وينتوى شرا يشع من عينيه .
ترجلوا من السيارة وصوت ضحكهم العالى يعبر عن فرحتهم .. وقف خلفهم مسعد بحقد وورائه جمع من رجاله .. طالعهم بغل و قال بصوت عالى ساخرا :
- ولما هى سايبة كده .. بتحرمونى منها ليه .
إندفع فارس نحوه صائحا بصوت محتد :
- جيت لقضاك يا ****** .
فتح مسعد ذراعيه و قال بضحكة خبيثة :
- ده أنا مستنيك من بدرى يا عوو .
وبدأت المعركة بين فارس ومسعد .. باللكمات السريعة من فارس و مثلها من مسعد .... فإتسعت عينى غزل بذعر و صرخت قائلة :
_ فارس .
إلتفت رامى لليال و غزل و قال بصرامة :
- إطلعوا فوق بسرعة .. و إقفلوا عليكوا الباب كويس يالا .
هزت غزل رأسها نافية و قالت و هى تسير مغيبة نحوه :
_ فارس خلى بالك .
إجتذبها رامى من ذراعها و قال بصوت عالى :
_ إطلعى فوق يا غزل بقولك ... مش وقته أنا لازم أساعده ... بسرعة .
حثتها ليال للمضى معها قائلة بذعر فهى تعلم جيدا أن الأمر سيسوء عما قريب :
_ يالا يا غزل بسرعة ... أنا خايفة أبوس إيدك .
تطلعت غزل لذعرها و عادت بعينيها لفارس قبل أن تندفع أمامها على الدرج تبعتها ليال التى كانت تطالع رامى بقلق عليه حتى صعدت ورائها ....
تطلع رامى ناحية الشجار المحتدم و خلع سترته وقذفها بعيدا وتوجه ناحية فارس .. فصنع رجال مسعد حائل بين رامى وبينهما فإضطر رامى للإشتباك معهم .. بينما الضربات تتوالى من فارس لمسعد دون توقف .. شعر أحد رجال مسعد بأنه غير قادر على مجابهته فألقى بعصى إليه فحملها و دفع فارس بعيدا عنه و إنهال عليه بالضربات .. صرخ فارس متألما بشدة .. فصرخت غزل من شرفتها قائلة :
_ فارس ... إلحقه يا رامى .