📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الثامن 8 بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الثامن 8 بقلم وسام اسامة 


"استغفر الله العظيم! يا أخي بالله عليك انظر لها.. إنها صغيرة، لم تتجاوز الثامنة عشرة بعد.. طفلة يا فراس! أرجوك لا تقحمها في كل هذا، انظر إليها كأنها أنا أو فيدرا"
تحسبين الحب لعبة
الفصل الثامن
...................................................
غادرت فلك مع زوجها أخيرًا، ورحل معها ذاك التأنيب المستتر في كلماتها، ونظراتها غير الراضية التي كانت ترمقه بها كلما سنحت لها الفرصة. حتى "عنان" لم يكفَّ عن إلقاء تعليقاته الساخرة بين حين وآخر، إلى أن زجرهم فراس جميعاً وأجبرهم على تركه ليرتاح
تنفس فراس بإرهاق وهو يغمض عينيه، مسترجعاً شريط الأيام الماضية؛ اختطاف دُنيا، المواجهة الدامية مع إخوتها، انتهاءً بالرصاصة التي سكنت جسده، ثم مواجهته الأخيرة مع نُصير. كان يدرك يقيناً أنه أحدث فوضى عارمة هزت أركان العائلتين، لكنه كان يرى في كل ذلك المتنفس الوحيد لغليانه الداخلي. لازال الغضب ينهشه، ولازال يشعر أن حياته سُحبت من بين يديه غصباً بسبب "مرام"، وبسبب كراهية والدته التي ألقت بهم في جحيم لا ينتهي.
الجميع مضى في سبيله، وهو الوحيد الذي بقي في مكانه، يحدق في أثر الراحلين وفي قلبه غصة لم تزدها الأيام إلا مرارة. ومع الوقت، تحولت تلك الغصة لشعور حارق يحركه ليفتعل حروباً هو في غنى عنها، وابتدأ حربه بـ "الصغيرة" دُنيا.. تلك الفتاة التي لا تنفك عن البكاء وترديد كلمات الحب الفارغة. هو لا يحبها، بل بات لا يطيق النظر في وجهها الذي يراه "وقاحة" متمردة، ولكنها في النهاية غنيمته الوحيدة، ورهينته التي سيذل بها كبرياء آل غانم.
لم يكد يسترسل في أفكاره حتى سمع صوت مقبض الباب، تلاه أنفاس متهدجة وشهقات مكتومة. فتح عينيه ببطء ليجدها قد تجسدت أمامه الآن، كأنها خرجت من رحم أفكاره المظلمة. تقف بوجه شاحب كالموت، والدموع تملأ صفحة وجهها، بينما أناملها المرتجفة تقبض على المقبض كفأرٍ مذعور وقع في مصيدة محكمة.
رفع أحد حاجبيه بتهكم لاذع وهو يسألها بنبرة باردة:
"لا تقولي إنكِ هربتِ من البيت للمرة الرابعة يا دُنيا؟"
ضغطت بأسنانها على شفتها حتى كادت تُدميها ندمًا؛ فقد تذكرت المرات التي هربت فيها لأجل مقابلته، واعترافاتها بالحب التي كان يقابلها دوماً بالزجر والمهانة. حركت رأسها نفياً، والشهقات تخنق صوتها:
"لم أهرب.. أخبرتهم أنني أريد العودة معك. أرجوك.. أخرج سيف الدين، هو لم يقصد أذاك"
رمقها بنظرة ساخرة وقال:
"انظروا.. هل أرسلكِ إخوتكِ لتتشفّعي لأخيكِ؟ أصبحتِ الآن رسول سلام؟"
هتفت بانهيار:
"إخوتي غضبوا عليّ.. نُصير تبرأ مني تماماً، أرجوك أخرج سيف.. أرجوك"
اختفى الهزل من وجهه فجأة، وحلّ وجومٌ قاتم على ملامحه. إذن، الصغيرة تحدت إخوتها، فخيروها بين طاعتهم أو العودة إليه، فاختارت غضبهم؟ تجعد وجهه وهو يرمقها شزراً، ثم أغمض عينيه قائلاً بضيق:
"نُصير لم يحسن تربيتكِ.. لو كنتُ مكانه لشججتُ رأسكِ بيدي قبل أن تفكري في خطوة كهذه"
لم يأتِه ردٌ منها؛ كانت غارقة في صمتها وخزيها، تقف في مكانها والندم يكسوها كوشاحٍ ثقيل. تمتم في جفاء آمرًا:
"ادخلي وأغلقي الباب.. لن تقفي هكذا كمن ينتظر سداد دين"
كانت تلك أولى أوامره لها بصفتها "زوجته" داخل حماه، ولن تكون الأخيرة قطعاً. دلفت بخطوات بطيئة، وهي تقاوم صراخ عقلها الذي يتوسل إليها أن تلتفت وتعود للاحتماء بظلال إخوتها، بينما نفسها تذكرها بمرارة أنها إن ولجت هذا الباب الآن، فلن تعود دُنيا التي كانت عليها أبداً.
أغلقت الباب خلفها، لتعلن رسمياً بداية سجنها الاختياري في حياة رجلٍ قرر أن يجعل منها وقوداً لحربه الأخيرة.
تقدمت بخطواتٍ متعثرة حتى صارت على مقربة من فراشه، عيناها لا تفارق الأرض وكأنها تحاول استجداء الثبات من بلاط الغرفة البارد. ظل صامتاً يراقب انكسارها بنظرة فاحصة، وكأنه يقيّم مدى فداحة الثمن الذي دفعته.
أخرج زفيراً طويلاً وهو يحاول تعديل جلسته، مما تسبب في انقباضة ألم واضحة على وجهه، فاندفعت بتلقائية تمد يدها لتساعده، لكنه جمدها بنظرة حادة جافة جعلت يدها تتوقف في الهواء قبل أن تسقط بجانبها بوهن.
"لا تلمسيني.. لا أحتاج شفقة من أحد، خاصةً أنتِ."
ابتلعت ريقها المر، وقالت بصوت مهتز:
"فراس.. سيف الدين الآن في الحجز، وأمي فاطمة.. هي ليست بخير. لقد فعلتُ ما أردت وجئت إليك، فمتى ستفي بعهدك؟"
ضحك بمرارة هزت كيانها، وقال وهو يميل برأسه نحوها:
"عهد؟ أي عهد يا دُنيا؟ أنا لم أعدكِ بشيء، وشرطي أن تكوني هنا، تحت نظري، وبطاعتي. أما سيف.. فخروجه يعتمد على مدى أدبك في الأيام القادمة"
ارتجفت شفتها السفلى وهي تتمتم بذهول:
"ولكننا اتفقنا! قلت لنُصير إن عودتي تعني خروجه!"
رفع سبابته في وجهها محذراً:
"إياكِ ورفع صوتكِ هنا. نُصير وأهلكِ باعوكِ لأجل سيف، وأنا اشتريتُكِ لأجل.. فلا تظني أنكِ ستكونين ضيفة شرف في هذا المشفى. ستبقين هنا، تخدمينني وتقومين على راحتي، ولا تسألي عن هذا الأمر مره أخرى مفهوم؟"
هبطت دمعة ساخنة على خدها الشاحب، وأدركت في تلك اللحظة أنها لم تعد مجرد زوجة .. بل يراها كخادمة تلبي مطالبه
ساد الصمت لبرهة، لم يقطعه سوى صوت فراس الآمر وهو يشير بيده نحو الأريكة القريبة:
"اجلسي هناك.. ولا أريد سماع صوت بكائكِ."
انصاعت لأمره بآلية، وجلست على طرف الأريكة، تضم ذراعيها حول جسدها وكأنها تحاول حماية نفسها من برودة نبرته. كانت الغرفة ضيقة، لكنها في نظرها بدت كزنزانة لا نهائية. وبينما كان فراس يغمض عينيه محاولاً النوم.
***
كانت مرام تجلس بجوار زوجها المنحني فوق أحزانه، واضعاً رأسه بين كفيه كأن ثقل العالم كله قد هبط فوق كاهله. كانت تمسح على ظهره بأنامل رقيقة، محاولةً ضخَّ القليل من السكينة في جسده المتصلب من فرط التوتر، وتمتمت برفق:
"حبيبي، هوّن على نفسك.. أنت لا تملك تغيير أقدار البشر، هي اختارت طريقها بملء إرادتها.. وانتهى الأمر".
رفع نُصير رأسه قليلاً، وعيناه تشتعلان بوجعٍ لم يستطع كبته، وهتف بمرارة:
"إنها أختي يا مرام! كيف تقولين انتهى الأمر بهذه البساطة؟ هل كنتِ ستنطقين بالجملة ذاتها لو كانت 'فاتن' هي من في مكانها؟"
هزت مرام رأسها نافية، وقالت بصوتٍ هادئ ممتص لغضبه:
"أنا لا أقصد ما ذهب إليه ظنك يا حبيبي، أنا فقط أحاول إيضاح الصورة لك.. دُنيا تحبه، وتحب سيف الدين أيضاً.. رأت أن صالحكما وصالحها يكمن في عودتها لفراس، أرادت أن تكون زوجةً تنهي هذه الحرب.. ولو كنتُ أنا مكانها، ربما كنتُ اخترتُ الاختيار ذاته".
زفر نُصير بضيق، ونهض يذرع الغرفة بخطواتٍ مضطربة:
"لو كان هذا ما يدور في عقلها فهي غبية! لن ترفع رؤوسنا بتضحيتها الحمقاء تلك.. فراس تغير يا مرام، ما عاد ابن عمي الذي نعرفه، الحقد أعماه، وسيحرقها حية لينفث عن غضبه منا فيها.. لن يتقي الله فيها أبداً، فكيف أهدأ وقلبي يحترق عليها هكذا؟"
ابتسمت مرام في تعاطفٍ مرير فهي تدرك أن حديثه عن "التبرؤ" منها ومحوها من حياته لم يكن سوى ستارٍ هش يحمي به كبرياءه الجريح. فها هو، لم تمر ساعات على رحيلها حتى غرق في همومه يفكر في حالها تحت رحمة فراس
اقتربت منه مجدداً وربتت على كتفه هامسة بيقين:
"لن نتركها لو مسها بسوء، هذا ما أثق به.. ولكن الآن، دعها تعيش اختيارها يا نُصير، لعل الأيام تكسر القسوة التي تسكن قلب ابن عمك".
صمت نُصير لبرهة، وقد بدا كلام مرام وكأنه لمس وتراً حساساً بداخله، لكنه سرعان ما أشاح بنظره بعيداً، وقال بصوتٍ يملؤه اليأس:
"الاختيار الذي يبدأ بكسر الخاطر وخسارة عائلتها لا يجلب إلا الندامة يا مرام.. دُنيا وضعت نفسها في كفة، وكرامتنا في كفة أخرى، ورجحت كفتها هي.. هي لا تدرك أن فراس الآن يستخدمها ليغضبنا لا أكثر"
أطبقت مرام كفها على يده في محاولة أخيرة لبث القوة فيه:
" لكنه في النهاية بشر، ودُنيا لديها قلب لا يكل عن المحاولة.. لعل الله جعل منها سبباً لإطفاء نار الخصومة التي كادت تأكل الأخضر واليابس."
تنهد نُصير في تعب، وجلس على طرف المقعد كمن فقد القدرة على الوقوف:
"نار الخصومة لا تطفئها العواطف يا مرام.. بل يطفئها العقل، وفراس فقد عقله منذ اللحظة التي قرر فيها أن تكون دُنيا هي الثمن. غداً سأذهب للمشفى، ليس لأجلها، بل لأتأكد أن المحضر قد شُطب وأن سيف سيعود لبيته.. أما هي، فستبقى هناك، لتتحمل نتيجة تهورها واختياراتها الخاطئة"
في تلك الأثناء، كانت دُنيا في المشفى تجلس بجمود بجانب فراش فراس الذي استغرق في نومٍ ثقيل إثر المهدئات. كانت تراقب صدره وهو يعلو ويهبط بانتظام، وتشعر ببردٍ ينخر في عظامها رغم دفء الغرفة. مدت يدها بتردد لتعدل غطاءه، لكنها سحبتها بسرعة وكأنها تذكرت صوته الآمر "لا تلمسيني".
عادت تجلس متكتفة على الأريكة تحدق في الخواء بلا كلمة وقد كفكفت دموعها
لن يفيد الدمع، لقد اختارت البقاء جواره، وعليها تحمل ما تجده منه صامتة.
لن أظل اليوم بأكمله أنتزع الكلمات من فمكِ انتزاعاً.. انطقي! هل تعرفين ذاك الرجل؟"
كانت كلمات يحيى الزاجرة تسقط كالمطارق فوق أعصاب "منة" المنهارة، التي ازداد بكاؤها اليائس وهي تعاود القسم بمرارةٍ مقهورة:
"بماذا أقسم لك أنني لا أعرفه؟ لقد غادرتُ الغرفة لأتناول طعامي ريثما تستيقظ شهيرة، وتفاجأتُ مثلك تماماً بما حدث.. أنا لا يمكن أن أؤذي شهيرة أبداً، هي أختي قبل أن تكون صديقتي"
لم يكن نواحها المتواصل يحرك فيه ساكناً، بل لم تتزحزح نظرات الشك القاسية من عينيه ولو قيد أنملة؛ فهو كرجل أمن متمرس، لا يؤمن بالمصادفات، خاصة في توقيتٍ كهذا. استمر في استجوابها لأكثر من ساعة بضراوةٍ جعلت أعصابها تنفلت تماماً، ولم ينقذها من حصاره سوى تأوهات ضعيفة انطلقت من الفراش.
بدأت شهيرة تستفيق من غيبوبتها أخيراً، وفتحت عينيها ببطء وهي تلهث بأنفاسٍ متسارعة، وهمست بضياع:
"ما الذي يحدث؟ أين أنا؟"
انتفضت منة نحوها بسرعة، وتجاهلت وجود يحيى للحظة وهي تجلس بجوارها تسند ظهرها لتساعدها على الاعتدال، وهتفت بين دموعها:
"الحمد لله أنكِ استيقظتِ.. هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بألمٍ في جسدك؟"
رفعت شهيرة يدها المرتجفة نحو جبهتها، وغمضت عينيها بقوة كأن الضوء يؤلمها، وتمتمت بألم:
"رأسي.. رأسي يكاد ينفجر، لا أحتمل هذا الصداع"
في تلك اللحظة، تقدم يحيى خطواتٍ هادئة نحو الفراش، وظله الطويل يمتد فوقهما ليفرض حضوره الطاغي. تلاقت عيناه بعيني شهيرة الشاحبتين، ولم تخلُ نظرته من مزيجٍ غريب من العتاب والقلق المكتوم، قبل أن يقول بصوته الرخيم الحازم:
"حمد لله على سلامتك سيدة شهيرة.. ربما الصداع أهون بكثير مما كان سيحدث لكِ"
نظرت إليه شهيرة بذهول، وكأنها بدأت تسترجع شريط الكابوس؛ ذاك الوجه القريب، والأنفاس الكريهة، وصراعها اليائس قبل أن يطبق الظلام على عالمها. ارتجفت شفتها السفلى وهي تنظر ليحيى وتستوعب وجوده فجأة.. متى حضر.. وكيف..
قطع حيرتها صوت منة الباكي وهي تقول في صدمة لم تغادرها:
"أحدهم اقتحم غرفتكِ وكاد يعتدي عليكِ، لولا تدخل السيد يحيى لكان أذاكِ"
ساد الصمت في الغرفة، صمتٌ لم يقطعه سوى أنين شهيرة الخفيض وهي تحاول استجماع شتات نفسها. نظرت إلى يحيى، ثم إلى منة الباكية، وبدأت ملامح الرعب الممزوج بالحيرة ترتسم على وجهها الشاحب.
نطقت شهيرة بصوتٍ واهن وهي تحاول تذكر ملامح المعتدي:
"كان هناك شخص.. في الغرفة.. لا أتذكر وجهه، لكنه كان.. كان وحشاً"
انكمشت منة على نفسها وهي تشهق، بينما اقترب يحيى أكثر، وجلس على طرف المقعد المقابل للفراش، وعيناه لا تحيدان عن وجه شهيرة، وقال بنبرة أهدأ قليلاً لكنها لا تزال تحمل تلك الصرامة المهنية:
"أتذكرين أي تفاصيل أخرى؟ هل قال شيئاً؟ هل كانت له لكنة معينة؟"
هزت شهيرة رأسها يميناً ويساراً بألم، ودموعها بدأت تشق طريقها فوق وجنتيها:
"لا أعلم.. كل ما أذكره هو الظلام، وضربه لرأسي.. لولا وجودك يا يحيى لكان"
لم تستطع إكمال جملتها، فأجهشت بالبكاء. هنا، تدخل يحيى بحزمٍ لينهي حالة الانهيار هذه، فالتفت إلى منة التي كانت ترتعد خوفاً وقال بصيغة الأمر:
" اذهبي واجلبي لها كوباً من الماء المحلى بالسكر، واتصلي بخدمة الغرف ليأتوا وينفظفوا هذه الفوضى"
أومأت منة برأسها بسرعة، وهرعت لتنفيذ أوامره وكأنها وجدت في انشغالها بالخدمة مهرباً من نظراته المحققة. بمجرد خروجها، عاد السكون ليخيم على المكان، والتفت يحيى لشهيرة التي كانت تغطي وجهها بكفيها، وقال بصوت
منخفض هذه المرة:
" لقد تركت علامة على وجهه سيدة شهيرة.. لن يذهب بعيداً. لكن عليكِ أن تثقي بي الآن.. هذه البلاد ليست آمنة كما كنتِ تظنين، ومن أرسل هذا الشخص يعرف تحركاتكِ بدقة.. لذا كوني حذرة لصالحك"
رفعت شهيرة رأسها، ونظرت إليه بعينين حمراوين من أثر البكاء، وسألت بمرارة:
"هل تشك في منة؟ هي معي منذ سنوات يا يحيى، هي الوحيدة التي أثق بها"
شبك يحيى أصابعه أمام وجهه، وقال بعد صمت دون تعاطف مع المذكورة:
" منة قد تكون بريئة، وقد تكون ثغرة استغلها غيرها دون علمها. المهم الآن هو تأمينكِ، وسأبدأ فوراً بنقلكِ إلى جناح آخر.. سأحرسكِ حتى تعودين
للوطن"
ابتسمت شهيرة ابتسامة منكسرة، وقالت بضعف:
كنتُ أظن أنني تخلصتُ منك ومن حراستك وتعنتك.. يبدو أنني كنت واهمة"
رد يحيى وهو ينهض وفي صوته تفهم نادر، وقد استعاد قناع الجمود الذي يرتديه دائماً:
قد تظنين أنكِ تخلصتِ مني، لكنني لا أترك عمل ناقص خلفي .. ارتاحي الآن، ولنا حديث أخر بعدما تتعافين"
كاد يترك الغرفة فتحدثت شهيرة في فزع تسأله:
"أين ستذهب؟"
التفت لها يتأمل ملامحها الفزعة وقد بدت كطفلة تخشى الجلوس بمفردها
طفلة؟ شهيرة طفلة.. وأين تذهب كل هذه الانوثة لو كانت طفلة ؟
زجر نفسه وانتبه على نظراته التي طالت لها ورغمًا عنه خرج صوته خشنًا ضائق:
"ستحدث مع أمن الفندق وأخبرهم بما حدث.. لا تخشي شيء سأكون في الجوار دائمًا"
بدت لا تصدقه للحظات ولكنها لم تجد نفسها إلا وهي تحرك رأسها في إيجاب وفي عينيها رجاء خفي ألا يغادر دون عودة، التفت يمنع افكاره من الاسترسال وهو يهمس في نفسه:
"استغفر الله العظيم، امرأة كأي امرأة يا يحيى، امرأة كأي امرأة"
وفي اعماقه كان يُدرك أن شهيرة ليست كأي امرأة.. حتى وإن تظاهر ألف سنة
****
جلس دُريد في الصالون، واضعاً حقيبته بجانبه، بينما وضعت مها صينية العصير أمامه بتمهل وجلست على المقعد المقابل. كان هناك صمتٌ مغلف ببعض الحيرة.. فعقد القران تم، لكنهما في الحقيقة لا يزالان غريبين يحاول كل منهما فهم "كتالوج" الآخر.
قطع دُريد الصمت وهو ينظر لساعة يده ثم إليها:
"كيف حال دراستكِ؟ لم أسألكِ المرة الماضية عن سير رسالة الماجستير"
رفعت مها عينيها، وبدا عليها الارتياح لأن الحوار بدأ بموضوع دراستها التي تجاهلا الحديث عنه قبل عقد قرانهما وحتى الان حتى اتاح لها الفرصة للحديث عنه:
"بخير الحمد لله.. ولكنني مقصرة بعض الشيء. الحقيقة أنني بدأت أشعر ببعض القلق من ضيق الوقت بين المذاكرة وتجهيزات البيت."
أومأ برأسه متفهماً، وقال بهدوء:
"لا تضغطي على نفسك.. الأشياء المادية في البيت يمكن أن تنتظر، المهم ألا يتأثر تحصيلك. أخبريني، هل تفكرين في العمل بعد الرسالة أم أنكِ تفضلين التفرغ؟"
نظرت إليه مها بتركيز، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال لتعرف رأيه:
"كنتُ اتمنى العمل كمعلمة، أحب التدريس جداً.. هل لديك اعتراض على ذلك؟"
سكت دُريد لحظة، يزن كلماته بدقة:
"ليس اعتراضاً، لكنني أحب الوضوح. طبيعة عملي أحياناً تتطلب وجودي في المسجد أو الدروس لساعات متأخرة، التدريس مهنة سامية، ولكني أفضل أن تكون زوجتي في بيتي، لا يشغلها شيء عني.. وأن تستثمر علمها في تربية أطفالها، ودراستك للعلوم الشرعية ستفيدهم بلا شك"
ابتسمت مها ابتسامة خفيفة، وشعرت أن صراحته، رغم جفافها قليلاً، مريحة
تمتمت في حذر مرتبك:
"هل يمكن أن أطلب منك ألا تجعل الأمر مرفوض بالكامل.. أقصد أن نتناقش في هذا الأمر مستقبلا، وقطعًا سأطيعك مهما كان قرارك"
"لتنتهي رسالتك وحينها يكون لكل حادث حديث.. المهم الان، الشقة تكاد تكون انتهت بالكامل.. أريدك أن تخبريني متى ستكونين جاهزة للانتقال لبيتي
لأتفق مع خالي على الموعد بالضبط"
حركت مها رأسها في ايجاب وابتسمت وفي تشيح وجهها عنه تحاول الا يلتقط ابتسامتها.. ولكنه سألها فورًا في رفق:
"علام تبتسمين؟"
اجابت في ابتسامة اتسعت لتكون ضحكة رقيقة :
" رقية أخبرتني أنك صارم جداً في موضوع المواعيد، وما أراه الان أن قولها صحيح؟"
ابتسم دُريد لأول مرة، وكانت ابتسامة قصيرة هادئة:
"رقية تبالغ.. أنا فقط أحب أن يسير كل شيء في وقته، فالفوضى تربكني. وأنتِ؟ ما الذي يضايقكِ في طباع الأشخاص ؟"
بدأت مها تتحدث بطلاقة أكبر، وبدأ الحوار يأخذ شكل "أخذ وعطاء" حقيقي؛ هي تحكي عن حبها للهدوء، وهو يشرح لها طبيعة يومه الروتينية. لم يكن هناك كلام معسول، بل كانت محاولة جادة من الاثنين لرسم ملامح حياتهما القادمة بعيداً كلمات الغزل التي تشتاق لها مها.. ولكن دُريد بدى لا يُجيده؟
ولكن عندما همَّ دُريد بالقيام، قال لها:
"المرة القادمة، أريد أن أعرف رأيكِ في الكتب التي تحبين قراءتها، لنرتب مكتبة البيت معاً. سأغادر الان"
وقفت بسرعة وقد خرج صوتها ممزوج باللهفة والحزن:
"ستغادر هكذا بسرعة؟.. ألن نتناول الغداء معًا.. لقد اعدت الاصناف التي تحبها
وأبي سيحزن إن غادرت فورًا"
لانت ملامحه وبدت ابتسامةذات مغزى تنمو على فمه، والأخرى تتلون في خجل من اندفاعها الذي فضح مشاعرها فورًا أمامه
زاغت عينيها عنه حتى شعرت بأنامله تجذب ذقنها لتنظر له، وقد بدت اصابع الشيخ رقيق دافئة تتحسس نعومة ذقنها وهو يقول في خفوت ونظر غريبة:
"وأنا أيضًا أحببت الجلوس معك، ويكاد عقلي يخبرني أن أخذك معي ونعود لمنزلنا، ولكن انها بضعة أيام يا مها وتكوني جواري وأقرب ان شاء الله"
شعرت مها أنها ستنهار أرضًا بأنفاس مأخوذة وعينيها الفضاحة أسيرة لنظرة عينيه الجميلة.. ودت لو تُلقي نفسها على صدره، ودت لو تخبره مدى حبها له في هذه اللحظة.. ودت لو..
قطع أفكارها ونظراتها الأسيرة اقترابه منها وأنفاسه الحارة تضرب بشرة وجهها
ليضع قبلة بطيئة طويلة على وجنتها الملتهبة وهو يهمس في خفوت أرسل الارتعاش لكافة جسدها:
"والله أمنع نفسي عنكِ بشق الأنفس، فلا تنظرين لي هكذا يا مها.. دعي دُريد بعقله للأيام القادمة"
انصرف دُريد وهو يشعر أنه من الحكمة أن يغادر فورًا.. بينما وقفت هي تشعر أنها في حلم.. حلم جميل يُدعى دُريد.. وضعت يدها على قلبها تحاول تنظيم وتيرة انفاسها ووجهها ينضح بدماء الخجل والحب.. والشوق
دخلت والدتها الغرفة تسأل بدهشة:
"أين ذهب زوجكِ؟ أرحل دون غداء؟"
لم تُجب مها، بل تحرت نحو غرفتها بعيون متسعة وقلبٍ يدق بعنف، تود الاختلاء بنفسها لتسترجع ذكرى "قُبلته" وهمسه مراراً وتكراراً، لتؤنس بهما قلبها الذي بات مجنوناً بحب "الشيخ دُريد".
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت فلك قرابة الفجر
أمضت ساعات نهارها الأولى في المطبخ، تنشغل بتحضير طعامٍ صُنع بعناية ليناسب حالة شقيقها الجريح، رغم ذاك الغضب الكامن في صدرها والذي أرق مضجعها طوال الليل، وجعلها تتقلب في فراشها كأنما تتقلب على جمرٍ مستعر.
تنهدت بعمق وهي تصفّ العلب التي تحفظ حرارة الطعام، وما إن انتهت حتى شعرت بأنفاس "عنان" الدافئة تداعب عنقها وهو يضمها لصدره في حنو، متمتماً بصوته الناعس:
"أخوكِ الوغد لا يستحق كل هذا العناء يا فلكي.. ليتكِ تهتمين بزوجكِ المسكين الذي سُلب منه النوم بسبب تقلبكِ المستمر، كأنكِ سمكة تُشوى فوق الفراش"
التفتت إليه تلومه بنظراتها المحبة، بينما مسحت بيدها على وجهه المرهق وقالت بأسى:
"لم يذق النوم جفني يا عنان.. أخشى عليه من عاقبة أفعاله. لقد تلقى رصاصة، ومن رحمة الله أنه نجا منها.. فماذا تُخفي له الأيام في المرة المقبلة؟"
أجابها عنان بنبرة واقعية خالية من المواربة، وهو يسند جبينه إلى جبينها:
"نُصير وإخوته ليسوا وحوشاً لتخافي عليه منهم بهذه الصورة، ولكني أصدقكِ القول.. لو كنتُ في محلهم، فلن أكتفي برصاصة في كتفه بعد الذي فعله"
هتفت به معاتبة:
"عنان"
استطرد وهو يهز رأسه بحيرة:
"ما سيفقدني عقلي هو تناقضه؛ فقد كان يطمح للتصالح معهم، بل وكنتُ ألمح في عينيه حسرةً واضحة على فقد صداقة نُصير.. لا أفهم حقاً سبب هذا الجنون المفاجئ"
تمتمت فلك وهي تبتعد عنه قليلاً لتكمل إغلاق الحقيبة:
"ولا أنا يا عنان.. أخشى عليه من شيطانه الذي بات يقوده.. هداه الله"
اقترب منها عنان مجدداً، وأمسك كفيها ليرغمها على التوقف والنظر إليه، وسألها بنبرةٍ غلب عليها القلق:
"دعكِ من الجميع الآن.. أخبريني، هل أرهقكِ السفر؟ هل تشعرين بأي ألم؟"
أجابته بابتسامة باهتة تحاول بها طمأنته:
"أنا بخير يا حبيبي لا تقلق.. ولكن اجتماع كل هذه الأمور.. ما حدث مع فراس، وموعد جراحتي القادم.. كل هذا بدأ يستنزف أعصابي. حتى فيدرا، صوتها حين هاتفتها لم يعجبني أبداً، شعرتُ بنبرة غريبة في كلامها"
شدد عنان من قبضته على يديها وقال بلهجة حازمة لا تفتقر للين:
"لا تُشغلي عقلكِ أكثر مما يطيق. لنطمئن عليكِ أولاً، وبعدها سنفكر في البقية.. واحداً تلو الآخر"
أومأت برأسها في استسلام وقالت:
"حسناً يا حبيبي.. هيا لتبدل ملابسك لنذهب للمشفى"
بعد ساعة وصلت فلك وعنان إلى المشفى، وكانت الردهة هادئة بشكل مريب في هذا الوقت الباكر. توجها مباشرة نحو جناح فراس، لكن قبل أن تضع فلك يدها على مقبض الباب، توقفت فجأة وهي تسمع صوتاً منخفضاً يأتي من الداخل.
كان صوتاً مكسوراً، لم تتبينه في البداية، لكنها أدركت أنه صوت "دُنيا".. كانت تتلو آيات من القرآن بصوتٍ مرتعش بجوار فراش فراس.
تبادلت فلك وعنان نظرة سريعة.. شعرت بغصة في حلقها، بينما ارتسمت على وجه عنان علامات التعجب والضيق المكتوم.
تنهدت فلك بمرارة ودلفت إلى الغرفة بعدما طرقت الباب لتعطي فرصة لدُنيا تستجمع نفسها، وحينما دخلت وجدتها تجلس على طرف المقعد، عيناها متورمتان من البكاء وبقية ملامحها مختفية أسفل دثار وجهها، وفراس لا يزال مغمض العينين، لكن ملامحه كانت متشنجة وكأنه يصارع كابوساً في منامه.
رفعت دُنيا رأسها بفزع حين رأتهم، ووقفت بسرعة وهي تمسح دموعها بطرف وشاحها:
"فلك..حمد لله على سلامتكم"
لم ترد فلك في البداية، بل وضعت حقيبة الطعام على الطاولة بجفافٍ أحدث صوتاً مسموعاً، ثم التفتت نحو دُنيا وقالت بنبرةٍ حاولت جاهدة أن تبقيها متماسكة:
"ما الذي تفعلينه هنا في هذا الوقت؟ وكيف جئتِ يا دُنيا؟"
انحنت دُنيا برأسها في خزيٍ مرير، وقالت بصوتٍ مبحوح يكاد لا يُسمع:
"أنا هنا لأنني زوجته يا فلك.. وأخي سيف في السجن بسببه، ولا أملك مكاناً آخر أذهب إليه».
جعدت فلك جبينها في حدة، واندفعت تستجوبها بنبرة لاذعة أخرجت فيها كل أرق الليلة الماضية:
"كيف لا تملكين مكاناً آخر؟ هل هربتِ من إخوتكِ مرة أخرى؟ ألم يكفكِ تهوراً يا فتاة؟ الآن تعودين لإخوتكِ فوراً.. لا ينقصنا مصائب أخرى فوق رؤوسنا!"
حاول "عنان" تهدئة زوجته التي بدت وكأنها تصب جام غضبها على دُنيا المرتعشة من البكاء، فهمس لها محذراً:
"فلك.. اهدئي قليلاً"
"كيف أهدأ يا عنان وهذه الحمقاء تجر خلفها الكوارث أينما ذهبت؟ إخوتها لن يصمتوا لو علموا بوجودها هنا.. وهي بكل جرأة تقول "زوجي"؟"
في تلك اللحظة، فتح "فراس" عينيه ببطء، ونظر إليهم بنظرة باردة خالية من أي ترحيب، ثم استقر بصره على دُنيا التي كانت ترتجف تحت وطأة كلماتهما، وقال بصوتٍ مبحوح ومتحشرج:
"عنان.. فلك.. هل جئتم لتكملوا محاضرة الأمس؟"
اقتربت فلك منه، وعيناها تلمعان بدموع الغضب والقلق المكتوم:
"جئنا لنطمئن على أخي الذي أضاع عقله.. أخبرني، ما الذي تفعله دُنيا هنا؟"
أجابها فراس ببرودٍ مستفز:
"وما الذي تفعله المرأة جوار زوجها يا فلك؟ ثم أخفضي صوتكِ.. لا تظني أن إصابتي تعيقني عن دق عنقكِ إن لزم الأمر"
هبّ عنان كالصقر مدافعاً:
"سأكسر يدك قبل أن تلمسها يا فراس!"
لم تلتفت فلك لتهديده، بل استمرت في توسلها القاسي:
"فراس أرجوك، لا تفعل هذا.. دع البنت تعود لعائلتها، يكفينا ما حدث لك بسببها"
"لقد أخبرتكِ أنها زوجتي، ومكانها جواري. وإن جادلتِني في هذا الأمر مرة أخرى، فلتغادري ولا تزوريني مجدداً".
تحدثت دُنيا بنبرة باكية وعيون يقتلها الإرهاق:
"اطمئني يا فلك، لن يفعلوا له شيئاً.. لقد جئتُ بمعرفتهم، وأظن أن بوجودي هنا ستتوقف المصائب"
هتفت فلك بيأس وهي تلتفت لأخيها:
"استغفر الله العظيم! يا أخي بالله عليك انظر لها.. إنها صغيرة، لم تتجاوز الثامنة عشرة بعد.. طفلة يا فراس! أرجوك لا تقحمها في كل هذا، انظر إليها كأنها أنا أو فيدرا"
لم يتأثر فراس بكلماتها، بل وجه حديثه لعنان بلهجة قاطعة:
"عنان.. خذ زوجتك وغادرا فوراً. عودا للمدينة، فأنا لا أحتاج زيارتكما مرة أخرى"
انسحب "عنان" بزوجته خطوتين للخلف، محاولاً امتصاص ثورة غضبها قبل أن تشتعل الغرفة أكثر، بينما ظلت "فلك" تنظر لشقيقها بنظرة خيبة لم يعهدها منها، كأنها تراه لأول مرة.
قالت فلك بصوتٍ خفيض، يرتعش بصدقٍ منفعل:
"سأغادر يا فراس.. سأعود لبيتي وأنا أدعو الله ألا أستيقظ يوماً على خبر فاجعة تكون أنت سببها.. أما أنتِ يا دُنيا، فوالله لا أدري أأشفق عليكِ أم ألومكِ، لكن تذكري أن المرأة دون عائلتها ذليلة"
تحركت فلك نحو الباب بخطى مثقلة، ولم يمنعها عنان، بل ألقى نظرة أخيرة حادة على فراس، نظرة حملت تحذيراً صامتاً لم يحتج لترجمة، ثم غلق الباب خلفهما بهدوءٍ مريب.
بمجرد أن أُغلق الباب خلف فلك وعنان، ساد صمتٌ خانق في الغرفة، لم يقطعه سوى أزيز جهاز المحاليل المنتظم. كان فراس يتنفس بصعوبة، وعيناه مثبتتان على سقف الغرفة بجمود، قبل أن يحول نظره ببطء نحو دُنيا التي كانت تقف كخيالٍ مكسور عند زاوية الغرفة، مطرقة الرأس.
قال فراس بنبرة جافة، مشبعة بالتهكم:
"سمعتِ ما قالته فلك؟ طفلة.. لا تزال تراكِ تلك الصغيرة التي تحتاج حماية، ولا تدرك أنكِ فتاة تحب وتعشق بل وتتحدى ايضًا."
تقدمت دُنيا بخطواتٍ مهتزة حتى وقفت أمام فراشه، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله متماسكاً رغم غصة حلقها:
" مشاعري نحوك لا تقلل من شاني.. ما يقلل مني هي نظرتك لي..لما تكرهني لهذا الحد يا فـراس، وإن كنت تفعل لما تاخذني زوجة الان.. أنا لا أفهمك"
أطبق فراس يده السليمة على طرف الفراش بقوة، وقال بصوت بارد:
" لا أريدك أن تفهميني ياصغيرة، ليكون في علمك أنتِ ستكونين زوجتي كما قال الكتاب، تجلس في بيتي وتعد طعامي وتغسل ثيابي، وفي أخر اليوم تكون في فراشي، فلا ترهقي عقلك بإحلام وردية ستخيب أملك، وكلماتك التافهة عن المشاعر تلك لا أريد سماعها.. لا أريد أن اسمع من فمك سوى حاضر ونعم.. مفهوم؟"
نزلت دمعة وحيدة هربت من عينها، فمسحتها بسرعة وهي تقول بمرارة:
"أدركتُ أنني خسرتُ كل شيء.. فهل سترتاح الآن؟ هل سيرضيك أن تراني ذليلة هكذا؟"
نظر إليها فراس طويلاً بنظرة غامضة، ثم أشار بيده نحو حقيبة الطعام التي تركتها فلك وقال بآمرية:
"يرضيني أن تتعلمي كيف يكون الأدب في حضرة زوجكِ. الآن، افتحي حقيبة الطعام.. أنا جائع، وأريد أن أرى كيف ستقومين بخدمتي دون أن أسمع صوت شهقاتكِ المستفزة تلك."
انصاعت له بصمت، وبدأت تخرج علب الطعام بوجعٍ ينهش قلبها. كانت تدرك أن فراس لا يريد الطعام بقدر ما يريد رؤية انصياعها الكامل، يريد أن يتأكد أن كبريائها قد ذاب تماماً عند أعتاب فراشه.
وبينما كانت تضع الطعام أمامه، لامست أناملها يده عن غير قصد، فانتفضت كمن مستها نار، لكنه أمسك معصمها فجأة، ونظر في عينيها طويلاً بحدة جعلتها تتسمر مكانها، ثم قال بصوتٍ منخفض:
"لا تظني أن بكاءكِ سيحرك فيّ ساكناً.. لقد اخترتِ البقاء، فعليكِ أن تتحملي نتيجة اختيارك، فلا تنتفضي من لمسة وذكري نفسكِ انكِ ما عدتِ مدللة أل غانم.. انتِ زوجة فـراس.. مفهوم."
حركت رأسها في ايجاب وقد تعبت عينيها من كثرة الدموع، وفي غضون نصف يوم أثقل كاهلها بمجموعة أوامر لم ترى في قسوتها.. ولازال طريقها طويلا..!
***
انتهى الفصل



تعليقات