📁 آخر الروايات

رواية ست قوارير الفصل الثامن 8 بقلم امينة محمد

رواية ست قوارير الفصل الثامن 8 بقلم امينة محمد


الفصل الثامن من
ست قوارير
|سموم|
لابد أن تجذب الحياة من أسفل قدميك بُساط الراحة وتجعلك تقع من سماءٍ عالية على أرض الشقاء والتعب.
_"ها.. آه.. أنا بس!"
هكذا نبست تسبيح بتيهٍ وهي مازالت تنظر لأختها التي تطالعها كنظرة مُذنب وطالبة بعينين راجيتين السماح
حينها استجمعت تسبيح قوتها بعدما استمعت لصوت ماجد أيضًا:
"خير يا بشمهندسة تسبيح فيه حاجة؟"
هزت رأسها نفيًا ونظرت له تجيب بهدوء:
"لا أبدًا بس سجى الخطاب، أختي ومنظمة حفلات وهي ماسكة معايا هنا المشروع"
بإعلانها لاسم أختها معها المشروع فهذا يعني أنها توافق أن تكون معه، لذلك ارتسمت ابتسامة جانبية على ملامحه خافتة
وحينها ابتسمت سجى براحة معتذرة لتسبيح حتى بدأ فيصل ستحدث مجددًا برسمية:
"جميل جدًا، كدا كل الأطراف موجودة هنا دلوقتي، أنا وأخويا بشركتنا، شركة الموردين الخاصة باستاذة نورهان، وشركة استاذ ماجد ومعاه البشمهندسة تسبيح، ومعانا أستاذة سجى منظمة الحفلة والافتتاح بإذن الله للمنتجع السياحي وكل حاجة محتاجة تتنظم تحت أيدها.. كدا لسه حد واحد.."
وحينها وقفت سيارة على حين غرة بعدما انهى حديثه، كانت سيارة رياضية حديثة باهظة الثمن، غادر منها شاب وسيم الملامح، حنطي البشرة، يرتدي قميصًا سماوي اللون وبنطالًا لونه أسود..
تقدم نحوهم يبتسم ابتسامة خفيفة وهو يزيل عن عينيه نظارته الشمسية:
"مساء الخير يافيصل"
صافحه فيصل بحرارة يجيبه:
"مساء النور يا رائد.."
هكذا فقط نطق اسمه ثم التفت نحو الجميع يعرفهم عليه قائلًا برسمية:
"رائد العزمي، مدير شركة تمويل المشاريع الكبيرة في البلد، وهو اللي هيمسك تمويل المنتجع كامل.."
نظروا له جميعًا بينما هو مرر بصره عليهم واحدًا تلو الآخر وتولى فيصل أيضًا مهمة التعريف عنهم:
"تميم، اخويا ومدير المشروع إداريًا، البشمهندس ماجد فوزان المهندس اللي ماسك المشروع ومعاه البشمهندسة تسبيح، الاستاذة نورهان صاحبة شركة الموردين.."
ثم وجه يده نحو سجى التي انتظرت دورها هي الأخرى لكن هذه المرة تحدث تميم برسمية هو الآخر يعرف عنها:
"سجى، هتمسك تنظيم الحفلات للمنتجع والافتتاح الرسمي وشريكتي"
أومأ لهم رائد بخفوت وبنفس تلك الرسمية التي رحبوا به رحب بهم هو الآخر، لكن عيناه استقرتا لثانية إضافية على سجى، ولم تكن نظرة فاحصة بقدر ما كانت نظرة تقدير لثباتها وسط هذا الجمع من "الحيتان".
"فرصة سعيدة يا آنسة سجى"
قال رائد بصوت رزين، يحمل نبرة هادئة تجبرك على الإنصات:
"تنظيم افتتاح لمشروع بالحجم ده محتاج رؤية مختلفة، وأكيد ذوقك ملوش مثيل.."
ابتسمت سجى برقة، وشعرت لأول مرة منذ دخولها الموقع أن هناك من يخاطب "عقلها" و"عملها" لا شفافيتها أو تمردها:
"شكراً يا أستاذ رائد، أتمنى الشغل يكون عند حسن الظن"
في تلك اللحظة، شعر تميم بوخزة خفية في صدره، لم تكن غيرة واضحة بعد، بل كانت رغبة فطرية في حماية ما يخصه حتى الآن
وضع يده بتملك طفيف على كتف المقعد القريب من سجى وقال بنبرة متهكمة قليلًا:
"سجى مش بس ذوقها عالي، سجى هتكون الروح للمنتجع ده، للمبنى الخرساني اللي المهندسين هيعملوه وتنقله لمكان تاني خالص"
ضحك فيصل ضحكة باردة، والتفت نحو ماجد الذي كان يراقب الحوار بصمت حذر.
"بشمهندس ماجد، أظن إن كلام تميم فيه تحدي ليك وللبشمهندسة تسبيح، يا ترى المهندس اللي بيفوز ولا المنظم في اللس بيخلي للحاجة روح زي ما قال!؟"
نظر ماجد إلى فيصل، ثم نقل بصره نحو نورهان التي كانت تقف بوضعية توحي بالملل، لكن عينيها كالصقر تراقبان رائد.
ثم قال ماجد بهدوء:
"الخرسانة هي الأساس اللي بيتشال عليه أي زينة يا فيصل بيه، ومن غير أساس صح، الروح بتهيم في الفراغ"
التفتت نورهان فجأة، ووجهت حديثها لرائد متجاهلة ماجد تمامًا:
"بما إننا بقينا تيم واحد يا أستاذ رائد، فأنا جهزت قايمة بكل الموردين اللي هنتعامل معاهم، وأظن إن سيولة التمويل من طرفك هي اللي هتسرع وتيرة التنفيذ"
لم يمنح نورهان الرد الذي كانت تنتظره، بل اتجه بنظره نحو تسبيح التي كانت تقف بعيدًا قليلًا، شاردة في وجه أختها.
"بشمهندسة تسبيح؟"
ناداها رائد ليفيقها من شرودها:
"أنا هبقى محتاج تقرير مفصل عن الحالة الإنشائية الحالية قبل ما نضخ الدفعة الأولى، هل تقدري توفريه بكرة؟"
استعادت تسبيح توازنها ونظرت لرائد بجدية صلبة، محاولةً تجاهل وجود سجى وتميم في محيط رؤيتها، وقبل أن تجيب تابعت ماجد الذي اومأ برأسه أن تخبره بـ نعم!
_"التقرير هيكون على مكتب حضرتك الساعة تسعة الصبح"
أطبق الصمت للحظة، قطعه فيصل وهو يشير نحو سيارة متنقلة (كرڤان) فاخرة مجهزة للاجتماعات.
_"اتفضلوا يا جماعة، مفيش داعي للكلام في الشمس، رائد محتاجين نناقش بنود التعاقد، وتميم.. خليك مع آنسة سجى عشان ترتبوا أماكن المنصات، مش عايز أي تداخل مع شغل المهندسين"
تحرك الجميع، وبقيت تسبيح وسجى في مواجهة صامتة لثوانٍ، كانت نظرات تسبيح حادة، محملة بآلاف الأسئلة واللوم، بينما كانت سجى تحاول رسم القوة فوق ملامح مرتجفة.
مرّ رائد بجانب سجى وتوقف للحظة ليرفع نظارته الشمسية مجددًا وقال بابتسامة خفيفة جدًا:
"الافتتاح ده هيكون بداية لحاجات كتير كبيرة.. بالتوفيق يا سجى"
مضى رائد بخطوات واثقة خلف فيصل، بينما ظل تميم واقفًا بجانب سجى، يراقب أثر رائد بنظرة لم يفهما هو نفسه، نظرة شاب بدأ يدرك أن الشكليات ليست وحدها ما تجعل الرجل قويًا، بل ذلك الحضور الذي يجعل الجميع يلتفتون إليه بصمت.
ــــــــــــــــ
انتهى اليوم الطويل، وخرج الجميع من "الكرفان"، رمال الساحل بدأتْ تبرد مع تواري الشمس، وصوت تلاطم الأمواج في الخلفية كان هو الحقيقة الوحيدة وسط كل تلكَ الوجوه المتعبة.
كان ماجد يسير وعقله لا يزال عالقًا في بنودِ العقدِ وتعقيداته والتي ستجعله يعمل مع تلك الـ "نورهان"، لا ينكر أنه مازال في ذلك الماضي الذي لا يتخطاه، وحينما رأها.. علم إنه كان مجروحًا بنزيفٍ قوي، يضغط على مفاتيح سيارته في جيبه بتوترٍ مكتوم، حتى قطعت نورهان طريقه فجأة.
وقفت أمامه ببرودٍ، ونظراتها تتفحص وجهه بجرأةٍ، كأنها تبحث عن ثغرة وحيدة في ذلك الثبات الذي يرتديه كدرع.
"مبروك يا ماجد.. العقد اتمضى"
قالتها وهي تربع ذراعيها وتنظر إليه بجفون شبه مغمضة.
_"بس خلي بالك، الورق اللي بيمضي عليه فيصل السعدون مبيعرفش الرحمة، وغلطة واحدة في التنفيذ هتخليك تدفع تمنها غالي أوي"
أهي مجنونة؟
تهدده بماذا، أو عمّا تتحدث تلك الغبية!
لم يتوقف ماجد، بل واصل خطواته بانتظام وكأنه لم يسمعها، ثم رد عليها دون أن يلتفت:
"اللي بيخاف من الغلط مبيشتغلش يا نورهان.. وأنا مش أول مرة أمضي عقود، ركزي في ورق شركتك، ده الأفضل ليكِ"
في تلك اللحظة كانت تسبيح تخرج وهي تحاول لملمةَ شتاتِ نفسها بعد صدمة وجود أختها ضمن الفريق.
لمحتْ نورهان وهي تقف قريبة من ماجد بطريقةٍ مستفزة، مما جعلها تستغرب كثيرًا من هكذا تقارب بينهما وهي لا تفهم الحقيقة حتى الآن!
أرادتْ أن تمر وكأنها لم ترهما، لكن ماجد بادرها بالنداء، وكأنه كان ينتظر ظهورها لينهي هذا الحوار الثقيل.
"بشمهندسة تسبيح الوقت اتأخر.. تعالي أوصلك"
شحب وجه نورهان، واختفت ابتسامتها الواثقة فورًا، أما تسبيح، فقد ارتبكت ونظرتْ إليه ثم إلى نورهان، وقالت بنبرةٍ حاولتْ جاهدةً أنْ تجعلها رسمية:
"شكرًا يا بشمهندس، بس أنا لازم آخد سجى معايا"
قالتها ليردف سريعًا وهو يتجه نحوها ليقف جوارها تحديدًا متجاهل تمامًا لوجود الأخرى وكأنها سراب غير موجود!
_"مافيش مشكلة، ناديها واوصلكم"
على الناحية الأخرى كان رائد العزمي يقف بجانب سيارته، يراقب سجى التي كانت تبدو شاردة وهي تمسحُ حباتِ العرقِ عن جبينها.
اقتربَ منها بخطواتٍ هادئةٍ وصوتٍ خفيضٍ يحمل قدرًا من التقدير:
_"آنسة سجى.. باين عليكي التعب، الطريق للقاهرة طويل، والوقت اتأخر برضو ميصحش تركبي تاكسي غريب دلوقتي، فتسمحيلي أوصلك؟"
رفعت سجى رأسها، وكانت على وشكِ النطق، لكن تميم قطع المسافة بينهما بخطى واسعةٍ ووجهٍ مشدودٍ وعينينِ تلمعانِ بحدة:
"تسلم يا رائد، بس سجى هتروح معايا، فيه حاجات في تنظيم الافتتاح محتاجين نراجعها سوا وإحنا ماشيين"
رفعَ رائد حاجبهُ ونظر لتميم ببرودٍ يثيرُ الأعصاب:
"أظن الشغل يقدر يستنى لبكرة يا تميم، البنت مش قادرة تقف على رجلها"
ردَّ تميم بحدةٍ أكبر وهو يقف حائلًا بينهما:
"وأنا قولت هتروح معايا.. هي شريكتي وأنا المسؤول عنها هنا"
كانتْ سجى تنظر إليهما بذهول، شعرت أنها تحولت لقطعة أرضٍ يتنازع الغرباء على ملكيتها، وقبل أن تنهي هذا الموقف السخيف، جاء صوت تسبيح الحازم كوقع السيف.
_ "سجى!"
جاءتْ تسبيح بخطواتٍ سريعة، وملامحها لا تسمح بأيّ نقاش، وقفت بين الجميع ونظرت لتميم ولرائد بجمودٍ كأنها لا تراهما:
_"سجى هتروح معايا أنا.. البشمهندس ماجد هيوصلنا إحنا الاتنين"
ثم وجهتْ كلامها لسجى بلهجةٍ لا تُرد:
— "يلا يا سجى، هاتي حاجتك لو مجبتيهاش ويلا عشان اتأخرنا"
أراد تميم أن يعترض، لكنَّ نظرةَ تسبيح القاطعةَ أسكتته، ولم تكن تلك نظرة المهندسة التي تعمل معه، بل نظرة الأخت الخائفة على اختها، بعيدًا تمامًا عن العمل ورسميته!
بينما رائد انسحبَ بهدوء وهو يبتسم ابتسامة غامضة، وكأنه قرر تأجيل المعركة لجولةٍ أخرى، أما نورهان فقد ظلت واقفة تراقب سيارة ماجد وهي تبتعد بهم، وعيناها تشتعلان بوعيدٍ لم ينطق به لسانها بعد.
داخل السيارة، ساد صمت ثقيل جدًا، بينما سجى تلاحق أضواء الطريق الهاربة من النافذة، وتسبيح تفرك يديها بتوتر، وماجد يقبض على المقود وعيناه على الطريق، وكأنَّ كل واحدٍ منهم يحمل في صدره بئرًا من الحكايات التي يخشى أنْ يفتحها.
ـــــــــ
فتح ماجد باب الڤيلا، ليجد الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو ربما الهدوء الذي يعقب يومًا طويلًا من الصخب، كانت رائحة المنزل والدفء الذي لطالما احبهما يختلطان برائحة طعام أمه، التي تكون أول ما استقبله.
خلع سترة بدلته وألقاها على أقرب مقعد، ثم تنفس بعمق، وكأنه يفرغ رئتيه من هواء "الساحل" الثقيل ومن نظرات "نورهان" التي كانت تطارده كـ ظله.
لم يكد يضع قدمه في الصالة، حتى سمع صوتًا يشبه وقع أقدام العصافير على الأرض، ثم انفتح باب الغرفة الجانبية بعنف، وخرجت منها "إيلا" كـ سهمٍ منطلق، شعرها الغجري يتطاير خلفها وهي تصرخ ببهجة غامرة:
"خالو ماجد! خالو جه!"
انحنى ماجد غريزيًا وفتح ذراعيه ليحمل تلك الكتلة من البراءة التي ارتطمت بصدره، رفعها عاليًا حتى لامس رأسها الصغير نجفة الصالة، بينما كانت ضحكاتها تملأ المكان وتغسل عن قلبه تراكمات اليوم الشاق.
_"وحشتيني يا ياقلب خالو.. كنتِ فين كل ده مجتيش تشوفيني؟"
قالها ماجد وهو يدفن وجهه في عنقها، مستنشقًا رائحة "بودرة الأطفال" التي تعيد إليه ثباته النفسي.
ضحكت إيلا وهي تمسك بأذنيه وتقرصهما بخفة:
_"انت المفروض تجيلنا بقا، وأنا أصلًا كنت مستنية ورا الباب عشان أخضك.. بس أنت اتأخرت أوي، والنهاردة رسمت في الحضانة بيت كبير، وفيه نخلة، وفيه أنت وأنا"
بدأت تقص عليه مواضيع متتالية لا علاقة لها ببعضها كحال أي طفل في عمرها الصغير، أنزلها ماجد ببطء، وجلس على الأريكة، لتستقر هي فوق ركبته كعصفور وجد عشه
في هذه اللحظة، خرجت والدته من المطبخ، تجفف يديها بمنديلٍ، وعلى وجهها ابتسامة قلقة، تلك الابتسامة التي تحفظها الأمهات لأبنائهن الذين يعودون بوجوهٍ متعبة.
_"حمد لله على السلامة يا ابني.. اتأخرت أوي النهاردة، قلقتني عليك"
مال ماجد وقبّل يد أمه برأسٍ منحنية:
"الله يسلمك يا أمي.. معلش، كان يوم طويل أوي في الساحل، وعقود ومناقصات مش بتخلص وشغل بقى"
ظهرت "ليلى" أخته والدة إيلا وهي تحمل كوبًا من الماء لماجد:
— "خد أشرب شوية ماية لحد ما الأكل يخلص، شكلك مجهد بزيادة النهاردة.. إيلا جننتنا وهي مستنية، كل شوية تروح عند الباب وتقول سمعت مفتاحه، أكيد هو ده، خالو جاي امتى"
أخذ ماجد الماء وشربه دفعة واحدة، بينما كانت إيلا تعبث بأزرار قميصه وتنظر إليه بتركيز شديد:
"خالو.. هو أنت كنت زعلان النهاردة؟"
توقف ماجد عن الشرب، ونظر إلى عينيها الواسعتين:
"ليه بتقولي كدة يا حبيبتي؟"
_"عشان عينك فيها خطوط كدة زعلانة.. ولما جيت تدخل كنت بتنهج زي ما نكون كنا بنجري"
ابتسم ماجد بمرارة، فـ الأطفال يقرؤون ما تعجز النفوس عن إخفائه. مسح على شعرها وقال بضحكة قصيرة:
_"لا يا ستي، مفيش زعل.. بس الواحد بيكبر شوية فبيتعب بسرعة.. خالو عجز باين!"
خرج والده من غرفته وهو يتابع هذا الحوار الذي بينهم وحينما جلس فقط نظر لأبنه وسأله بهدوءٍ:
"عملت إيه في صفقة النهاردة يابني؟"
سأل الأب بصوت رخيم يحمل وقار السنين.
_"خِلصت يا حاج.. مضينا العقود رسميًا، والمشروع هيبدأ تنفيذه بعد تسع أيام"
هزَّ الأب رأسه ببطء، وصمت للحظة قبل أن يقول:
— "المهم ذمتك يا ابني في المشروع ده تحديدًا، حافظ على سمعتك مع العالم اللي هتبدأ شغل معاهم زي ما قولتلي، عيلة السعدون كان ليها رجل ثابتة على أرض قوية في السوق لسنين ولسه لحد دلوقتي، فمتتشدش وراهم في حاجة، شغلك وسمعتك وقولهم سلام"
أحسَّ ماجد بغصة في حلقه؛ فـ والده لا يعلم أن "نورهان" عادت، ولا يعلم أن الحرب القادمة ليست على جودة العمل فقط، بل على بقايا الماضي، أومأ برأسه وقال بلهجة صادقة:
"عارف يا حاج.. متقلقش، ابنك لسه صلب"
قامت ليلى لتأخذ ابنتها:
— "يلا يا إيلا.. سيبي خالو يرتاح شوية عشان يلحق يتعشى"
تعلقت إيلا برقبة ماجد بشدة:
"لا! خالو هيحكيلي حدوتة الأول.. هو وعدني!"
نظر ماجد إلى شقيقته بابتسامة متعبة:
"سيبيها يا ليلى.. أنا محتاج الحدوتة دي أكتر منها"
حملها ماجد مرة أخرى واتجه بها نحو غرفته، تحت نظرات أمه التي تتبعه بـ دعوات صامتة، دخل الغرفة ووضعها على الفراش وهو يلملم أغراضه ثم ألقى بجسده الضخم على سريرها الصغير بجانبها، كانت إيلا تنظر إليه بترقب، وكأنها تنتظر منه مفتاح عالمٍ آخر بعيدًا عن صراعات الكلام الجدي الذي لا تفهم منه أي شيء تمامًا
"كان يا ما كان.."
بدأ ماجد بصوت خافت، هادئ، يتناسب مع جو الغرفة: "كان فيه مهندس شاطر، بيحب يبني بيوت قوية، بس كان دايمًا خايف من الهوا العالي.."
_"الرياح هتوقع البيت؟"
سألت إيلا بخوف فطري
_"لا يا حبيبتي.. عشان المهندس ده كان حاطط جوه الحيطان حب... والحب ده أقوى من أي حديد ممكن نبني بيه البيت، ولو متواجدش واختفى البيت يقع"
نامت إيلا في منتصف القصة، غطت في نومٍ عميق وهي ممسكة بطرف قميص ماجد، ظل هو مكانه لـ دقائق، يتأمل وجهها الساكن، ويشعر بأن هذه الطفلة هي الأساس الحقيقي الذي يبني من أجله كل شيء.
وضع عليها الفراش بحذرٍ ثم ألتفت حيث تلك الغرفة الصغيرة الموضوع بها خزانته وملابسه المعلقة الرسمية وغير الرسمية، لكنه لمح امه تقف عند الباب وهي تتقدم له:
_"ماجد.."
همست الأم وهي تقترب منه:
"أنا قلبي مش مستريح.. وشك من ساعة ما دخلت بيقول إن فيه حاجة تانية غير الشغل، حصل حاجة معاك، بقالك كام يوم لا بتقعد معانا ولا بنشوفك"
تصلب جسد ماجد، ونظر إلى أمه بدهشة؛ فـ قلب الأم بوصلة لا تخطئ أبدًا لذلك زفر ببطء وهزَّ رأسه بالإيجاب:
_"ظهرت يا أمي.. وبقت طرف في المشروع كمان"
وضعت أمه يدها على كتفه، وضغطت عليه بقوة:
_"استعيذ بالله يا ابني.. هي صفحة واتقفلت من سنين، متخليهاش تفتحها تاني وتسرق منك راحة بالك اللي بنيتها بدم قلبك"
_"مش هسمحلها.. المرة دي مفيش حاجة تانية تسرقها"
ثم أولها ظهره نحو غرفة الملابس وهو يقول بهدوءٍ:
"خلينا بس منجبش سيرتها تاني، كفاية إني هشوفها كتير الفترة الجاية فالشغل!"
دخل ماجد حمامه وأغلق الباب خلفه، فتح صنبور المياه الدافئ يتدفق على جسده، كان يشعر بدفء قبلة إيلا على وجنته، وبثقل كلمات والده عن "الذمة"، وبقلق أمه عن "الماضي"
استنشق هواء عميقًا، محاولاً أن يثبت هذه اللحظة في ذاكرته؛ فغدًا سيعود إلى الساحة، حيث لا مكان للين، وحيث "نورهان" تنتظر عند في كل مكانٍ، تمامًا كتلك الرياح التي كان يحكي عنها لإيلا منذ قليل.
ــــــــــــــــ
في تحدٍ غير محسوب، لا للقلب ولا للروح، تحدٍ يشبه حفر سيف في قلب مسكين حيث كان طرفيه إخوة لا أعداء، لكنهما أقرب للأعداء لا للأخوة!
كان فيصل واقفًا عند حافة الرصيف، يولي ظهره للموقع وينظر إلى سواد البحر الذي لا ينتهي، بعمقه وطوله وكبره، لم يكن يرتدي سترة بدلته، بل اكتفى بقميصه الذي لم يتجعد رغم طول اليوم، واضعًا يديه في جيوبه بوقفةٍ توحي بالسيطرة المطلقة كما حال شخصيته الظاهرة!
كان تميم يستعد للرحيل، يفتح باب سيارته بعنفٍ يعكس غليانه الداخلي، لكن صوت أخيه الهادئ استوقفه دون أن يلتفت إليه:
"مش ناوي تبارك لنفسك يا تميم؟ النهاردة كان أول يوم تظهر فيه كمدير بجد.. مش مجرد أخ فيصل السعدون"
توقف تميم يسند يده على باب السيارة ثم التفت لينظر لظهر أخيه بضيق:
"أنا مسيطر على شغلي يا فيصل، ومش مستني تقييم منك.. أنا عملت اللي عليا عشان المشروع ينجح، مش عشان أثبتلك حاجة"
استدار فيصل ببطء، وعلى وجهه تلك الابتسامة الرمادية التي لا تعرف إن كانت فخرًا أم سخرية، مشى خطوات هادئة نحو أخيه، وتوقف على مسافةٍ تسمح له بقراءة ملامحه في ضوء كشافات الموقع البعيدة.
"ومين قال إني بقيمك؟ أنا مستمتع.. مستمتع بتمردك ده أوي، النجاح طعمه بيبقى أحلى بكتير لما بتاخده من حد بيحاول يكسرك، مش كدة؟"
ضيق تميم عينيه، واقترب خطوة من أخيه ونبرة صوته ممتلئة بالحدة:
"أنت مريض يا فيصل.. بجد مريض، أنت عايز تقنعني إن كل اللي عملته فيا الفترة اللي فاتت، من أول ما قفلتلي الكافيه لحد ما جرجرتني هنا، كان خوف عليا؟ أنت بتمثل دور العدو عشان تخليني أنجح؟ دي طريقة ملتوية زيك.. مفيش أخ بيعمل في أخوه كدة"
لم ينفعل فيصل بل ظل محتفظًا ببروده القاتل، ورفع يده ليشير نحو الظلام المحيط بهما:
"العالم اللي إحنا فيه ده مبيفهمش لغة الطبطبة يا تميم، لو كنت سيبتك تعيش في وهم الكافيه الشيك والصحاب المزيفة، كان أول حد هياكلك هو السوق نفسه، أنا معملتش فيك حاجة.. أنا بس شيلت من تحتك العوامة وسيبتك تعوم في الغريق، والنهاردة أثبت إنك بتعرف تعوم.. وبتعرف تخطف العين كمان.. وبعدين أنا مدمرتش الكافية بتاعك ولا عملت فيه حاجة بس مش مطلوب مني اثبتلك حاجة زي دي، فأنت حر!"
سخر تميم وهو يهز رأسه بيأس:
"أثبت إيه؟ إني بقيت نسخة منك؟ إني وقفت قدامهم بأسلوبك المستفز عشان أثبت للمشروع؟ أنت عايز تطلع مني فيصل صغير.. زي ما أبوك طلع منك عزيز الصغير، أنا مش هكون كدا"
ضحك فيصل بخفوت، ضحكة جافة لم تصل لعينيه:
"أنت عمرك ما هتكون نسخة مني.. أنت أضعف بكتير لأنك لسه بتهتم، لسه بتهتم بنظرات حواليك، وبيصعب عليك الناس وبتهتم وبكلمة الناس، أنا علمتك إزاي تمسك الخيوط، لكن إزاي تحركها من غير ما صوابعك تترعش.. دي لسه قدامك فيها كتير"
صمت تميم لثوانٍ، كان يتنفس بسرعة، يحاول كبت رغبة عارمة في الصراخ، ثم قال بمرارة:
"أنا وافقت على اللعبة دي عشان أثبت لنفسي إني أقدر.. مش عشان أكون زيك، واليوم اللي هخلص فيه المشروع ده، هيكون اليوم اللي هخرج فيه من سجنك يا فيصل.. للأبد"
هز فيصل رأسه ببطء، وكأنه يشفق على براءة أخيه:
"السجن الحقيقي هو إنك تكون ضعيف في عالم مبيحترمش إلا القوي، روح يا تميم.. روح ارتاح، بس خليك فاكر، المنافسة الحقيقية لسه مبدأتش وافتكر إن رائد العزمي مش الشخص اللي بيسيب حاجة عجبته بسهولة.. والشغل في الساحل محتاج قلب ميت.."
الجميع اليوم لاحظ محاولات تلطيف الأجواء بين رائد وسجى، لذلك رمى فيصل تلك الكلمات له بسمٍ كأفعى، حتى لا يحاول الآخر أن يترك ما يود!
ركب تميم سيارته، وأغلق الباب بقوة كادت تحطم الزجاج، دور المحرك وانطلق بسرعة جنونية، مخلفًا وراءه سحابة من الغبار غطت وقفة فيصل الثابتة.
ظل فيصل مكانه يراقب أضواء سيارة أخيه وهي تتلاشى في الفراغ، أخرج هاتفه من جيبه، ونظر إلى شاشته.
لم يكن هناك فخر ظاهر على ملامحه، إنما كان هناك نوع من الرضا البارد؛ رضا الصياد الذي يرى صيده ينمو ويشتد عوده.
اهتز الهاتف في يده برسالة جديدة.. كانت من ميار
«المطعم اللي طلبته اتحجز الساعة 11.. أنا جاهزة ومستنياك»
تغيرت نظرة فيصل قليلًا، مالت نحو الاسترخاء المشوب بالسيطرة، ضغط على الحروف ببرود:
— "ساعة وأكون عندك.."
وضع الهاتف في جيبه، والتفت ليلقي نظرة أخيرة على الموقع، كان يرى في هذا السواد إمبراطوريته التي يبنيها، حجرًا فوق حجر، ونفسًا فوق نفس.
ركب سيارته وانطلق بهدوءٍ تام عكس جنون أخيه، تاركًا الموقع خلفه ليحلم بالخرسانة والحديد، بينما كان هو يخطط لـ "عشاءٍ" آخر، لا يقل في صراعاته عن صراعات هذا اليوم الطويل.
ـــــ
اختار فيصل طاولة في الزاوية، تطل على النيل من وراء زجاجٍ عازل
كانت ميار تجلس أمامه، تتألق بذلك الفستان الأسود الأخاذ، جمالها كان ناعمًا لكنه يحمل في طياته قلقًا من هذا الغريب أمامها، كانت تعبث بطرف كأسها، وتراقب فيصل وهو يقطع قطعة اللحم بهدوء مبالغ فيه
_"الجو هنا مريح.. كان لازم نخرج من ضغط المكتب شوية"
قالت ميار وهي تحاول كسر حاجز الصمت الذي يتقن فيصل بناءه حوله، رفع فيصل نظره إليها، عيناه كانتا تحملان ذلك البرود الذي يجذبها ويخيفها في آن واحد.
لم يرد فورًا بل انتظر حتى مضغ لقمته ومسح فمه بالمنديل الورقي برقة.
"المكتب مكانه المكتب يا ميار، هنا الوقت ليا.. وليكي"
ابتسمت ميار لكن ابتسامتها لم تدم طويلاً وهي تتذكر أوراقًا كانت قد اطلعت عليها قبل خروجها، مالت بجسدها قليلًا نحو الطاولة، وخفضت صوتها بنبرة مشوبة بالحذر:
"فيصل.. وأنا براجع عقود الموردين النهاردة، لفت نظري بند في شركة نورهان، فيه ثغرة في مواصفات الحديد.. الكميات اللي هتنزل الساحل في المرحلة الأولى مش هي اللي في المقايسة الرسمية، لو حد من الرقابة أو حتى ماجد فوزان خد باله، الموضوع ممكن يقلب قانونيًا بجد"
توقف فيصل تمامًا عن الحركة، ووضع الشوكة والسكين على الطبق ببطء شديد أحدث رنينًا خفيفًا جعل قلب ميار يخفق، نظر إليها بنظرة حادة، خالية من أي مشاعر عاطفية، وكأنه يراها الآن في جدية عمل لا نقاش فيه!
"إحنا هنا عشان نتعشى يا ميار.. مش عشان نفتح ملفات الشركة"
نطق بكل كلمة بحزم يشبه طرق المسمار في الخشب دون رحمة، بلعت ميار ريقها، وحاولت تدارك الموقف:
"أنا بس خايفة عليك.. الساحل مشروع عمرك، ونورهان مش مضمونة، أنت عارف إن اللي بتعمله ده فيه مخاطرة لو.."
قاطعها فيصل وصوته أصبح أكثر انخفاضًا وصرامة:
"ميار.. مسمعتيش اللي قولته؟"
ساد صمت ثقيل كانت أنفاس ميار مسموعة وهي تراقبه، وضع فيصل يده فوق يدها المرتعشة على الطاولة، لكن لم تكن لمسة حب، بل كانت لمسة سيطرة، تذكير دائم بمن يملك زمام الأمور.
_"القانون ده للي بيمشوا جنب الحيط، السعدون هما اللي بيبنوا الحيطة دي.. وماجد فوزان شغال عندي، يعني يشوف اللي أنا عايز أشوفه بس، الكلام ده ميتفتحش تاني.. لا هنا ولا في المكتب... مفهوم؟"
أومأت ميار برأسها بصمت، وشعرت برغبة في سحب يدها لكنها لم تفعل، كانت تنجذب لهذه القوة، لهذا الرجل الذي لا يهتز أمام خطر، لكنها في الوقت نفسه كانت تشعر بضآلتها أمامه.
هو يراها ملكيته الخاصة طالما أنها لا تتدخل في شؤونه المظلمة وكان هذا هو أسلوبه الوحيد في الحب
عاد فيصل لوضعه الطبيعي، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الباردة وكأن شيئًا لم يكن.
_"كلي يا ميار.. الأكل هيبرد"
"ماليش نفس أوي.."
همست وهي تنظر لطبقها
_"لازم يكون ليكِ نفس، وراكِ بكرة شغل كتير، ومحتاجك تكوني بكامل تركيزك"
نظرت إليه وكانت ملامحه تحت ضوء الشموع الخافت تبدو كتمثال منحوت بدقة، سألت بصوت مهزوز بعض الشيء:
"هو اللي بيحصل بينا ده ايه يا فيصل، حب يعني ولا اعجاب؟ ولا أنا مجرد شيء صغير في الحياة الكبيرة بتاعتك؟"
ترك فيصل كأسه ونظر في عينيها مباشرة، لثوانٍ طويلة جعلتها تشعر بالارتباك، ثم أردف:
_"الحب رفاهية يا ميار.. وأنا مبحبش الرفاهية، أنا بحتاجك، وبقدر وجودك، وبحمي وجودك ده، وده أكتر بكتير من اللي أي حد تاني ممكن يقدمهولك"
أرادت أن تعترض، أن تقول إنها تريد كلماتٍ أبسط، مشاعر حقيقية لا تشبه صفقات العمل، لكنها سكتت.
أدركت في تلك اللحظة أن "فيصل السعدون" لا يُعطي إلا ما يريد هو، وبالطريقة التي يراها مناسبة.
انتهى العشاء بحديث عابر عن تفاصيل تافهة، تعمد فيصل طرحها ليقود الحوار بعيدًا عن أي منطقة ملغومة، وعندما وقفا للمغادرة، وضع يده على ظهرها بلطف، يوجه خطواتها نحو الخارج.
كانت ميار تسير بجانبه، تشعر بالأمان في كنف قوته، وفي الوقت نفسه تشعر بالخوف من ذلك الرمادي الذي يغلف قلبه، والذي قد يبتلعها في أي لحظة إذا ما حاولت الخروج عن النص الذي رسمه لها.
خرجوا إلى هواء النيل البارد، وفيصل يقبض على كفها بقوة، تمامًا كما يقبض على مصير مشروعه في الساحل، بل وكل شيء في حياته وكأن العالم كله بالنسبة له ليس سوى لعبة سيطرة،
أما بالنسبة لميار.. هي الجولة التي لا يريد أن يخسرها أبدًا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات