📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الثامن 8 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الثامن 8 بقلم آية احمد عرفة




ظل البراء

آية أحمد عرفة

ــــــــــــــــــــــ

خطّت عتبة ذلك البيت، شعرت كأنّها تخطو خارج عمرٍ كاملٍ وتدخل في آخر.
بيتٌ لا تعرف جدرانه، ولا تحفظ صدى الخطوات فيه، بيتٌ لا يحمل رائحة طفولتها ولا ذكرياتها…
ومع ذلك، كان عليها أن تسكنه، وأن تسكن قلب رجل لم تهدهد له روحًا ولا خفَق لها نبضًا يومًا.

لم يكن المكان غريبًا فحسب…
كانت هي الغريبة فيه،
غريبة عن نفسها، عن قرار لم تختره، وعن حياة تُفتح أمامها بابًا واسعًا لا تدري ماذا يخبّئ خلفه.

ومع كل هذا…
دخلت.
أجبرت قلبها على الهدوء، وجمعت بقايا قوتها،
فليست كل البدايات تُختار…
لكن بعضها يكون هو الطريق الذي يكتب الله فيه الخير، ولو بدأ بثقلٍ ووجع.

اغلقه باب الشقة، فبادرتها مفيدة وهي تتفحّص ملامحها بابتسامة حانية تزين ثغرها:
"ألف مبروك يا عروسة… نورتي البيت."

ابتسمت بهدوءٍ خافت، محاولة أن تُخفي رجفتها الداخلية:
"الله يبارك فيكي."

أخذها براء برفق، ودلفا إلى غرفتهم الجديدة. أغلق الباب خلفهما، ثم التفت إليها ببطءٍ وهو يرمقها بنظراتٍ هادئة، كأنّه يحاول قراءة ما يدور في أعماقها. لاحظ ارتجاف يديها وهي تفركهما في توترٍ لا تخطئه العين. كانت أنفاسها متلاحقة، وروحها معلّقة على حافة الخوف.

وقبل أن يطمئنها، قطعه طرقٌ خفيف على الباب اقترب وفتحه، فإذا بأخته تحمل صينية مليئة بالطعام. أخذها منها شاكرًا، ووضعها على الطاولة الصغيرة داخل الغرفة. أما أميرة فقد أغلقت الباب ورحلت، ليعود هو بنظرةٍ أكثر هدوءًا، محاولًا أن يبث الطمأنينة في قلب سكن القَلِق.

قال بنبرةٍ رخية:
"أنا هسيبِك خمس دقايق لحد ما تغيّري هدومِك."

ثم أشار بيده نحو أحد الدرف:
"دي درفتِك… أختي سندس وأميرة رصّوا حاجتك فيها."

قال ذلك وغادر الغرفة دون أن ينتظر منها ردًّا. وما إن أُغلق الباب حتى جلست فوق السرير لا تدري من أين تبدأ. شعورٌ خانق غطّى صدرها؛ وجوده معها تحت سقفٍ واحد أثقل روحها كأنّها تُسحَب من بين ضلوعها. زفرت بضيقٍ شديد، ثم نهضت ببطء وبدأت تبدّل ثيابها، وكل خلية فيها تتمنى ألّا يدخل الآن.

ـــــــ

وفي غرفةٍ أخرى… كانت هند تجلس شاردة حين انفتح الباب ودلف منه براء. لم تكن تتوقع ظهوره في ليلةٍ كهذه، فهبّت واقفة واقتربت منه وقد ارتسمت على وجهها ملامح الحزن المصطنع بدهاء.

قالت بصوتٍ مكسور تمثله بإتقان معهود:
"براء… أنا مش مصدّقة نفسي إنك جيت تشوفني… انت مش عارف قلبي وجعني قد إيه… مكنتش أعرف إني بحبّك أوي كده."


أخذ نفسًا عميقًا وأبعدها قليلًا، ثم احتوى وجهها بين يديه قائلًا:
"هند… متعمليش في نفسك كده. وأنا مهنّش عليّا أسيبك من غير ما أطّمن عليكي. بس انتي عارفة أسباب الجوازة."

نظرت إليه محاولةً الضغط على مشاعره:
"لو طلبت منك طلب… توافق عليه؟"

هزّ رأسه بالإيجاب، فوضعت يدها فوق صدره، وتابعت بنبرةٍ متوسّلة:
"خليك معايا… الليلة دي بس، عشان خاطري. وافق… أنا محتاجاك أوي."

ثم عانقته من جديد، تكمل بنبرةٍ جارحةٍ في موضعها:
"لو ليا خاطر عندك… تفضل معايا الليلة دي… أرجوك."

تنهد باستسلامٍ موجوع؛ قلبه يرفض تركها هكذا. وأخيرًا قال:
"هفضل معاكي… أهم حاجة متزعليش."

ابتعدت قليلًا وهي ترمقه بنظراتٍ يملؤها الانتصار:
"مش هزعل طبعا… مادام هتفضل معايا."

أسرعت نحو الدولاب، وأخرجت له ملابس، وضعتها في يده:
"غيّر هدومك يا حبيبي… وأنا هروح أجيب العشا ناكل سوا. أنا النهارده من كتر حزني مكلتش حاجة… بس خلاص نفسي اتفتحت."

قالت ذلك وغادرت الغرفة، تاركةً إيّاه ينظر إلى أثرها، وعقله يشغل تفكيرًا في سكن… يلوم نفسه كيف وافق؟ كيف وضعها في موقفٍ كهذا في أول ليلة؟ انهيارٌ داخلي ابتلعه وهو يدرك أن زواجه سيتطلب تنازلات كثيرة ليحاول التوازن بين الطرفين.

ـــــ

أما سكن… فقد جلست على السرير بعد أن بدّلت ملابسها إلى منامة بسيطة. ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وعلّقت نظراتها المتوترة على باب الغرفة، كأنّها تنتظر حكمًا سيقع عليها، لا زوجًا يدخل عليها. شعرت أنّ هذه الليلة ليست ليلة زفافها… بل ليلة إعدام روحها.

بقيت على حالها، تهمس في داخلها دعاءً خافتًا ألّا يأتي… فهي لا تطيق حتى النظر في وجهه.

ـــــــ

آهٍ من قلبٍ أُجبِر على طريقٍ لم يختره…
طريقٌ فُرض عليها كما تُفرض الليالي الثقيلة، لا تملك منه فكاكًا ولا خلاصًا.
هي اليوم تمشي فيه وهي ترتجف، ترفضه بداخلها، وتُبعد عن قلبها أي خاطرةٍ قد تُلينه.

لكن… من يعلم الغد؟
فالقلب الذي يخاف قد يحب،
والروح التي تُجبَر قد تجد راحتها يومًا في صدرٍ لم تتوقعه.

ما أجبرها القدر عليه اليوم،
قد يكون هو نفسه الباب الذي يفتح لها غدًا دفئًا لم تعرفه من قبل.
فالله أعلم بما يخبّئه الغد…
ولعلّ القلب الذي يقاوم الآن،
يُسلِّم نفسه للحبّ حين يأتي أوانه.

ــــــــ

دلفت فتاة إلى داخل العمارة الهادئة بحيّ الزمالك، حيث كانت الشقة في الطابق الثاني تكاد تسكنها السكينة. في الداخل، كان جالس على الأريكة واضعًا الحاسوب على ساقه، يعمل في تركيز شديد، فمعظم عمله يُنجَز من المنزل لتمكنه الواسع من عالم التكنولوجيا.
وبينما كان غارقًا في شاشته، قطع حبل أفكاره طرقات متتالية على الباب، كأن الطارق يستغيث
أو يترجّى.


وضع الحاسوب جانبًا ونهض مذعورًا، خطواته سريعة نحو الباب، وما إن فتحه حتى اندفعت فتاة إلى الداخل دفعة واحدة، كأنها رياح اقتلعها الخوف.

رمقها بنظرات يملأها عدم الفهم، قلبها يهبط ثم عاد يخفق بقوة؛ فقد بدا عليها أنها تركض منذ وقت طويل.
حدّق فيها مذهولًا، غير قادر على استيعاب جرأتها.

كانت ترتدي فستانًا أبيض، دليلًا واضحًا على أنها عروس هاربة من زفافٍها، وقد لُفّ حجابها حول رأسها بطريقة مرتّبة رغم اضطرابها.
أما عيناها، فكانتا مذعورتين، كأنها فارّة من شيء لا يُوصف إلا بالوحشية.

قال أخيرًا، محاولًا لملمة صدمته:
"أنتي مين؟ وإزاي تدخلي بيتي كده؟"

فتحت شفتيها لتجيب، إلا أن طرقًا عنيفًا دوّى على الباب، فانهمرت عبارتها، ونظرت إليه برجاء يخالطه فزع:
"أرجوك… قولّهم إني مش هنا… أرجوك."

لم تنتظر موافقته، بل ركضت نحو إحدى الغرف واختفت داخلها قبل أن تمنحه لحظة للرد.
عاد الطرق بعنف مرة أخرى. مرّر يده بعصبية في شعره، يبعثره، ثم اقترب وفتح الباب.

كانا شابين، مظاهرهم لا تبشر بخير على الإطلاق.
ابتلع ريقه قبل أن يقول بتوتر خفيف:
"نعم؟"

سأله أحدهما بنبرة فظّة:
"في بنت جت هنا؟"

تظاهر بالنوم ببراعة، كأنه اعتاد هذا النوع من المكر منذ زمن، ثم تثاءب متضجرًا:
"بنت مين؟! إنتوا جيتوا خبّطتوا عليا وصحّيتوني مفزوع…"
ثم أردف بحدة واضحة:
"عشان تسألوني عن بنت؟! إنتوا مجانين ولا إيه!"

تبادل الشابان النظرات، ثم اعتذر أحدهما على مضض، وانصرفا.

أغلق الباب وأسنَد ظهره إليه متنهّدًا، كمن نجا من مأزق غير مفهوم.
في تلك اللحظة خرجت الفتاة من الغرفة على أطراف أصابعها نعم، كانت حافية القدمين، وهي تسأله همسًا، وعيناها ما تزالان تبحثان عن الأمان:
"مِشِيوا؟"

ردّ ساخرًا وهو يرفع حاجبًا:
"لأ… خَبّيتهم تحت الكنبة."

تجهم وجهها وزمت شفتيها بضيق واضح:
"متشكّرة لكرم أخلاقك… عن إذنك بقا، أمشي."

قالتها بجدية جعلته يرفع يده محاولًا إيقافها:
"هو أنا ليه حاسس إن دي الكاميرا الخفية وأنا مش واخد بالي؟"
ثم تابع بنفاد صبر:
"أنتي فاكرة إنهم مشيوا بجد؟! أنا واثق إنهم واقفين تحت مستنيينك… عشان حاسين إنك عندي."

كلماته جعلتها تلتفت فورًا نحو الشباك، وركضت إليه لتزيح الستارة قليلًا.
نظرت للأسفل، فاتسعت عيناها حين تأكدت من صدق حديثه؛ فقد كانا يقفان بالفعل ينتظران.

التفتت إليه بنبرة اعتذار منكسر:
"أنا آسفة… اتسببتّلك في مشكلة."

هزّ رأسه بهدوء، وإن لم يخفِ فضوله:
"مين دول؟ وإيه اللي بيجروا وراكي؟"
ثم نظر إلى قدميها الحافيتين:
وليه أنتي حافية؟"
أردف بضيق لم يستطع إخفاءه:
"حافية… ودخلتي أوضتي كمان… ورجلك أكيد متربة من الشارع."
ثم ضرب كفًا بكف وقال بعصبية خفيفة:
"آه… عارفة؟ لو مكنتيش بنت كان زماني رميتك من الشباك!"

ثم وضع أمامها شبشبًا وهو يتابع:
"البسيه."

ارتدت الشبشب، وقد بدت قدماها الصغيرتان داخل حذائه الواسع، ثم وقف هو وعاد إلى الأريكة. ظلّ يرمقها مطولًا، فهي لم تتحرك من مكانها.
قال بنفاد صبر:
"ما تقعدي!"

أجابته بخجل بعض الشئ:
"إنت مش قولتلي أقعد… فافتكرت إنّي غير مرحّب بيا هنا."

صفع كفه بكفه الآخر مرة أخري وقال بنفاد صبر:
"حتى لو مش مرحّب بيكي… هنزّلك إزاي وهما تحت؟"
ثم رمقها بعدم تصديق:
"وكمان مستنياني أأذنلك عشان تقعدي؟! ده إنتي دخلتي الشقة غصبانية!"

ضحكت، ضحكة خفيفة عقب حديثه، ثم تقدمت وجلست على الأريكة بجانبه قائلة:
"كنت مضطرة… أعمل إيه؟"

نظر إليها باهتمام لا يخلو من القلق:
"كنتِي بتهربي منهم ليه؟"

رمقته بنظرة حذرة:
"بتسأل ليه؟"

قهقه على سذاجتها:
"عشان إنتي في بيتي!"

تنهدت كأنها أدركت أنه محق، ثم سحبت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة ارتجافها:
"النهارده كان…"

قاطعها:
"فرحِك. معروفة، مش محتاجة نباهة."

قالت بصوت مكسور:
"اكتشفت إنه بيتاجر في المخدرات… إزاي كنت هكمل؟! ولما واجهته… ما أنكرش حتى."

هز رأسه بتفهّم ممزوج بالاستياء:
"ما قولتيش لحد من أهلك ليه؟"

انهمرت عبارتها فور ذكر أهلها، فعاد ينظر إليها في حيرة. همست بصوت متقطع:
"أنا مليش حد… ماما وبابا متوفيين."

ساد الصمت لحظة، ثم قال بنبرة هادئة:
"ليكي ربنا."

مدّ منديلًا نحوها، فتناولته وشكرته بصوت خافت:
"ونعما بالله."

ولكي يخفف عنها، قال محاولًا تغيير الأجواء: "أويس."

نظرت إليه باستغراب، فابتسم قليلًا وهو يوضح:
ـ "اسمي… اسمي أويس."

هزت رأسها بتفهم:
"اسمك غريب… وحلو في نفس الوقت."

ابتسم بثقة لم يخفها:
"عشان مميز."

بادلت ابتسامته بخجل دافئ، ثم قالت:
"اسمي رقية."

قالت هكذا وهي تمد يدها نحوه، ابتسامة هادئة ترتسم على وجهها، لا تحمل سوى البراءة الظاهرية، غافلا تمامًا عن نواياها الداخلية، التي ستغير مجري حياته بالكامل، وربما دون أن يدري، قد يكون مصيرها وكأنها تحمل ثقتها المطلقة في قدره، نظر الي يدها ليصافحها، وفيها وقع كل شيء: بداية لقاء، ونهاية لحظة أمان مزيفة، وبوادر محفوفة بالخطر حوله لكنه لم يشعر بها بعد.

التقيا يدًا بيد، مصافحة بسيطة على ظاهرها، لكنها في طياتها كانت تحمل ما لا تُدركه، فهذه الفتاة، بهدوئها الظاهر وبراءتها الملفتة، ستكون سببًا لاحقًا لهلاكه، ولبداية سلسلة أحداث لم يكن يتخيلها قط.
3

ــــــــــ

دلف أيوب إلى الشقة، ليلمح والدته ما زالت جالسة،
اقترب قائلا: أيه، لما مصحيكي يا ست الكل لغاية دلوقتي؟
لتنظر إلي بعينين ممتلئتين بالقلق والحنو، لتجيب: "عاوزني أنام وانت برا؟ قلبي مش يطاوعني."
3

عجيب أمرك، أيتها الأم... خائفة على ابنك لأنه قد تأخر بعض الشيء، وماذا عن الآخر؟ ذلك الذي لا تسألين عنه، ولا تمنحين له أي اهتمام، ماذا عنه إذن؟

فهو أيضًا ابنك، لكنك… تحالفتِ مع الآخرين، وتركته يواجه غابة الحياة وحده منذ أن كان طفلاً. تركتيه في عالم قاسٍ، وأنتِ هناك، متفرجة، تختارين من تحمي ومن تهمل، وكأن قلبك لم يُقسم على الجميع، بل انتقائي في حبه، يفيض على من تشاء ويجف على من تشاء.

أين كنتِ حين كان يبحث عن يد تمسكه، عن كلمة طيبة، عن دفء أمان… لكنه وجد الصمت والغياب، ولم يجد إلا الظلال التي تلاحقه في كل زاوية من زوايا طفولته. وأصبح يتعلم مبكرًا معنى الصراع، معنى الاعتماد على النفس، معنى أن تكون وحيدًا وسط عالم يطغى فيه الأقوياء على الضعفاء.

وعلى الرغم من كل شيء، ما زال يحمل قلبًا نقيًا، رغم الجروح التي نسجت له منذ الطفولة، رغم الوحدة التي أصبحت رفيقه الدائم. وأنتِ، يا أمه، ما زلتِ، تخشين على ابن واحد تأخر قليلًا، بينما الآخر يكافح وحده منذ الصغر، يتعلم من الحياة أقسى دروسها… وحده.
ـــــــــــ

في قلب منزل الزيني، كان حمزة يجلس في غرفته، عيونه تتنقل بخفة وتوتر بكل مكان.

أما مهاب، فجلس على فراشه يعبث بالهاتف

نهض حمزة وهو يسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة، خطواته متوترة، كل حركة منه تعكس حيرته وقلقه، وعيناه لا تفارقان مهاب لحظة واحدة.

قال مهاب بنفاد صبر وهو يرمقه بنظرة متفحصة:
"في ايه؟ اقعد خيلتني..."

توقف فجأة، وعيناه تتجهان إلى مكان آخر، يتجنب الاتصال البصري كعادته، ثم رفع إصبعه، مشيرًا بضيق:
"أنا عاوز أنام ومش هعرف أنام في النور."
1

كانت كلماته قصيرة، حادة، لكنها صادقة، تعكس عالمه الداخلي المليء بالحساسية الشديدة للتقارب والضوضاء. اقترب مهاب بخطوات هادئة، يريد أن يطمنه، لكن حمزة تراجع بجسده إلى الخلف، محاولةً الحفاظ على مسافة أمانه، وكأن أي تلامس جسدي قد يهدد توازنه النفسي.

مهاب توقف قليلاً، عينيه تحاول فهم ردة فعل حمزة، ثم تراجع هو الآخر برفق ليجلس مرة أخري على السرير، قائلاً:
"تمام يا حمزة، بس أعمل حسابك أنا مش هنام دلوقتي، اتصرف ونام في النور بطل دلع "
1

جلس حمزة بعد لحظة، عيناه على الأرض، يلتقط أنفاسه بصعوبة، كمن يحاول ترتيب أفكاره في عالم يختلف عن العالم المحيط به، عالم يحتاج فيه لكل ضوء، لكل مسافة، ولكل حركة مساحة من السيطرة والراحة.

نهض فجأة وغادر الغرفة، رمق مهاب للحظة، أثره يلازمه في كل حركة، لكنه لم يعره اهتمامًا كبيرًا، فهو كان غارقًا في هاتفه، يعبث به بلا هدف، كمن يحاول طرد الوقت قبل أن ينام دون أن يدرك أثر ما حدث مع أخيه.

أما حمزة، فوقف في الصالة متجمدًا، لا يعرف إلى أين يذهب. كان يفكر أن يذهب إلى براء ويشكو له، لكنه تردد؛ كيف يزعجه في ليلة كهذه؟ وكيف يزعج والدته وأخته أيضًا؟ كل شيء حوله كان يبدو معقدًا وثقيلاً، وكأن كل خطوة تحتاج تفكيرًا مضاعفًا.

جلس أخيرًا على الأريكة، يحدق في ساعة يده كل ثانية وثانية، يحاول أن يجد طريقة للنوم، لكن ذهنه المضطرب لا يهدأ. لم يعرف أن يغفو سوى على سريره، وفكرة أن ينام على الأريكة كانت صعبة للغاية على شخصا بمثل حالته.

بعد لحظات من الضيق، نهض حمزة بهدوء، وخرج من الشقة بأكملها.

أما مهاب، فظل يجلس على  سريره، يعبث بهاتفه بهدوء، دون أن يشعر بما تركه وراءه أخوه، دون أن يفكر في المكان الذي ذهب إليه، أو كيف سيعود إليه وقد استغرقق في النوم منفصلًا عن أي شعور بالمسؤولية أو القلق تجاه أخيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

تفتكروا رقية عاوزه إيه؟
حمزة راح فين؟

طبعاً ليه عنوان الفصل اسمه "البداية" ؟



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات