رواية ست قوارير الفصل السابع 7 بقلم امينة محمد
الفصل السابع |ست قوارير|
|تحالف غير متوقع|
حين تُقرر دخول عشِّ الأفاعي
فلا تدخل بصفتك فريسة
إنما بصفتكَ السمَّ الذي يخشونه
وقف تميم أمام المرآة الطويلة في غرفته، يُحكم ربطة عنقه الرمادية بدقة متناهية، تلك الربطة التي تشابهت بالطوق الذي قرر أن يضعه حول عنقه طواعية ليخنق به "الفتى المستهتر" الذي كانه بالأمس
لم ينم ليلة أمس فكانت عيناه تحملان إجهادًا وارته هيبة البذلة الرسمية السوداء التي ارتداها لأول مرة منذ سنوات، قضى الليل بطوله يقرأ، يُحلل، ويحفظ أرقامًا ومعلومات مسربة من أرشيف الشركة القديم الذي كان يملك كلمة مروره بالصدفة.
دخوله إلى عرين فيصل يعني أن يكون مستعدًا للقتل بدم بارد، مجازيًا بالطبع، أو أن يُؤكل حيًا.
أخذ نفسًا عميقًا، ملأ به رئتيه برائحة عطر فخم وثقيل، ثم تحرك للتقدم قدمًا نحو عمله الجديد، لم يعد هناك مجال للتراجع، فالجسور خلفه قد احترقت تمامًا مع آخر قطعة خشب في مقهاه.
ــــــ
ساد الصمت قاعة الاجتماعات الفاخرة بالطابق الأخير كان رؤساء الأقسام والمدراء التنفيذيون يجلسون حول الطاولة البيضاوية الضخمة، يتبادلون همسات قلقة ونظرات مترقبة.
الخبر انتشر كالنار في الهشيم؛ الابن الأصغر، الولد المدلل، سينضم للإدارة اليوم
على رأس الطاولة جلس فيصل السعدون، يراجع بعض الأوراق بلامبالاة مقصودة، وكأن الحدث لا يعنيه، لكن عقله كان يحسب الاحتمالات؛ هل سيأتي تميم حقًا؟ أم كانت ثورة غضب ليلية انتهت بالنوم؟
وعلى تفكيره المفرط فجأة انفتح الباب
كان دخوله بخطوات ثابتة، صوته حذاءه الرسمي يطرق الأرضية بثباتٍ وقوة، وقف الجميع تلقائيًا، ربما بدافع الفضول، أو بدافع الهيبة التي فرضتها هالته الجديدة.
تجاهل تميم العيون المتفحصة، وتوجه مباشرة نحو المقعد الفارغ على يمين فيصل، ثم سحب الكرسي وجلس بظهر مستقيم، واضعًا أمامه حافظة جلدية سوداء.
"صباح الخير"
قال تميم بصوت هادئ، واثق، خالي من أي تودد.
رفع فيصل نظره ببطء، وتفحص هيئة أخيه لوهلة، رأى فيصل انعكاسًا لنفسه في تميم، وهذا ما جعله يشعر بخطر ضئيل وغير مبرر.
"أهلاً بيك يا تميم"
قال فيصل بصوت رسمي، ثم أشار لمدير الموارد البشرية الذي سارع بتوزيع جدول الأعمال:
"بما إن دي أول تجربة ليك في بيئة عمل حقيقية، فكرت إنك تبدأ بحاجة خفيفة، عشان تفهم السيستم ماشي ازاي"
دفع فيصل بملف أزرق رقيق نحو تميم وأكمل شرحه:
"ده ملف إدارة الصيانة الدورية للمقرات الإدارية، ملف مهم، ومحتاج متابعة دقيقة"
كانت هذه هي -التحجيمة- ملف هامشي، يجعله مجرد مشرف على عمال النظافة والتصليحات، ابتسم بعض المدراء بخبث، وعلى رأسهم هشام، مدير التخطيط وأحد أذرع فيصل اليمين، الذي همس لزميله:
"جاي يلعب والباشا مش هيسيبه!"
نظر تميم إلى الملف الأزرق، ثم رفعه ببطء ووضعه جانبًا ببرود تام دون أن يفتحه حتى:
"شكرًا يا فيصل"
قال تميم، وعيناه مثبتتان في عين أخيه:
"بس أنا مجيتش هنا عشان أغير لمبات محروقة، أنا طلبت إدارة المشاريع، وده معناه إني عايز ملف مشروع الساحل الشمالي"
ساد صمت مطبق في القاعة، مشروع الساحل كان درة التاج لخطط الشركة هذا العام، مشروع بمليارات، وحيوي للغاية
ضحك هشام ضحكة قصيرة ساخرة لم يستطع كبتها وقال بنبرة متعالية:
"يا تميم بيه مشروع الساحل ده أكبر مشروع في الخطة السنوية، ده محتاج خبرة سنين في التعامل مع المقاولين والتوريدات، مش مجرد... حماس شباب"
التفت تميم ببطء نحو هشام كانت هذه هي اللحظة التي استعد لها طوال الليل
"أستاذ هشام مش كده؟"
قال تميم بابتسامة باردة:
"بما إنك جبت سيرة الخبرة والتوريدات، خليني أسألك سؤال بسيط."
فتح تميم حافظته الجلدية، وأخرج ورقة واحدة مطبوعة، وضعها في منتصف الطاولة:
"في تقرير الربع الأول اللي أنت قدمته لفيصل، مكتوب إن تكلفة توريد الأسمنت للمشروع زادت بنسبة ١٥٪ بسبب سعر السوق، بس الغريبة إن تقرير السوق الموازي لنفس الشهر بيقول إن السعر نزل ٥٪"
شحب وجه هشام فجأة، وتوقف عن الابتسام ثم نظر فيصل بحدة إلى الورقة، ثم إلى نادر الذي بدأ يتلعثم.
"ده... ده أكيد فرق في نوعية المورد يا باشا، إحنا بنتعامل مع..."
قاطعه تميم بصوت حاد كالسكين:
"إحنا بنتعامل مع المتحدة للتوريدات، وهي شركة حضرتك شريك فيها من الباطن باسم مرات أخوك، ولا دي كمان معلومة محتاجة خبرة سنين عشان نكتشفها؟"
في خلال ليلة كاملة لم ينمها، توصل بذكائه لعدة أمور كانت مخفية بشكل كبير عن الجميع هنا، مكائد لأصحاب المكائد، هكذا كان يخطط لدخول هذه الشركة!
شهقة مكتومة خرجت من الحضور، ضربة قاضية في أول خمس دقائق، تميم لم يكشف فسادًا فقط بل كشف أنه يعرف -دبة النملة- في هذه الشركة.
نظر فيصل إلى هشام نظرة كانت كفيلة بإنهاء مستقبله المهني، ثم عاد ونظر إلى تميم لأول مرة كانت نظرة فيصل تحمل شيئًا من الاحترام، ممزوجًا بالحذر الشديد.
لقد أثبت تميم أنه ليس شخصًا شغوفًا بتنظيم الحفلات وتافه وأنه يملك أنيابًا حقيقية.
"هشام اطلع برا!"
قال فيصل بصوت هادئ مرعب:
"ولينا حساب بعد الاجتماع"
خرج هشام وهو يجر أذيال الخزي، بينما عاد الهدوء المشحون للقاعة، ثم مد فيصل يده، وسحب الملف الأزرق، ثم أشار لمساعده بإشارة خفيفة.
جاء المساعد بملف ضخم ومغلف بعناية، ووضعه أمام تميم.
"مشروع الساحل يا تميم"
قال فيصل ونبرته تحمل تحديًا جديدًا
"المشروع ده فيه تعقيدات كتير المهندس الرئيسي شخصية صعبة جدًا واسمه ماجد فوزان، وهيبدأ في الشغل بعد 10 أيام من النهاردة، والافتتاح لازم يكون أسطوري عشان نغطي على أي تأخير"
وضع تميم يده على الملف الضخم، وشعر ببرودة الورق تحت أصابعه، لكن غطاها شعوره بحرارة الانتصار تسري في عروقه
"ما تقلقش"
قال تميم وهو يفتح الملف، وعقله يربط الخيوط ببراعة شيطانية:
"أنا عارف هتعامل مع ماجد فوزان إزاي قابلت كتير صعبين... وعندي الشخص المناسب لـ تنظيم الافتتاح"
في تلك اللحظة توجه عقله تفكيرًا في شخصٍ غامض سيُجمع به عما قريب وهو مهندس هذا المشروع بالكامل للمنتجع السياحي الذي سيكون من انشائهم جميعًا في القريب، وكان يرى سجى الفتاة التي وعدها بفرصة، ووعدته هي بالنهوض.
هكذا وبضربة واحدة أمسك تميم بخيوط اللعبة، دون أن يدرك أنه بطلبه لهذا المشروع، قد جمع كل "الضحايا" في ساحة واحدة، لتصفية حسابات قد تحرق الجميع.
ـــــــــــــ
لا يعود الماضي ليطرق الباب مُستأذنًا بل يخلعهُ خلعًا مُعتقدًا أن مرور الوقت يمنحُ الجلاد صكَّ الغفران، بيد أن الضحيةَ التي شُيدت من رماد الخذلان، لم تعد تمتلك دمعًا لتذرفه، ولا قلبًا لتفتحه؛ فبعض الأبواب حين تُغلق، لا يُفتح خلفها سوى الجحيم البارد.
شبحٌ من لحم ودم!
كانت عقارب الساعة المعلقة على الحائط الرمادي في مكتب ماجد تتحرك برتابةٍ قاتلة، تُشبه دقات قلبه التي باتت وظيفية بحتة، تضخ الدم ليبقى الجسد حيًا دون أن تحمل معها أي شغف يُذكر.
غرق ماجد في بحر من المخططات الهندسية المعقدة لمشروع "الساحل الشمالي"، ذلك المشروع الضخم الذي فازت شركته بمناقصة تنفيذه مؤخرًا، هكذا وضع حياته وسط العمل فقط، حيث لا خيانة به، ولا تفكير سام
فقط عمل!
كان في ذلك الوقت حينها فقط يفكر بتسبيح وعلى حين غرة وجد نفسه يكتب اسمها لتكون المهندسة المشرفة معه مجددًا بعدما ينتهيا من هذا المشروع ليكون المشروع التالي هو مشروع الساحل الشمالي الذي سيجمعهما سويًا مجددًا!
كان المكتب واسعًا باردًا بفضل أجهزة التكييف المركزية التي تعمل بأقصى طاقتها، صوت الورق المُقوى تحت أصابعه كان الصوت الوحيد المسموح له بكسرِ الصمت، حتى تلك اللحظة التي انفتح فيها باب مكتبه فجأةً، ودخلت سكرتيرته"منال" التي صاحبته في العمل لسنين طوال، كانت تلهث ووجهها شاحب وكأنها رأت شبحًا
"يا فندم.. أنا آسفة، حاولت أمنعها بس..."
لم تُكمل منال جملتها، إذ دُفِع الباب على مصراعيه بيدٍ تعرف طريقها جيدًا، يد كانت يومًا ما ترسم معهُ أحلامًا ورديةً، والآن عادت لترسم كوابيس واقعية.
تسمر ماجد مكانه ولم يرفع رأسه فورًا بل شم الرائحة أولًا؛ ذلك العطر الفرنسي النفاذ، مزيج الياسمين وخشب الصندل، الرائحةُ التي كانت عالقةً بأنفه وعقله لسنوات، والتي قضاها يحاول غسلها من ذاكرته بماء النسيان.
رفع عينيه ببطءٍ شديد ليجدها واقفة هناك
نورهان!
لم تكن نورهان التي عرفها، تلك الفتاة البسيطة الحالمة، كانت نسخةً مُعدلةً، نسخةً مليئة بالمال والسلطة، ترتدي بذلة نسائية بيضاء ناصعة، وحذاء بكعبٍ عالٍ يطرق الأرض بثقةٍ مستفزة.
شعرها مصفف بعناية، ووجهها يحمل ابتسامة دبلوماسية باردة، تخفي خلفها أنياب ذئبة خبيرة.
كيف تجرؤ؟ كيف تمتلك الوقاحة لتعود إلى مسرح الجريمة وكأنها لم تخونه وتشعلْ النارَ في قلبه؟
إنها تقف أمامي الآن، لا كنادمة، بل كندٍ له، تعتقد أن السنوات السبع كانت كفيلة بردمِ الهوة، غير مدركة أن الهوة قد اتسعت لتبتلع كل شيء.
أشار ماجد لسكرتيرته بالخروج بحركةٍ خفيفةٍ من يده، وعيناه لا تغادران وجه نورهان، أُغلق الباب، ليصبحا وحيدين في قفص المواجهة.
لم ينهض ماجد للترحيب ولم يمد يده، إنما ظل جالسًا خلف مكتبه الضخم، متحصنًا به كقلعة أخيرة
"ماجد فوزان"
نطقت نورهان اسمه بنبرة استفزازية مدروسة، وتقدمت لتجلس على المقعد الجلدي المقابل له دون إذن:
"المكتب شيك جدًا، ذوقك لسه زي ما هو.. بيميل للألوان الكئيبة."
نظر إليها ماجد بنظرة جوفاء، خالية من أي تعبير سوى القرف المكبوت.
”وإنتِ لسه زي ما أنتِ.. بتدخلي الأماكن اللي مش مرحب بيكي فيها"
قال ماجد وصوته خرج أجشًا باردًا كقطعة ثلج:
"عايزة إيه يا نورهان؟ ووفرّي المقدمات الاجتماعية لأن رصيدك عندي خلصان من سنين"
ضحكت نورهان بخفة، وهي تضع حقيبتها الثمينة على المكتب، وفوقها وضعتْ هاتفها الحديث.
"عملي جدًا.. ده اللي كان بيعجبني فيك"
قالت وهي تشبكُ أصابعها وتنظر إليه بتحدٍ:
"أنا جاية شغل يا بشمهندس، سمعت إن شركتك رسي عليها عطاء تنفيذ الإنشاءات في مشروع منتجع الساحل الخاص بمجموعة السعدون"
لم يُبدِ ماجد أي رد فعل، فواصلت هي بثقةٍ أكبر:
"أنا راجعة مصر بشراكة قوية مع مجموعة الرشيدي، ومعانا توريدات ومعدات مش هتلاقيها عند حد غيرنا، أنا جاية أعرض عليك كونسورتيوم -تحالف- شركتي تورد، وشركتك تنفذ، ده مشروع ضخم، ومحتاج تحالف قوي.. زي زمان"
ضغطت على كلمة "زمان" وكأنها تضغط على جرحٍ مفتوح، وعند هذه الكلمة شعر ماجد بغليانٍ داخلي، لكنه كبته ببراعة، هل تحاول استغلال ذكرى فريقهم القديم؟
الفريق الذي سرقت مجهوده وقدمته باسمها لتحصل على منحةٍ وتمويلٍ في الخارج؟
اعتدل ماجد في جلسته، ومال بجذعهِ قليلًا للأمام، وعيناهُ تلمعان بقسوةٍ مخيفة.
"زمان؟"
كرر ماجد الكلمة بسخريةٍ مريرة:
"أنتِ جاية تعرضي تحالف بناءً على إيه؟ على التيم الناجح اللي كنا فيه؟ التيم ده مات واندفن يوم ما قررتي تسرقي شقايا وتبيعيه لأول مشتري عشان تبني مجدك المزيف ده"
تغيرت ملامح نورهان قليلًا، وظهر التوتر في زاوية فمها، لكنها سارعت باستعادة قناع الثبات:
"يا ماجد بلاش نتكلم بعواطف، اللي حصل زمان كان طموح، يمكن الطريقة كانت غلط، بس النتيجة إننا إحنا الاتنين نجحنا، أنا دلوقتي صاحبة شركة، وأنت من أكبر المقاولين ومهندس شاطر له اسمه، خلينا نستفيد من بعض، البيزنس مفيهوش مكان للزعل الشخصي*
"ده مش زعل شخصي"
قاطعها ماجد بصوتٍ حادٍ كالسيف، ولأول مرة يرتفع صوته قليلًا ليملأَ الفراغ البارد:
"دي مبادئ.. كلمة أنتِ متعرفيش عنها حاجة، النجاح اللي مبني على سرقة، بيفضل سرقة مهما لمعتيه وخلتيه شيك"
وقف ماجد وطال قامتهُ ليُلقي بظله عليها، مشيرًا بسبابته نحو الباب.
"شركتي مبيشرفهاش إنها تحط اسمها جنب اسمك، لا في تحالف، ولا في توريد، ولا حتى في سلام لله، مشروعي في الساحل هينفذه رجالة بياكلوا الحلال، مش شوية حرامية!"
نظرت إليه نورهان بصدمة، لم تتوقع هذا الرفض القاطع، كانت تراهن على بقايا حبٍ، أو على طمع رجل أعمال، لكنها وجدت أمامها جدارًا حديدًا لا يخترق.
وقفت نورهان ببطء، ولملمتْ كرامتها المبعثرة، ثم تناولت حقيبتها، اختفت الابتسامة، وحلَّت محلها نظرة كراهيةٍ صافية.
"أنت لسه عايش في دور الضحية المثالية يا ماجد" قالت نورهان بفحيح هادئ وهي تتجه نحو الباب:
"بس خليك فاكر.. مشروع الساحل ده كبير، وفيه لاعبين كبار، الرفض ده هيكلفك كتير"
فتحت الباب ثم التفتت لـ تلقي بجملتها الأخيرة، الجملة المسمومة التي أرادت بها أن تترك ندبةً جديدة:
"هنتقابل في الموقع يا ماجد.. المناقصة لسه مخلصتش، ومجموعة السعدون لسه مأعلنتش القايمة النهائية للموردين وساعتها مش هتقدر تطردني من أرض الواقع زي ما بتطردني من مكتبك، أنا قولت بس اديك خبر عن وجودي"
خرجت نورهان وأغلقت الباب خلفها بقوة، ثم عاد ماجد ليجلسَ مكانه، جسده مشدود، وأنفاسه ثقيلة!
نظر إلى يده فوجدها تقبض على قلمه الرصاص بقوة جعلته ينكسر نصفين.
ألقى بحطام القلم في سلة المهملات، وأدرك أن الحرب التي ظن أنها انتهت منذ سبعِ سنوات، قد بدأتْ لتوها، وأن مشروع الساحل لن يكون مجرد موقع بناء سيعملون عبيه، بل سيكون ساحة معركة لتصفية حسابات قد تحرقُ الأخضر واليابس..
ستجمع بين أختين وشابين قويين، وأعداء كثر!
ــــــــــ
نحنُ لا نرث من آبائنا الملامح ولون العيون فقط، بل نرثُ أحيانًا الهزائم التي لم يعلنوا عنها، والخيانات التي ابتلعوها في صمت.
وحين تكون الملامح هي ذاتها ملامح الجلاد، يصبحُ الحب في عين الضحية نوعًا من العذاب، وتصبح النظرة في وجه الابن مواجهة يومية مع شبحٍ قَبَضَ الثمن ورحل.
لم تشرق الشمس في منزل يوسف هذا الصباح، أو هكذا بدا الأمر، كانت الإضاءة في المطبخ شحيحة، والجو مشحون، وكأن جدران المنزل قد امتصت حزن الليلة الماضية وبدأت تنفثه ببطء في الهواء.
كانت تسبيح تقف أمام الموقد، تعدُّ الشاي بهدوءٍ مبالغ وحركات متيبسة، عيناها كانتا مثبتتين على النار، لكن عقلها كان لا يزال محبوسًا داخل ذلك الصندوق الخشبي القديم، يقرأُ ويعيد قراءة وثيقةِ التنازل التي حطمت كل ما آمنت به.
على طاولة المطبخ الصغيرة، جلس يوسف، كان يرتدي جلبابه المنزلي، وكتفاه منحنيان وكأنهما يحملان سقف البيت المتهالك، لم يلمسْ كوبَ الشاي الذي وضعته أمامه تسبيح، بل كان يحدق في الفراغ، هاربًا بذاكرتهِ إلى زمنٍ آخر.
دخلتْ سلسبيل إلى المطبخ، وكانت خطواتها مترددة خائفة، تشبه خطوات طفلٍ ارتكب خطأً فادحًا ويخشى العقاب، حيث كانت عيناها متورمتين من البكاء، ووجهها شاحب.
اقتربت من والدها بحذر، وهي تحمل طبقًا صغيرًا فيه "سندوتش جبن" أعدته بنفسها، في محاولةٍ بائسةٍ لاستجداءِ الرضا.
"بابا..."
همست سلسبيل بصوتٍ مرتجف، وهي تضع الطبق أمامه برفق:
"عشان خاطري كل لقمة، أنت مأكلتش حاجة من إمبارح"
تصلب جسد يوسف، وأدارَ وجهه ببطءٍ شديدٍ نحو الناحية الأخرى، متجاهلًا وجودها تمامًا.
نظرت سلسبيل إلى تسبيح بانكسار، وعيناها تمتلئان بالدموع مجددًا
"هو ليه بيعمل كده يا تسبيح؟"
قالت سلسبيل بصوتٍ مخنوق:
"أنا اعتذرت.. والله ما كنت أقصد أوجعه باسم ماما ليه مش طايق يبص في وشي؟"
توقفت تسبيح عن تحريك الملعقة, كانت تعرفُ الإجابة. الإجابةُ التي تحرق حلقها مثل الجمر.
نظرت تسبيح إلى يوسف، ثم نظرت إلى سلسبيل، رأت ما يراه والدها بوضوح مرعب، في ضوء الصباح الشاحب، كانت ملامح سلسبيل نسخةً طبق الأصل من ملامح الأم.
نفسُ العيون الواسعة، نفسُ رسمة الفم، وحتى طريقة وقفتها المنكسرة.
وكان صوت تسبيح الداخلي بينها وبين نفسها معبرًا بكل شيء، حتى لنظراتها وفمها المطبق الصامت:
"أنتِ مش فاهمة يا سلسبيل هو مش قاسي عليكِ.. هو قرفان؛ قرفان من الذكرى اللي وشك بيحطها قدامه كل يوم، هو مش شايف بنته اللي غلطت بكلمة، هو شايف الست اللي وقفت قدامه ببرود وباعتنا واحد واحد وقبضت التمن في شنطة وسافرت، هو بيبص في وشك بيشوف ورقة التنازل مش بيشوف بنته!"
ولكنها نبست بصوتٍ مرتفع عكس كل ذلك:
"سيبيه دلوقتي يا سلسبيل"
قالت تسبيح بصوتٍ جاف، حاولت أن تجعله طبيعيًا لكنه خرجَ حادًا ومتحفزًا:
"ادخلي أوضتك دلوقتي ذاكري يلا"
لم يكن يوسف يتجاهل قصدًا وإنما كان في عالم آخر شاردًا تمامًا، وفي تلك اللحظة، دخلت أفنان وسجود إلى المطبخ، وهن يضحكنَ بصوتٍ خافت، غير مدركاتٍ للعاصفة التي تعصف بالمكان.
"إيه يا جماعة النكد ده على الصبح؟"
قالت أفنان بعفوية، وهي تفتح الثلاجة:
"بقولك يا تسبيح، متعمليلنا كيكة البرتقال النهاردة؟ بقالنا كتير ماكلنهاش.."
زفرت تسبيح بضجر قائلة:
" إحنا في إيه ولا إيه أنتِ كمان يا أم كرش"
_"ما تصلوا عالنبي طيب واهدوا كدا شوية!"
قالتها سجود وهي تراقبهم جميعًا تعلم أن سر هذا الجمود هو ما حدث أمس وأحزن والدهم
_"سلسبيل!"
خرج اسم الابنة الصغرى من فِيه والدها بتنهيدة لتنظر له سريعًا بأملٍ قائلة:
"نعم ياحبيبي"
تنهد وقربها ناحيته يمسد على شعرها بحنانٍ وهو يقول:
"متقلقيش أنا مش زعلان منك ياحبيبتي، ربنا ما يجيب زعل أبدًا"
_"بجد يا بابا؟ والله ما قصدي ازعلك انا حتى مش فاهمة ليه كل سيرتها بتعصبك انت وتسبيح وسجى وترتيل، إحنا بنحاول نفهم بس مش عارفين وهي بتيجي على بالنا كتير أوي!"
قالتها سلسبيل البالغة من العمر ثمانية عشرة سنة، في صفها الثالث الثانوي، وكان حديثها عفوي حيث كبرت على عدم وجود أمها التي لطالما اعتقدت أنها ربما سافرت، أو تركتهم وستعود، أو لربما أن والدها كان سببًا في حزنها لذلك غادرت
هنا تدخلت تسبيح قائلة بحدة:
"متجيبوش سيرتها تاني يا سلسبيل والكلام للكل، هي مشيت خلاص وبمزاجها فإحنا مش هنفضل نعيد ونزيد في الماضي ده ونوجع قلوبنا وقلب بابا معانا"
أخرج يوسف تنهيدة قوية من داخله قائلًا:
"خلاص، اللي حصل حصل وأحنا هنا ملناش الا بعض، فياريت نحافظ على بعض كلنا وعلى مشاعرنا"
قبّلت سلسبيل يد والدها ورأسه قائلة:
"حاضر أنا معدتش هجيب سيرة حاجة والله وعد بس متزعلش"
ربت على ظهرها بحنانٍ، وهو يتنهد بعمقٍ
عائلة صغيرة مثلهم مسها الحزن.
ـــــــــــــــ
أخطر أنواع التحالفات هي تلك التي تولد من رحم الهزيمةِ؛ حيث لا يجمع الشركاء حُب الاجتماع بقدر ما يجمعهم لذةُ الانتقام من القاع الذي حاول ابتلاعهم.
إننا حين نضع أيدينا في أيدي من يشبهون جراحنا، لا نبحث عن الأمان، بل نبحث عن شريك يجيد الرقصَ معنا فوق الحافةِ دون أن يرتجف خوفًا من السقوط
اختار تميم مكانًا متواضعًا في أحد الأحياء، بعيدًا عن صخب المدينة وأعين المتطفلين من طبقة رجال الأعمال.
كان المقهى صغيرًا، تفوح منه رائحة القهوة المطحونة يدويًا وجدرانه تحمل آثار الزمن، تمامًا كما يشعر تميم في داخله الآن؛ قديم، مجهد، لكنه ثابت كالحجر.
جلس تميم على طاولة ينتظر ضيفه، يراقب الباب بعينين حادتين لم تعرفا النوم منذ يومين.
لم يكن يرتدي بذلة العمل، بل عاد لسترة جلدية بسيطة، لكن ملامحه كانت قد تخلت تمامًا عن تميم المستهتر.
دخلت سجى وكانت تتحرك بحذر، تتفحص المكان وكأنها تخشى فخًا، لم تكن تلك الفتاة الصاخبة التي رآها في الحفل، بل بدت أكثر واقعية بملابسها العملية وحقيبة يدها الكبيرة التي تحمل "لابتوب" وأوراق عملها.
رأته فتوجهت نحوه وجلست بصمت، وضعت هاتفها على الطاولة ونظرت إليه بفضول يمتزج بالقلق.
"المكان هنا غريب يا تميم"
قالت سجى وهي تخلع نظارتها الشمسية:
"بس أظن ده المناسب للحالة اللي إحنا فيها.. إيه السر؟"
كان يطالعها محدثًا نفسه:
يصعب عليَّ إخباركِ أنني بدأت أرى فيكِ المرآة التي أخشى مواجهتها، نحن الآن في خندقٍ واحد، لا لأننا نحب بعضنا، بل لأننا نكرهُ اليدَ التي حاولت كسرنا، سأقدم لك المفتاح، لكنني أخشى أن يحرق هذا المفتاح يدك الجميلة قبل أن يفتح لكِ أبواب المجد.
أخرج تميم من حقيبته ملفًا مغلفًا بشعار "مجموعة السعدون"، ودفعه نحوها ببطء.
"أنا دخلت الشركة يا سجى، وبدأت فعليًا الشغل"
اتسعت عينا سجى بصدمة، وفتحت الملف بسرعة لتقرأ السطور الأولى:
"أنت عملتها بجد؟ أخوك وافق؟"
"فيصل مكنش قدامه حل تاني"
رد تميم بنبرة تحمل فخًا مريرًا
"أنا مش بس دخلت، أنا مسكت إدارة مشروع منتجع الساحل، أكبر مشروع في خطة السعدون السنة دي"
صمتت سجى للحظة، تقلب الصفحات بذهول، ثم رفعت عينيها إليه:
"وده معناه إيه؟ جاي تقولي عشان تودعني وترجع لحياتك بعد ما بوظتلي شغلي!"
دومًا ماكانت سطحية ومتسرعة!
ابتسم تميم ابتسامة جانبية، مالت فيها شفته بسخرية: "لأ أنا جاي أقولك إن مشروع الساحل ده محتاج شركة تنظيم حفلات محترفة لحفلة الافتتاح والمؤتمر الصحفي الضخم اللي هيتعمل للمستثمرين وأنا اخترتك لتنفيذ المهمة دي"
تراجعت سجى للخلف، وكأنها تلقت ضربة كهربائية:
"أنت بتهزر؟ طب أفرض أخوك موافقش عشان يعاندك إني تبعك!"
قبض تميم على حافة الطاولة، ومال بجسده نحوها، وأصبحت نبرة صوته منخفضة لكنها مشتعلة بقوة:
"فيصل ملوش دعوة بالقرار ده أنا المدير التنفيذي للمشروع، وصلاحياتي بتسمح لي أختار الموردين والشركات المنفذة، وتوقيعي هو اللي هيمشي على العقود يا سجى"
"بس ده خطر يا تميم!"
قالت سجى بخوف حقيقي ظهر في نبرتها:
"أنت بتبدأ حياتك هناك بتحدي مباشر لأخوك، ده مش شغل.. ده انتحار"
"ده مش انتحار.. ده استرداد كرامة"
رد تميم، وعيناه تلمعان بضوء غريب، ضوء الانتقام الذي بدأ يطمس ملامح العقل:
"أنا عايزك تطلعي بكل قوتك في الحفلة دي، عايز الكل يعرف إن سجى اللي تميم اختارها هي اللي عملت أهم حدث في تاريخ شركته، وأنا عايز أثبت له إني أنا اللي بحرك الخيوط دلوقتي مش هو"
نظرت سجى إلى الملف، ثم إلى تميم
كانت تشعر بالقلق من هذه النبرة السوداوية في صوته، كانت ترى شابًا يغرق في رغبة إثبات الذات لدرجة قد تجعله يحرق المكان بمن فيه.
"تميم.."
همست سجى بحذر وأكملت
"أنت بتعمل كده عشان تساعدني؟ ولا عشان تضرب فيصل؟"
ساد صمت ثقيل لم يهرب تميم من السؤال، بل واجهها بصدق جارح:
"الاتنين.... إحنا الاتنين محتاجين الوقفة دي يا سجى، أنا محتاج حليف بيفهمني وبيكره القواعد اللي هما حطوها، وأنتِ محتاجة فرصة تكسري بيها سقف التوقعات اللي حبسوكي تحته، الساحل هو ملعبنا.. يا نطلع سوا للسما، يا نقع سوا"
مدت سجى يدها بتردد، ولمست طرف الملف، كانت تشعر أنها توقع عقدًا مع الشيطان، لكنه شيطان يملك وجه صديق، ويحمل وجعًا يشبه وجعها تمامًا الذي لم تفصح عنه حتى الآن
"الميزانية هتكون ضخمة"
قالت سجى وهي تحاول استعادة احترافيتها لإخفاء توترها:
"محتاجة فريق كبير، ومحتاجة تأمين، ومحتاجة.."
_"كل اللي محتاجاه هيكون عندك"
قاطعها تميم وهو يخرج قلمًا فاخرًا ويضعه فوق الملف: "أنا هبعتلك العقد الرسمي بكرة على مكتبك، كل اللي عايزه منك إنك تنسي الخوف، وتجهزي لحفلة تخلي فيصل السعدون يقف يسقف لك وهو مش عارف إنه بيسقف لنهايته"
لا تعلم كيف يتحدث هكذا عن أخيه لكنها لم تكترث كثيرًا بذلك لأن فرصة مثل هذه لن تأتي لها مجددًا، فهي تأتي مرة واحدة في العمر!
نظرت سجى إلى القلم ثم رفعت رأسها بعزم جديد:
"موافقة يا تميم، بس بلاش نلعب بالنار زيادة عن اللزوم.. لو أخوك مش سهل"
_"ولا أنا سهل يا سجى"
رد تميم وهو يقف ليغادر:
_"أشوفك في الساحل.. الشراكة بدأت"
غادر تميم المقهى بسرعة، تاركًا سجى وحيدة مع الملف الجحيمي هذا، وصراع داخلي بين طموحها المهني الذي بدأ يتنفس الصعداء، وقلقها الأنثوي من رجل قرر أن يحول حياته وحياة من حوله إلى ساحة معركة، لا يهمه فيها من سينتصر، بقدر ما يهمه أن يرى أعداءه يسقطون أولًا
ــــــــــ
حين تكتمل الدائرة، وتلتقي الأرواح التي ظنت أنها سلكت دروبًا شتى، يكتشف الجميع أن القدر ليس سوى مخرجٍ ساخرٍ؛ يجمع الخصوم والضحايا على خشبة مسرحٍ واحدةٍ، ليُسقط الأقنعة عند أول مواجهة، ويترك النار تأكل ما تبقى من واجهاتٍ رمّمناها بكبرياءٍ كاذبٍ
-ملتقى النيران-
كانت شمس الساحل تميل نحو الشروق، تصبغ أفق البحر بلونٍ أحمرَ قانٍ، يشبه لون الدماء التي لم تُسفكْ بعد.
الرياح المحملة بملوحة البحر كانت تداعب أساسات المشروع الضخم الذي سيبدأ للتو
وعند السابعة صباحًا حيث اصطفت السيارات الفاخرة والمعدات الثقيلة في مشهدٍ مهيبٍ يعكس جبروت آل السعدون.
كان هذا هو الاجتماع التحضيري الأكبر الجميع هنا، والتوتر في الجو كان كفيلًا بإشعال عود ثقابٍ وحده.
على رصيفٍ خرسانيٍّ مرتفع، وقف تميم السعدون وكان يرتدي قميصًا أبيض بأكمامٍ مشمرة، ونظارةً شمسيةً سوداء، واضعًا يده
في جيبه بتمردٍ واضح.
كان ينظر للجميع كملكٍ استعاد عرشه بالقوة!
بجانبه كانت سجى تتحرك بحيويةٍ مفرطة، تراجع مع فريقها اللمسات الأخيرة لمنصة العرض، كانت تشعر بنشوة النصر، وهي ترى حلمها في تنظيم أكبر حدثٍ يتحقق بفضل تميم.
من الجهة الأخرى، ترجلت تسبيح من سيارة الموقع المتربة، بعدما اتت هنا لتحضر الإتفاق الذي اخبرها به ماجد في رسالة نصية وبأنه إن وافقت سيضع اسمها بشكل رسمي في المستندات، وهي لم تمانع بكل تأكيد فتلك فرصة كبيرة لها!
كانت ترتدي سترة المهندسين والخوذة البيضاء، وجهها كان متعبًا من سهر العمل ومرارة السر الذي تحمله، رفعت رأسها لتعطي أوامرها لعمال الصبة، لكن الكلمات تجمدت في حلقها.
وقعت عيناها على سجى!
تسمرت تسبيح في مكانها
هل هذه أختها؟
سجى؟
ماذا تفعل هنا؟
ولماذا تضحك مع هذا الشاب جوارها!
وفي تلك اللحظة، رفعت سجى رأسها لتلمح أختها الكبرى، سقط الملف من يد سجى، واتسعت عيناها برعبٍ وصدمة:
"تسبيح؟"
همست سجى، وهي تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها أختها الكبرى هي المهندسة المشرفة على المشروع الذي تنظمه؟
صدمةٌ صامتةٌ مزقت هدوء المكان، لكنها لم تكن الصدمة الوحيدة.
دلف ماجد فوزان إلى الساحة، يتقدم بهيبة لا تهزم، كان يراجع خريطة في يده، حتى توقف فجأة حين لمح امرأةً تقف بجانب سيارةٍ فارهة، تتبادل حديثًا مقتضبًا مع أحد المهندسين.
إنها نورهان.
التقت عيناهما
وكانت نظرة نورهان تحمل تحديًا ووقاحةً، وكأنها تخبره: "أنا هنا وبقوة"
أما ماجد، فقد تحولت ملامحه إلى تمثالٍ من الرخام البارد، عيناه كانت تطعنانها بنظرات حقدٍ وكراهيةٍ مُقطرة، تجمدت معها الدماء في العروق.
بركانٌ خامدٌ يوشك على الانفجار، يقابله استفزاز امرأةٍ قررت أن تنتزع نصيبها من لحمه.
وسط هذا المولوتوف من المشاعر، وصل المايسترو.
ترجل فيصل السعدون من سيارته الـ رولز رويس السوداء، وقف بهندامه المثالي، يضع يده في جيوب سترته، وينظر للجميع بعينين باردتين للغاية.
لم يبدو على فيصل الانزعاج، بالعكس كانت زاوية فمه ترتسم عنها ابتسامةٌ خفيةٌ، مستمتعة.
كان ينظر لتميم المتمرد، ولتسبيح المصدومة، ولسجى المرتعبة، كان يستمتع برؤية الجميع يتخبطون في شبكة المصادفات التي لم تكن مصادفاتٍ بالنسبة له.
فهو يعلم فضيحة ماجد بعدما هجرته حبيبته، وعلم بالأخوة بين تسبيح وسجى من الأوراق قبل أن يصل!
تقدم تميم من أخيه، ونظر إليه بتحدٍ سافر:
"المشروع ماشي بالجدول الزمني يا فيصل.. والكل هنا تحت أمري"
رفع فيصل حاجبه ببرودٍ قاتل، ثم نظر نحو تسبيح وسجى، وقال بصوتٍ رخيمٍ سمعه الجميع:
"عظيم يا تميم، بس خايف إن العواطف العائلية تعطل الشغل.. مش كدة يا بشمهندسة تسبيح؟"
هنا انفجرت الصاعقة وتسبيح نظرت لتميم باستغراب، ثم لسجى بانكسار، ثم لفيصل بحيرة.
ماجد قبض على قبضته وهو يرى نورهان تقترب من فيصل لتسلم عليه، وهنا تميم أحس أن اللعبة خرجت عن سيطرته وهو فهم معنى العائلية بربطه لنظرات التبادل بين سجى وتسبيح، لكنه رفض التراجع بل زاد من حدة نظراته المتحدية
الجميع يحدق في الجميع لا أحد يتحرك
ولا أحد يتكلم
فقط صوت أمواج البحر الهائجة خلفهم، كنذيرٍ بأن ما سيحدث في الأيام القادمة، لن يُبقي على أي واجهة سليمة.
قد فُتحت أبواب الجحيم، والجميع الآن واقفون في المنتصف.