رواية تحسبين الحب لعبة الفصل السابع 7 بقلم وسام اسامة
صدحت زمجرة عالية من نُصير مزقت سكون الدار:
"اصمت يا حمزة.. لا مكان لها بيننا بعد اليوم.. من هذه اللحظة لا اسمع اسمها بيننا"
..............................................
كانت فلك في حالة من الذهول الذي ألجم لسانها منذ لحظة وصول خبر إصابة شقيقها على يد ابن عمهما. لم تتردد في حزم أمرها والعودة للقرية يرافقها "عنان"، الذي كان يحاول جاهداً تهدئة روعها وهو يشدد على يدها في رفق وهما يقفان في ممر المشفى البارد:
"حبيبتي، كفى بكاءً.. لقد طمأننا الطبيب أن الرصاصة لم تصب مقتلاً، وأنه سيتماثل للشفاء بالعناية اللازمة. أخشى أن ترهقي نفسكِ بهذا الانهيار."
حركت فلك رأسها بإيجاب وهي تمسح دموعها من أسفل وشاحها، وهمست بصوتٍ يملؤه الحزن:
"ماذا كنت سأفعل لو فقدته يا عنان؟ من لي في هذه الدنيا غيره؟"
رأت عتاباً صامتاً يلمع في عيني زوجها، فسارعت لإيضاح مقصدها بنبرة خفيضة:
"أقصد أنه الأخ الوحيد لي ولفيدرا.. أنت تعلم حال عائلتنا؛ أمي غائبة تماماً عن واقعنا، وأبي يعيش في عالمٍ يخصه وحده.. ليس لنا سند بعد الله سوى فراس."
شدد "عنان" على يدها برقة، وبنبرةٍ تحمل الأمان الذي تفتقده دائماً قال:
"اطمئني يا حبيبتي، الحمد لله الذي كتب له عمراً جديداً.. ادخلي لتجلسي معه، وسأذهب لأجلب لكِ شيء تشربينه وأعود."
دلفت فلك إلى الغرفة بخطواتٍ متعثرة، وما إن وقع بصرها على وجه أخيها الذي استحال شحوبه بلون الورق، حتى اندفعت الدموع من عينيها مجدداً. جلست بجواره تربت على يده بوهن وهي تنشج بصمت:
"كيف حالك يا أخي؟ وكيف وصلت الأمور بينكما إلى هذا الحد؟"
فتح فراس عينيه ببطء، وبدا هدوؤه مناقضاً تماماً لحالة الانهيار التي تلبست شقيقته، فتمتم بصوتٍ خافت:
"لماذا جئتِ يا فلك؟ كان عليكِ إكمال علاجكِ في هدوء، ما كان ينبغي أن تتحملي مشقة الطريق."
ردت عليه بلهفة:
"وكيف لا آتي يا فراس؟ وهل في قلبي أغلى منك؟ أخبرني بماذا تشعر الآن؟ الطبيب يطمئننا، لكن قلبي لن يهدأ حتى أراك واقفاً على قدميك."
"لا تقلقي.. بضعة أيام وأسترد عافيتي."
ساد صمتٌ قصير قبل أن تسأله فلك بنظرةٍ باحثة عن الحقيقة:
"أخبرني يا أخي.. ما الذي دفع سيف الدين ليرتكب هذه الحماقة ويطلق النار عليك؟" أجابها فراس ببرودٍ متعمد:
"لأني طالبتُ بحقي في دُنيا وأخذتها دون إرادتهم.. فجن جنونهم، وحدث ما رأيتِ."
قطبت فلك حاجبيها بغير استيعاب:
"ماذا تقصد؟ كيف أخذتها؟ وإلى أين كنت تنوي الذهاب بها؟ تحدث بوضوح يا فراس وكفى ألغازاً!"
تنهد فراس بضيق وأجاب بنبرةٍ جافة:
"لا توجد ألغاز.. قررتُ أن زوجتي يجب أن تكون في بيتي، تحت طوعي وبشكل دائم.. وبدلاً من الانصياع للحق، اندفع ذاك 'الثور' وأطلق الرصاص، وكأنني أطلب محرماً!"
هتفت فلك بذهول:
"ولماذا فعلت هذا الآن يا أخي؟ ألم يكن الاتفاق أن تكمل الفتاة دراستها، وبعد سنوات يتم تقرير مصير هذه الزيجة؟" رد بمكابرة وهو يشيح بنظره عنها:
"أنا أريد زوجتي الآن.. أيملك أحدهم حقاً في منعي؟"
اقتربت فلك منه، وحاولت قراءة ما خلف نظراته الغامضة وسألت بشك:
"فراس.. ماذا جرى لك؟ منذ متى وأنت ترى دُنيا زوجةً لك من الأساس؟ ألم تكن تنوي تطليقها وإنهاء هذا الرباط؟ ما الذي تبدل لتفتعل حرباً هوجاء لا تُبقي ولا تذر؟"
زفر فراس بحدة، واشتعل الغضب في عينيه وهو يهتف بضيق:
"ما بال الجميع فقدوا عقولهم؟ رجلٌ يطلب حقه في زوجته.. هل أصبحت هذه معضلة كبرى؟"
تجعد وجهه في ألمٍ إثر انفعاله المفاجئ، فلم تشأ فلك أن يطول الجدال بينهما فتسوء حالته. تنهدت في حنقٍ مكتوم وهي تربت على كفه برفق، محاولةً استدراج الهدوء لملامحه الغاضبة:
"حسناً.. اهدأ، لن نتجادل الآن. ولكن أخبرني.. أين دُنيا؟ هل استردها أهلها؟" أجابها وعيناه تلمعان بتحدٍّ دفين:
نعم.. ولكن ليس لوقتٍ طويل."
ساد صمتٌ قصير قبل أن تستجمع فلك شتات شجاعتها قائلة بنبرة رجاء:
"فراس يا أخي.. لِمَ لا تنهي هذا الأمر؟ علاقتنا بهم تمزقت تماماً، والمصائب التي حدثت لن يشفيها رباط نَسَب مشوه. لتطلق الفتاة يا أخي، وأعدك أنني سأختار لكِ أفضل بنات القرية.. ما رأيك؟"
لم تكد تنهي جملتها حتى رمقها بنظرةٍ حادة جمدت الكلمات في حلقها، وقال بلهجة قاطعة:
"وفّري خدماتكِ لنفسكِ يا فلك.. دُنيا زوجتي ولن أطلقها، وليصطدموا جميعاً بأقرب حائط. أغلقي هذا الموضوع في الحال."
في تلك اللحظة، دلف "عـنان" الغرفة، فاستقبله هواءٌ مشحون بالغضب. تنقل بنظراته بين زوجته الواجمة وفراس المنفعل، ثم قال بنبرةٍ هادئة لم تخلُ من سخريةٍ رشيقة:
"معافى إن شاء الله يا صاحبي.. ولكن أخبرني، ما هذا "فيلم الأكشن" الذي سمعت عنه في الطريق؟ والله عيني عليك باردة.. أرى أن الرصاصة هي من تأثرت باصطدامها بكتفك وليس أنت!"
لامته فلك بضيق، رغم إدراكها أنه يحاول كسر حدة الموقف:
"اذكر الله يا عنان.. ألا ترى حالته؟" جذب عنان كرسياً وجلس بجوار زوجته، وتابع مداعبته الرقيقة:
"انظري لقلبك العطوف يا "فلكي".. دعينا من حالته الآن، انظري لوجهه الغاضب، إنه يبدو وكأنه على وشك قتل أحدهم، لا كمن خرج من غرفة الجراحة للتو!"
زفر فراس بضيق وهو يحاول تنظيم أنفاسه دون أن يطعنه الألم في كتفه:
"خذ زوجتك وعودا من حيث أتيتما.. لم يأتني منكما سوى وجع الرأس وعينك الحاسدة."
تدخلت فلك بحسم:
"لن نرحل يا فراس.. سأمكث معك حتى تسترد عافيتك، وجلسات علاجي سأذهب إليها وأعود في ذات اليوم، لن أتركك."
هتف فراس بحدة:
"ما هذا الهراء؟ اليوم تعودين مع زوجك.. أنا بخير ولا أحتاج لعناية أحد."
"أتمزح يا فراس؟ أتريدني أن أتركك وحدك في هذا الحال؟ أنا أولى بالعناية بك من "أم عبده"!"
سأل بنبرة غامضة ارتسمت معها ابتسامة نصرٍ باهتة:
"ومن قال إن من سيعتني بي هي أم عبده؟"
قطبت فلك حاجبيها باستغراب:
إن كنت لا تريدني ولا تريد أم عبده.. فمن سيقوم على خدمتك إذن؟"
أجابها بكلمة واحدة، ألقاها كقنبلة في أرجاء الغرفة:
"زوجتي."
تنهدت فلك بضيقٍ عظيم، وشعرت أن كل محاولاتها للهروب من الكارثة باءت بالفشل، وقالت بأسى:
"عدنا لنفس النقطة من جديد!"
تبادل عنان وفلك نظرة سريعة، حملت في طياتها مزيجاً من الدهشة والشفقة على حال فراس الذي يبدو أنه فقد اتصاله بالواقع إثر النزيف. كسر عنان الصمت وهو يميل بجسده للأمام، واضعاً يده على ذراع المقعد بتشكك:
"زوجتك؟ هل تقصد دُنيا؟ يا صاحبي، الفتاة الآن في دار أهلها، وشقيقها سيف خلف القضبان بسببك.. هل تعتقد حقاً أنهم سيرسلونها إليك بـ 'باقة ورد' لتعتني بجرحك؟"
لم يهتز فراس، بل ارتسمت على وجهه ملامح صلبة لا تلين، وقال بصوتٍ هادئ يقطر ثقة:
"سيف خلف القضبان بفعله هو، وخروجه مرهون بكلمة واحدة مني.. ونُصير يعلم ذلك جيداً. دُنيا ستأتي، وستأتي طائعة أمام الجميع."
شهقت فلك بصدمة، وأدركت الآن حجم "المساومة" التي يجريها فـراس
"فراس! هل تقايض حرية سيف بوجود الفتاة معك رغماً عنها؟
لو كنت تريد افراغ غضبك فلتقاضيه وليأخذ جزاء ما فعله.. ولكن لتخرج البنت من كل هذا.
رد فراس ببرود وهو يغمض عينيه وكأنه ينهي النقاش:
"لا شأن لأحد بما افعله.. الفتاة زوجتي وأنا أولى بها.. اذهبا الآن، أريد أن أرتاح."
نهض عنان، وجذب فلك من يدها برفق محاولاً إخراجها من الغرفة قبل أن تنفجر في وجه أخيها مرة أخرى. وبمجرد أن صارا في الممر، استندت فلك على الحائط وهي تشعر بدوارٍ عنيف:
"عنان، أخي سيشعل نيران العائلة من جديد.. ودُنيا صغيرة على كل ما يحدث حولها، ونُصير لن يغفر له أبداً."
لف عنان ذراعه حول كتفها وهو يسير بها نحو المخرج، وقال بنبرة جدية خلت من سخريته المعتادة:
'فراس يلعب بالنار يا فلك.. هو يعلم أن دُنيا هي نقطة ضعفهم الوحيدة، لكنه ينسى أنها أيضاً قد تكون النقطة التي ستحرقه هو أولاً بعناده بزواجه بامراة لا يريدها. دعينا نذهب الآن، فالحديث معه وهو في هذه الحالة لا طائل منه."
غادرا المشفى، بينما بقي فراس في غرفته المظلمة، يراقب ضوء الشارع المنعكس على الجدار، وقلبه ينبض بحقدٍ لا يطفئه سوء رؤية دُنيا وهي تدخل عليه، ليس كزوجة محبة، بل كجزيةٍ تُدفع مقابل حرية شقيقها.
"أترك الحراسة هكذا فجأة، أم وقع بينكما شقاق؟.. لطالما قلتِ إنه شخص لا يُطاق، ومؤكد أنه ارتكب حماقة دفعتكِ لصرفه، على غير عادتكِ الرقيقة في الصبر"
ألقت منة تساؤلاتها بفضول لم تستطع كبحه، وهي تخرج ملابس شهيرة من حقيبة السفر وتوزعها في خزانة الفندق بدقة. بينما كانت شهيرة تجلس على طرف الفراش، تتظاهر بمراجعة أوراق دورها الجديد، لكن ما إن طرقت سيرة يحيى مسامعها حتى تجعد وجهها بضيقٍ جلي، وشعرت بكرامتها تئنُّ تحت وطأة ذكريات ذاك اللقاء الفظ.
تنهدت وهي تقلب الأوراق بلا مبالاة، محاولةً طرده من مخيلتها:
"لم أعد أريد حراسته، ثم إن ذاك المجنون قد اختفى تماماً من محيطي.. لا مكالمات مريبة، ولا تهديدات مبطنة كما كان يزعم؛ لذا لم أعد بحاجة له.. هكذا أفضل وأكثر حرية"
تركت منة ما بيديها واندفعت نحو الفراش لتجلس قبالة شهيرة، وعلى وجهها ابتسامة واسعة تفيض بالارتياح:
"الحمد لله أنكِ صرفته.. لم أصدق نفسي حين هاتفتني وأخبرتني أن أجهز حقيبتي للقائك في المطار. شعرتُ للحظات أنني فقدتُ مكاني بجواركِ للأبد بسبب ذاك الرجل"
ابتسمت شهيرة في وداعة وهي تنظر لمساعدتها الغالية؛ فمنة لم تكن مجرد موظفة، بل هي أول من رافق خطاها منذ بدأت مسيرتها الفنية. لم تكن المصادفة هي من جمعتهما، بل وصية غالية من شخصية رأت في شهيرة النجومية قبل أن تلمسها هي بنفسها. ومع مرور السنوات، انمح ت الحدود الرسمية بينهما لتصبحا كأختين لا تفرقهما سوى الظروف القاسية.. تلك الظروف التي جسدها "يحيى" حين حاول التفريق بينهما بشكوكه الواهية نحو منة المسكينة.
انتبهت شهيرة من شرودها على صوت منة وهي تستعيد نشاطها في توضيب الملابس:
" عليكِ بالنوم قليلاً، وسأقوم أنا بترتيب هذه الفوضى. التصوير يبدأ غداً، وقد راجعتُ جدول مشاهدكِ بعناية؛ ينتظركِ أربعة مشاهد في مواقع مختلفة.. يجب أن تكوني في أوج نشاطك. هيا ارتاحي الآن، وسأوقظكِ مساءً لنراجع الحوار معاً"
أومأت شهيرة بإيجاب صامت، وألقت بالأوراق جانباً لتتسطح على الفراش محاولةً استجداء النوم. انسحبت منة بهدوء بعدما أسدلت الستائر الثقيلة لتحجب ضوء النهار الشاحب في تلك البلاد الباردة، وأغلقت الباب خلفها تاركةً الغرفة في سكون مطبق.
وضعت شهيرة يدها أسفل وجنتها وأغمضت عينيها بقوة، محاولةً الهروب من "مطحنة" أفكارها التي لا تهدأ، تلك التي تخلط جروح الماضي بمرارة الحاضر، وتذكرها في كل لحظة صمت بمدى تعاستها التي تخفيها خلف أضواء الشهرة والنجاح.
لم يمر الكثير حتى غطت شهيرة في نومٍ عميق، نومٌ كانت تفتقده لليالٍ طوال. وبينما هي مستسلمة لسكينة الأحلام، شعرت بشيءٍ ناعم يمرُّ بخفة على وجنتيها، ثم ينساب نحو عينيها وعنقها في لمساتٍ لزجة. عقدت حاجبيها بضيقٍ وهي لا تزال في غمرة الكرى، لكن ذاك "الشيء" اللحوح لم يرتدع، بل تزايدت جرأته ليتلصص نحو صدرها، ثم استحال النعيم خشونةً منفرة، وتحولت اللمسات إلى انتهاكٍ صريح ينهب خصوصيتها.
فتحت عينيها فجأة لتُصدم بوجهٍ لا ملامح له من فرط القرب، وعيونٍ غامت بشهوةٍ حيوانية تكاد تلتهمها. انطلقت من حنجرتها صيحة ذعرٍ مزقت سكون الغرفة، وقبل أن تصل استغاثتها لأي أحد، انقض عليها الرجل ككاسرٍ يكمم فمها بيده الخشنة، بينما التفت ذراعه الأخرى حول جسدها لتكبلها بقوةٍ وضراوة لا قِبل لها بها.
كاد الفزع يغيب وعيها، لكن غريزة البقاء دفعتها للمقاومة؛ مدت يدها في يأس نحو الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش، تحاول الوصول لهاتفها.. لكنه أحبط محاولتها برعونة، قاذفاً بالهاتف لأبعد نقطة في الغرفة، ليصطدم معه المصباح الجانبي ويتحطم مُحدثاً جلبةً مكتومة.
قاومته شهيرة بشراسةٍ يائسة، وهبطت دموع الخوف من عينيها علّها تستجدي ذرة إنسانية داخل هذا الوحش، لكن عينيه كانتا غائمتين بشهوةٍ ثقيلة أبت أن تخضع لضعف امرأةٍ مغصوبة بين يديه. وحين طالت مقاومتها وارتفع زفيرها المخنوق، زمجر الرجل في غضبٍ أعمى، وضرب جبهته بجبينها ضربةً قوية جعلت رأسها يطيح يميناً ويساراً، قبل أن تفقد وعيها تماماً وتستسلم جثتها الهامدة بين يدي المعتدي.
بينما في الجانب الأخر تنهد يحيى في ضيقٍ وهو يستمع لتوبيخ شقيقه "دُريد" الذي وصله عبر الهاتف:
"علمتُ من أمي أن مهمتك الماضية كانت حماية نجمة سينمائية.. يا أخي اتقِ الله ولا تتبع خطوات الشيطان؛ فالمال لن ينفعك، وذنوبك تزداد في ميزانك يوم القيامة"
رد يحيى بنبرةٍ يحاول جعلها هادئة:
"هل قلتُ لك إنني كنت سأتزوجها يا دُريد؟ أقول لك كنتُ مكلفاً بحراستها فحسب، هذا عمل لا أكثر، ثم إنني لم أجتمع بها أكثر من أربع أو خمس مرات، وفريقي هو المسؤول عن تأمينها في أغلب الأوقات"
لم يقتنع دُريد، بل واصل تقريعه بأسى:
"ألم تنظر إليها نظرة طويلة يا يحيى؟ ألم تنفرد بها في مكانٍ واحد؟ ألم يزين لك الشيطان زينتها؟ يا أخي، قال النبي ﷺ: "لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه"
أغمض يحيى عينيه، ومرت صورة شهيرة أمام مخيلته؛ ملامحها المتمردة، وغضبها الطفولي، وشحوب وجهها في تلك الليلة التي جرها فيها من يدها. شعر بغصةٍ لم يفهم سببها، لكنه جاهد ليدفعها بعيداً وهو يتمتم بوقار:
"عليه أفضل الصلاة والسلام.. الله المستعان يا دُريد. أنت أخبرني كيف أحوالك وأحوال "مها"؟ ما شاء الله عليك، بعدما كنت معترضاً ومنغلقاً على نفسك، أجدك فجأة تعقد قرانك يا شيخنا"
تحولت نبرة دريد إلى لينةٍ شابتها مسحة من الحياء وهو يجيب:
"كما قلتم جميعاً، مها فتاة على خُلق وطيبة، ولا أرى فيها إلا كل الخير.. "
ابتسم يحيى ابتسامةً باهتة، محاولاً الخروج من دائرة التقريع إلى رحابة المزاح الذي يغلف رغبةً دفينة في الاستقرار:
"مبارك لك يا عريس، ادعُ لي بالزوجة الصالحة أنا أيضاً؛ أريد أن أتزوج وأنجب جيشاً من الأولاد والبنات.. أريد بيتاً صاخباً ينسيني صمت هذه المهمات"
رد دُريد بصدقٍ ودعاء:
"هداك الله يا يحيى، وجعلك صالحاً ورزقك الزوجة التي تقر بها عينك، وتبعدك عن هذا الطريق الذي لا يشبهك"
-أمين يا أخي.. سأغلق الان وسأحادثك حينما أعود.
"آمين يا أخي.. سأغلق الآن وأهاتفك حين أعود"
أنهى يحيى المكالمة وهو يتنفس الصعداء، ويشعر بندمٍ خفيف جراء "زلة لسانه" عن مهمته السابقة مع شهيرة؛ فلم تكتفِ نعمات بتقريعه، بل نقلت الخبر لدُريد لتجعل الحصار عليه مضاعفاً..
كان يحيى قد اضطر للكذب على عائلته مدعياً أنه نفض يده من حمايتها تماماً، وهو ما حدث بالفعل للحظات، لولا أن كلمات رفيقه «نُصير» وتوبيخه اللاذع جعلاه يضغط على أعصابه ويسافر خلف تلك "المستهترة" ليحميها في بلاد الغربة دون علمها. وبشق الأنفس، استطاع تأمين غرفة مجاورة لها، لتكون تحت نظره كلما عادت لأسوار الفندق.
تنهد في ضيقٍ وهو يمسح وجهه، وهمس لنفسه بمرارة: «سامحك الله يا نُصير.. أكان ينقصني هذا الجمال المستهتر لأطارد طيفه في بلاد البرد؟»
وقبل أن يسترسل في لوم حظه، تيبست ملامحه فجأة؛ فقد التقطت أذناه المدربتان صوتاً مكتوماً آتياً من الغرفة المجاورة.. غرفة شهيرة. تبعه صوت انكسارٍ حاد. لم يهدر ثانية واحدة، بل انطلق نحو بابها بخطواتٍ كالبرق، بينما تحسست يده سلاحه القابع أسفل قميصه بجاهزيةٍ تامة.
في الممر، كانت «منة» تسير بهدوء، تحمل صحن طعامٍ وبعض الأوراق التي تراجعها بتركيز. انقض يحيى عليها، وجذب مرفقها بقوةٍ أرعبتها وهو يهدر بلهجةٍ لا تقبل الجدال:
"افتحي هذا الباب.. في الحال"
شهقت منة في فزع، وكاد الصحن يسقط من يدها إثر ظهوره المفاجئ وهيئته المشتعلة، فتمتمت بصوتٍ يرتجف:
"ما الأمر؟ ماذا حدث؟ أنزل يدك عني"
زأر فيها بجنونٍ وهو يضغط على ذراعها ليدفعها نحو القفل الإلكتروني:
"لا وقت للثرثرة.. افتحي الباب الآن وإلا كسرته فوق رؤوسكم"
بأنامل مرتجفة وقلبٍ يكاد يتوقف، أخرجت منة بطاقة الدخول ومررتها فوق القفل. ما إن أضاء اللون الأخضر وسُمعت طقة الفتح، حتى اندفع يحيى كالسهم المنطلق نحو الداخل، وقد صدق حدسه الأسود وهو يرى الفوضى تعم المكان، والمصباح المهشم المنثور على السجاد، وذاك الظل الضخم الذي يحاول وأد صرخة شهيرة الأخيرة.
لم يمهله يحيى فرصة للتفكير، بل اندفع بجسده الصلب مرتمياً فوقه بقوةٍ أطاحت بهما أرضاً. ارطدم رأس المطارد بحافة الفراش الخشبية فأخرج "آهة" متألمة، لكنه حاول المقاومة بضربات عشوائية وسريعة. صبّ يحيى جام غضبه في لكمةٍ يمينية قاسية سكنت فك المطارد، سمع لها دويّ اصطدام العظام، جعلت الدماء تنفجر من فمه على الفور.
حاول المطارد الزحف بعيداً للوصول لسلاحه، لكن يحيى جذبه من قدمه بعنف ورطمه بالأرض مجدداً. بدت حركة المطارد بطيئة مقارنة بيحيى، لكنه كان يمتلك بنية قوية مكنته من دفع يحيى بركلة في صدره ليتنفس الصعداء لثوانٍ.
وقف المطارد وهو يترنح، يلهث بذعر وقد أدرك أنه وقع في قبضة رجل لا يرحم. استل سكيناً صغيراً من جيبه ولوّح به بحركات مهتزة، محاولاً إبعاد يحيى عنه. لم يرتجف جفن ليحيى، بل لفَّ وشاح شهيرة الملقى على الأرض حول ذراعه بلمحة بصر، وفي أول هجمة للمطارد، صد يحيى النصل بذراعه الملفوفة، وباليد الأخرى قبض على عنق الرجل وضغطه بكل قوته نحو الحائط.
كان وجه المطارد قد استحال للون الأزرق، وعيناه جحظتا من الخنق، وفي تلك اللحظة، ومن مسافة صفر، استطاع يحيى أن يوجه له ضربة برأسه حطمت أنفه، ثم أخذ السكين من يده وبحركة سريعة ومقصودة، مرر الاداة الحادة على وجهه بجرحٍ طولي عميق من جبهته حتى خده، وهو يهمس بفحيح مرعب:
"هذه العلامة لكي أجدك في جهنم.. يا حثالة"
أدرك المطارد أن نهايته ستكون هنا إن لم يتصرف، وبحركة تلقائية استغل وجود زجاجة عطر ثقيلة على الطاولة، فجذبها وقذفها في وجه يحيى الذي تفاداها برأسه، لكن الانشغال بالزجاجة أعطى للمطارد ثانية واحدة ليهرب نحو الشرفة.
قفز المطارد من الشرفة التي لم تكن مرتفعة .. ليسقط فوق الأرض الصلبة، ثم نهض بوجع وجرى وهو يعرج، مخلفاً وراءه بقعاً من الدماء المسالة من وجهه "المجروح
وصل يحيى للشرفة يلهث، كان يريد القفز خلفه، لكن صرخة "منة" المذعورة داخل الغرفة وهي تنادي باسم شهيرة جعلته يتوقف. التفت بجسده الذي يرتعش من الأدرينالين، وصرخ في منة:
"أغلقي الباب.. لا تدعي أحداً يدخل، واستدعي الطبيب فوراً"
اتجه نحو الفراش بجسد منهك، وجثا بجوار شهيرة الشاحبة بجبين متورم، يلمس جبهتها بأنامل ملوثة بالدماء وهو يهمس بصوت مبحوح:
"أفيقي.. أنا هنا.. لا تخافي يا شهيرة، أنا هنا".
***
"دعها تفعل ما تريد وتذهب إليه يا نُصير، فأمان أولادي يأتي في المقام الأول عندي"
خرجت هذه الكلمات المشبعة بالمرارة من فم "فاطمة" فور سماعها بشرط "فرااس" لإخلاء سبيل سيف الدين. كانت نبرتها خالية من أي تردد، بينما بدت "دُنيا" في حالة من الاستسلام التام، موافقةً على تنفيذ الشرط دون قيد أو شرط.
تنهد نُصير بضيقٍ عظيم وهو ينظر لزوجة أبيه بعتاب:
"ودُنيا أيضاً يا أمي.. هي من بقية أولا.."
قاطعته فاطمة بحدة نابعة من ألمٍ دفين، وهي تشيح بنظرها عن دُنيا الباكية:
"لا تُكملها يا نُصير.. دُنيا ليست ابنتي، ولا ابنة بطني، ولا حتى ابنة زوجي.. مهما ربيتُ واعتنيت، ومهما أعطيتها من حناني وحملت اسم عائلتي، لن تكون أبداً واحدة منا"
أغمضت دُنيا عينيها بقوة، تحاول مواراة جرحٍ غائر خلف جفونها؛ ففي أقل من ثلاثة أيام، صُفعت بحقيقة أصلها مرتين؛ مرة من "فراس" الذي حاربت الدنيا لأجله، ومرة من "فاطمة".. المرأة التي ظنتها طوال عمرها مرفأها الآمن وأحب البشر لقلبها.
هتف "حمزة" بانفعالٍ مدافعاً عن شقيقته:
"أمي لا تقولي هذا! دُنيا شقيقتنا مهما بدر منها من تهور، هي لا تزال في الثامنة عشرة، صغيرة ولا تدرك عواقب أفعالها"
تدخل "هارون" بهدوءٍ رزين، محاولاً لم شتات العائلة:
"حمزة محق يا أمي.. دُنيا ابنة هذا البيت كـ سيف الدين تماماً، ولن نضحي بفرضٍ لإنقاذ آخر. علينا الآن التفكير بعقلانية في مخرجٍ قانوني لـ سيف"
حدقت فاطمة في أولادها بنظرةٍ مزيجها الحنان والألم؛ رأت دفاعهم المستميت عن دُنيا التي لم تقابل حبهم إلا بالأنانية، وصوتٌ خفيّ داخلها يجلدها بسياط اللوم: «أحسنتِ تربية رجالكِ يا فاطمة، وفشلتِ مع دُنيا.. أفسدتها بدلالكِ حتى دمرتها».
في تلك اللحظة، تحركت دُنيا بضعف، وجثت على الأرض عند ساقي أخيها نُصير، وقالت بصوتٍ حاولت جاهدة ضبط رجفته:
"لنُخرج أخي سيف يا نُصير.. أنا لا أمانع العودة لزوجي. إن كنت تخشى عليّ من أذاه فاطمئن، فراس طيب القلب وصدقني لن يمسني بسوء.. دعنا ننهي هذه الحرب"
طلّت نظرة الخيبة المرة في عيني نُصير، فسحب يده من بين يديها بجمودٍ كأنه الصخر:
"إن كانت كرامتكِ لا تساوي عندكِ شيئاً، فنحن لسنا مثلكِ. قفي وتواري عن نظري يا دُنيا.. فوالله لولا احترامي لأمي لكسرتُ عظامكِ الآن"
عادت دُنيا تتمسك بيده وهي تنفجر في انهيارٍ مرير:
"أمي ما عادت تريدني يا نُصير.. أنا لا أليق بكم، هي محقة، سيف الدين يجب أن يعود لمكانه وسطكم. إن كانت عودتي لفراس ستجلب لي الأذى فأنا أستحقه نظير ما فعلته بكم، وإن عاملني بالحسنى فستكون رحمة من الله بي لأنني -رغم كل شيء- أحبه.. أرجوك يا أخي، أنا لا أريد أن أتسبب في أذى أحدكم مرة أخرى.. أريد رضاكم، وأريد أن أكون بجوار زوجي أعتني بجرحه.. لقد نبذه الجميع، فلا تطلب مني أن أنبذه أنا أيضاً.. أقبل يدك يا أخي.. وافق على شرطه"
ساد صمتٌ ثقيل في الردهة، قطعه صوت نُصير الذي هتف بجمود وهو يشيح بوجهه عنها:
"قلتُ لا.. لن تكوني ثمنًا لحرية رجل من آل غانم، اذهبي لغرفتك يا دُنيا"
انتفضت دُنيا واقفة، ومسحت دموعها بعنفٍ لم يعهده نُصير فيها من قبل، ثم قالت بنبرةٍ حادة، باردة، جعلت الدماء تتجمد في عروقهم:
"إذن اسمعني جيداً يا أخي.. واسمعيني يا أمي. إن رفضتم خروجي من هذا الباب بعلمكم ورضاكم، فسأخرج منه رغماً عنكم جميعاً.. سأهرب، ولن تعرفوا لي طريقاً، وسأذهب لفراس وأرمي نفسي تحت قدميه"
صدمة ألجمت الجميع؛ حمزة وهارون تبادلا نظرات الذهول، بينما التفت نُصير نحوها بسرعة والشرر يتطاير من عينيه، ورفع يده وكأنه سيهوي بها على وجهها، لكنها لم ترمش، بل برزت في عينيها نظرة "انتحارية" أكدت لهم أنها ستفعلها.
قالت فاطمة بصوتٍ واهن، ميت النبرات، وهي تنظر لنُصير:
"اتركها يا نُصير.. اتركها تذهب لمصيرها الذي اختارته. هي تعلم أن خروجها الآن يعني أنها لن تعود لهذا البيت أبداً، لا حية ولا ميتة".
تراجع نُصير خطوة، وشعورٌ بالهزيمة المريرة ينهش كرامته، نظر لدُنيا باحتقارٍ لم يحاول إخفاءه وقال في غضب:
"إذن، اذهبي.. اذهبي للرجل الذي يود سحق كرامتك، واشتري حرية سيف ببيع نفسك. لكن أقسم بالله يا دُنيا، من هذه اللحظة، لن يفزع أحد منا لنجدتكِ من بين يديه.. وإن خرجتِ من هذا الباب لن تدخليه أبدًا.. اغربي عن وجهي"
هتف حمزة بجزع وغضب وهو ينظر لشقيقه الأكبر:
"أخي ماذا تقول.. قطعًا لا تفعل"
صدحت زمجرة عالية من نُصير مزقت سكون الدار:
"اصمت يا حمزة.. لا مكان لها بيننا بعد اليوم.. من هذه اللحظة لا اسمع اسمها بيننا"
لم تنتظر دُنيا سماع المزيد.. فقد كانت كلماتهم سياطاً تمزق روحها، لكن خوفها على سيف، وعشقها المسموم لفراس، كانا أقوى من أي ندم. تحركت نحو الباب بخطواتٍ متعثرة، دون أن تنظر خلفها، دون أن تودع فاطمة التي كانت تراقب رحيلها بنظراتٍ خالية من أي شعور، وكأنها تشاهد غريباً يغادر بيتها.
انطلقت دُنيا نحو المشفى، وهي تحمل في قلبها غصة اليتم الحقيقية، فقد خسرت عائلتها للأبد مقابل "رجل" لا تعلم إن كان سيستقبلها بالورود، أم بالسياط.
***