رواية ظل البراء الفصل السابع 7 بقلم آية احمد عرفة
7
وزار البراءة المفقودة"
#ظل_البراء
#أية_أحمد_عرفة
ـــــــــــــــــ
قال تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، تُزرَع في القلب طمأنينةٌ بأن الأخ سندٌ لا يميل، وركنٌ يُتكىء عليه حين تضعف الخطى.
لكن... ماذا لو كان الأخ هو أول من يجرح؟
كيف يُشدّ العَضُدُ بمن غرس فيك السهم؟
وكيف يستقيم الطريق حين يصبح مَن كُتب أن يكون القوة... هو سبب الانكسار؟
1
ما أقسى أن يتحوّل الضلع القريب إلى وجعٍ مقيم، وأن تصبح الأخوّة كلمةً ثقيلة لا تحمل دفئها، بل تحمل الشظايا وحدها. فليس كل مَن يجمعك به الدم... يجمعك به الأمان.
ـــــــــــــــ
كانا يسيران داخل المعرض بخطوات هادئة، تتنقّل أعينهما بين قطع الأثاث اللامعة التي تصطفّ بعناية داخل القاعات الواسعة. كان المعرض يعجّ بالناس، وهما يتحدثان. قال براء وهو يشير بيده إلى إحدى الغرف:
"شاركني رأيك بقى."
ردّ حمزة، وعينيه تتابع التفاصيل:
"بس أنا مش بعرف أشارك رأيي في حاجة مش فاهمها."
توقف براء أمامه، وكأنه يحاول أن يدمج اخيه بالعالم الخارجي، ابتسم بطمأنينة قائلاً:
"مش لازم تفهم يا حبيبي... دي مشاعر يا حمزة. شوف الحاجة اللي ترتاحلها. عبر برأيك إنك معجب بيها... يعني دي مشاعرك اتفقنا؟"
لم يقل حمزة شيئًا، لكنه اكتفى بهزّة رأس هادئة. كان واضحًا على ملامحه أنه يحاول أن يتجاوب، حتى وإن كان داخله لا يزال مرتبكًا أمام هذا العالم المزدحم بالاختيارات. تابعا السير، وعيونهما تتنقّل بين الغرف المعروضة، كل غرفة تحمل لونًا مختلفاً
استقرّ براء أخيرًا على غرفة، وبعد أن دفع الحساب، وقف حمزة يراقب العمال وهم ينقلون القطع الثقيلة إلى السيارة.
التفت حمزة إلى أخيه قائلًا:
"نروح بقى؟"
لكن براء هزّ رأسه نافياً دون تردّد:
"لأ... لسه. تعالى معايا نجيب شوية حاجات بسيطة ونروح."
لم يعترض حمزة، بل لحق به في هدوء. دلّ براء السائق على موقع البيت الذي سيتوجهون إليه،. ثم اتصل بمهاب ليخبره أن العمال في طريقهم إلى السيدة زينب، فجاءه صوت مهاب مطمئنًا بأنه سيتولى استقبالهم والوقوف إلى جانبهم حتى ينتهوا من تركيب الغرفة.
أنهى براء المكالمة وهو يزفر زفرة خفيفة تحمل شيئًا من الإرهاق وشيئًا من الأمل، ثم أدار السيارة.
ـــــــــــــــــــــــ
كان يجلس داخل الكافيه بصحبة وليد، قال أويس وهو يمعن النظر في وجه صديقه:
"فيه إيه؟ شكلك مضايق."
تنهد وليد بعمق، وكأن صدره يحمل ثقلًا يتعبه ثم قال:
"هو أنا فعلاً مضايق... البنت اللي أنا معجب بيها هتتجوز بكرة."
وتابع وهو يحرك يده بغيظ:
"مع إنّي عملت أحقر حاجة عشان أتجوزها!"
رمقَه أويس باستغراب شديد:
"عملت إيه؟"
تردّد وليد، وتحرّكت نظراته بتوتر. كان واضحًا أنه يدرك حجم خطيئته، لكنه أكمل:
"عملت أكونت فيك... وبعتلها لينك... وبعد كده هكّرت الموبايل بتاعها بالطريقة اللي إنت علمتها لي."
وقف أويس بعنف، نظرة الصدمة والاشمئزاز ترتسم على وجهه:
"العيب مش عليك... العيب على اللي علّمك! أنت ساعتها ما قولتليش إن دي نيتك يا وليد!"
ابتعد بخطوات سريعة، لكن وليد لحق به، يمسك بذراعه وهو يكاد يتوسل:
"صدقني... مكنتش هسيبها! كنت هتجوزها... بس حتى دا محصلش! هتتجوز واحد تاني!"
التفت إليه أويس، والغضب يتصاعد في صوته ونبرته:
"دا عشان لعبت بشرفها! مفكرتش الناس هتبصلها إزاي!"
ثم صرخ فيه:
"إنت واحد أناني يا وليد! وعشان كده ماكنش ينفع تتجوزها أصلاً!"
دفع ذراعه بعنف بعيدا عنه، وابتعد، لكن قبل أن يخطو خطوته التالية، توقّفت سيارة سوداء أمام الكافيه. فتحت أبوابها بقوة، ونزل منها ثلاثة رجال بوجوه لا تحمل سوى الصرامة. فاجؤوا أويس، أمسكوا به من ذراعيه، وكأنهم معتادون على الخطف.
صرخ وليد وهو يحاول الاقتراب، لكن أحد الرجال رفع السلاح نحوه قائلا بصوت خافت مهدد:
"مكانك... بدل ما تحصلّه."
تجمّد وليد، والخوف يعصف بقلبه.
لم يستطع حتى طلب المساعدة.
أُغلِق باب السيارة بعد أن أُقحِم أويس بداخلها عنوة رغم مقاومته، وانطلقت السيارة مسرعة تاركة خلفها رائحة إطارات محترقة ورجفة في قدمَي وليد.
داخل السيارة، كان أويس يصرخ في وجوههم، يحاول أن يتحرّر، لكن أحد الرجال رفع يده ليضربه. أوقفه الآخر سريعًا وهو يقول بحدة:
"إنت اتجننت؟ أيوب باشا قال محدّش يلمسه!"
1
تجمّد أويس، وكأن هذا الاسم الذي قد ألقى بقلبه
في بئر بارد.
أيوب... أخيه.
شعور ثقيل انحدر في صدره. لم يفهم لماذا استدعاه أخوه بتلك الطريقة المهينة، ولا ماذا ينتظره عند وصوله.
كان يعلم فقط شيئًا واحدًا... أن الدم بينهما لم يعد يشبه الدم.
بل صار شيئًا آخر، ولكن لا بأس... فهو اعتبره ابرد من الماء منذ زمن، علاقتهم أشبه بظلٍّ لا دفء فيه.
وما العلاقة بين الإخوة إلا خيطٌ قد تآكلت أطرافه؛ كلمةٌ مفكّكة لا تحمل معناها، رابطةٌ هشّة لا يسندها سوى الشظايا التي يخلّفها أحدهم في قلب الآخر. شظايا تبقى عالقة، كقبضةٍ مؤلمة تضغط على الروح كلما حاولت أن تنسى... فتذكّرك بأن الدم ليس دائمًا دفئًا، وأن الأخ أحيانًا يكون الوجع الأقرب.
ـــــــــــــــــــ
دلفت هند إلى الشقّة بخطواتٍ سريعة تحمل في طيّاتها غضبًا مكتومًا، لتقترب من حماتها التي كانت تجلس وتُطعِم فريدة بهدوء. وما إن رأتْها حتى قالت بتهكّمٍ واضح:
"شكلك فرحتي لما عرفتي إنه هيتجوز عليّا... ده انتي حتى ما حاولتيش تخليه يغيّر رأيه ويتراجع!"
رفعت صوتها في آخر جملة، لتردّ مفيدة بهدوءٍ :
"يتراجع عن إيه يا هند؟ انتي عارفة براء كويس... طالما خد قراره في حاجة محدّش هيغيّرله رأيه. وبعدين هو مش صغير عشان أزعق له وأقوله ما تعملش كده."
لكن هند لم تستوعب كلماتها، وقالت بنظرةٍ غاضبة، وصوتٍ مرتفع:
"أساسًا محدّش فيكم وقف في صفي! كأنكم لمّا صدّقتوا!"
ارتجفت الطفلة الصغيرة بين ذراعي جدّتها من شدّة صوتها، وفي اللحظة نفسها خرج مهاب وأميرة من الغرفة التي كانا يوضّبانها بعد أن نُقلت إلى غرفة حمزة. تقدّم مهاب بخطواتٍ غاضبة وهو يقول:
"صوتِك! انتي اتجننتي؟! بترفّعي صوتِك على أمي؟"
نظرت إليه هند بعينين يملؤهما الغيظ:
"مهاب... أنا مش ناقصاك انت كمان."
لكن أميرة تدخلت قائلةً بهدوء:
"هند... أنا متفهمة موقفِك، بس أوعي للي بتعمليه. شوفي انتي بتقولي إيه."
اقتربت هند خطوةً، وتوقّفت أمامها مباشرة، ثم قالت بسخرية جارحة:
"مين اللي بيتكلم؟ انتي طبعًا! شمتانة فيا... عاوزاني أبقى مطلّقة زي ما انتي هتبقي كده. بس في عينِك... أنا هفضَل في بيتي! الدور والباقي عليكي انتي! سايبة بيتك وقاعدة عندنا!"
1
كان مهاب على وشك الردّ، لكن والدته سبقته هذه المرّة، ووقفت أمام هند بثباتٍ واضح وقالت بحدّةٍ خافتة تحمل تحذيرًا:
"بقولك إيه... أنا عند عيالي ومش بستحمل كلمة عليهم. وزي ما هو بيتِك... ده بيتها بردو. هي هنا قاعدة في بيت أبوها يا هند، فوقي! شوفي انتي بتقولي إيه. بنتي قاعدة في ملكها... وفي أمان إخواتها، واللي منهم يبقى جوزِك."
قالت ذلك ورفعت فريدة داخل أحضانها، ثم غادرت المكان.
نظر مهاب إلى هند بنظرةٍ ممتلئة بالاستياء، ثم التفت نحو أميرة قائلًا:
"يلا يا ميرو... خلّينا نكمّل الأوضة."
ثم أكمل بنبرةٍ مقصودة، وهو يريد اغاظتها:
"أصل الأوضة بتاعت العروسة على وصول... العروسة اللي هتيجي تعدّل الحال المايل اللي موجود هنا."
أمسك يد أخته وسار مبتعدًا، تاركًا هند تشتعل من الغيظ. تمتمت وهي تكاد تحترق:
"كمان اشتريت لها أوضة؟!"
أخرج مهاب برأسه من باب الغرفة بعدما أستمع إلي جملتها، وقال ببرودٍ مستفز:
"أمال عاوزاهم يتجوزوا على السطوح؟"
4
ثم دلف إلى الداخل، تاركًا هند تتآكل في نفسها.
ليس كلُّ ظلمٍ نراه حقيقةً ظلمًا،
فأحيانًا تعمي الغلظةُ أعينَنا فنحسب أنفسنا مظلومين،
ونحن أوّلُ من جارَ على الحقّ في لحظةِ غضبٍ عابرة.
إنّ الصوتَ المرتفع لا يمنح المرءَ قوة،
ولا الكلمةُ القاسية تُثبت موقفًا،
فالبيوتُ لا تُصان بالصراخ،
ولا تُحفظ الكرامةُ حين نفقد حكمةَ اللسان.
وما من نارٍ يشعلها المرء في قلبه
إلّا كانت أوّلَ ما يحرقه...
قبل أن تطال غيره
ــــــــــــ
كان يجلس داخل غرفةٍ مظلمةٍ بالكاد يرى معالمها، كأن الظلام جدارٌ يلتصق به طيلة حياته، ولا يترك له مهربًا.، ورائحة الرطوبة تملأ المكان، بينما كان هو جالسًا على الكرسي الخشبي المهترئ، يضم كتفيه إلى بعضهما وقد اعتاد هذا الصقيع الذي يحيط به. لم تكن هذه أول مرة يُترَك فيها وحده خلف بابٍ مغلق؛ بل صار الأمر عادةً مُرّة يتجرّعها منذ زمنٍ لم يعد يقدر على حصره.
لم يكن يتحرك، وكأنّ جسده سلّم نفسه لهذا السكون الجارح، حتى انفتح الباب فجأة، ليندفع شُعاعٌ من الضوء يشقّ الظلام، دلف أيوب، وخطواته الثقيلة تُعلن قدومه قبل أن يراه. كانت القسوة ترتسم على ملامحه بوضوح، والحدة في عينيه تشبه سهامًا مسنّنة تنتظر الانطلاق.
ترك الباب مفتوحًا قاصدًا أن يغمر الضوء أخاه، كأنما يتعمّد كشف ضعفه أمامه. اقترب ببطء، وجلس على الكرسي المقابل له، مسندًا ظهره وكأنه في مكانه الطبيعي. حدّق فيه طويلًا بنظرةٍ لا تحمل سوى التهديد، ثم رفع يده فجأة وصفعه صفعةً قوية ارتدّ صداها في جدران الغرفة، قائلاً بغضبٍ مكتوم:
"مش معنى إني سايبك تعمل اللي انت عاوزه... يبقى انت كده حرّ طليق! فوق يا لا... وافتكر إني عيني عليك طول الوقت."
لم يردّ أويس. ظل ينظر إليه بعينين يملأهما غضب صامت، غضب يعرف تمامًا أنه لو تحوّل لكلمة واحدة... سيدفع ثمنها غاليًا. لكنه رغم ذلك لم يُخفِ شيئًا؛ كانت نظراته وحدها تتحدث بما لا يقدر أن يبوح به.
اقترب أيوب أكثر، حتى صار نفسُه يلامس وجه أخيه، وقال ببرودٍ يشبه حافة سكين:
"أنا استحملت قرفك كتير... ومش مستعد أستحمل لحظة زيادة. خصوصًا لما شغلي يدخل في الموضوع. ساعتها... أقضي عليك بإيدي يا أويس.
وجودك في حياتي ... لعنة. ساعات بتمنى لو كنت متّ مكانه... كان هيبقى أرحم بكتير."
تلقّت أذن أويس الكلمات كضربةٍ لا تقل عن الصفعة. الذكرى التي حاول أن يهرب منها طوال عمره طفت على السطح كأنها لم تختفِ يومًا. رفع رأسه أخيرًا، مُجبَرًا على الحديث:
"مفيش داعي... كل ما تشوف خلقتي تفكرني. أنا عمري ما نسيت اللي حصل."
قهقه أيوب ضاحكًا ضحكةً غليظة، خالية من أي روح، كأنه يسمع نكتة لا يسمعها غيره. لكنه توقّف في لحظة، وحدّق فيه بنظرة قاتلة وهو يقول:
"هو في حد بينسى إنه قاتل؟"
صفعةٌ أخرى هبطت على وجهه، كانت أقسى من الأولى. نهض أيوب وسار في الغرفة ذهابًا وإيابًا، يضغط على أسنانه ليحبس غضبه، وكأنه لو لم يفعل لانقضّ على أخيه حتى يفقد وعيه. ثم توقف فجأة ونطق ببرودٍ مسموم:
"مهاب الزيني... أدهم علوان... كانوا بيعملوا إيه في بيتك؟"
رمش أويس بعينيه غير مستوعبٍ كيف قفز اسماهما الآن. ما علاقة هؤلاء بكل هذا؟ لكنه لم يجد وقتًا للتفكير، لأن صوت أيوب انفجر فيه بغضب:
"اخلـــــــــــــص... رد عليَّ!"
بلع ريقه وقال بصوتٍ متردد:
"كانوا عاوزين أعملّهم حاجة... على النت."
ضرب أيوب الطاولة بقبضة يده بقوة اهتزّ معها جسد أويس قائلا بتساؤل:
"إيه بقى؟ منشورات؟ سياسة؟ انت فاكرني عبيط؟"
هزّ أويس رأسه نافيًا بسرعة:
"لأ... ملهاش علاقة. بنت قريبتهم كان ليها صور... وطلبوا مني أشيلها."
اقترب أيوب منه بخطوات ثقيلة، ونبرة ساخرة تقطر تهديدًا:
"عارف لو كنت بتكدب... واكتشفت؟
هعمل فيك إيه ساعتها؟"
نظراته عليه كانت لا تفسر كثيرًا، لكنها تحمل القهر ليخرج صوته مقهورًا بصدقٍ موجع:
"مش عارف... عشان انت عملت كل حاجة ممكن تتعمل."
توقّف أيوب لحظة، ثم أدخل كلتا يديه في جيبته كأنه يعيد ترتيب غضبه، وقال ببرودٍ تام:
"لأ... لسه. في حاجات ألعن ممكن أعملها فيك.
عشان انت بالنسبة لي... قاتل. وبس."
ثم انحنى قليلًا نحوه، وهو يقول بنبرة تحذيرية:
"ابعد عن مهاب الزيني وأدهم علوان. أنا مراقبهم... وعليهم شُبهة أنهم منضمين لجماعات."
رد أويس بحزمٍ ضعيف لكنه صادق فهو يعلم مهاب من المستحيل إن يورط نفسه في ذلك:
"مهاب زميلي من أيام الكلية... ومالوش في الكلام ده."
قال أيوب بصوتٍ حاد:
"ده شغلي... وأنا اللي بقرر مين ليه يد ومين لأ. اللي قولته يتنفذ... فااااهم؟"
لكن أويس، رغم خوفه منه، رفع رأسه إليه قائلًا:
"لأ...مش فاهم.
انت سرقت طفولتي... ومش هسيبك تسرق اللي فاضل.
ولو أنا قاتل... يبقى انت ظالم يا أيوب."
كأن الكلمات صدمت أيوب في صميم غروره، فانفجر غاضبًا. لم يمهل أخاه ثانيةً واحدة؛ انقضّ عليه بضرباتٍ متتالية، بلا رحمة، بلا توقّف، كأن الغضب يغذّيه من الداخل. أما أويس فترك جسده يسقط تحت الضرب، يتلقي لكماته وصفعاته، لم يدافع، لم يرفع يده، كأنه اعتاد هذا منذ زمنٍ طويل، كأن الألم صار جزءًا منه لا يتجزأ.
ظل أيوب يضربه ووجهه متجهم، كأن الرحمة مفهومٌ لم يعرفه يومًا، وأن فكرة أنّ الذي بين يديه أخيه... لم تكن كافية لتوقفه لحظة واحدة، لحتي يشفع له.
ــــــــــــــــــ
عجيبٌ هو الألم حين يأتي من أقرب الناس؛ يُصبح أعمق، وأشدّ وطأة، كأنه خُلق خصيصًا ليكسر ما لم يكسره الزمن تُربكنا ضرباته، لا لأننا ضعفاء، بل لأن اليد التي تؤذينا كانت يومًا ما، اليد التي تمنّينا أن تُمسك بنا فننجو نحاول الهرب، فلا نهرب...ونحاول النسيان، فلا ننسى...وكأن الجرح يأبى أن يُغلق ما دام صاحبه حيًّا في الذاكرة
ـــــــــــــــــــــــــ
كان العمال قد أنهوا نصب الغرفة، وانتهى براء أيضًا من شراء كل ما يحتاج إليه. دلف الأخوان إلى الشقّة وهما يحملان الأكياس، يتبادلان أنفاس التعب بعد يومٍ طويل. اقترب مهاب منهما سريعًا، وجذب الأكياس من أيديهما ليخفّف عنهما الحمل، ثم التفت إلى براء وقد ارتسمت على ملامحه نظرة تحمل معنى واضحًا.
قال بنبرة منخفضة:
"هند رجعت."
تجمّدت ملامح براء لحظة، ثم اكتفى بهزّ رأسه ودلف إلى الغرفة ببطء. كانت هند تجلس، وما إن وقع بصرها عليه حتى نهضت فورًا، ترسم على وجهها ملامح البراءة بإتقان يحسد عليه، ثم تقدّمت نحوه بخطوات محسوبة.
قالت بصوت يحمل اتّهامًا وحنينًا معًا:
"براء... أنا آسفه. أنا مش هقدر أسيبك. إحنا مش عشرة يوم... دا أحنا عشرة سبع سنين."
توقّفت لحظة، تلتقط أنفاسها، ثم استرسلت في الكلام بسلاسة ظاهرة وذكاء واضح:
"أنا هتقبّل الوضع دا... عشانك انت وبس."
لمعت الدموع في عينيها وهي تضيف بانكسار يختلط بدهاء:
"عشان بحبك... هاجي على كرامتي."
تحرّك قلب براء للحظة تجاه انكسارها، فاقترب منها برفق، ووضع يده على رأسها يقبّله بنعومة قائلاً بصوت هادئ:
"صدقيني... الموضوع جه صدفة. بسبب الصور فقلت لهم إني هتجوّزها... ووافقوا. بس عاوزِك تفهمي إني عمري ما هفرق بينكم أبداً."
هزّت رأسها طاعةً، ثم تابعت بصوتٍ مكسورٍ متقن:
"أنت عارف إنّي بحبك أوي... بلاش تزعل مني عشان اللي قولته. كانت لحظة غضب... أنا من غيرتي عليك مكنتش عارفه بقول إيه."
هز رأسه بتفهم، واقترب منها مجددا، يقبّل جبينها ويضمّها إلى صدره محاولةً تهدئتها... غافلا تمامًا عن تلك الابتسامة الخبيثة التي تسللت إلى شفتيها في الخفاء، معلنة أن أوّل خطوة في خطّتها قد وُضعت الآن.
1
ــــــــــ
توقّف التاكسي أخيرًا، ففتح الباب ونزل من السيارة ببطء. كان وجهه مغطّى ببعض الكدمات، والإرهاق بادٍ عليه بوضوح، بينما تعرّج ساقه عرجة خفيفة مع كل خطوة يخطوها. دلف إلى العمارة وصعد الدرجات واحدة تلو الأخرى، حتى توقف أمام باب شقّته. أخرج المفتاح ووضعه في القفل، فتح الباب ودلف إلى الداخل. أوصد الباب خلفه اتكأ يظهره على الباب لثوانٍ، كأنما يحتاج لحائل يسنده من ثقل العالم، ثم استقام في وقفته وخلع حذاءه.
دلف إلى الغرفة ورمى بجسده فوق الفراش، يطالع السقف بعينين تحملان تيهًا طويلاً... لا يدري إلى متى سيظلّ أخوه يدفعه ثمن شيءٍ لا ذنب له فيه. هو فقط كان سببًا، نعم، لكنّه سبب غير مقصود. غير أنّ هذا الحديث لا يُقال لمن لا يريد السماع؛ لا أخيه يستمع، ولا والده، ولا والدته...لا أحد جميعهم لم
يراه سوى عبءٍ ثقيل، منبوذًا من الجميع.
أغمض عينيه بإرهاق شديد، لتتسلّل إليه ذكريات الماضي كمشاهد متقطّعة داخل عقله.
كان أيوب في الثامنة عشر أما هو كان في الثانية عشرة من عمره، وله أخٌ أصغر منه بسنتين. كانا يناقران بعضهما باستمرار، فهذه طبيعة الأطفال المتقاربين في السن؛ يحبون العبث واللعب، وقد يصل الأمر إلى الضرب باعتباره «مزاحا». لكنّ ذلك الأخ الأصغر كان محبوبًا من الجميع أكثر منه. والده ووالدته يدللانه باستمرار، وكلّما حدثت مشكلة، وُضِع الذنب عليه، وهو الذي يُعاقب حتى لا يُحزنوا أخاه الأصغر.
أواب... نعم، هذا كان اسمه. كان أيوب أيضا يحبه كثيرًا لأنّه الأصغر، ولأنّ اسمه يشبه بشكل يزيد المقارنة، يتذكّر كيف كان هو وأواب لا يتوافقان أبدًا، بسبب قرب السنّ الذي كان يشعل بينهما الاصطدامات باستمرار. أهل البيت كلّهم يعرفون ذلك، والعائلة بأسرها كانت تتعامل مع الأمر وكأنه صراعٌ أبديّ بينهما وسيزول عندما يكبروا.
حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم...
اليوم الذي هدم حياته من جذرها.
اليوم الذي خسر فيه كل شيء.
اليوم الذي كرهه فيه الجميع، وانطفأ نور حياته، وتلاشى منه الأمان. ومنذ تلك اللحظة بدأ الناس يعاملونه كأنه مسخ بات منبوذا... شيئ لا يساوي عندهم شيئًا، ووجوده بذاته خطر يجب الابتعاد عنه.
Flashback.....................
دلف أويس غرفة والده. كان حينها في الثانية عشرة من عمره، وكان يجلس أخيه الأصغر، أواب، ويتلاعب بأشياء والدهم. قال أويس وهو يحاول إخراجه من الغرفة:
- أواب، انت بتعمل إيه؟ يلا بينا نطلع، بابا مش بيحب حد يدخل أوضته.
نظر إليه الطفل بعناد، معتادًا على تدلل الجميع له:
- لا ملكش دعوة!
كاد أويس أن يذهب، لكن توقف عندما وقعت عيناه على مسدس والده بين يدي أخيه. نعم، فوالده كان يعمل في الشرطة. اقترب مسرعًا:
- أواب، سيب المسدس دا، حقيقي مش لعبة!
نظر إليه أواب بعناد أكبر:
- أنت بتقول كده عشان ملعبش بيه يا كداب!
قال ذلك ورفع المسدس على أويس، الذي نظر إليه بصدمة وخوف، وتراجع خطوة إلى الخلف، وهو يتلعثم:
- أواب... أنا مش بهزر... المسدس حقيقي... سيبه...
لكن أواب كان في ذهنه اعتقاد أن أخاه يحاول أخذ المسدس منه للعب به، فهز رأسه رافضًا:
- لا... يا أويس، انت بتضحك عليا، شوف... هضغط دلوقتي.
ومع تلك الكلمات، بدأ أواب يضغط على الزناد، مدركًا في داخله أنه لن يستطيع نزع السلاح من يده، بينما أقترب منه على سهو وحاول أويس بشدة أن يبعده عنه ويأخذ المسدس.
ولكن حدث ما لم يتوقعه أحد؛ خرجت الرصاصة، واخترقت قلب أواب. نظر أويس إليه بصدمة، وارتد إلى الخلف، ليقع أخوه على الأرض غارقًا في دمائه، والمسدس مازال بين يدي أويس.
دخل الجميع إلى الغرفة في حالة من الذعر والفزع. كان المشهد صادمًا: المسدس في يد ابنهم، والإبن الآخر ممدد على الأرض، والدماء تسيل منه. اقترب أيوب مسرعًا ليتأكد من نبضه، لكن الرصاصة كانت قد اخترقت قلب أواب، ومات في حينها.
بدأت صرخات والدته، تضرب بيديها وجهها، صادمة وغير مصدقة لما حدث. أما الأب، فقد حاول استيعاب الموقف، ورغم ذلك انهال على أويس بالضرب، وهو يبكي على فقدان ابنه.
ومنذ تلك الليلة، تحولت حياة أويس إلى ظلام. الجميع أصبحوا يكرهونه. لم يقع عليه أي ذنب قانونيًا لأنه كان تحت السن القانوني، لكن أهله حكموا عليه بأنفسهم. والدته قاطعت الحديث معه، ولم تعد تتحدث إليه
وكان أيوب، كلما التقى به في البيت وكان غاضبًا، يلقي بغضبه عليه، يضربه ويعنفه. بات منبوذًا من الجميع، وبنظرهم، لم يكن سوى قاتل.
عاد أويس من شروده، لا يزال يحدق بسقف الغرفة، يشعر بثقل الألم في قلبه. لم يسأله أحد عن وجعه أو عن معاناته. كان أخيه الأصغر بالتأكيد لم يكن يتمنى له ما حدث، لكن الجميع كانوا كالجليد، لا أحد منح له فرصة ليُسمع ما في داخله.
2
والده استمر في ضربه منذ ذلك الحدث، والدته قطعت الحديث معه، وأيوب كان أكثر من آلمه. كل ما فعله الجميع به في كفة، وكل أفعال أيوب بيه كانت في كفة أخرى من المعاناة.
هكذا صُنّفه أويس في حياته: الألم بحد ذاته. لم يعد مجرد أخ، بل أصبح هو الجليد بحد ذاته.
انحنى وفتح الدرج الصغير بجانب الفراش، أخرج دفتر مذكراته، فتحه، وبدأ يسطر على صفحاته ما يعتصر قلبه ويفرغ فيه ما بداخله.
أحمل في صدري وجعًا لا يهدأ، كأن قلبي صار مقبرة لذكرى لا تموت. كل ليلة تُعيد لي الوجوه الباكية، الصرخات، الدم الذي سال من أخٍ ما أردت له إلا الضحكة... لكن القدر اختار أن يلطّخ يدي بذنبه.
أنا الندم كله... أنا الخطأ الذي لم يُغتَفَر.
أهرّب أنفاسي من ضيق لا يرحم، وأحاول الاقتناع أنني كنت طفلًا... لكن ماذا يفيد ذلك الآن؟ ماذا يجدي حين تراني أعينهم قاتلًا قبل أن تراني بشرًا؟
أشعر أنني عشت ألف مرة في اللحظة التي خرجت فيها الرصاصة... كأن الزمن توقف ليعاقبني، وكأن الحياة كلها انطفأت من حولي وبقيت أنا وحدي في العتمة.
كم تمنّيت... والله يعلم كم تمنّيت...
لو أن أخي ترك إصبعه ينزل على الزناد دون أن أحاول منعه، لو أنه وجّه الرصاصة نحوي، لو أن الموت أخذني أنا... ولم يمس قلبه الصغير.
لعلّهم كانوا سيستريحون...
لعلّه كان سيكبر، ويلهو، ويضحك كما كان يفعل دائمًا...
ولعلّني كنت سأرحل دون أن أتحوّل إلى ظلّ يخيفهم، وإلى لعنة يفرّون منها، وإلى ذنب يطاردهم كلما وقع نظرهم عليّ.
أنا نادم... نادم حدّ الانهيار.
أتمنى لو أعود إلى تلك اللحظة لأصرخ فيه، لأحميه، لأدفعه بعيدًا، أو لأفتح صدري للرصاصة بدل قلبه.
لكن الزمن لا يعود.
وأنا؟
بقيت هنا، نصف روحٍ تحيا، ونصف آخر مات معه...
أعيش بينهم كأنني لا أنتمي لشيء، لا إلى بيت، ولا إلى قلب، ولا حتى إلى نفسي.
وكلما أغمضت عينيّ سمعت صوته... ورأيت دماءه... وشعرت أنني، مهما حاولت، سأظلُّ ذلك الطفل الذي قتل أخاه... وإن لم يكن يقصد.
ــــــــــــــــــــ
جاء اليوم التالي، وقد بدت التحضيرات على قدمٍ وساق داخل بيت الزيني، يستعدّون لاستقبال العروس، وتعمُّ الحركة المكان بين الداخلين والخارجين.
أمّا هند فآثرت المكوث في غرفتها، خشية أن تتورّط في مشادة تُفسد الأمر الذي تُخطِّط له. كانت تريد أن تبدو أمام الجميع كأنها لا تُبالي بشيء، ثابتة لا يهتزّ لها جفن.
ــــــ
وفي بيت علوان، دلف أدهم إلى غرفة أخته التي لا تزال جالسة فيها، وعلى يده يحمل فستانًا بسيطًا لكنه أنيق، وقال وهو يمدّه نحوها:
— براء جاب ليكي الفستان دا… إيه رأيك؟
رفعت نظرها إليه بنظرة مُرهَقة، وقالت بنبرةٍ ساخرة تحمل في طياتها غصّة واضحة:
— دا بجد؟ بتسألني… على أساس إن كل حاجة ماشية طبيعي يعني؟
وضع الفستان على الفراش برفق، واقترب منها قليلًا وهو يقول بصوتٍ هادئ يحاول أن يخفّف عنها:
— نصيبك يا سِكن. مين عارف بكرة في إيه؟ عمتًا… حاولي تفرحي. الجواز كده كده هيتم، وكلها ساعات وهتكوني مراته.
قال كلماته ثم خرج، وتزامن مغادرته مع دلوف سندس التي قالت وهي تقترب من أختها:
— سِكن، يلا عشان تتغدي. مش معقول كده… إنتي ما كلّتيش حاجة من امبارح.
رفعت سكن وجهها نحوها، نظرتها شاردة كأنها تبحث عن نفسها:
— فين النفس اللي هتاكل؟ سبيني في حالي
يا سندس… خليني في اللي أنا فيه.
تنهدت سندس بحزن؛ لم يخطر ببالها يومًا أن تتزوج أختها بهذه الطريقة.
حلّ الليل، واجتمع الجميع داخل بيت علوان. جلس المأذون، وبراء يجلس أمام علوان ويضعه يدهم في يد بعض، ويردّد كلٌّ منهما ما يمليه المأذون بصوتٍ هادئ
وبعد دقائق معدودة، قال المأذون أخيرًا:
— بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير… زواج مبارك إن شاء الله.
أخذ أدهم الدفتر من المأذون، ودلف إلى غرفة أخته التي كانت جالسة بحزنٍ واضح، ترتدي الفستان الذي أتى به لها براء. قال وهو يقترب منها:
— وقعي
رفعت رأسها ببطء، ابتلعت هذه الغصة التي تشكلت في حلقها قائلا بمرارة:
— يعني خلاص؟
أجابها برفقٍ يكسوه العجز:
— يلا يا حبيبتي… وقعي عشان نِخرج. ماينفعش كده. أهله هيقولوا علينا إيه؟
ابتسمت بتهكم واضح واضافت بسخرية خافتة:
— هما لسه هيقولوا؟
ومع ذلك، مدّت يدها، أمسكت بالقلم ووقعت، ثم فتح لها أدهم البصّامة لتبصم أيضًا. نهضت معه لتخرج، فاقتربت منها أميرة لتبارك لها، وكذلك والدتها.
وقال مهاب مبتسمًا ابتسامة مجاملة:
— مبروك.
هزّت رأسها له بابتسامة هادئا..
أمّا براء، فكان يطالعها بنظراتٍ هادئة لا تفهم ولا تفسر، وكأنه يحاول قراءة ما يجول في بداخلها.
التفت مهاب إلى أدهم وقال:
— يلا… خلّينا نفرّق الحاجة الساقعة على الناس تحت.
ليذهبوا إلي الأسفل.
بينما حمزة كان يقف بعيدًا، متخذًا وضع المتفرّج، يلقي نظرة على الساعة بين حينٍ وآخر؛ فما زال لديه وقت على معاد نومه، فهو لا يحب العبث بجدوله اليومي مهما كان الحدث.
1
ـــــــــــــ
داخل بيت الزيني، دلفت هند إلى المطبخ بخطواتٍ هادئة تُخفي وراءها نيّة لا يعلمها سواها. وقفت تتفحّص الأطباق المصفوفة بعناية، قبل أن تقع عيناها على الصينية المخصّصة للعرسان؛ كانت مرتّبة ومغطّاة بعناية، تمامًا كما كانت تتوقع… وتمامًا كما كانت تخطّط.
مدّت يدها إلى جيبها تُخرج زجاجة صغيرة أخفتها منذ الصباح، فهي تريد إفساد هذه الليلة، تريد أن تمنع أي تقارب بين براء وسِكن.
وقفت لحظات تتأمل محتويات الصينية، تبحث عمّا يمكن أن تضع فيه ما ما تحمله، لكنها تريد فقط أذية سكن.
وفجأة وقعت عيناها على زجاجة عصير الرمان الموضوعة بعناية فوق الصينية. كانت مغلقة بإحكام، مُعدّة خصيصًا للعروس.
ابتسمت ابتسامة خبيثة؛ فهي تعلم أن براء لا يحتسي هذا النوع من العصير، ولن يلمسه.
فتحت الزجاجة ببطء، كأنها تفتح بابًا نحو خرابٍ مُنتظر، وسكبت داخلها بضع نقاط من محتوى الزجاجة التي تحملها.
وتحوّلت ابتسامتها إلى شغفًا بالانتقام، وهي تهمس بنبرة مملوءة بالتشفي:
— مبقاش هند الزيني… إن ما خليتك تقضي الليلة في المستشفى يا عروسة الندامة.
ثم أعادت غطاء الزجاجة بإحكام، ووضعتها مكانها كأن شيئًا لم يكن… بينما شرها قد غرس ليلتهم.
1
ــــــــــــــــــــــــــ
ما يزرعه الحقد لا يُثمر نصرًا، بل يردّ على صاحبه بثمنٍ أثقل،
فما من يدٍ تمتدّ لتُهلك غيرها… إلا وتعود مثقلة بما اقترفت.
﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾
الحِقد سهم يعود إلى صدر صاحبه، مهما ظنّ أنه أصاب غيره.