رواية لقياك لي المأوي الفصل السابع 7 بقلم اية احمد
الفصل السابع
تعلقت نظراتها على كاميرا الهاتف لتتسع بسمتها بإشراق ثم ضغطت فوق الشاشة لتلتقط الصورة... استدارت بمعطفها الطبي تستند على المكتب الصغير المتواجد في الصيدلية... فلتت منها ضحكة صغيرة بعدما تركت ديما تعليقا على صورتها التي قامت بنشرها للتو على موقع التواصل الاجتماعي...
« قاتلي يا فتاة... العالم يعتمد عليكِ» وجه يضحك ثم وجه بأعين قلوب حمراء...
ضغطت زر اعجاب و هي تهمهم ببسمتها المشرقة..
(كسولة... لا بد من أنها الآن لا تزال في السرير)
توالت بعدها التعليقات و الإعجاب بصورتها... ابتسمت بحنان حينما قرأت تعليق أريج المشجع...
«عملا موفقا حبيبتي»
ظلت تتابع بأعين لامعة و روحا متحمسة لخطوة جدية و نافعة كخطوتها في بدء العمل... حتى توقفت أنفاسها عند تعليقه... هو الوحيد المذكر وسط زميلاتها على موقع التواصل الاجتماعي...
«اتمنى لكِ يوم عمل أول سعيد... ابذلي جهدكِ »
تراقصت نبضات قلبها مع تعليق رامي البسيط... تخضبتا وجنتاها بحمرة الخجل و امتلأتا حدقتاها بالفخر... هو يراقب نضجها بكل خطواته... من طالبة مجتهدة و حتى صيدلانية بدأت للتو مسيرة مهنتها... انقطع حبل افكارها حينما صدح صوت رسالة من تطبيق الدردشة مصاحبة لظهور صورة ديما بشكل دائري على جانب صفحة الهاتف... و كلمات جعلتها تضحك بصوت مسموع
« يا صباح رامي الخير... ابذلي جهدكِ يا غسق و ارفعي رؤوسنا»
ضغطت فوق صورتها الدائرية لتنفتح صفحة الدردشة أمامها... عدة وجوه ضاحكة كانت الاجابة و بعدها ارسلت كلمة واحدة...
«غليظة.. »
ناكفتها ديما بمشاكسة حينما أرسلت رسالتها مصحوبة بوجه يفكر...
«هل صفة الغلظة عندكِ متفاوتة في الدرجات؟!»
ضيقت غسق عينيها بجهل لترسل...
«لم أفهم....»
وصلتها رسالة ديما السريعة...
«أقصد لو هي ثابتة فما أحلاها صفة... حينما تجمعينني مع الشهم الوسيم ابن المراكبي في صفة واحدة فعلي شكركِ»
بهتت ملامح غسق أمام رسالة صديقتها... هي لم تصف شخصا بالغليظ من قبل غير هذا الفظ الغليظ... هزت رأسها بيأس من تحوير ديما الدائم للأمور... أنها ببساطة تأخذها من أقصى اليمين لأقصى اليسار... دلف ولد صغير الصيدلية فأسرعت تكتب على عجلة و تنهي الحديث...
«علي أن أغلق يا عاشقة الحي الشعبي فلدي زائر»
أرسلت لها ديما كفيين يصفقان ثم وجه يرتدي نظارة شمسية مع رسالة صغيرة مودعة...
«أصبحنا أناس مهمين و لدينا زوار... الى نداء الواجب ايتها المقاتلة... احدثكِ مساءً»
وضعت هاتفها في جيب معطفها و أسرعت للولد الذي بدا حافظا للصيدلية عن ظهر قلب... لقد دلف ليسحب الكرسي الخشبي الموضوع بالخارج للعجائز... جالسا منتظرا مجيئها بوجه شابه الملل!!...
لا يهم هو ولد صغير و يبدو من سكان المنطقة لهذا يتعامل بكل حرية... وقفت قبالة طاولة العرض الزجاجية الفاصلة بين داخل الصيدلية و الباب الخارجي المطل على الحي... ابتسمت بحنان تسأله
(صباح الخير يا صغير... كيف اساعدك؟)
رفع وجهه لها بدهشة ثم عوج شفتيه بانزعاج ليصدر صوته المتشح بنبرة نزق لا ترتقي لسنه او هيئته قائلا...
(لست صغيرا اسمي طاهر... هيا أجلبي لي دواء أبي سريعا)
حسنا هذه القمامة التي خرجت لتوها من فم هذا الطفل الكارثي لن تلتفت لها... لقد جهزت نفسها لما هو اسوء عند الاختلاط بالمرضى... لكن حقا كيف لها أن تمرر مطلبه!!!... "دواء أبي"!!!!! يمزح أليس كذلك؟
(و ما هو اسم دواء والدك؟)
رمقها نظرة متضايقة ليقول بصوت شعرت معه بأنه بدأ يفقد صبره... هل هذا طفل بريء؟!!... انه مجرم متنكر في زي الطفولة!!!
(لا أعرف له اسم... دوما أطلبه باسم دواء أبي... من كان يقف قبلكِ هنا كان يعرفني و يجلبه لي دون مماطلة و وجع دماغ)
ضربت الدماء في دماغها فزاد معدل الغضب... انه طفل قليل التربية... جاهل بأقل درجات احترام الكبير... هذا لو كبر كيف سيصبح؟!... قاتلا!!!!
احتدت نبرتها غصبا لتؤشر بسبابتها قائلة بغضب مكتوم...
(اسمع ايها الطفل يجب أن تتحدث بأدب مع الكبير هذا أولا... و ثانيا أنا لست منجما او مشعوذا لأخمن اسم دواء والدك... اذا كنت تريد أن أجلبه لك احضر اسمه أو على أقل تقدير علبته كي أتمكن من جلب الدواء الصحيح)
وقف مبتعدا عن الكرسي يناظرها بحدة هاتفا...
(اسمي طاهر و لست طفلا أو صغيرا... و بيتي بعيد بشارعين عن الصيدلية إذا لم تكوني بقادرة على الوقوف هنا لمَ تقفين أم هي مضيعة لوقت الزبائن في الذهاب و العودة)
فقدت سيطرتها على هذا الشبل قذر اللسان... فتشابكت ذراعاها فوق بطنها تناظره بنظرة مخيفة قائلة بأعين غاضبة مشتعلة...
(تفتخر باسم أنت بعيد كل البعد عنه... اسمع يا ولد لو لم تحترم فارق العمر بيننا و تحترم كوني الصيدلانية هنا لن أصرف لك أي دواء... و الشارعان الفاصلان بين بيتك و الصيدلية سيتضاعف عددهما لأربع مرات كي تحصل على دواءك من الصيدلية المتواجدة على الطريق العام)
بادلها نظرة مشتعلة ليزفر بغضب و يسرع في الخروج مغمغما بكلمات لاعنة... فكت تشابك ذراعيها لتبهت ملامحها بدهشة... هل هذا سيكون مصيرها في التعامل مع الناس؟!!... ها هي العينة الأولية طفل لم يتعدَ الحادية عشر و يناطحها بقلة أدب و تبجح!!!... زفرت مرات متتالية و شعور الحماس كله يتبدل لخيبة أمل... هي كارهة لفكرة العمل في صيدلية أهلية فما بال العمل هنا وسط أهل هذا الحي الذي تمقته!!!... ضمت معطفها الطبي بنزق و اتجهت تجلس خلف المكتب الصغير تنتظر نوادر و طرائف مهنتها التي يبدو تحمل في جعبتها المزيد...
و بالخارج قطع طاهر مسافة الشارعين عائدا للبيت لمعرفة اسم الدواء... كان حانقا متذمرا حتى انه لم يلحظ جسد هدير الذي اصطدم به دون قصد... رفع وجهه اليها يقول بعبوس...
(لا مؤاخذة يا "ست" هدير لم أنتبه)
بوجهها ذي الملامح البريئة و بسمتها الناعمة التي وهبتها له جعلته يشيح بوجهه بعيدا مغمغما...
(هل تحتاجين شيئا أشتريه لكِ؟)
مالت على رأسه تسمح فوقها و تسأله بقلق...
(ما بك يا طاهر هل تشاجرت ثانيةً مع أولاد الحي؟)
زفر بقنوط رافعا وجهه لها قائلا بحدة...
(لا... لكنني غاضبا من معاملة "ست الدكتورة" لي!)
اعتدلت في وقفتها تضم طرف عباءتها السوداء المفتوح على جسدها... نظرت ناحية الصيدلية تسأله بدهشة...
(هل تقصد ابنة الاستاذ ثروت؟... ماذا فعلت؟)
تخصر بضيق يقص لها ما حدث كله... فابتسمت بنعومتها قائلة بنبرة توبيخ رقيقة...
(لكنك أخطأت يا طاهر في تصرفك معها... هي ليست فتاة عادية في حارتنا أنها دكتورة فلا تحسب ما تتقبله منك باقي النساء هنا ستتقبله هي)
راقبت امتعاض وجهه فضحكت بحياء ثم مسحت فوق رأسه لتردف..
(كما أنها لا تعرف حقا اسم دواء والدك كيف ستصرفه لك بالله عليك!!)
أبعد وجهه من تحت كفها ليتجه نحو البيت المكون من طابقين يعيش هو مع اسرته في طابقه الأول بينما هدير و والدتها في الثاني... تحدث اثناء سيره باقتضاب...
(سأبحث لها عن اسمه او علبته علَّها تفلح في جلبه لي...)
تضايقت من تطاوله على "دكتورة الحي" و التي و ان لم تتعامل معهم فجميعهم يكنون لها احتراما كبيرا... فهمّت بقولها الناصح برفق...
(طاهر راعِ كلامك عنها بالتأكيد لو استمع لك الحاج سليمان سيتضايق... و أسرع سأنتظرك هنا حتى تعود بالدواء)
وقفتها عند باب البيت الذي تقطن فيه جعلتها محط انظار هذا الذي اتخذ من المقهى مجلسا... لقد عاد و كم يحب أن يبلغ هذه المعلومة لكل الناس... لذا اختار المقهى منذ الصباح ليجلس عليه يطالع الرائح و الغادي... بنظراته المخيفة و وجهه المتحفز بتلك العلامة التي تركها كرم كتذكار... كل ما فيه يصرخ في الناس أنا هنا قد عدت لكم من جديد... ضيق عينيه المتعلقة بها ليميل على صاحبه الجالس معه متسائلا...
(من هذه الفتاة يا عزت؟)
التفت بصر عزت لها ليعاود النظر له قائلا بنبرة بديهية...
(انها هدير ابن عبد الصبور قريب سليمان المراكبي)
هز داغر رأسه ببطء و عيناه لا تبرحا عنها و لو قليلا... يراقب هشاشتها الظاهرة من ملامح وجهها البريء... جسدها الأنثوي خلف عباءتها السوداء... ملفتة للنظر و تبدو كترضية لمزاجه عن سنوات السجن العجاف... فلتت من بين شفتيه همهمة هامسة...
(لقد كبرن فتيات المنطقة و زادت حلاوتهن...)
ظن أن صوته غير مسموع لكن عزت اقتحم شروده فيها ليقول بصوت شابه التحذير...
(لقد سمعت أن سليمان يريدها لكرم...)
عيناه التفتتا بسرعة البرق لوجه عزت... كانتا متسائلتين متحفزتين و فيهما من بحور الظلام الكثير... و حينما وصله التأكيد من نظرة عزت فاض البحر بموجه الأسود ليغرق ملامح وجهه كلها في ظلمة لا متناهية... عاد يلتقط هذه الفتاة بنظراته لتتسع بسمته بخبث و نية حاقدة... إذًا الحلوة التي لفتت نظره هي نصيب كرم... مدَّ ذراعيه أمامه لتتشبث كفاه معا يحركهما يمنة و يسرى يطقطق اصابعه و يصدر صوت تسلية من فمه... راقبه عزت متسائلا ففلتت منه ضحكة صغيرة مخيفة هامسا...
(لقد تخشبت عضلاتي من هذه الجلسة... فقط اقوم بالإحماء فالساحة تنتظرني)
مرت من أمامه مع طاهر غافلة عن نظرته السوداء لها... تابعها بأعين مخيفة حتى ولجت الصيدلية فزادت نظرته سوادا كبيرا... الاثنتان معا... يا لها من متعة مضاعفة تروي ظمأ سنوات سجنه!!!...
رفعت غسق بصرها للوافدين لكنها زفرت بغضب و هي تراقب نفس الصغير مجددا... وقفت تتجه نحوهما و قد ظنت أن الفتاة ليست معه... ناظرتها ببسمة صغيرة قائلة...
(كيف اساعدكِ؟)
بادلتها هدير بسمتها و هي تتفحص ملامحها... رغم سنوات عيشها هنا لكن لا أحد تمكن من اختلاق حديث معها... تبدو جميلة جدا عن قرب... عينان سوداوان وجه أبيض نضر و بسمة تجعلها تسكن القلب... هل هذه التي ظنوا أنها تتعالى عليهم؟!... قطع تأملها صوت طاهر الساخر...
(ألا تريني أم انكِ تعانين من مشاكل في النظر!!)
احتقن وجه غسق و تقسم أنه لولا وجود هذه الفتاة لتناست مهنتها و قفزت عليه من خلف الطاولة الزجاجية و أشبعته ضربا و لكما حتى تدمي وجهه البغيض... انه ليس طفلا مطلقا...
(طاهر!!!... احترم نفسك و إلا شكوتك للحاج سليمان)
صوت هدير الموبخ و المهدد جعلها تتريث و تكبح رغبتها في قتله... نقلت عينيها المشتعلة منه الى هدير التي اردفت بحرج...
(لا تؤاخذيه يا دكتورة بالله عليكِ انه سليط اللسان...)
طحنت ضروسها بقوة لكنها غصبت بسمة باهتة لتهمس بفتور...
(لا بأس أنه مجرد طفل...)
ضغطت فوق حروف كلمتها الأخيرة و هي ترمقه بنظرات حادة... ضحكت هدير و هي تضغط على كتفه تلجمه من افتعال اي شيء خاطئ قائلة...
(كثر خيركِ... اذا سمحتي اصرفي له الدواء)
اومأت لها غسق ببسمة رقيقة... هذه الفتاة مختلفة عن هذا قذر اللسان... اسودت حدقتاها ليزيد لونهما قتامة حينما أمرته...
(هات الورقة التي في يدك...)
رفع كفه يضعها فوق الطاولة الزجاجية الفاصلة بينهما... امسكتها تفتحها لتتسعا عيناها بعدم تصديق... ليس لكون الورقة مقطوعة بعشوائية و كأنها آتية من القمامة لكن لما دوّن عليها... شهقت بذهول و هي تقرأ ما عليها بصوت عالٍ...
("... " دواء موسع للشعب المرجانية!!!!)
هز طاهر رأسه بفخر مؤكدا ما قرأته...
(نعم ألم تطلبي اسم الدواء... لقد وضعنا لكِ اسمه و فيما يستخدم)
اتسع فمها بصدمة لتتحرك تجاه الرف المتواجد عليه الدواء قائلة...
(ليتك اكتفيت بالاسم فقط...)
صرفت له دواءه بعد مشاحنة بصرية بينهما تأكدت من خلالها أن القادم لها في هذه الصيدلية ليس مبشرا بالخير... أخرجت هاتفها من جيب معطفها لتلتقط صورة لورقة هذا المتشرد و التي تركها و ترسلها لأريج و ديما... و قبل أن يصل الرد شعرت بوافد جديد يدخل فأسرعت تدخل هاتفها و تتجه نحوه لكنها تجمدت مكانها للحظات... انه ذاك الرجل من الأزقة الخلفية ذو الندبة المخيفة فوق خده الأيمن...
قبل دقائق...
بعدما دلفت ابنة عبد الصبور للصيدلية وقف ليتجه نحوها بخطوات مسرعة... انتظر حتى خرجت ليقف في طريقها قاصدا... و حينما رفعت وجهها في وجهه قرأ خوفها منه دون مجهود... فأرسل لها بسمة غير مريحة و تباعد ببطء عن طريقها حتى مرت ليهمس جوار أذنها بصوت تأهبت له كل حواسها...
(لا تخافي... لكِ مني الأمان يا عروس البحر...)
و بعدما شعر بها تهرول في خطواتها مبتعدة عنه التفت يراقب قدها بنظرات مخيفة... و بعدها عاد ببصره للصيدلية لتتسع بسمته و يزيد بداخله شعور التسلية... فليلاعبهم بهدوء و يحرق أعصابهم ببطء ثم يضرب ضربته القاضية... وقتها فقط سيجعلهم يدفعون ثمن سنوات عمره المنصرمة في السجن... و يحرق قلب سليمان على ابنائه كما احترق قلب والده على أخيه الكبير مظهر...
ولج ليجدها تبتسم لهاتفها فزادت نظرته سوادا... حتى لاحظته فراقب تشنج جسدها و كم اسعده شعورهما بالخوف منه... لكنها تغلبت عليه و دثرته بقماشة شفافة لا تنطلي على عينين ثاقبتين مثله هو... تقدمت لتقف أمامه و تسأله بصوت مهزوز رغم نظرتها الواثقة...
(كيف اساعدك؟)
ارتسمت بسمة جانبية على ثغره.. شعرتها مستخفة و مرعبة... ازدردت ريقها بصعوبة حينما مال بمرفقيه يستند على الطاولة الزجاجية دون أن تحيد نظراته عنها... ثوان مرت صعبة للغاية و هي تحت تأثير نظراته المخيفة لكنها تجلدت بالتحمل و رسمت القوة بإتقان على محياها... حتى نطق اخيرا بصوت ظاهره مخيف و باطنه مرعب...
(قيسِ لي الضغط...)
من المفترض أن تتجاذب معه بعض الأسئلة لتعرف عن تاريخه المرضي إذا وجد لكنها فرت من أمامه حرفيا لتجلب جهاز قياس الضغط دون حرف... حركتها الخرقاء زادته شعورا بالمتعة فعرائس ابن المراكبي هشة للغاية... من ظن كرم أنهما تحت جناحيه محميتان سيجرفهما طوفان داغر بسهولة... هدير و غسق انتظرا مني الأسوأ...
شمر عن ساعده بعدما جلبت الجهاز و اقتربت تلفه حول عضده... كانت منهمكة في قياس ضغطه... او ربما متهربة من سطوته... و كان هو منشغلا في مراقبة ملامحها بأعين ترعب... صوت احتكاك سلسالها على الطاولة جذب نظره لتسقط عينه عليه تتابعه... اغراه حركته فمد اصابعه بخفة يلتقطه و الغافلة لم تشعر بعد.... حركه في يده متلاعبا به حتى انزلت سماعتها الطبية و فكت الجهاز عن عضده... همست بحروف متلعثمة و هي تجمعه لتدخله في علبته...
(ضغطك طبيعي تماما...)
ابتعدت حاملة الجهاز للخلف لكنها توقفت بفعل جذبه لسلسالها... شهقت بفزع حينما سحبها منه بنظرة سوداء... اسرعت تضع يدها فوقه و تسحبه بأعين رغم فزعها مشتعلة... و رغم خوفها نافرة... و رغم ليلها متقدة... ليس بنجمات بل بشهب محترقة... شهب تلاعب لهيبها أمام عينيه فزاد من روحه انتشاءً... يبدو أن عرائس ابن المراكبي ليسا الاثنتين منهما هشتين... فهنا توجد واحدة ثائرة... تعجبه ثورتها!!
(اترك سلسالي و إلا...)
تشبثت اصابعه به أكثر ليهمس ببسمة استفزتها رغم رعبها منها...
(و إلا؟!!)
تركت الجهاز فوق طاولة العرض من يدها لتتمسك بكفيها الأثنين معا بسلسالها و تسحبه عنوة بقوة و أعين مهددة باشتعال... افلته بمزاجه لترتد هي للخلف قليلا و ترمقه بغضب... تمالكت نفسها لتسأله بصوت دفن كل الخوف تحت ثرى غضبه... و ترك العنان لجموح كبريائه و قوته
(ماذا تريد مني بالضبط؟!)
ابتعد عن الطاولة ينزل كم قميصه ببطء دون أن يحيد عن عينيها... باسما بتلك البسمة القميئة المخيفة... هامسا بأحرف تشع رعبا و وعيدا...
(ليس بعد... ما أريده منكِ لم يحن وقت معرفتكِ له بعد)
اتجه لباب الصيدلية مؤشرا بأصبعه تجاه رأسه كتحية سلام ثم اختفى بعدها للخارج...
تهاوت كل مقاومتها الواهية لتستند بضعف على الطاولة الزجاجية أمامها... رمشت لأكثر من مرة غير مصدقة ما مرت به قبل لحظات و في يومها الأول هنا... هذا الرجل مخيف لا تنكر لكن ماذا يريد منها؟!!!... هل هو سبب في مراقبة ابن المراكبي لها حقا أم يوجد سببا غيره؟!!!...
("ست" غسق!!)
صوت سوسكا القلق سحبها من دوامة تفكيرها فرفعت وجهها له... هاله شحوبها خاصة حينما وجد داغر يخرج من عندها للتو... تقدم بحمائية يسألها...
(هل فعل لكِ شيئا؟!!!)
نظرة القلق في عينيه جعلتها تهدأ و تستعيد ثباتها... زفرت بخفوت تهز رأسها نفيا و ترسم بسمة مهتزة فوق ثغرها... هذا الشاب بكل تأكيد مجرما و لن تسمح بأن يتأذى أحد أو أن يفتعل مع أحد مشاجرة بسببها... لهذا همست بصوت لا تعرف متى جف هكذا...
(لا تقلق... هل تريد شيئا يا سيد؟)
انفاسه اللاهثة كانت متأهبة لدك عنق داغر بكل عنف... فقط لو اخبرته بأنه ضايقها سترى كيف سيوقفه عند حده... عاد يسألها بإلحاح قلق
(حقا لم يفتعل شيئا؟!!!)
رفعت عينيها له تمنحه نظرة شاكرة و مطمئنة لتومئ بعدها بنعم... زفر هو بحدة ليتحكم في انفعاله و حينما عاودت سؤالها له من جديد أخرج من جيب بنطاله علبة دواء قائلا...
(أريد هذا الدواء... علبتين)
امسكت العلبة تنظر لها متسائلة...
(هل أنت مريض سُكري؟!)
هز رأسه نفيا و ارتسمت ملامح الهم عليه ليقول بخفوت منكسر...
(لست أنا بل أمي...)
اعتصر وجهه الحزين قلبها فأسرعت تقول بمواساة...
(لا تخف الأمر ليس صعبا اذا التزمت بالدواء و انتظمت على نظام غذائي صحيح يناسب حالتها...)
ابتسم بسمة شاحبة قائلا...
(أنها عنيدة لا تستمع لي... لولا أخي كرم لم لتكن تنتظم في تناول دوائها)
رغم الفضول الذي أكلها لتعرف المزيد لكنها تجاهلته لتتجه نحو الرف و تستخرج ما طلبه... ودعته ببسمة حانية حتى خرج لتسرع هي الى كرسيها خلف المكتب ترمي جسدها عليه... مواقف متتالية عجيبة من أول يوم... بل من أول ساعة لها هنا!!!
تحرك في الشارع عائدا لبيته لكنه أخرج هاتفه يتصل به... يعرف أنه في رحلته الآن لكن الأمر يخصها و عليه معرفته... صادف بأن هاتفه مشغولا فتعجل بالاتصال بأيوب... لحظات و وصله صوت أيوب ليحكي له كل ما رآه... صمت يستمع لأيوب بترقب...
(هل اشتكت منه يا سوسكا؟)
نفى هذا كما نفته هي فعاد صوت أيوب الهامس يصله...
(جيد... ضع عينك عليها حتى نعود و لا تتصل بكرم لتخبره عن داغر مطلقا... دعه منشغلا في أمر خطبة فاطمة القريبة و ابلغني أنا بالجديد عندك)
(كما تريد أخي أيوب... وفقكم الله في رحلتكم)
دس هاتفه في جيبه يرمق عزت صاحب داغر و الذي تعلقت عيناه على بيت العم عبد الصبور رحمه الله... لم يعطِ الأمر بالا فكل همه حاليا أن يحافظ على غسق حتى يعود كرم... زفر زفرة مختنقة هامسا
(كنا نعيش في راحة من دون ظهورك داغر... ترى الى أي مدى ستتغير ايامنا بسببك؟!!!)
(سأموت من فرط الضحك لا اتحمل و الله... منذ ارسلتها لي و أنا أضحك... موسع للشعب المرجانية!!!... هل المريض طحلب؟!!!!)
صوت ضحكتها الرنانة يعلو بصخب في أذن غسق و التي بادلتها الضحك... متناسية ما حدث لها بالصباح و متمنية بألا يتكرر مجددا... استلقت فوق سريرها تردف بضحك...
(و ماذا لو رأيتِ الولد يا ديما... انه كارثة بشرية بكل المقاييس... مصيبة من مصائب الزمن صدقيني)
وصلها صوت ديما المرح...
(كان يجب أن تلتقطِ له مقطع مصور للذكرى... و أنا التي ظننت أن ما يعاني منه اصدقائنا في الصيدليات مغالاة على الواقع!!)
زمت غسق شفتيها بضيق تقول بتأكيد...
(بل هو الواقع نفسه يا فتاة... المهنة صعبة خصيصا أنكِ تتعاملين مع الشعب مباشرةً... تعرفين يجب أن يضعوا تحت كل لافتة صيدلية انتبه هذه المهنة تسبب ارتفاع ضغط الدم فكن رحيما بمن بالداخل)
صاحت ديما بضحك متتالي...
(بطني تشنجت تماما من الضحك... كل هذا من يوم واحد!!)
ابتسمت غسق بشرود و غصبا خانها تفكيرها و عادت صورة هذا الشاب المخيف تقتحم عقلها... انقبض قلبها بخوف للحظات لكن صوت ديما الصاخب انقذها...
(على هذا المنوال فمشفى أبي أرحم لي بكثير...)
همهمت غسق بخفوت...
(نعم يا محظوظة... لديكِ مشفى خاص تعملين به و تتمنعين!!)
صوت ديما اتشح بالجدية فجأة حينما تذكرت شيئا هاما فقالت...
(صحيح كيف نسيت هذا الأمر... اسمعي غسق والدي اخبرني بحاجته لأطباء ماهرين للمشفى الجديد... فرشحت له أريج صديقتكِ و هو وافق و اخبرني بأن تقدم اوراقها لإدارة المشفى ليتم تعينها... هلا أخبرتها؟!)
اعتدلت غسق من نومتها تهتف بعدم تصديق...
(يا مجنونة لقد اقحمتِ الفتاة في شيء هام كهذا دون علمها!!)
وصلها صوت ديما المستنكر...
(هل افسدت الدنيا لهذه الدرجة؟!!... أنا فقط اعتقدت بأنها فرصة جيدة لها)
تنهدت غسق ببطء تقول بتريث...
(هي فرصة جيدة لا ننكر... لكن أريج بالفعل تعمل في مشفاها و لا أعتقد تريد تغيّره... على كل حال سأبلغها و نرى رد فعلها)
أسرعت ديما بقولها المتعجل...
(هلا هاتفتها الآن و اخبرتها؟)
ارتفع حاجب غسق بشك تسألها...
(و لمَ السرعة؟!!)
ابتلعت ريقها لتهمس بتلعثم مذنب...
(بكل صراحة لقد تم كتابة اسمها مع المتقدمين بتوصية من أبي و بقي فقط أوراقها لتتم المقابلة)
اغمضت غسق عينيها لتهتف بتأنيب..
(و ماذا سيكون الموقف لو رفضت؟!!)
اردفت ديما ببساطة...
(لا شيء سيتم استبعادها و توبيخي و ينتهي الأمر... لكن و الله هي فرصة جيدة جدا لأجلها)
وصلها صوت غسق المفكر تقول...
(حسنا سأخبرها لكن لن ألح عليها في شيء اتفقنا...)
(اتفقنا... ان شاء الله ستوافق و لن اتعرض للتوبيخ)
اغلقت ديما الهاتف لتزم شفتيها بتفكير قلق و تهمس بوجل...
(ماذا ستفعل المسكينة لو وافقت و عرفت عن هوية مدير المشفى؟!!!... كان الله في عونها)
على الجانب الآخر...
هاتفت غسق أريج تخبرها عن هذا العرض الذي رفضته أريج في بادئ الأمر... لكن غسق حاولت توضيح الصورة لها... كونها مشفى خاص يضم نخبة من الاطباء ستزيد حصيلة خبرتها و بالتأكيد لن تنسى العائد المادي و الذي سيختلف كثيرا عن المشفى الصغير الذي تعمل بها... و بعد انهاء المكاملة ظلت أريج تفكر جديا في عرض صديقة غسق... يبدو عرض مغري و من الممكن أن تُصالح به والدتها بعد فترة خصام منذ رفضت ذاك العريس... سحبت نفسا عميقا لتخرج بعده من غرفتها متجه للصالة و التي وجدت فيها والديها فتنحنحت قبل أن تجلس قبالتهما...رمقتها والدتها بطرف عينيها ثم اشاحت وجهها عنها بحزن... زفرت زفرة مختنقة حسمت أمرها بعدها فقالت بصوت مصبوغ بالحماس المزيف...
(لقد أتيحت لي فرصة العمل في مشفى خاص براتب كبير...)
حديثها استرعى انتباه والديها فشعرت برضا من كونها ستعيد المياه لمجاريها كما يُقال... فأردفت بنبرة مشتتة بقصد...
(لكنني حائرة هل أوافق و اترك المشفى الذي كبرت به.... أم أتخذ خطوة مجازفة و التحق بهذا المشفى الخاص؟!!)
راقبت تبادل النظرات بين والديها فأسرعت أمها تقول بلهفة...
(تقولين مشفى خاص كبير بالتأكيد العمل هناك سيضيف لخبرتكِ)
كم اسعدها عودة الحديث مع والدتها بعد طول غياب... مصائب قوم عند قوم فوائده... هي لا تريد ترك عملها بالمرة لكن لو العمل في مشفى والد صديقة غسق سيجلب الهدوء و الصفاء لحياتها لمَ لا؟!... انتبهت لصوت والدها الناصح...
(لا تتركي عملكِ في مشفاكِ الآن... اصبري حتى يتم قبولكِ في هذا المشفى الخاص و ترتاحين للعمل هناك)
اومأت له بتفكير لقد اتخذت خطوة سريعة دون تمهل فقط لتُنسي والدتها أمر الزواج... عكس طبيعتها المتريثة و المفكرة في الأمور قبل أن تخطو لها... لا بأس خطوة واحدة في حياتها دون تخطيط لن تضر... ستقدم اوراقها و تنتظر المقابلة لعل هناك تجد مكسبا حقيقيا!!....
...يتبع...
وضعت فنجان القهوة فوق المنضدة الزجاجية ذات الحواف الذهبية بعدما ارتشفت منه... رفعت بصرها لهذه الشاردة بوجوم أمامها لتضيق عينيها بتفحص و تسألها...
(ما الذي يعكر صفو مزاجكِ هذه الأيام؟!...)
اطلقت ميرنا زفرة مغتاظة لتعاود النظر لحماتها المستقبلية تردف بعبوس...
(لا شيء... فقط متوترة لاقتراب موعد الخطبة)
ارتسمت بسمة أنيقة على ثغر لبنى لتنحني و تقترب بجذعها من ميرنا قائلة...
(بالتأكيد ستكونين أجمل عروس لا تقلقي)
ثم أردفت بنبرة شديدة الرقة و اللهفة...
(و إذا اردتِ أن تبوحين بأي شيء فأنا مستمعة جيدة...)
لهفتها وصلت كاملة لميرنا فعززت لديها شعور الرغبة في الحديث... فقط لتفضي عن مكنون صدرها لسيدة مثل لبنى... بالتأكيد ستجد لديها حل يحفظ لها حنان والدها دون نقصان او مشاركة...
(لا أعرف كيف أصيغ الأمر و كثيرا أشعر بأني طفولية التفكير لكن...)
تلعثمت حروفها فأسرعت لبنى بمد كفيها لتحيط كفي ميرنا داخلهما و تهز رأسها كتشجيع على الاسترسال...
(تعرفين أنني فقدت أمي في سن صغير جدا لكن أبي عوضني عن شعور الفقد هذا... كان و لا يزال هو كل حياتي كما أنا كل حياته... دون قصد مني تعودت على انفرادي بحنانه و حبه و غصبا لا اتحمل أن تشاركني غيري به... حتى و ان كانت مجرد امرأة عابرة تبيع في اشارة مرور)
عقدت لبنى حاجبيها الأنيقين بتفكير فهمست...
(هل اقتراب خطبتكِ هو سبب حزنكِ؟!... يعني تظنين أنكِ كبرتي و ستتزوجين و تتركين والدكِ بمفرده)
هزت ميرنا رأسها بلا حيلة و قد فلت زمام الأمر منها فسالت دموعها الحائرة... كيف تصيغ شعورها للغير دون أم تبخسه حقه؟!... والدها هو حيز حياتها كله... هو الهواء المحيط بحديقة روحها الملونة... لقد سلبتها الدنيا أما و عوضتها بأب و هي قبلت العوض... قبلته لتحاوط عليه بكينونتها كلها خوفا من فقد جديد... او مشاركة!!... شعرت بأنامل لبنى الرفيعة تلامس شعرها و تهمس بمواساة...
(حبيبتي تأكدي بأن مكانتكِ لدى والدكِ مستحيل أن تتغير حتى لو... لو قرر الزواج بعد زواجكِ)
فلتت منها جملتها المشبعة برغبتها في الارتباط بطارق... رجل تتمناه سيدة مجتمع راقي مثلها... قطعة شديدة الأناقة ستكمل بها صورتها الاجتماعية بين قريناتها من سيدات الطبقة المخملية... هي فقط تنتظر اتمام زواج ابنها و ابنته لتبدأ خطواتها اليه... لكنها لم تكن تعرف بأن جملتها البسيطة المتواري خلفها نيتها ستشعل فتيل جنون ميرنا بهذه الطريقة... لقد اتسعت عيناها بصدمة لم تلبث لتتحول نظرة عدائية... و قد تغضنت ملامح وجهها بالرفض القاطع و هي تقول بتأكيد...
(أبي يتزوج!!!... قطعا لن يفعل هو يرفض الفكرة من الأساس... و أنا لن أقبل بأن يتزوج... ابدا)
تحفزت ملامح لبنى و هي تقول باستنكار...
(و لمَ؟!... والدكِ ضحى كثيرا لأجلكِ ميرنا)
هتفت ميرنا بأنانية وصلت دون عناء لمسمع لبنى...
(ليست تضحية إنه واجب...)
تراجعت كل دوافع لبنى و قد أدركت أن ارتباط ميرنا بوالدها يأخذ منحنى مرضي عند ميرنا... فأكملت بدبلوماسية أنيقة...
(ضياع سنوات شبابه جواركِ و عزوفه عن الزواج ليس واجبا ميرنا بل تضحية... و كبيرة جدا)
اشاحت ميرنا بوجهها بعيدا رافضة التمادي في هذا الحديث... فآثرت لبنى اللجوء لركن المهادنة... هدنة صغيرة ستعقدها مع معتقدات ميرنا حتى تزوجها لأبنها و بعدها ستلغي كل العقود لتصل لطارق... عادت بجسدها للخلف تستند على كرسيها قائلة...
(لا جدوى من حديثنا هذا الآن... علينا انجاز العديد من الأمور استعدادا لحفل الخطبة أليس كذلك؟!)
اومأت لها ميرنا بهدوء في محاولة لإبعاد كل مخاوفها في فقد اهتمام والدها منها... منذ ظهرت هذه الفتاة في قصرهم و حياتها انقلبت... صحيح انها تبدو في حالها و تهتم بأمور عملها فقط لكنها ابدا لن تنسى نظرة الحنان التي رمقها بها والدها وقت احترقت يدها... شعرت بظل أحدهم يخيم عليها فرفعت بصرها للجانب لتجدها هي... فلك سبب تشتت افكارها الفترة المنصرمة كلها... فتاة هادئة اقرب للخنوع لكنها تملك عينين عجيبتين لا تنكر انها لفتت نظرها هي ما بال نظر الرجال... عينان تشعان بترقب و كبرياء حينما يتم اهانتها... و هي تتفنن في اذلالها لأتفه الاشياء... شعر بني لامع يظهر من اسفل وشاح تضعه بإهمال فوق رأسها… جسد يافع يجاري في قوامه اجساد عارضات الازياء... زفرت بحدة و هي تراقبها تميل لتحمل فناجين القهوة... صوتها خرج حادا متحفزا و هي تأمرها بتعالي...
(اصعدي لغرفتي و رتبيها...)
اعتدلت فلك في وقفتها ترمقها بنظرة عين غاضبة... هذه المدللة ابنة أبيها الوحيدة تسبب لها وجع رأس... دوما تختلق لها الأعمال و المتاعب... تحكمت في نبرتها لتهمس بخفوت...
(أمي قامت بترتيبها قبل قليل...)
احتد صوت ميرنا بغيظ تأمرها...
(و أنا أطلب منكِ اعادة ترتيبها هل ستجادلينني؟!!!)
تقبضت يد فلك فوق الصينية تود لو تلقيها بمحتوياتها في وجه هذه المدللة... لكنها ابتسمت بسمة كارهة تومئ برأسها قائلة...
(حسنا سيدتي كما تشائين... سأضع ما بيدي في المطبخ ثم اصعد لترتيبها)
تركتهما و اتجهت نحو المطبخ تلقي الصينية بغضب في الحوض... اجفلت هيام من صوت الارتطام فالتفتت تراقب انفعال ابنتها الحاد... سألتها بتوجس مترقب
(ماذا حدث؟!)
انفجرت فلك بصوت غاضب متذمر قانط...
(هذه السخيفة المدللة تظن انها اشترتنا بأموالها... تأمر و تنهي كما يحلو لها)
اسرعت هيام تقترب من ابنتها و تكمم فمها هامسة بتوبيخ...
(اخفضي صوتكِ سيسمع من بالخارج و تسوء الأمور...)
رمقتها فلك بنظرة ساخطة ثم اشاحت ببصرها بعيدا... ازالت هيام كفها تسألها بخفوت...
(ماذا فعلت لكِ؟!)
تأففت فلك بضجر تقول...
(تافهة مدللة تظن أن الجميع تحت أمرها... المجنونة تطلب مني ترتيب غرفتها بعدما رتبتِها أنتِ!!!)
ضيقت هيام عينيها تقول بدهشة...
(هل لديها وسواس تجاه مقتنياتها؟!!... دوما تطلب مني ترتيب غرفتها و ثيابها!)
اتجهت فلك الى باب المطبخ تهمس بنزق...
(سأصعد ارتب غرفة المدللة و بعدها سأجمع أغراضي لنعود للحي)
تلعثمت هيام تهمس بخفوت...
(لن نعود اليوم... لقد طلبت مني السيدة ميرنا و السيدة لبنى أن نبقى كي نساعدهما في تحضيرات الخطبة)
اتسعت عين فلك بدهشة ثم تلونت بالغضب لتهتف...
(إذًا أبقِ أنتِ أنا سأعود لبيتي اليوم... اتفاقنا كان أربعة أيام و ليس خمس!)
كادت تخرج من المكان لولا صوت هيام الذي أوقفها...
(بقاؤنا هنا الاضافي سنأخذ حقه لن نبقى شفقة... ثم إذا سمحت لكِ بالعودة لحيّك العظيم كيف ستبيتين هناك بمفردكِ؟!)
كتمت انفعالها بقوة تحسد عليها لكنه خذلها فتبلور في علو و هبوط صدرها المريء لوالدتها... أمها تفعل أي شيء لأجل المال!!... و لمَ العجب ألم تبع نفسها من قبل و تزجها لفعل نفس الأمر الآن!!... رمقتها نظرة ساخطة و خرجت متجهة للطابق الثاني دون اضافة حرف...
دلفت غرفة ميرنا التي ابهرتها بأصغر ما فيها حتى أكبر ما فيها... غرفة أميرات هذا أقل وصف لها... صورها المنتشرة فوق الجدران و على المكتب الصغير في مراحل عمرها المختلفة... عرائسها الوردية... ادوات زينتها... ملابسها... هذه الغرفة أرض احلام كل فتاة... ابتسمت بسمة صغيرة يتيمة و هي تتخيل رجل بحنان طارق يدلل ابنته... محظوظة هذه المدللة برجل مثله... ليتها امتلكت أبا يحتويها بحنان و عطف و يلبي احتياجاتها القليلة... فهي مهما اتسع خيالها لم لتكن تطلب الكثير... فقط حلوى غزل البنات و دمية بلاستيكية... نزهة مرة كل شهر او شهرين... تركض حول ساقه عند عودته من العمل... و تختبئ في احضانه من نظرات الرجال لها... فرت دمعة حسرة من عينيها و هي ترى بعين خيالها حياة موازية تمنتها بكل روحها... أنهت ترتيب الغرفة و التي لم تكن تحتاج لشيء لكنها فعلت كما أمرت السيدة... خرجت تغلق الباب خلفها لكن حرق يدها اشتد ألمه فتأوهت بخفوت... العمل هنا كثير و هي و أمها تقومان بمعظمه... استندت بظهرها على باب الغرفة تشمر عن ساعدها و تعيد ربط الضمادة... لكنها أجفلت على نبرة حنان خالصة من صوته الهادئ... ارتفع بصرها للأمام حيث غرفته المواجهة لغرفة ابنته فوجدته يغلق بابها و يتقدم منها بتساؤل قلق...
(هل تؤلمكِ فلك؟!)
تسمرت مكانها و هي تراقبه يلتقط ذراعها و يحل وثاق ضمادته برفق لم تشعره من قبل... بل شعرته مع أيوب... لا لا هذا مختلف... هذا رفق أبوي حاني... دافئ مشع برونق تمنته كثيرا... رونق جعلها لا تنفر من ملمس يده فوق ذراعها... ربما لأنه لا ينظر لها كما نظر غيره... لا يشتهي جسدها كما فعل غيره... هو فقط يتتبع شعور أبوته المتدفق من بين جوارحه و يغرقها فيه... استفاقت على صوته الموبخ بحنان متأصل به...
(يا الهي يدكِ ملتهبة جدا... لمَ تكبدتِ عناء العمل و حرقكِ لم يُشفى بعد!!)
حروفه تلامس أماكن جفت تربتها في روحها... تسقيها بفيض لم يكن في الحسبان... أماكن لم يزرها أحد من قبل... حتى ظنت أن ما بذرته فيها سيظل مطمورا مجهولا لا يعلمه أحد... همست بخفوت متأثر بأبوته دون أن تسحب يدها منه و كأن جزء منها يستحلفها بألا تحرمه مما يتمتع به من خوف حقيقي و حنان غير مشروط...
(العمل كثير لقرب خطبة السيدة ميرنا... الامر غير هام سيزول الألم قريبا)
نظر لوجهها المنكسر... عيناها المميزتان تناجيان بتضرع... لكنه يجهل تضرعها و لا يعرف السبب... لكنهما شفافتان كفاية لتعبرا بكل وضوح عن احتياج... و ألم... لذا أردف بصوته الحنون و رفقه الغير مفتعل...
(إن لم تهتمي به لن يزول الألم ابدا... عليكِ الاهتمام به كي يطيب بسرعة و لا يتضاعف للأسوأ)
حركت رأسها بإيماءة صغيرة زادتها ضعفا في عينه... ترى ما حكايتكِ يا فلك؟!... و عند نهاية الدرج وقفت لبنى تراقب ما يحدث بأعين متسعة... طارق مهتما بهذه الفتاة أم هي تتوهم؟!... ابتعاد فلك عنه و تحركها بعد ايماءتها الصغيرة ناحية الدرج جعل لبنى تتقدم كي لا يظن أحدهما بأنها تتلصص عليهما... مرت بها فلك لتهبط الدرج و قد تعلقت نظرات لبنى بها بتفحص... حتى قطع تفحصها صوت طارق المهذب و هو يلقي تحيته... التفتت تصبغ بسمة حميمة فوق ثغرها و هي تسأله بعض الوقت كي يناقشان أمور الحفل القريب... أشار ناحية الدرج قائلا بذوقه...
(تفضلي في غرفة المكتب بالأسفل سيدة لبنى...)
تحركت تسبقه للأسفل و عقلها يعيد وقفته مع الخادمة قبل لحظات... فقط تنتهي الخطبة و عليها من فورها اقناع ميرنا بأهمية زواج والدها... و بالتأكيد كونها حماتها لا ضير بأن تكون عروس والدها الجديد!!...
سمعت رنين هاتفها قبل أن تعود للمطبخ فأخرجته لتجد اسم أيوب عليه... تقوست شفتاها بحزن متذكرة أخر لقاء بينهما... لقد جرحته بكلماتها القاسية كما فعل هو... تنهدت ببطء ثقيل لتفتح الخط مستمعة لصوته المختلط بأمواج البحر حوله...
(كيف حالكِ فلك؟)
ابتسمت بسمة صادقة شاكرة لاهتمامه بها حتى و ان كانا متخاصمين فأجابت...
(الحمد لله... كيف أنت؟)
وصلها صوت تنهيدته المعذبة ليهمس بأحرف ثقيلة...
(كيف برأيكِ و أنتِ تبيتين في بيت الغرباء؟!... تغمضين جفنيكِ كل ليلة تحت سقف رجل آخر... كيف برأيكِ و أنا أشعر بالضعف يكبلني كغريق فشل في مصارعة الموج)
هربت منها شهقة مكتومة لتهتف بصوت ملتاع...
(أيوب... توقف بالله عليك لا احتمل المزيد)
ابتلع ريقه بصعوبة هامسا برجاء...
(اتركِ العمل عندكِ فلك... لأجل أيوب)
اغرورقت عيناها بضعف... لو يعرف أن نبرة الرجاء هذه تقتلها... لو يعرف بأنها تفتديه بعمرها كلها... لكنها همست بصوت العقل بدلا مما يأجج صدرها...
(لا أستطيع ترك العمل أيوب... اصحاب القصر هنا جيدين معنا... لا تخف)
فلتت منه سبة سمعتها فأغلقت عينيها لتسيل دمعة حارقة متألمة عليه... تعرف أنه الآن في عرض البحر... يواجه ليلا باردا دامسا... يسعى لكسب لقمة عيشه بجهد... و وسط كل هذه الصعاب باله منشغل عليها... يفكر بها و بحالها ببيت غريب... لذا همست بصوتها الذي يعشقه منذ الصغر..
(لا تحزن أيوب اقسم لك قلبي ينفطر و أنت هكذا...)
صدقها و خوفها عليه جعلاه يزفر بقلة حيلة... صمت لبعض الوقت ثم حاول أن يتلبس مزاجه المعتاد فضحك بخفوت مشتت يقول..
(و أنا لا يرضيني وجع قلبكِ يا فلك... سأعود بعد غد ان شاء الله و في نهاية الأسبوع ستكون خطبة فاطمة ابنة الحاج سليمان... سأراكِ هناك؟!)
أغمضت عينيها بضعف لتهمس بصوت متوجس...
(ابنة صاحب القصر خطبتها قريبة ايضا لا اعرف هل سأتمكن من المجيء أم لا...)
هدير أنفاسه عبر الجهة الأخرى كان رده عليها... طال الصمت بينهما و قلبها يدق بعنف مرتعد من تحميله فوق طاقته و هو بعيد... و قبل ان تنادي اسمه سمعته يقول باقتضاب...
(كما تشائين... سلام)
اغلق الخط في وجهها فأنزلت هاتفها عن اذنها تنظر لشاشته بأعين دامعة... أيوب حزنه غالي كما قدره في قلبها... تنهدت بألم لتتحرك ناحية المطبخ و عقلها يفكر كيف لها أن تراضيه...
الملف الذي استقر بين كفيها بعدما تم منحه لها تتقبض عليه بتوتر سببه نظرة عينيه الثلجية المرعبة... ارتجفت اوصالها فأبعدت عينيها عنه في محاولة واهية لتهرب من حيز رؤيته لكنها فشلت... تشبثت اصابعها بالملف تضمه لصدرها هامسة بتلعثم...
(اعتذر هذا خطأ لن يتكرر دكتور مؤيد...)
ارتفعتا حدقتاه اليها ليتساقط الثلج منها و يتنشر في الغرفة حولهما... برد استوطن خلاياها و هي تستقبل نظراته... هذا الرجل صعب المراس لدرجة لا توصف... تحرك ببطء خلف مكتبه تاركا إياه حتى توقف قبالتها... و رغم محاولتها في اشاحة وجهها بعيدا عنه الا انها دوما كانت تحت سيطرته... صوته الذي بلغ تردده قبل قليل أقصاه ركن للهدوء... هدوء مفاجئ كجليد شديد البياض... جليد بارد لا لون فيه للحياة...
(بالطبع لن يتكرر... لأن مرتكبه لن يبقَ هنا)
اوجست خيفة من جملته فغصبت عينيها لتنظر له... اصابتها برودة ملامحه بالتجمد لكنها همست بخفوت خائف...
(ماذا تقصد؟!)
من بعد الهدوء أتى وقت الصمت... صمت تقسم انها سمعت من خلاله صوت رياح قاسية... تنكسر اغصان الشجر الجاف بسببها... فتبعثره و تزوره معها بلا قيمة... يا الهي انه رجل مخيف في حديثه... افعاله... حتى صمته!!!... و بعد وقت ليس بقليل حان وقت هطول المطر ليكتسح معه ما تم كسره من اغصان... كعملية تطهير لإعادة السلطة لعصر جليد يفترش الأرض دون شوائب كي يظل ناصع البياض كما يليق به...
(تم الاستغناء عنكِ...)
اشتدت قبضتها فوق الملف بالقرب من صدرها لتهمس بذهول...
(استغناء عني!!!... ارجوك دكتور مؤيد لا تفعل ليس لي مكانا آخر لأعمل به... و فرصة ايجاد عمل هذه الأيام تكاد تكون مستحيلة)
اعطها ظهره بملامح ثلجية جامدة دون ذرة تأثر... اتجه بهدوء ناحية المشجب جوار المكتب يتناول معطفه من عليه يرتديه بعدما نزع سترة حلته الفخمة... عقد ازراره بتمهل بطئ كادت تحترق معه اعصاب من تقف عند الباب... تقف تنتظر منه حكما قد يمنحها حياة او يسلبها منها... و حينما انتهى التقط سماعته من فوق مكتبه يعلقها خلف عنقه و كأنها ليست هنا... كلمات معدودات خرجت منه كرماح جليدية تصيب القلب فتجمده ليتوقف عن النبض و تزهق الحياة...
(بقاؤكِ في المنزل مكسب لمهنة الطب...)
اتسعت عيناها بارتياع ما يقوله ليس هينا... ما يتفوه به يعني انه لن يكتفي بطردها من هنا فقط... بل سيكتب في ملفها ما قد يقضي على حياتها المهنية... راقبته يتحرك في اتجاهها قاصدا باب المكتب ليخرج... لكنها اعترضت طريقه تتوسل بخوف...
(ارجوك دكتور مؤيد لا تقضي على مستقبلي... خطأ لن يتكرر جميعنا نقع في الخطأ... اقسم لك لن يتكرر سأكون أكثر حرصا)
نظرة واحدة من عينيه الزرقاء ثلجية الهيئة و الشعور اخرستها... نظرة واحدة و كأنه استكثر عليها أكثر منها ليشيح بوجهه بعيدا عنها قائلا بصوت حاد قاطع...
(خطاؤكِ كاد يكلفنا حياة... و حياة المرضى ليست لعبة)
ابتعد يفتح باب مكتبه ليخرج تحت توسلها الراجي بضعف... لكنه لا يبالي لقد تبخر من امامها كقطعة ثلج هربت من حالة السائل و اختارت عملية التسامي لتعبر من صلب لغاز في لمح البصر... هواء يتبختر على مرئ العيون لكن من ذا الذي يتمكن من التمسك به؟!!!
في الخارج...
انتصب جميع من في الرواق حينما لمحوه يخرج من مكتبه... الجميع يتحاشى النظر اليه و يدعو الف دعاء الا يقع تحت يديه... اقترب من غرفة المريض الذي اجرى له عملية قبل يومين و فور فتحه للباب جال ببصره في الغرفة... نظرة واحدة كانت كافية لتخيم سحب سوداء فوق حدقتيه فتزيد شعور بالبرد... تعلقت يده على عتلة الباب بهدوء ينافي لغة جسده ثم التفت يواجه الطبيب المسؤول عن هذا الطابق... سؤال واحد بسيط في كلماته مخيف في مغزاه سأله له...
(من الممرض المسؤول عن حالة غرفة "701"؟!)
ارتفعت اصابع الطبيب المسؤول يدفع نظارته الطبية تجاه عينيه هامسا بتوتر...
(إنها مروة... ممرضة مستجدة)
سرعة جملته الثانية اوصلت رعشة في جسد المتواجدين... الكل يعرف ان هذا الهدوء ليس سوى طبقة رقيقة من ثلج شفاف... و سيء الحظ الذي سيخطو عليه سيكسره ليسقط بعدها في محيط عميق... إما تجمد خلاياه مياهه الباردة او تلتقطه اسماك القرش الجائعة...
(أريدها في الحال)
دلف سريعا للداخل يتوجه ناحية السرير بملامح جدية...ثوان معدودة و ظهرت الممرضة ذات الجسد النحيل و الملامح المتوجسة...دلفت سريعا تراقبه يقوم بعملها هي فاتسعت عينها بجزع حينما عرفت مقدار الكارثة التي كادت تتسبب بها...همهمت اثناء خطواتها اليه
(دكتور مؤيد اتركه سأتكفل به)
دون ان يلتفت لها احتد صوته الآمر...
(اسرعي)
ها قد انقشع الهدوء لتهل بادرة غضب... قد انكسر الجليد الرقيق بعد خطوة المسكينة عليه... عليها ان تواجه إما الموت أو الموت... فمعه هو تحديدا لا خيار ثانِ... ابدا!!!
أمره المخيف جعلها تهرع حيث حامل المحلول المعلق بيد المريض... محتواه كاد أن ينتهي و هي بكل حماقة كانت غافلة عن موعد تبديله... كارثة كانت ستحصل... لقد انشغلت مع الحالات الأخرى الكثيرة... لكن لا تبرير هنا يشفع و لا واحد مطلقا يشفع... لقد لحقته على بضع قطرات... بضع قطرات لو نفدت لتسببت في مصيبة!!!... أي حظ عسر هو حظها؟!!!
انهت ما تفعله فهمهمت بصوت خافت متوتر للغاية..
(دكتور مؤيد و الله الحالات المسؤولة عنها كانت كثيرة و...)
كلمة واحدة خرجت منه لتلجم كل شيء....
(اصمتي)
بعد دقائق كان قد انهى فيها اطمئنانه على الحالة خرج من غرفته و هي خلفه... كما كان الجميع متسمرا في اماكنهم... اغلق الباب بكل هدوء يرفع حدقتيه المخيفتين للطبيب المسؤول قائلا بأمر لا جدال فيه...
(قرارك الاخير كطبيب مسؤول عن هذا الطابق قبل أن تسلم مسؤوليته لدكتور بلال... اكتب تقريرا لإنهاء عقد هذه الممرضة و اتركه على مكتبي كي أوقعه)
ترك الجمع بعدما أفضى ما في جوفه عائدا لمكتبه... في كل خطوة يخطوها يتنشر برد... صقيع... خوف... كالجليد تماما أصله الماء... لكنه تمرد و عصى قوانين الطبيعة فخلع ثوب المرونة و الحياة ليتصلب و يكتسب ثوب القسوة ... جليد بارد سالب للروح هكذا هو مؤيد!!!...
**************
خرجت من سيارة الأجرة بعدما وصلت لوجهتها المحددة...خطوة ليست مدروسة كفاية بل ليست مدروسة بالمرة اتخذتها... لكن لا بأس الندم لن يجدي نفعا ها هنا...شكرت سائق السيارة الأجرة لتتحرك بحلتها الرسمية سوداء اللون و غطاء رأسها... حذائها ذو الكعب العالي يصدح في كل خطوة تخطوها الى باب هذا المكان... و كأن ايقاعه يسحبها من ضوضاء الشارع ليضعها في حيز عقلها لتفكر...و كأنه يذكرها مع كل خطوة بأنها اندفعت الى هنا دون تريث... دفعت الباب الزجاجي بيدها لتدلف حيث مشفى والد صديقة غسق الخاص...حيث مقابلتها المحددة ليتم توثيق قبولها للعمل هنا... اتجهت الى عامل الاستقبال ببسمة رقيقة تسأله...
(صباح الخير لدي مقابلة عمل عند الثانية عشر ظهرا... أين يمكنني الذهاب من فضلك؟)
ابتسم العامل في وجهها بعملية يسألها...
(هلا عرفت اسمكِ سيدتي و مع من ستتم المقابلة؟!)
(أريج سعيد... مقابلتي مع دكتورة سوسن ناجي)
اومأ لها العامل ليتجه حيث الهاتف يجري اتصالا تكلف دقيقتين...ثم عاد ينظر لها ببسمته العملية يقول بينما يؤشر على بعض الأرائك في ساحة الطابق الارضي...
(تفضلي بالانتظار هناك دكتورة أريج قليلا...)
ضيقت عينيها تسأله بترقب...
(هل هناك مشكلة ما؟!)
هز رأسه نفيا يقول...
(لا...فقط تم تبديل الدكتور الذي ستتم المقابلة معه بسبب استدعاء دكتورة سوسن لأمر طارئ في الفرع الآخر من المشفى...نعتذر عن هذا الموقف)
رغم شعورها بالضيق من عدم احترامهم للمواعيد و الوافدين لهم إلا انها شعرت بأنها فرصة يمنحها لها القدر كي تذهب من هنا... لكنها نفضت هذه الافكار عنها حينما تذكرت والدتها ابتسم له متجهة حيث أشار...
اتجهت حيث هذه الجلسة المكونة من ثلاث أرائك جلدية فخمة و وسطهم طاولة زجاجية أنيقة... جلست على واحدة من الأرائك في مقابلة أثنين من الاطباء الجالسين يحتسيان قهوتهما و يتناقشان في بعض الملفات... وضعت حقيبتها جوارها ثم رفعت معصمها تنظر في ساعتها... لكن حديث الطبيبين لفت انتباهها دون قصد.
(لقد تم طرد دكتورة التخدير بعد خطأها في العملية الماضية... كما طرد ممرضة قبل ساعة و تم تبديل دكتور راجي بدكتور بلال!!)
كانت هذه جملة الطبيب الاول و التي صدرت منه بصوت مذهول... أردف الثاني بعدما ارتشف من كوب قهوته...
(انه شديد الصرامة و لا يتهاون مطلقا حتى بات الجميع يرتعد فقط من رؤيته... يا لحظه التعيس من يقع تحت يدي دكتور مؤيد!!)
اومأ الاول بموافقة قائلا...
(على هذا المنوال ستفقد المشفى الكثير من الاطباء و التمريض... غير قصيدة الذم التي يلصقها في ملفهم و الكفيلة بخراب بيوتهم للأبد!)
زفر الثاني بقيلة حيلة يقول...
(لا دخل لنا بغيرنا...فقط ننتبه لعملنا جيدا كي لا تصيبنا رياحه فتقتلع جذورنا و ان حصل لن نستطيع زرع شجرتنا في مكان آخر!)
حاجباها كانا يرتفعان كلما وصلها المزيد من حديث هذين الطبيبين... من هذا الامبراطور الذي يقوم بنفي الاطباء بكل صلفٍ هكذا؟!!...صوت احدهم جوارها جعلها تنظر له ليمد لها استمارة تقديم عليها ملئ بيناتها اخذتها منه ببسمة شاكرة.. و بعدما انهت ملئها وصلت إحدى العاملات لها فقطعت وصلة الاستماع للطبيبين حينما ابلغتها بأن وقت مقابلتها قد حان...
خرجت من المصعد في الطابق المحدد لتتجه كما أخبرتها العاملة ناحية اليسار... توقفت أمام المكتب الوحيد المتواجد هناك... سحبت نفسا عميقا لتتجهز لما هي مقبلة عليه ثم دقت الباب... عينها حانت منها نظرة للافتة جوار الباب لتتسع بقلق طفيف... انه مكتب المدير...كيف لم تخبرها تلك العاملة ان مقابلتها ستحدث مع المدير نفسه؟!!... لوهلة فكرت ان تطلق لساقيها الريح و تهرب لكن للأسف قد فُتح الباب... استقبلها رجل عجوز مبتسما ببشاشة يؤشر لها كي تدخل... بادلته البسمة بأخرى و قد عرفت من هذه الصينية التي يحملها بأنه الساعي... و قبل أن تخطو خطوتها الثانية صدر صوته الرخيم بهدوء عجيب يأمر الساعي بغلق الباب خلفه... تقدمت نحو مكتبه و نظراتها متعلقة بالأرضية... مقابلة مع المدير و بصوته هذا شيء لا يبشر بالخير...
(تفضلي بالجلوس...)
أمره البارد رغم انه شديد الهدوء و العملية لكنها شعرت بقلة تقدير و قد ايقنت شعورها حينما تقابلت عيناهما...جبال جليده الزرقاء تجابه واحة حدقتيها الخضراء... تبخر كل توترها و قلقها من المقابلة لتتشح عيناها بكبريائها المعهود... ما كانت تخشاه يبدو ها هو على وشك الحدوث... طالت وقفتها و قد تحفزت ملامحها بقوة جعلته يبادلها نظرات باردة ثم رفع كفه يؤشر على الكرسي... تحكمت في شعورها بالرفض لتجلس أمامه و تبدأ مقابلته...الجليدية!!
بعد نظرة طويلة في ملفها أمامه قد قرأت عبر ملامحه استخفافه بها... ليباغتها بسؤاله المباشر
(لماذا اخترتِ مشفانا للالتحاق به مع درجاتكِ البسيطة هذه في شهادة تخرجكِ؟!!)
نظرتها في هذه اللحظة له كانت ناقمة لحد الفتك... لكنها كالت بنفس مكياله و ردت له جملته بأخرى تنضح عزة نفس...
(يؤسفني أن معلوماتك مغلوطة سيدي... فمشافكم من يسعى خلفي كي التحق به و ليس العكس)
حديثها لم تهتز له شعرة واحدة من شعر رأسه... بل ظل محتفظا بطور التجمد الثلجي... ابعد عينيه عنها ليعتدل في جلسته يقلب باستهانة في ملفها متسائلا بنبرة مستفزة...
(و كيف سعت مشافنا خلف سيادتكم... دكتورة أريج؟!)
يا له من وقح!!... هذا الرجل متعجرف بطريقة تثير رغبتها في حرق دمه بكل ما فيها من قوة... لكنها اجادت كتمان مشاعرها لتمرر له عبر واحة عينيها الخضراء رياح ربيعية محملة بحبوب لقاح مزعجة تلتصق بأنفه و تسبب له حكة... و كم تتمنى لو كان مصاب بحساسية فتزهق روحه من فرط الاختناق...همست بتعالي مقصود...
(الحاح دائم و خوف من توبيخ كانا أكثر من كافيين كي أفرغ بعضا من وقتي لآتي هنا)
شمخت برأسها عاليا تناظره بقوة تناطح نظرة السخرية في عينيه لتكمل...
(كي أرفض عرض مشفاكم بنفسي...)
حملت حقيبتها و وقفت لتترك كرسيها و تهم بالرحيل... تعتصر قبضتي يدها بقوة كي لا ينفلت منها زمام الأمور و تلتفت لتضرب هذا البارد خلفها... لكن صوته الحاد أجفلها فتوقفت...
(المقابلة لم تنتهي بعد...)
لا تنكر شعورها بالرهبة من حدة صوته المخيفة لكنها التفتت بملامح غير مبالية تقول...
(المقابلة قائمة لمن يحتاج العمل أما أنا... لا احتاجه)
لم تزد عما قالته حرفا آخر... بل تحركت بخطوات مسرعة حيث باب مكتبه لتفتحه و تخرج في ثوان معدودة... اغلقته لتقف خلفه تضع يدها فوق صدرها الهادر بعنف... هذا الرجل له طلة مخيفة... باردة و غير محببة بالمرة... اسرعت خطاها حيث المصعد خوفا من ان يظهر خلفها و يتعدى حده معها...
أما بالداخل ظل جالسا مكانه دون تأثر ملحوظ... نفس النظرة الثلجية... نفس الهدوء... و كأن ما حصل لم يكن... لحظات مرت حتى تحركت اصابعه يلتقط هاتفه النقال... لمس شاشته ثم وضعه فوق أذنه ينتظر... و حينما فتح الطرف الآخر الخط بادره بسؤال واحد ظهر كأمر مباشر...
(من هي أريج سعيد يا ديما؟!)
تحرك الرجال أمام بيت المراكبي يحملون ألواح الخشب و يربطونها معا تهيئةً لإقامة سرداق كبير لحفل خطبة ابنته الصغرى... خالد و رجاله في طرف...صالح و رجاله في الآخر...و كرم و رجاله رغم أنهم عادوا أول أمس من رحلة الصيد لكنهم يشاركون... منهم من يحمل الكراسي و منهم من يعلق المصابيح الملونة بين شرفات البيوت لتتدلى في الشارع و تنيره مساءً...الجميع يعمل على قدم و ساق... اهتمامهم و شغفهم واضح دون مبالغة و كأنهم يجهزون ابنتهم و ليس ابنة كبيرهم فحسب... الوقت قارب على المغيب و العمل تبقى فيه القليل و ينتهي قبل أن تصل العروس من صالون التجميل مع عريسها... و في زاوية صغيرة بعيدة عن ازدحام الرجال وقف أيوب يرفع هاتفه فوق أذنه منتظرا ردها... لكنه أنزله بنظرة عين ملأها الضيق بعدما وصله الصوت المسجل بأن هاتفها مغلق... زفر بحدة ليتخلص من فورة غضبه فأسرع يتجه نحو الرجال و ينشغل معهم في الأعمال عله يهدأ قليلا...
و عند الصيدلية كانت قد أنهت دوامها فتحركت عائدة لبيتها و قد اوقفها تجمهر الرجال في منتصف الشارع... عقدت حاجبيها بتفكير ما لبث أن تحول لقلق من كونهم هنا لافتعال مشاجرة... لكنها لمحت سوسكا المبتسم هناك بينهم و هو يعلق فوق كتفه حبلا مربوطا بسلك كهربي متدلي منه مصابيح عديدة و يصعد السلم الخشبي الملتصق ببيت المراكبي يعلقه في شرفته...ما يجري أمامها ليس له سوى معنى واحد انهم يحتفلون...حمدا لله هذا افضل بكثير من مشاجرة كالتي شهدتها مؤخرا في الأزقة الخلفية... اكملت سيرها حيث البيت لكن عدة ألواح خشبية ملقية أرضا سدت طريقها... زفرت بضيق من عدم مراعاتهم لحقوق الجيران و اعتدائهم على مساحة بيوت الآخرين لكنها كبحت ضيقها تفكر في طريقة تمر بها من هنا... لملمت اطراف تنورتها القطنية و همت برفع ساقها لتمر من فوق الالواح لكنها فشلت...عادت ببصرها حيث سوسكا عله يلمحها و يأتي ليساعدها لكنه لا يزال معلقا فوق السلم الخشبي منشغلا تماما في حبل المصابيح... زفرت زفرة غاضبة و اشاحت بوجهها بعيدا عن ملتقى الرجال عند بيت المراكبي... فكرت بأن تخرج هاتفها و تتصل بوالدها كي ينزل و يستقبلها لكنها توقفت حينما سمعت صوت زحزحة الالواح... التفتت جانبا لتجده هو منحني يلتقط الالواح الخشبية و يفسح لها طريقا... تخصرت بضيق و قد فشلت في تقريعه على سوء استخدامهم للشارع فهمست بغضب...
(راعوا أن الشارع ليس ملكا خاصا لكم فقط...)
رفع اللوح فوق كتفه كما رفع بصره لها...نظرته الغامضة شحيحة المعاني الجمتها في هذه اللحظة... و بعدها صدر صوته كأمر أو ربما توبيخ..
(فُتح أمامكِ الطريق...مُرّي بلا مجادلة الرجال سيلتفتون لكِ)
رمقته بنظرة غاضبة لتتقبض على يد حقيبتها بقوة و تهم بدخول بيتها... لكنها لم تقوى الا على رد توبيخه بتوبيخ مقصود...
(همج!)
رغم تكور كفه جواره الا انه لم يرفع بصره نحوها...حتى اختفت تماما من امامه فرفعه...ظلها المتروك الغاضب اللاعن كان يترك هالته حوله... ليست المرة الأولى التي تصفهم بالهمج قليلي الاحترام و الذوق... و هي مجرد غافلة صغيرة!
في المساء...
تزين الشارع بالمصابيح الملونة و اتخذ الرجال اماكنهم جوار سليمان و ابنائه... و في الأعلى وصلت العروس لتأخذ مجلسها بين نسوة الحي و قد علت الزغاريد و الأغاني من أفواه النساء... وقف حسام جوار سليمان يُعرّفه على رجال العوائل الكبيرة في الاحياء المجاورة... كما وصله بعض التجار و أصحاب المصانع الذين يستوردون منه الاسماك... الحي الصغير كان متخما برجال من كل لون... فرحة سليمان الظاهرة على وجهه تماثلت على وجه رجاله الثلاثة...خالد... صالح و كرم أعمدة حياته يقفون أمامه يدا واحدة ... تمتم الحمد في سره كثيرا و هو يراقب ثمرة حياته تزدهر أمام عينه...
أما عند الشباب اشتعلت الاجواء الراقصة و الحماسية...الكل يرقص و يغني فرحةً بكبير منطقتهم...أيوب رغم ضيق ملامحه إلا انه لم يتوقف عن الرقص و الغناء مع الشباب...عقله كله مع فلك التي خلفت موعدهما لكنه كبح شعوره... و هناك سوسكا يقفز راقصا مع مجموعة شباب من سنه... الجميع سعيد من القلب حتى و ان كان القلب يحمل غصته الخاصة...
في الأعلى جلست فاطمة وسط النساء بجمالها المنير...عيونهن جميعهن كانت تتابعها فجعلنها تسبل اهدابها بحرج و خجل... بعض الفتيات وقفن يرقصن و البعض يصفقن... و في الجانب وقفت قمر مع النساء تضيفهن بأصول تركتها والدتها فيها منذ الصغر... هبه تتمايل مع ابناء قمر و ابن سهر بخفة ناعمة... و سهر تقف تراقب بأعين حاقدة... رغم انها تأنقت و ارتدت حُليها كله تقريبا إلا انها لا تزال تشعر بالنقص بينهن... لاحظتها قمر فتغنجت في مشيتها حتى وصلتها تقول بغيظ...
(لماذا تحملين صحون جدتكِ فوق رأسكِ؟!)
تأففت سهر تقول ببسمة مبالغة....
(يُهيئ لكِ فقط... ألا ترين سعادتي؟!)
ضحكت قمر باستخفاف تقول...
(واضحة لا تقلقي و مقروءة ايضا...)
تغضنت ملامح سهر بغضب فلملمت عباءتها و تحركت تجاه المطبخ... لكن قمر اوقفتها تقول بسخرية...
(سأترككِ هذه المرة تعدين القهوة... كي لا تشربها الضيفات مالحة كالمرة الماضية)
تركتها و عادت تختلط مع النساء بينما سهر ترمقها بكره كبير... و هل تنسى يوم قدوم حسام و اسرته و مقلبها الذي كشفته قمر... لتعود بعدها و تفتعل معها شجارا عنيفا لم يرحمها منه سوى أمر سليمان لأبنته قمر أن تتوقف و نظرته لها هي الصارمة بشكل ارتعد خافقها له... زفرت بحدة و الموقف برمته يغيظها نعم هي لم تعترف بأنها الفاعلة لكن يبدو وقتها لم يصدقها أحد... اتجهت للمطبخ تكتم غضبها في صنع القهوة...
تعالت صيحات الرجال بالأسفل فأسرعت الفتيات للشرفة لتعلو صيحاتهن بفرحة و شغف و هن يهتفن..
(كرم يرقص بالمُدًى)
وقفت فاطمة بفستانها المنتفش و قد اتسعت بسمتها بسعادة... اتجهت نحو الشرفة مع قمر و هبه و بعض من الفتيات يراقبن رقصة كرم و أخويه...
بالأسفل...
لقد بدء خالد الرقص و انضم اليه صالح بفرحة عارمة... اختهما الصغيرة التي حملاها على يديهما و ترعرعت امامهما حان وقت زواجها... و بجوار والده كان يقف يتابع اخويه بفخر كبير.... خلفه وقف أيوب متجهم الوجه غصبا... لكن صوت رنين هاتفه جعله يفتحه و يقرأ ما وصله منها للتو...
«لا تعبس هكذا وجهك أحلى و أنت تضحك»
رفع وجهه بسرعة البرق يبحث عنها ليجدها بطلتها البهية تقف قرب باب بيت المراكبي... تبتسم لتشع عيناها برونقها الجذاب... تبدلت ملامحه من التجهم للراحة... هي هنا لقد اشترت خاطره و جبرته... و هذا عنده يعني الكثير... ابتسم في وجهها ثم اشار بوجهه ناحية البيت يأمرها بأن تلج... نفذت له طلبه و اسرعت تختفي بداخله...أما هو فدس هاتفه في جيبه و اسرع يسحب كرم من ذراعه قائلا بصخب مرح...
(لا يصح أن يبتعد كروم عن رقصة المُدًى...)
رغم رفضه الا انه استجاب لنظرة والده التي حثته على المشاركة وسط أخويه و الشباب... و بعدها تم سحب حسام ليحتفي الشباب بعريس الليلة...
في غرفتها لفت انتباهها صوت الصياح بالأسفل فهرعت للنافذة تطل منها... لتتسع عيناها بصدمة و هي تراه بالأسفل يرقص مبتسما بين الرجال... هذا الفظ يعرف الرقص و التَبَسُّم!!... عوجت شفتيها بعدم رضا و هي تراقب المدية في يده... هل هم رعاع يرقصون بالأسلحة البيضاء و يفتخرون؟!... ضاقت من فعلتهم فأغلقت نافذتها بحدة... هذا ما يليق بهم حقا!!
و من وسط الصخب السعيد هطل الصمت عليهم حينما ظهر داغر فجأة يرفع مديته في الهواء قاطعا مدية كرم و موقفا إياه عن الرقص... تحفزت الوجوه و تبدلت الفرحة لغضب... لكن داغر رسم بسمته الخانقة صائحا بعلو صوته...
(اليوم أنا هنا لأقدم تهانينا نحن عائلة السمري لعائلة المراكبي... معلنا سلاما جديدا بيننا)
لولا امساك صالح بذراع أخيه خالد لأنقض عليه مقتلعا عنقه لينهي سخافاته الهادرة... يعلن صلح و سلام ألم يفعلها من قبل؟!... أم يستخف بهم و يدّعي نفس الكذبة مجددا؟!!... و الله لا هو و لا كل رجال عائلته يقوون على السخرية من عائلة المراكبي... أما سليمان فتعرجت خطوط العجز فوق وجهه رافضة... هذا الفتى الغر الصغير يظن نفسه يلوي ذراعهم... يأتي وسط الجمع يعلن سلاما... مستغلا وجود رجال العوائل المجاورة لهم... يجبرهم على الرضوخ فلو فعلوا غير هذا وسط الناس سيقع الخطأ على عاتقهم... و ها هو كما ظن يحدث فقد اشاد الرجال بخطوته و هللوا فرحين بعهد تجدد من سلام بينهم...
بينما هما متغافلان عن كل هذا... صامتان يواجهان بعضهما... اكفهما مرفوعة عاليا تتقاطع مديتهما معا... نظرة العين لو تذبح لسقط كل منهما يعاني نفور الدم من عنقه... غموض كرم ازداد سوادا و خبث داغر ازداد عبثا... و بعدها فلتت جملته الثانية بطيئة متلاعبة و متوعدة...
(دعنا نرقص سويا و نحتفل بعهد جديد... يا صديق)
تحركا معا بخطوات مشتعلة بعيدة كل البعد عن الرقص و مرحه... فأقترب كرم منه يهمس بتأكيد...
(لا صداقة بيننا يا ابن السمري...)
هز داغر رأسه بسخرية يهمس...
(لا تقل هذا يا ابن المراكبي... سيقع عليك الخطأ و نحن بين الرجال)
فلتت ضحكة صغيرة من كرم ليقول مستهزأ...
(اخترت شاطئا جيدا لترسو بسفنك عليه... الرجال!!)
بادله بضحكة مماثلة مؤكدا حديثه...
(و انتظر مني المزيد... فالقادم سيجعل شطآن الساحل كلها لي...)
جز كرم فوق ضروسه بحدة و قد خيم الغموض و سكن حدقتيه بكره... داغر بدأ انتقامه و الأدهى أنه سيتلبس عباءة المهادنة ليفتعل من اسفلها المصائب...
خرجت من بيتها متجهة ناحية الصيدلية و قد زاد دهشتها خلو الشارع من السرداق بكل محتوياته... بل عاد نظيفا اكثر من الأول!!... متى فعلوها فلقد استمر الاحتفال بأجوائه الصاخبة حتى وقت متأخر... نقطة تُحسب لصالحهم بعد غوغائية احتفال أمس... اكملت سيرها ناحية الصيدلية فتحت الأبواب و دلفت ترتدي المعطف الطبي لتبدأ يومها و تنتظر طرائف الحي اليوم... فتحت هاتفها تشاهد ما جد على مواقع التواصل الاجتماعي فوجدته "متصل الآن"... ابتسمت بخجل متردد ترسل له تحية الصباح... اجابها بواحدة مثلها ثم تجاذب معها اطراف الحديث لمعرفة جديدها في العمل... ظلت تحادثه لمدة دقائق حتى أفجعها صوت الشجار بالخارج... اتجهت لباب الصيدلية تراقب ما يحدث و قد هالها ما رأته...
قبل قليل بالخارج...
احتدم الشجار بين رجلين ليسا من الحي على المقهى الصغير... و حينما حاول الرجال الفصل بينهما طالتهم بعض اللكمات و السبات النابية... و هنا لم يقوى رجال الحي على الصمت... فتراشقت كلماتهم مع ضرباتهم و اشتعل الشجار الذي أسفر عن جروح و خسائر في المقهى...
عادت تحتمي بالداخل و الخوف يتمكن منها... هذه الشجارات لم تحدث منذ زمن و قد حضرتها في مراتها النادرة لكنها كانت محتمية ببيتها مع والديها... ارتعشت يدها و هي ترسل لرامي عما يحدث... فوصلها رده البسيط...
«ابقِ بالداخل و انتبهي على نفسكِ»
ثم اخبرها بأنه لديه حالة سيقوم بفحصها و اغلق!!... اصابها الفتور للحظات... ماذا كانت تنتظر منه أن يترك عمله ويهرول الى هنا مثلا... كي يحميها و ينتشلها من مكانها... بالتأكيد هي تحلم!!... لقد تغلبت عاطفتها على عقلها و تطلب اشياء غريبة... صوت التحطيم الصادر بخارج الصيدلية مباشرةً جعلها تصرخ بفزع... ارتبكت في وقفتها لكنها لم تجد بد سوى أن ترى ما الذي وصلت اليه الأمور بالخارج... اتجهت لباب الصيدلية تفتحه ببطء لتتسمر مكانها غير مستوعبة ما تراه... ابن المراكبي واقفا أمامها يسد الباب بجسده كله و حوله رجاله الذين بدا النعس و الارهاق فوق ملامحهم... رغم انه يضرب بعنف و شراسة إلا انها و لأول مرة منذ عرفته لا تستنكر ما يفعله... صوتها المهزوز خرج مبحوحا من خوفها ليلتفت هو لها بوجهه المرهق... يأمرها بفظاظته أن تدخل و لا تخرج... لكن ما يحدث أمامها اصابها بالشلل المؤقت... فأجبرته بأن يتحرك اليها و يتمسك بذراعها دافعا إياها برفق للداخل... لكن صوتها المفزوع خرج من حنجرتها خائفا و محذرا...
(انبته...)
التفت على أثر صرختها للخلف ليستقبل وجهه ضربة من عصا غليظة جعلته يتأوه بصوت خشن موجوع... لكنه ادخلها و عاد يلتفت لهذا الذي وقف متأهبا لضربه... وجهه غريب عن هنا!!... ليس من السكان فلماذا يتناحرون معهم!!... لم يهتم كثيرا و هو يراه يهم بضربه مجددا... فرفع ساقه يضربه بعنف حتى سقط... حمل كرم العصا التي سقطت منه رافعا إياها لينزل بها فوق بطنه...صوتها خلفه كان رافضا لما يفعله متطلبا بألا يرد العنف بعنف... زفر بحدة عندما وجدها خارج الصيدلية مجددا فعاد لها بوجه غاضب أخافها يقول بصوت هادر...
(لماذا خرجتي؟!!!)
اتسعت عينها بهلع و هي ترى خيط الدماء السائل جوار جبهته... شهقت بعنف تؤشر له قائلة بأمر...
(جبهتك تنزف... تعال للداخل)
نهرها بعنف بينما كفه تتمسك بذراعها مجددا يدفعها للداخل ببعض الخشونة هذه المرة قائلا...
(لا تهتمي و ادخلي هيا...)
لكنها عاندت لتتشبث بذراعه قائلة بأمر ينافس أمره...
(لن اتركك تنزف و أقف اشاهد... هذا واجبي)
لا يعرف هل خارت قواه حقا في هذه اللحظة أم ماذا؟!!... كيف تمكنت منه لتسحبه معها داخل الصيدلية بلا معاناة؟!... اغلقت الباب خلفهما تقول بصوت عملي آمر...
(تصرف بآدمية قليلا... أنت تنزف يا بني آدم كيف ستكمل صراعك و أنت ضعيف!!)
شهقت بقلق بعدما اقترب منها فجأة ليسحبها تجاهه على حين غفلة... صوته وقتها خرج محذرا قلقا وخائفا بينما يهدر بتحذير...
(ابتعدي....)
لم تفهم شيء و لم تبصر شيء فقط صوت تهشم الزجاج جوارها كان مدويا لدرجة جعلتها تتشبث بقميصه دون وعي و تصرخ بصوت مرتعب!!...