رواية لقياك لي المأوي الفصل الثامن 8 بقلم اية احمد
الفصل الثامن
صوت الدوي كان مفزعا و مخيفا بالنسبة لها... فاختارت أن تهرب مما يفزعها بإغماض عينيها...صوت أمره لها بأن تبتعد عن باب الصيدلية كان مسموعا... كما سمعت صوت احتدام الرجال بالخارج... جمل متفرقة وصلتها فلم تتبين معنى معظمها... فقط جملتان دفعتا الراحة في قلبها...
(لقد تهشم زجاج الصيدلية و الدكتورة بالداخل!!)
(كرم بالداخل لا تقلق عليها فقط دعنا نغلق الباب الحديدي زيادة اطمئنان)
كلمات أيوب مع أنور جعلته يطمئن على تركها بمفردها هنا... إذا اشتد الصراع بالخارج و تكالب عليهم هؤلاء الغرباء ستكون هي في مأمن على الأقل... حانت منه نظرة لها عند صدره تتقبض فوق قميصه بقوة مغمضة العينين... اشاح ببصره بعيدا و قد طغى غموض عينيه بقوة... صمت للحظات قبل أن يقول بخشونة غير مقصودة...
(لقد أغلق الرجال باب الصيدلية الحديدي...)
رغم أن هذا ما سمعته من الرجال بالخارج لكنها ظلت على وضعها المنزوي قربه حتى تكلم هو... فتحت عينيها فجأة لتفك تشابك اصابعها بسرعة وتتراجع للخلف ملتزمة الصمت... قلبها مضطرب بخوف مما يحدث من مشاجرة لذا خطواتها كلها بدت لها خرقاء أمامه...عقدت حاجبيها و عقلها يزجرها على تعلقها بقميصه هكذا كالمساكين... حركته جوارها جعلتها تتأهب بقلق... وضع كفه فوق الباب الداخلي للصيدلية يهم بالخروج لكنها اوقفته حينما هرعت للباب تهتف باستنكار...
(الى اين؟!)
رمقها بطرف عينه يقول بصوت منهك...
(للخارج... و لا تخافي لن نسمح بأن يدخل الى هنا أحد)
تمردت ملامحها فزاد الليل في عينيها سوادا و هي تقول...
(لست خائفة...)
شبح بسمة ساخرة متهكمة ارتسمت على زاوية فمه لكنها لم تنتبه لها...اومأ برأسه يهمس بينما يمد ذراعه عابرا إياها للباب...
(جيد...)
و قبل أن تلمس أصابعه الباب تمسكت هي بذراعه تقول بحدة آمرة...
(أخبرتك لا خروج من هنا قبل أن أرى جرحك...)
رست عيناه فوق كفها المتمسك بذراعه لثوان قبل أن يسحبه منها تدريجيا...ابتعدت هي بحرج من فعلته و كأنها تتمسك به لجماله في عينيها... لولا مهنتها التي تحتم عليها مساعدة جريح مثله لتركته ينزف حتى الموت... رفعت رأسها بإباء تؤشر على الكرسي الخشبي خلفه قائلة...
(أجلس حتى اجلب المطهر و القطن...)
و قبل أن يلفظ حرفا واحدا تحركت للداخل تجلب ما ذكرته... اقترب من الزجاج المتهشم يراقب الاجواء بالخارج... لا يزال رجاله ينهالون على الغرباء ضربا بقسوة و شراسة... هل يبقى هنا يطبب جرحه و هم بالخارج يتناحرون؟!... لا ليس هو من يترك رجاله وسط النيران و يهرب... اتجه مسرعا ناحية الباب لكن صوتها من خلفه اوقفه حينما شعر بها تركض نحوه... التفت لها فوجدها تحمل كيس قطن و زجاجة مطهر و العديد غيرهما و كأنها ستجري له عملية جراحية...
(ما دام رأيت جرحك فلا مهرب مني اليوم ... هيا أجلس)
زفر بقلة حيلة ليجلس فوق الكرسي و عيناه متعلقتان برجاله خارجا...اغمض عينيه فجأة مصدرا صوت تأوه خافت حينما لسعه المطهر الذي لا يعرف متى وصلت له به... رفع عينيه لها بحدة حينما شعر بها تضغط بقوة فوق جرحه... فثبتت عيناه على وجهها المنهمك فيما تفعله... تركز بكل طاقتها في جرحه البسيط...تعقد حاجبيها الاسودين بعملية... و تزم شفتيها بين الفينة و الأخرى... في كل مرة من مراته المعدودة التي يلمح فيها وجهها عن قرب يكتشف شيئا جديدا... كهذه الشامة الصغيرة فوق خدها الأيسر... تذكره بشامتها الكبيرة فوق عنقها يوم التقتها عيناه في الأزقة الخلفية... أجفل عند خاطره الأخير ليسرع بإشاحة عينه بعيدا عنها يغض بصره مستغفرا...تركها تعقم جرحه كما يحلو لها و تربطه بضمادة ليس لها أهمية حتى توقفت اصابعها فوق جبهته تبحث حولها بنزق... غصبا بحثت عينه معها عما يجهل هويته حتى سمعها تأمره بحزم...
(ضع يدك فوق الضمادة حتى اجلب اللاصق الطبي من الداخل)
يبدو هذه عادتها حينما تأمر الغير...تنظر مباشرةً في عينيه متناسية هويته... "ست الدكتورة" عندها الكل سيان و هي تتحدث... فلقد منحته نظرة طويلة من ليليها الكحيل في مقلتيها الواسعتين... نظرة جعلت حدقتاه تتسعا لتشملا هذا الفضاء الواسع بنجومه المتلألئة... توترت نظرته بعدما القت أمرها و فرت من امامه مسرعة تجلب ما ينقصها... سحب نفسا كبيرا و زفره ببطء شديد... عيناه هربتا للزجاج المتهشم ليشرد به بعض الوقت... ثم انفرجت شفتاه بهمس رخيم... مخارج حروفه خرجت صحيحة شديدة الدقة
"لا السيفُ يفعلُ بي ما أنتِ فاعلةٌ .. ولا لقاءُ عدوَّي مثلَ لُقياكِ ، لو باتَ سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي .. ما نالَ مِنَّيَ ما نالتْهُ عيناكِ "
(عفوا؟!)
صوتها المتسائل جعله يكبح جماح لسانه ليعاود النظر لها بكل هدوء... هز رأسه بلا معنى فهزت كتفيها بعدم اكتراث... اقتربت تضع اللاصق الطبي و هي تأمره بعمليتها...
(الجرح ليس خطيرا و ليس هينا ايضا... لا تعرضه للماء حتى يلتئم و يا ليت لو تغير الضمادة كل يوم)
استند بكفيه على ركبتيه ليستقيم واقفا أمامها... رفع كفه يتحسس جبهته بتلك الضمادة الغير محببة لديه قائلا...
(هل هناك أمل بأن أعيش؟!)
لوهلة شعرت بالغباء من سؤاله لكنها بعد فترة فهمت مقصده حينما لمحت التهكم في نبرته... هو يسخر مما فعلته له!!... غليظ فظ مثله لن يتغير بدلا من أن يشكرها يسخر منها... لذا احتدت نظرتها و قد تشابكت ذراعيها امام بطنها تقول بقلة ذوق...
(لا تخف فمثلك لا يموتون سريعا...)
ابتلعت جملتها مع نظرته التي لفحت وجهها...عيناه كعادتها شديدة الغموض لكنها تقسم بأنها لمحت شرارة نار متقدة خلف ستار غموضه... أبعد بصره عنها يدس يده في جيبه بينما يقول بصوته الرخيم...
(يقولون عمر الشقي باقي يا دكتورة)
تابعت كفه الذي خرج من جيبه حاملا ورقة مالية كبيرة القيمة... مدها لها يقول بوجوم مناسب لنظرته الغامضة...
(ثمن الضمادة و القطن...)
فكت تشابك ذراعيها و قد وبخت نفسها على قلة ذوقها معه قبل قليل... لكن عزاؤها الوحيد بأنه فظ يستحق ما ناله... ضيقت عينيها تقول بدهشة...
(الضمادة و القطن أقل من هذا بكثير... إن لم يكن معك صرافة أدفع ثمنهم أي وقت)
ظلت يده الممتدة أمامها لا تتزعزع و هذا أربكها كثيرا... هل سمعه ضعيف!!... عليه بسحب يده!... لكنها انتفضت في وقفتها حينما هدر أحدهم من الخارج ينادي عليه بصوت مخيف... صوت ناسب ما ألقاه على سمعهما من كارثة...
(كرم شوادر الميناء تحترق...)
عيناه الغامضة تحولت لكرة لهيب قذفها بركان ثائر... أمسك كفها دون أن ينظر ناحيتها يزج ورقته النقدية فيه... ثم هرول ناحية باب الصيدلية بغضب اصابها بالخوف منه... فتحه بعنف ليظهر أيوب أمامه و ملامح وجهه لا تبشر بالخير... اسرعت خلفه تراقب الاجواء التي هدأت في لمح البصر... أين المتناحرون؟!!... جملته الوحيدة التي صدرت منه جعلت بصرها يتعلق بظهره المهرول بعيدا...
(سوسكا ابقَ عند الصيدلية و لا تتحرك...)
غصة غير مبررة أو ربما مبررة لكنها تتغافل عنها عندا اصابت حلقها... مقارنة غير منصفة عقدها عقلها للتو... وضعت فيها رد فعل رامي و هي تستنجد به مع هذا الذي وقف بجسده يحمي مكانا متواجدة هي به... اجحاف بأن يوضعا معا في ميزان واحد... فكفة رامي خاوية و كفة هذا ثقيلة متخمة... ظلم بأن تربط المروءة في حبل مهترئ قد ربطت به تصرفات رامي... رفعت كفها فوق صدرها الذي هاج بتنفسه و كأنه يعنفها على تفكير عقلها... قلبها بداخله ينبض لشخص واحد و هي بكل تبجح تمنح عقلها ريادة التفكير في مواقف غيره... انكمش كفها الآخر على ورقته المالية فمالت ببصرها تناظرها و كأنها هنا تصرخ بأن العقل دوما على صواب... ألم تخبرها أريج بهذا من قبل؟!!...
شهقت بصوت خافت و قد أحست بثقل الهواء حولها... فرت للداخل هروبا من تفكيرها... ثم استندت على المكتب تنهر نفسها بحدة و صوت مسموع...
(ما هذا الذي يقتحم عقلي؟!!!...)
رفعت بصرها نحو الباب لتجد سوسكا و مجموعة من الشباب يزيحون بقايا الزجاج المتكسر... زفرت بقنوط لتوليهم ظهرها بوجه متحفز... كل ما بها يرفض بل و يصرخ بأن تعترف بمعروف صنعه لها هذا الفظ!!!
***************
ألسنة النيران المتصاعدة في هذا الوقت من الصباح غلبت وهج الشمس المنير بتؤدة في السماء... وقف سليمان يناظر شوادره الثلاث التي أكلتها النيران... خلفه ابنيه الكبيرين و رجاله... يهرولون ناحية الشوادر يحملون أَدْل المياه و بعضهم يخمد اللهيب بالتراب...نظرات الحزن التي كست وجهه كانت قاصمة لظهر ابنيه... هو لا يشاهد حريق اخشاب و بضائع... هو يشاهد حريق عمر و ذكريات...هذا المكان حيث كان والده و عمه... حيث كبر و تعلم...حيث نضج و ذاق من الحياة حلوها و مُرها... ها هو يتحول لفتات متناثر أمامه... أغمض عينيه بعجز فتت قلبه قبل ملامحه فخرج صوته المهيب مهزوزا يؤلم مسامع الحاضرين...
(توقفوا و لا تؤذوا أنفسكم... لقد أكلتها النيران و انتهى الأمر)
صاح خالد بعزة نفس يرأب صدع وجع والده...
(و الله يا أبي لو صارت رمادا سنعيد بنائهم من جديد)
ربت سليمان فوق كتفه ببطء و عيناه تحكي لولده عن خسارته... اهتزت عصاه فأسرع صالح يسنده بجسده هاتفا بجزع...
(أبي!!!... تماسك بالله عليك فداك ألف شادر يا أبا خالد)
هز سليمان رأسه بتفهم لخوف ابنيه...استند بكفه على عكازه يزجر نفسه على ضعفها اللحظي... هو عامود هذا المكان و ان انحل من جذوره سينهدم... ابنائه و رجاله قادرين على اقامة ألف شادر كما ذكر صالح... استمع لصوت كرم اللاهث خلفه يسأل بنبرة غاضبة مشتعلة و قد شاب صوته الضعف حينما هاله منظر الحريق...
(من الفاعل؟!)
وصله صوت صالح المتعب...
(لم نعرف بعد... سننتظر الشرطة حتى تأتي و تخبرنا)
صاح كرم بحدة لاعنة و قد ترسخت صورة الحريق في عقله لتزيد لهيب غضبه...
(الحريق شمل الشادر الغربي... هل ننتظر دليل من الشرطة!)
صوت والده خرج آمرا حينما التف الرجال حول كرم يرجحون قوله...
(كرم... سننتظر حتى تأتي الشرطة)
زفر بحدة و كل خلية فيه تريد الفتك بشخص واحد...هو من غيره سيفعلها... الخسيس داغر جاء مناديا بالسلام ليقصف بعدها أرضهم بمدفع و يدكها دكا... اغمض عينيه بقوة يعتصر قبضته حينما صدح صوت داغر خلفه تماما...
(قلبي عندك يا حاج سليمان... النيران أكلت كل شيء لكن نحمد الله فلا خسائر في الأرواح)
التفت له كرم ينقض عليه ممسكا بتلابيبه هاتفا بشراسته...
(لعبتك هذه لا تنطلي علي يا داغر... أليس أنت من فعلها و حرق الشوادر؟!)
نظرة عينه الخبيثة زادت كرم جنونا ليهمس بعدها داغر بتأكيد اصاب الجميع بالخرس...
(بلى أنه أنا...)
تراخت اصابع كرم من فوق قميصه لتشتعل مقلتيه بوحشية بدائية... لكن داغر أكمل بصوت عالٍ يُسمع الجميع...
(لكن هذا كان في الماضي حينما حكم الرجال لكم بأخذ شادرنا الغربي... كان طيش شباب لكنني اليوم جئت مساعدا برجالي لنقف كتفا بكتف و ندرك الموقف...)
تركزت نظرته الخبيثة على عين كرم ليهدر في الرجال حوله...
(هل أنا مخطئ في مد يد العون لعائلة المراكبي؟!!)
تعالت الهمهمات حوله لتزداد بسمته و هو يناظر سليمان و ابنائه بحقد غير مخفي... و بعدها أشار لرجاله بحركة مبالغة و كأنه يرسل للجميع رسالة أنه أصبح كبير عائلة السمري... خصوصا مع حالة والده المرضية...
(لماذا تقفون هكذا؟!.. رجالي و رجال المراكبي واحد)
صاح خالد برفض قاطع يخرسه و يوقف حركة الرجال...
(ليس واحدا و لن نكون... لملم كلابك بعيدا عنا أيها الفتى و لا تقترب من النار فحتما ستحرقك)
جز داغر فوق ضروسه بغضب ليومئ برأسه مجبرا و هو يرجع للخلف قائلا بموافقة...
(كما تشاء يا ابن الأصول... أنت الكبير و علينا السمع و الطاعة لكن أنا و رجالي في الخدمة وقتما تشاؤون)
جمع رجاله و تحرك مبتعدا عنهم... اتسعت بسمته الجانبية الساخرة هامسا بانتشاء...
(ذوقوا نيران السمري فالقادم ليس سوى سعيرا...)
جسده تحفز و تحرك كرد فعل تلقائي خلفه لكن يد أيوب و أنور منعتاه... نظر لهما بأعين تُخيف قائلا بغضب...
(نحن نعلم أنه هو لذا اتركاني اقتص منه...)
مال أيوب يهمس في أذنه بتعقل...
(والدك يبدو منهكا فلا تزيد من تعبه... فقط ننتظر حتى تأتي الشرطة و بعدها نحن معك فيما تريد)
اومأ أنور موافقا على كلام أيوب مردفا...
(كلام أيوب سليم يا كرم و لا تحسب أننا غافلون عن نية داغر... قد اتضحت الرؤية الآن و عرفنا سبب الشجار المفتعل قبل قليل في الحي... لكن الصبر حلو)
تقبضت كفاه بين يدي صاحبيه بقوة... يؤيد رأيهما و لكن روح الثأر بداخله تزأر... فهل سيطيع لهيبا نشب في خلاياه يوازي جحيم اللهيب الصارخ في شوادرهم خلفه... أم يهدأ لأجل والده أولا ثم يتحرك بعدما يجمع ما يكفي من أدلة تدين داغر... طحن ضروسه ليتحرك فكه بحدة هامسا ببطء متوعد...
(الصبر حلو...)
انقضت ساعات النهار كلها و هم عند الميناء... بعدما وصلت الشرطة و تزاحم الناس منهم من يتابع و منهم من يساعد... الجميع يشعر بعظم المصاب الذي اصاب سليمان المراكبي... ليس كخسارة مادية فما تم حرقه ليس سوى عدد قليل مما يمتلك هو هنا في المدينة الساحلية من مخازن و شوادر... لكن كخسارة معنوية و ضربة في صميم رجولته و ابنائه... فالكل يقيمون لهم ألف حساب فمن ذا الذي تجرأ ليحرق ممتلكاتهم و يضع رؤوسهم أرضا؟!... و رغم أن الأصابع كلها تؤشر على شخص بعينه لكن سليمان يقطعها قبل أن ترتفع... لا يريد فتح دفاتر الماضي من جديد... لا يريد تناحر و دماء... لا يريد خسارة أرواح و فقد اعزاء... ان كان حرق الشوادر سيبرد نيران الغضب لا بأس... المهم ألا يُعاد الماضي أو يشتعل فتيله... و الله لو حدث هذا سيتبدل لون بحرهم الأزرق بحمرة دماء الطرفين... لعنة الله على الخيانة و قلة الأصل... لعنة الله على شباب يرى التناحر رجولة و الدماء حبر لصك السُلطة... لعنة الله على تفكير جشع و قلب أسود نسي الله فأنساه الله نفسه و أنه بشر فاني...
(إن لله و إن اليه راجعون... حسبي ربي و نعم الوكيل)
فلتت تمتمات سليمان الخافتة و هو يراقب الشرطة تؤدي عملها... يخشى بكل روحه على ابنائه فهو حق من يعرفهم...روحهم الأبية العزيزة سترفض أن تخضع بل ستثور لترد الضربة عشرة... لكن لو بدأت رحلة الانتقام لن تنتهي...ابدا
(سننتظر تقرير المعمل الجنائي لكن الخبراء يرجحون بأنه ماس كهربائي... ليس هناك اشتباه في كون الحادث بفعل فاعل)
كلمات الضابط وصلت للجميع حينما وقف أمام سليمان يوضح الى اين وصلوا... هز سليمان رأسه متفهما و كم شكر الله على تقرير الشرطة حتى و ان كان مبدئيا... الرجال حوله كلهم و قد استمعوا و هذا في صالحه... تحركت كفه من فوق عكازه يربت فوق صدره قائلا بشكر...
(نشكر جهودكم يا حضرة الضابط... الحمد لله بأن الشوادر كانت فارغة من رجالها حينما اندلع الحريق)
ارتسمت بسمة مشجعة على وجه الضابط ليردف...
(هذا واجبنا يا حاج سليمان... نحن سنكمل تحقيقاتنا و تأكد لو اكتشفنا أن هذا الحريق مفتعل سيكون حساب الجاني عسيرا)
وقت المغيب...
خرجت النساء من شرفات بيوت الحي كلها تتابعن توافد سليمان و رجاله... معظم رجال الحي يعملون معه فكان الخوف متشارك بين النسوة... و حينما ظهروا بوجوههم الملوثة بسخام اسود... و ملابسهم المتسخة و بعضها محترق... تهللت اسارير نسائهم بحمد لله كبير... هم بخير و هذا أكثر من كافٍ... تحرك سليمان بين ابنائه و قد قطع طريقه أكثر من رجل يتساءلون عن حالته و يرسلون مواساتهم
أو يعرضون مساعدتهم... كما تقدم الشيخ عثمان شيخ المسجد جوار الحاج و الذي استقبله بتقدير رغم ارهاق ملامحه... بث الشيخ حروفا مطمئنة و كلمات مبشرة بعوض الله... أخبره بأن هذا اختبار و الله يبتلي المؤمنين ليختبر ايمانهم و يرفعهم درجات... انصت سليمان لحديث الشيخ بصدر منشرح و قلب مؤمن متقبل قضاء الله... وقفتهم طالت قليلا و رغم انهاك الاجساد إلا أن الروح سُقيت براحة حروفه المنيرة...
خرجت من الصيدلية بعد انتهاء دوامها... تكدس الرجال عند بيت المراكبي استرعى انتباهها فوقفت تتابع بأعين قلقة... على عكس عادتها وقفت تبحث عن شخص بعينه... و حينما وجدته يقف جوار والده بوجه تراكم عليه السخام حتى لوث ضمادة رأسه البيضاء زفرت... و للعجب كانت زفرة راحة!!
نعم لن تنكر لقد كانت قلقة... ليس عليه بالمعنى الحرفي لكنه أصيب قبل الحريق بسببها... و ضربة عصا كالتي اخذها ستصيبه بدوار على اقل تقدير... تلاعبت اصابعها بمفتاح الشقة للحظات... لا تعرف ماذا تنتظر بالضبط... أن يرفع وجهه و ينظر ناحيتها للتأكد أنه بخير أم...
(يبدو اليوم لم يكن صعبا على رجال الحي فقط بل و علي ايضا... ها انا اقف اتابع الفظ لأعرف حاله!!!)
قالتها بنبرة سخرية و ضجر من نفسها... رفعت بصرها لشرفة شقتهم حينما نادت لها أمها بصوت خائف... أسرعت بالولوج كي تطمئن أمها... لقد اصابها الذعر قبل ساعات بعدما عرفت عن الشجار و ان الصيدلية تم تكسيرها... و رغم ان غسق ابلغتها على الهاتف انها بخير و ان شباب الحي يحرسون الصيدلية لكن خوفها لم يقل و لو بمقدار ذرة... لذا صعدت درجات السلم سريعا لتفتح باب شقتهم و ترتمي في احضان والدتها التي قابلتها بدموع خائفة...
استندت على باب الغرفة بوجه معالمه مرهقة بشدة... اغمضت عينيها تلتقط انفاسها و تدعو الله أن ينتهي هذا اليوم قبل أن يبدأ... ففي ساعاته الأولى فقدت صحتها فماذا حتى يأتي موعد الحفل مساءً؟!...زفرت زفرة متعبة لتفتح عينيها بعدها و تدلف للغرفة... العديد من الأكياس هنا و هناك... حُلي مُلقى يمينا و يسارا... و الثياب تزين السرير بأكمله... تنهدت بضيق و هي تقترب تلملم ما تم بعثرته... انحنت تلتقط الثياب و تهتف بسخرية...
(كل هذه الثياب و قد اختارت فستان خطبتها من قبل!!...)
قامت بطي الثياب و اعادتها في الخزانة بنزق... ثم اتجهت تجمع الأكياس و تضعها بترتيب قرب سرير السيدة الصغيرة... اعتدلت ترمق الحُلي المتناثر فوق طاولة الزينة فاتجهت نحوه تحمله و تضعه في علبته... لكن يدها تلكأت عند هذا السوار اللامع قليلا... هذه هدية حماتها لها... سوار من الألماس شديد الروعة و الرقي... يعكس الضوء ببريق يسحر العين... امتلأت عيناها شغفا و هي تتخيل لوهلة بأنه يوما لربما امتلكت مثله... لكنها ابتسمت بمرارة ساخرة تهمس...
(و من أين لكِ بسوار مثل هذا يا فلك؟!)
غامت عيناها بحسرتها و شعور اليتم يحاوطها من جديد... منذ بدأت العمل هنا و كل شيء يُزكي بداخلها هذا الشعور... عادت ببصرها تراقب السوار في يدها بنفس تهفو له... واتتها فكرة و كأن روحها تستحلفها بأن تروي ظمأها لبضع ثوان... ألا يحق لها أن تُسقى من رحيق النعيم الذي تغترف منه مدللة مثل ميرنا دون حساب؟!... قبضت على السوار بقوة و التفتت تراقب باب الغرفة خلفها... لقد تركته مفتوحا و لكن لا يوجد غيرها هنا و أمها... العروس في صالون التجميل و والدها مشغولا في شركته ينهي أعماله قبل الحفل... لذا عادت ترمق ما بيدها بقلب يخفق بجنون... لأول مرة في حياتها ستجرب ما لا ينتمي لها... لأول مرة سيلامس بشرتها شيء نفيس... و هي التي زهدتها الدنيا فحرمتها من كل نفيس... ابتلعت ريقها بقلق و حماس في نفس الوقت... حملت السوار و مدت ذراعها تضعه فوقه ببطء و كأنها تخشى أن تخدش ذراعها السوار... و حينما استقر فوقه اتسعت عيناها بعدم تصديق... انه يلائمها جدا... يبرز جمالها بصورة عجيبة... انعكاسه يروقها بهذا الضوء السارق للأبصار... ظلت تناظره لمدة فقدت عدها... و لم تكن بواعية الى هذه التي وقفت تراقبها عند باب الغرفة... اتسعت عينا لبنى على أخرهما و هي تراقب ما يحدث... هذه المتسولة التي لا تساوي شيئا تتنعم بما لا تستحق... ترتدي اساور ميرنا و هي التي أمّنتها على ممتلكاتها... لقد أتت قبل قليل لتطمئن بنفسها على ترتيبات الحفل... فابنها و عروسه منشغلان كما انها فرصة لن تعوض لتبقى فترة أطول مع طارق... لكن القدر كان يخبئ لها حدث غير متوقع... و ممتع!!
بتمهل ارتسمت بسمة جانبية راضية و متشفية و عقلها يغزل خيوط خطة لا بأس بها... لن تنكر بأنها تشعر بالخوف من هذه البائسة... نظرة طارق لها على مدار الأيام الماضية مقلقة... و هي لن تدع غيرها تصل لما تحلم به حتى و ان استحال وصول مجرد خادمة لما سولت لها نفسها بأنه ممكن... لكن عليها اتخاذ حذرها... لذا سحبت نفسا عميقا لتصدر صوتا مقصودا كي تنتبه فلك... و قد حدث فالمسكينة شهقت بجزع و هي تنزع السوار من يدها و تلقيه فوق طاولة الزينة بسرعة... تقابلت عيناهما لتبتسم لبنى برقيها تقول...
(يجب أن تهتمي بشؤون الحفل فالموعد بات قريبا...)
تلعثمت و هي تفسر وجودها هنا...
(لقد طلبت مني السيدة ميرنا ترتيب غرفتها قبل الذهاب لصالون التجميل... و قد كنت أ...)
رفعت لبنى كفها الناعم في وجه فلك توقف حديثها قائلة...
(لقد قمتي بترتيبها جيدا... هيا للأسفل تابعي عملكِ فالضيوف على وشك الوصول)
اومأت لها فلك و أسرعت تهرول من أمامها... قلبها يقرع طبول الخوف... ماذا لو ظنت بها لبنى السوء؟!.. و هي التي تفعلها لأول مرة و تجرب ما لا تملكه... همهمت بغضب و هي تنزل الدرج...
(غبية كبيرة و حمقاء يا فلك...)
بينما بداخل الغرفة تقدمت لبنى من السوار تلتقطه بين اصابعها... سوار شديد الرقة و الفخامة اختارته كهدية لعروس ابنها... لذا لا تتعجب من أن يخطف قلب الخادمة... لفته حول كفها تهمس بابتسامة راضية...
(تشكلين خطرا على أمنيتي لذا لا بأس باستبعادكِ من أمام ناظري...)
في المساء...
كانت أجواء الخطبة خيالية بالنسبة لفلك... أناس تراهم لأول مرة في الواقع... عالم آخر مشبع برونق و جاذبية غير عالمها... وقفت تتابع في زاوية الحديقة ما يحدث... و كيف كانت ميرنا مثل أميرة خرجت لتوها من كتاب الحكايات... مميزة بطلتها التي تخطف الأنفاس... حنان والدها و نظرته لها و هي عروس أوجعت قلبها بقوة... هل ستكون يوما ما عروسا مثلها؟!... و ان صار و كانت هل ستجد أبا يناظرها بحنان مثل هذا الرجل؟!... ابتلعت غصتها و شعورها يزداد يتما و قهرا... الحياة ليست عادلة بالمرة...
اسرعت تختبئ من الجميع في المطبخ فروحها لم تعد تتحمل المزيد من الألم... هي كُتب عليها الشقاء للأبد!...
مر الوقت سريعا و انتهت الخطبة و قد انفض المدعوون من حولهم... لتدلف العروس و عريسها يكملان سهرتهما مع طارق و لبنى بداخل القصر... و اثناء انشغال العروسين بحديثهما تدخلت لبنى التي جلست جوار ميرنا تقول برجاء...
(كم أتمنى أن ترتدي السوار اليوم... أريد أن أراه عليكِ)
ابتسمت ميرنا بود تهمس بصوتها السعيد...
(لقد تركته في غرفتي قبل الذهاب لصالون التجميل... سأصعد أبدل فستاني لأكون أكثر حرية و أرتديه)
اومأت لها لبنى ببسمة صغيرة امتزجت معها لهفة الانتظار... كلها دقائق معدودة و تتخلص من هذه الخادمة التي تشعر بحدسها أنها ستمثل عثرة في طريقها...
صوت ميرنا الهادر في غرفتها وتر الأجواء و جعل طارق يهرول مع باهر للأعلى للاطمئنان عليها... و حينما دلف طارق غرفتها هاله منظرها المبعثر و حالة ابنته الغاضبة... اقترب منها يضم كتفيها اليه متسائلا بقلق...
(ميرنا حبيبتي ماذا حدث؟)
هتفت بحدة هادرة...
(سوار الألماس لا أجده يا أبي... لقد تركته هنا صباحا)
تباطأت خطوات لبنى بالخارج لتحبك فعلتها... ثم ولجت تراقب ابنها الذي بدأ يبحث مع خطيبته عن سوارها المفقود...وقفت قرب الباب تصدر صوتا مندهشا لتقول...
(غير معقول... لا أصدق)
التفت لها الجميع ليهم طارق بسؤالها و الترقب يملأ حدقتيه...
(ما هو الغير معقول سيدة لبنى؟!)
غامت عيناها بطيف تردد مصطنع تقول...
(لا أريد أن أظلم أحدا سيد طارق و لكن...)
قطعت عبارتها عمدا لتزيد من ترقبهم فأقترب ابنها يحثها على الاسترسال... هزت رأسها بعدم تصديق تقول...
(عندما جئت صباحا لأتمم على الحفل وجدت هذه الخادمة تقف هنا تحمل السوار بين يديها... ظننت أنها ترتب الغرفة فأمرتها بألا تطيل كي تلحق انهاء ترتيبات الحفل فتركتها و عدت اتابع شؤوني... لكنني لا أتخيل بأنها قد تكون... سرقته!!)
لم تنتظر ميرنا مزيدا من التفسير... حتى انها لم تتقصى عن هوية الخادمة... و كأنها ترى بعينيها فلك فقط و هي تتطاول على سوارها و تسرقه... ازاحت باهر جانبا و هي تركض خارج غرفتها قاصدة غرفة فلك و أمها بملامح مشتعلة ناقمة...
لحق بها باهر مناديا بأن تتمهل حتى يتيقنوا من أنها الفاعلة لكنها لم تبالِ... بينما وقف طارق بملامح متجهمة يسأل لبنى بصوته الرخيم و قد أصابتها نبرته بالقلق من أن يتم كشف لعبتها...
(هل أنتِ واثقة سيدة لبنى؟!)
اصطبغت نظرة عين حزينة لتومئ هامسة...
(لولا رؤيتي لها فعلا ما كنت قلت هذا...)
نظرة الضيق في عينيه زادت من شعورها بالرضا فيما فعلته... هو يشعر بالعطف نحو هذه البائسة... لكن يا خوفها إن تحول العطف لشيء آخر... شيء يسلبها حلمها لذا هي أكثر من مقتنعة بما فعلته...
بالأسفل...
أجفلت هيام على صوت الطرقات العالية فوق باب غرفتها مع ابنتها... شهقت بجزع بعدما فتحت الباب و رأت الشرار المتصاعد من عين ميرنا... دفعتها ميرنا بحدة جانبا لتدلف الغرفة و تقلب محتوياتها رأسا على عقب دون تفسير... اتجهت هيام نحوها تهتف بارتياع...
(على ماذا تبحثين سيدتي؟!... ماذا حدث؟!)
التفتت لها ميرنا بعصبية صارخة...
(أخرسي...)
خرجت فلك من الحمام الملحق بالغرفة بعدما أنهت حمامها للتو... هالها ما تراه و ما صارت عليه الغرفة... كما أن دخول طارق و باهر حتى لبنى أفزعها... كانت تلف شعرها المبتل بمنشفة قطنية لكنها أسرعت تلتقط وشاح رأسها الملقى أرضا تستبدله بها... اقتربت من أمها تسألها بقلق....
(ماذا هناك أمي؟!)
بادلتها هيام نظرة عين جاهلة لتصرخ ميرنا فيها بعدما سمعت جملتها...
(تسألين ايتها اللصة!!... حسنا دعيني أخبركِ ماذا هناك... أين سواري الألماس؟!)
اهتزت حدقتاها بخوف... هذا السوار الذي استباحت تجربته صباحا هل ضاع؟!!... يا للكارثة و هي متهمة بسرقته؟!!... لكنها لم تفعل يشهد الله أنها لم تفعل... لذا رغم كل ما تمر به من خوف احتدت نظرتها لتقف مدافعة عن نفسها أمامهم جميعا...
(أنا لست لصة و لا أسمح لكِ بإلقاء تهمة سرقة علي... لا أعرف عن ماذا تتحدثين!!)
زادت حدة ميرنا لتهز رأسها بوعيد و تعود تفتش في الغرفة بحالة أقرب للهستيرية... و لأول مرة تتشبث فلك بذراع هيام... هي لم تسرقه لكنها جربته... و بعدها ألقته بلا تدقيق حينما ظهرت لبنى... ترى هل ضاع و ترى هل تقوى هي على قول أنها جربته و ألقته؟!... شعرت هيام بتمسك ابنتها بها فاهتز قلبها بأمومة متهالكة ظنت أنها دفنتها كي تعيش... لكنها لم تجد سوى أن تمدها الآن بالأمان حتى لو كان غير مجديا...
(ابنتي ليست بسارقة... نحن نعمل و نكدح لنجني المال لا لنسرق أصحاب بيوت تركوها في أمانتنا!!)
جملة هيام الواهية تلاشت مع التفاتة ميرنا و التي حملت بين أصابعها السوار الألماسي... بسمة جانبية ساخرة ارتسمت على فمها و هي تؤرجح السوار في يدها و تهمس...
(واضح جدا أنكما لستا سارقتين... بل أنتما مدعيتان للفضيلة و الشرف)
تحركت ببطء تقف أمام فلك التي اصابها الخرس و تهمس بغضب مخيف....
(ماذا يفعل سواري في حاجياتكِ؟!)
اهتز جسد فلك بعنف و هي تراقب السوار خارجا من بين ملابسها في الخزانة... متى وصل الى هنا بحق الله!!... اهتزاز حدقتها كان أكثر من كافيا لتغزوها الدموع... فلتت كفها من فوق ذراع والدتها المصدومة لتهمس بصوت متلعثم باهت باكٍ...
(أنا لا أعرف كيف جاء الى هنا... أقسم لم آخذه لم افعلها و الله)
اعتدلت ميرنا لتهدر بعصبية مرعبة...
(لو أقسمتِ للصباح لن يفيد... السوار خرج من طيات ملابسكِ... لصة مثلكِ لا يُجدي معها سوى الاتصال بالشرطة)
زاد بكاء فلك المنفعل لتهز رأسها بتوسل عنيف و هي تهتف...
(لست سارقة و الله... لم أفعلها!!)
لكن ميرنا لم تعطِ لها بالا و هي تخرج من غرفتها قاصدة الهاتف في بهو القصر...اقتربت هيام من طارق الواقف بجمود ملامحه يراقب انهيار فلك بأعين شابها العطف الكبير...
(أرجوك سيدي نحن نعمل هنا منذ أزيد من شهر و لم ترى منا ما يشين... ابنتي لن تفعلها لو بها موتها هناك خطأ ما!)
فلتت زفرة متعبة من حلق طارق بعدما رمق هيام و حالتها الراجية... عيناه تعلقتا بفلك و هي تهز رأسها باستنكار و كأنها تهذي... الفتاة لم يرى منها أي سوء مطلقا... بالعكس هي تبدو له كطفلة ضعيفة ضلت الطريق فجلست منزوية في زاويته تنتظر من يلتقطها... صدر صوته بحزم آمر بعدما التفت يوقف ابنته...
(ميرنا لا داعٍ للشرطة أنا سأحل الأمر بنفسي...)
اهتاجت ابنته و هي تشاهد حنانه المعهود يحاوط مجرد خادمة و سارقة... لذا هتفت بعنف غاضب...
(لا يا أبي سأفعل... هذه الحشرة مكانها السجون لا قصور عريقة ت...)
صوت طارق الهادر بشدة لأول مرة في ابنته أجفلها... اهتزت كليا و هي تستقبل منه مثل هذا التصرف... كما أن صوته الحاوي على أمر اشعرها بالإهانة...
(ميرنا... اصمتي!)
كورت ميرنا السوار في يدها لتلقيه بحدة تحت قدم والدها و تهرول حيث الحديقة... أشارت لبنى لأبنها أن يلحقها و عادت هي ببصرها لطارق تنتظر فوق صفيح ساخن رد فعله مع الخادمة...
شعر بالضيق من نفسه و هو يتعامل مع ابنته الوحيدة و نور حياته بهذه الطريقة... لكنه يلاحظ تعاملها السيء مع فلك منذ رأتها و بهذه الطريقة ستظلمها دون جدال... وصفها الجارح لفتاة بسيطة كفلك أوجعه هو... أوجع عمرا قضاه في تربيتها كي تصبح فتاة طيبة القلب و الآن هي تتعالى و تصف الغير بالحشرة!!... أغمض عينيه بإرهاق من هذا اليوم الطويل و ختامه ليعود يفتحها و يطالع هذه المسكينة هناك... تبكي بل تنصهر في البكاء... عيناها المميزتان تصرخان بأنها لم تفعلها... و لكن لمَ يشوبهما نظرة ندم!!... و كي يعرف الحقيقة يجب أن يسمعها منها لا أن يتسرع بطلب الشرطة كما ارادت ابنته...
(فلك تعالِ الى غرفة المكتب حالا...)
في المكتب...
استند على كرسي مكتبه موليا ظهره اليها يضع كفيه في جيب سروال حلته... صوت نشيجها المكتوم يصله و يصور له حالة ارتجافها... يصدقها؟!... نعم يصدقها فهو ليس بشاب صغير لا يعرف البشر و ما تخفيه نفوسهم... سنوات عمره تكفي لأن يقسم الآن بأن هذه الفتاة بريئة... التفت ينظر لها بأعين امتلأت بحنان مضاعف... هو لا يرى خادمة اقترفت ذنب... و لا فتاة أغواها شيطانها للسرقة... هو يرى طفلة تنادي و تتضرع للدعم... للحنان... للعطف... للأمان... همس بصوته الهادئ و الذي أرسل فيه كل عطفه عليها...
(كُفي عن البكاء يا فلك... لن يجدي نفعا ها هنا)
ارتعشت شفتاها بقوة لترفع عينيها الحمراوين بدموع تغرق وجهها و تهمس بصوت مبحوح لامس أبوته...
(و الله لم أسرق سيدي... لم أفعل)
(أعرف...)
كلمته الوحيدة خرجت منه بيقين كامل... خرجت لتتسع معها عيناها بدهشة... ثم يقل اتساعهما بأمان و هي تستقبل من نظراته كل هذا الحنان الدافئ... تحرك من خلف مكتبه يتقدم منها متسائلا برفق...
(خبرتي في الحياة تكفي لأتأكد من كونكِ مظلومة... لكن لماذا ألمح الندم في مقلتيكِ؟!)
أخفت عينيها عنه بحرج ليستطرد هو بحنو...
(لا تخافي لن يسمعكِ أحد هنا... و الله بيننا شاهد بأني سأحفظ سركِ مهما كان كبيرا في نظركِ)
ابتسم برقي و حنان يؤشر على صدره قائلا بنبرة ربتت على يتمها...
(صدري يسع اسراركِ يا صغيرة... فلا تخافي و صارحيني بكل شيء)
وقف يستمع اليها عن كل ما صار صباحا حتى دخول لبنى عليها الغرفة... عقله ربط ما قصته بطلب لبنى أن ترتدي ابنته السوار في هذا الوقت تحديدا... حتى أنها من اشارت علنا على فلك و أتهمتها بالسرقة... تغضنت ملامحه بضيق من تفكير لبنى السوداوي... هل هناك سيدة مجتمع راقية تفعل فعلتها؟!... و الأدهى لو كانت متواطئة مع ميرنا في كل هذا... ابنته صغيرته ستنجرف في تيار حقد النساء!!!... لكن صوتها الباكي أمامه أخرجه من تفكيره لتتسع عيناه بألم حقيقي على صورتها المنهارة و همسها يشعل أبوته تجاهها...
(و الله هذه الحقيقة سيدي أنا لست سارقة و لن أكون أبدا... نعم اعترف أنني لامست ما ليس لي به حق... عاملته و كأنه مسموحا لي... لكنني ضعفت و يشهد الله أنها أول مرة... تمنيت أن يكون لي مثله... أن أعرف ملمسه على ذراعي... أن أتزين بمصوغات ثمينة.. حلم كباقي أحلامي الكثيرة و التي لن تتحقق... لكنني بكل غباء تركت لنفسي التحكم بي... و الله سيدي لقد تركته فوق طاولة الزينة لا أعرف كيف وصل لخزانتي وسط ملابسي... كان لا بد أن أيقن أن مثلي لا يحق لها حتى الحلم...)
هل الدنيا بهذه القسوة حقا؟!!... لتدفع فتاة في ريعان شبابها لهذه الدرجة من اليأس و الخوف... ما ذنبها هذه المسكينة كي تَئِد أحلامها و تقتلها لتعيش مستورة... ما ذنبها بأن تُخبئ أمنياتها في صندوق أسود و تلقيه من فوق جبل الفزع من الناس... احترقت كفاه جواره برغبة جارفة بأن يضمها اليه كما يفعلها مع ميرنا... أن يخبرها بأن تحلم و تشتهي و لا يهم فهو هنا ليحقق ما تتمناه... راقب ذبول ملامحها و قد انفلتت خصلات شعرها من تحت وشاحها... فلاحظ أنه لا يزال نديا و لربما تصاب بالزكام... لذا استعاد بسمته الحانية قائلا...
(لا بكاء بعد الآن فلك... هيا الى غرفتكِ و انسي ما حدث اليوم)
اسرعت تنظر في وجهه بعدم تصديق تقول...
(لكن السيدة ميرنا...)
قاطعها بقوله الحنون...
(لا تفكري في شيء ما دام أنا من قال انتهى الأمر...)
خرجت من مكتبه بهيئة مزرية من فرط البكاء... و خرج هو بعدها يشيعها بنظرة عين امتلأت بعاطفة كبيرة... عاطفة رقصت على سلم الرفق و الحنان... لكنها يبدو اختلت خطواتها دون قصد لتلامس درجة لم تكن في الحسبان و هي درجة... الاعجاب!!!
(ما معنى أن أريج وقعت في ورطة؟!)
هتفت بها بقلق بينما تستند على المكتب الصغير في الصيدلية... ليأتيها صوت ديما المتوتر و الذنب يغلفه...
(انظري حديثنا لن ينفع على الهاتف... ساعة و نصف و سأكون عندكِ علَّنا نجد حلا لها!)
صاحت غسق بلهفة مرتعبة...
(ديما حديثكِ يقلقني ماذا حدث؟!)
وصلها صوت ديما المتنهد بندم...
(ستعرفين حالما أصل... يجب أن أغلق لأنني أقود السيارة)
زفرت غسق و هي تغلق معها الخط... ديما لا تصاب بالندم هذا إلا لو كان الأمر جلل... لكن ما دخل أريج بكل هذا أم أن أمر العمل في مشفى والدها هو السبب؟!!... اتجهت تجلس فوق كرسي المكتب تحاول الاتصال بأريج لكن لا اجابة... اليوم لديها عملية جراحية و هي تتوتر من هاتفها قبل دخول غرفة العمليات لذا تغلقه طوال اليوم... وضعت غسق هاتفها بقلة حيلة فوق المكتب ترجح انتظار ديما لتعرف... لكن عيناها اتسعتا بدهشة تحولت لذهول و هي تتابع هذه السيدة بسيطة الهيئة التي دلفت للتو... لقد تخطت بوابة الصيدلية الداخلية حتى طاولة العرض الزجاجية لتفتح الباب الصغير و تكمل سيرها حتى وصلت للمكتب... كل هذا و هي تراقب بصمت مذهول... وقفت فجأة تسألها بحدة غير مقصودة و قد شابها نبرة حماية...
(كيف تدخلين هكذا من أنتِ؟!!)
ضحكت السيدة ذات العباءة السوداء الرثة لتظهر اسنانها المتكسرة و الصفراء تقول ببساطة...
(لا تخافي يا دكتورة أنا أم عيد)
هزت غسق رأسها بغباء بعدما ضيقت عينيها تردف...
(من أم عيد؟!!!)
اشارت المرأة لنفسها تقول باعتداد...
(المسؤولة عن نظافة الصيدلية... أنتِ جديدة هنا لهذا لا تعرفين أيام حضوري)
اومأت لها غسق رأسها متفهمة لتهمس...
(اعذريني لكنها أول مرة أراكِ بها... هلا أخبرتني عن أيام حضوركِ كي لا اتفاجأ كما الآن)
زادت ضحكت المرأة لتهم بالقول...
(كل يومي أثنين و أربعاء إن شاء الله)
(حسنا... يمكنكِ بدء العمل)
قالتها غسق ببسمة عملية لتعاود الجلوس فوق كرسيها...مرت دقائق و قد انكبت المرأة على تنظيف الصيدلية و ترتيبها... لكنها لم لتجعلها تمر هكذا بل كانت ثرثارة بشكل عجيب أزعج غسق... لم تمر بضع دقائق على معرفتهما لكنها أفضت لها عن معلومات شخصية و حكايات لا دخل لها بها... زفرت غسق مرات عديدة لتوضح لها بأنها حقا لا تهتم... ما دخلها هي بأن زوجة ابنها عيد كانت قليلة الأصل و تسببت في خصام بينها و بين ابنها... و من أخبرها بأنها تواقة لتعرف عن عملها في روضة الاطفال و مشاكلها مع مديرة الروضة... أم عيد هذه كارثة من كوارث الزمن... و من وسط زحام الكلمات و ثرثرة لا تنتهي شهقت غسق بدهشة و هي تراقب أم عيد قد بللت قطعت قماش و اتجهت تمسح بها التلفاز الصغير في الصيدلية... اسرعت تتمسك بيدها و تهتف بعدم تصديق...
(ماذا تفعلين بحق الله؟!!...)
ارتسم التعجب على ملامح المرأة لترفع قطعة القماش المبللة و التي يتساقط منها الماء تقول...
(أكمل تنظيف الصيدلية يا دكتورة... ألا ترين الغبار متكوم فوق التلفاز؟!!!)
ابعدت غسق يد أم عيد عن مكان التلفاز توضح...
(هذا كله جيد لكن ليس بالماء... هذه أجهزة كهربائية قد تتلف أو تسببين ماسا كهربائيا ينهي علينا!!)
رمقتها أم عيد بنظرة ضائقة لتنتشل يدها من يد غسق و تتجه بها للتلفاز...
(لا يكون قلبكِ ضعيفا هكذا يا دكتورة... أنا أعمل هنا منذ فترة و أنظف بنفس الطريقة و لم يحدث هذا الماس الذي تقولينه... ثم لا يوازي الماء شيئا في ازالة الغبار)
حانت من غسق نظرة حيث جهاز الحاسوب المعطل فوق المكتب لتقول بسخرية...
(هكذا عرفت كيف تلف الحاسب الالي... توكلي على الله يا أم عيد)
مالت تنزع وصلة التلفاز من الكهرباء لأنها فشلت تماما في اخبار أم عيد بكارثية ما تنويه... عادت لكرسيها تراقب المرأة و تنظر في ساعة هاتفها... الوقت يمر بطيئا جدا و ديما لا يزال باكرا على وصولها... و كمحاولة واهية اعادة الاتصال بأريج لكنه دون جدوى!!... حتى لفت انتباهها صوت دعاء أم عيد العالي... قطبت ما بين حاجبيها تراقبها تقف هناك عند باب الصيدلية ناحية الزجاج المتهشم و الموضوع في القمامة بعدما جلب سوسكا رجلا يبدله بواحد غيره... خشيت غسق من أن يظن المارة في الشارع بأن المرأة تلقي عليهم الشتائم و تسبب لها مشكلة... صاحت تناديها حتى أتتها أم عيد بوجه مكفهر...
(ما بكِ تطلقين دعواتكِ دونما سبب هكذا؟!!)
هزت أم عيد رأسها بتهكم تقول...
(كم أنتِ طيبة يا دكتورة... بل هناك سبب ألا تعرفين من الفاعل الحقيقي لما أصاب الصيدلية و شوادر المراكبي؟!)
لم تكن يوما واحدة من محبي الثرثرة... لم تكن تهتم بمعرفة أحوال الناس و شؤونهم... لم تكن لولا هذا الالحاح الغريب الذي سيطر عليها الآن... ربما لأنها لم ترى الفظ من بعد الحريق؟!... أو لأن الصيدلية دخلت رغما عنها في حيز الشجار... لذا سألتها بصوت هامس و كأنها تخشى أن تسمعها من نفسها...
(هل عرفوا من مفتعل الشجار؟!)
ازداد بريق عين المرأة لتسحب كرسيا مجاور للمكتب و تلصقه في كرسي غسق التي اتسعت عيناها بدهشة... لكن أم عيد لم تكن تلاحظ دهشتها فها هي ستمضي في أكثر هواية تجيدها و تحبها... الحديث عن الناس و أحوالهم و ما غيرها؟!!!
(أنتِ و أسرتكِ تمشون بجانب الحائط لذا لستم على دراية بخبايا الحي و أهله... الكل متأكد من أن داغر هو الفاعل لكنهم يصمتون احتراما لرغبة الحاج سليمان)
ضيقت غسق عينيها بعدم فهم تسألها...
(ما دام الجميع متأكد من هوية الفاعل لماذا لا ينتقم منه الحاج سليمان؟!!... أليس فرض السيطرة هنا هو أهم شيء لدى الناس لماذا لا يفعلها المراكبي و يهيمن على الحي داحرا داغر هذا!!)
انحنت أم عيد بجذعها لتصل لوجه غسق التي ابتعدت عنها تشعر بغرابة تعودها السريع عليها... همست المرأة بخفوت و كأنها ستحكي لها اسرار عظمى...
(الحاج سليمان ليس من هذا النوع المتباهي بقوته... شهادة لوجه الله احاسب عليها عائلة المراكبي من صغيرها لكبيرها يتقون الله و يحاولون بكل جهدهم ايقاف عائلة السمري عند حدهم)
ازداد جهل غسق بالأمر فعادت تسأل بفضول...
(و لماذا يوجد عداء من الأساس بين العائلتين يدفعهم للشجار كل فترة؟!... و على العكس أن أرى أن عائلة المراكبي تتناحر مثلهم بعنف و قسوة)
عوجت أم عيد شفتيها برفض قائلة...
(هذه الشجارات كانت قبل سنوات يا دكتورة حتى ارتحنا من داغر حينما القي القبض عليه... لكنه عاد ليشعل الحي من جديد)
فقدت غسق خيوط الحكاية تماما... العائلتان يتناحرون معا بنفس البدائية و العنف... لماذا تتخذ هذه المرأة صف المراكبي عن السمري؟!... و لماذا تصف عائلة المراكبي بطيب الخلق و حسنها و هم يتقاتلون مثل غيرهم؟! ...
(لم أعد أفهم شيئا...)
فلتت من غسق بصوت فقد صبره... لتستطرد أم عيد بنفس الخفوت قائلة...
(انها حكاية قديمة جدا من قبل ما أولد أنا و قد تناقلتها الألسن حتى جدتي رحمها الله حكتها لي دوما...)
تحفزت ملامح غسق بقوة لتميل تجاه المرأة بوجه منتظر بفضول عجيب...
(أسمعي يا "ست الدكتورة" قبل سنوات عديدة كانت عائلتي السمري و المراكبي يقطنون في هذا الحي كجيران متحابين... ضاري السمري و شاهين المراكبي صاحبين يد بيد و كتف بكتف... يعملان في الصيد كحرفة اتخذها معظم الناس هنا وقتها... تقاسما كل شيء سويا حتى الاحزان و الافراح لكن الشيطان دخل بينهما ليفسد عقل ابن آدم من جديد كما فعل في بداية الخليقة)
رمشت غسق لمرات عديدة و هي تستمع لهذه المرأة... انها تملك اسلوبا خاصا في السرد يجذب المستمع... من يرها بهيئتها الرثة هذه لا يصدق بأنها تسحر العقول و تجعل شغف المرء يطلب المزيد من الحكايات...
(لقد أحب شاهين ابنة عمه و طلبها للزواج و قد وافق عمه حينها ليضوي الحي بأنوار الفرح... لكنه لم يكن يعلم بأن ضاري أحب نفس المرأة و أن ابناء عمومته وسوسوا له بأن يسعى ليقتنص امرأة عجبته و ان شاهين طلبها للزواج حينما لمح اعجابه بها ... كانوا يريدون اقصاء ضاري من أمامهم كي يسيطروا على أملاك عمهم لكن ضاري لم يفهم هذا بل و اتبع هواهم... بدأ يتصيد الاخطاء لشاهين دونما سبب... يقارن بين حياتهما و ما يكسبه شاهين و ما يخسره هو من الحياة حتى حانت لحظة الخيانة و قد زين له الشيطان سوء عمله...)
همستها خرجت دون شعور و هي تسألها بخفوت...
(كيف؟!)
لاح الحزن و التأثر على وجه المرأة و كأنها حقا عاصرت هذا الوقت... و كأنها ستلقي هما ثقيلا أتعب قلبها لتكمل..
(رحلة صيد معتادة يقوم بها الصاحبان لكنها كانت الأولى بعد زواج شاهين و انقطاعه عن العمل لفترة... ودع زوجته و عائلته ليتمسك بكف صاحبه و يخطو معه للبحر... كان يتخذه ملاذا من موج و ظلام لكن صاحبه خان ... لقد عاد ضاري بعد ثلاثة ايام يخبر الجميع ان شاهين غرق في البحر و جرفته الامواج...الوضع كان غريبا و لم يصدقه الناس خصوصا عائلة المراكبي فالبحر وقتها لم يكن هائجا لتبتلع امواجه ابنهم غير ان شاهين كان صيادا ماهرا واجه البحر مرارا في اشد حالاته هياجا و عاد سالما)
سألتها غسق بتركيز امتزج بانفعال فضولي...
(و كيف تيقنوا من ان ضاري هو الجاني؟!)
هزت المرأة رأسها بأسى تكمل...
(بعد مرور مجرد ايام وصل خبر مفجع لعائلة المراكبي لقد وجد الناس جثة شاهين طافية قرب الشاطئ و الكارثة انه كان مطعونا بسكين و ليس غارقا فقط...اشتعلت النفوس و اهتاجت الصدور بما حدث و قد تخلى ابناء عمومة ضاري عنه و اوقعوه في شر اعماله حينما وشوا بنيته لقتل شاهين لأن عينه كانت على زوجة صاحبه...لم يكن هناك سوى طريقا واحدا لعائلة المراكبي و اتخذوه ليبردوا نيران صدورهم و فقدان ابنهم المغدور فقتلوا ضاري نكالا لما فعل بشاهين...لكن اخوة ضاري لم يسكتوا و ردوا القتل بالقتل و فقدت العائلتان خيرة شبابهما... و من وقتها و هم يتقاتلون بوحشية حتى جاء عهد سليمان ليعلن صلح بينهما وافقه فيه كبار رجال العوائل الأخرى...و قد حصل حتى غدر داغر بابنه الصغير كرم قبل دخوله السجن و لكن الله حمى كرم لأهله)
كانت تلهث بين كلمات أم عيد...و كأنها ترى و تسمع ما حدث منذ زمن... لقد ادخلتها المرأة في صندوق الدنيا لتشاهد من خلاله الحكاية... و قد رأت نفسها هناك بينهم ألم تكن شاهدا بل و مساعدا لابن سليمان في المشهد الأخير من القصة... همست بأنفاس متلاحقة
(يا الهي!!!... و أين الشرطة من كل هذا؟!!)
تشدقت أم عيد بخفوتها الهامس قائلة بتأكيد...
(هاتان أكبر عائلتان هنا و كما يُحسب لهما حساب من الناس يجدان نفسه من الشرطة... ثم ما حصل وقتها كان ثأرا و عند الثأر تفقد الشرطة سيطرتها مهما حاولت ايجاد حلول)
عقدت حاجبيها بتفكير تسأل المرأة بشك...
(من أين لكِ بمعرفة كل هذا؟!)
ابتسمت المرأة بسمة فخورة تستطرد بعدها...
(لا تستهيني بي يا دكتورة... أنا الشخص الوحيد الذي يدخل كل بيوت الحي و يسمع و يعرف ما لا يعرفه غيره)
فلتت ضحكة منفعلة من غسق و هي ترمقها... تلك الاحداث الصعبة و الدموية جمعت العائلتين... بعد صداقة و محبة غدر الصاحب بصاحبه... و كما تقول فعائلة المراكبي دافعت عن حقها و ليست بادئة بالعنف... لكن هل يشفع هذا المبرر ما وصلوا اليه من انسياق خلف تيار الانتقام!!...
(غسق...)
صوت ديما اتى ينتشلها من تفكيرها... اسرعت تتجه نحوها بوجه عاد له قلقه على أريج لتقف أمامها متسائلة...
(ما الورطة التي وقعت بها أريج يا ديما؟!!)
زفرت ديما بوجه مضطرب لتهمس بخفوت مذنب...
(مؤيد...)
ارتدت ملابس غرفة العمليات الخاصة ذات اللون الأزرق... وقفت تزفر ببطء و قلبها ينبض بقلق... نعم هذه حالتها كلما دخلت غرفة العمليات... تخصصها في النساء و الولادة دفعها لأن تصبح مسؤولة عن حياة شخصين و ليس واحدا... طالبة الطب البسيطة باتت طبيبة تختصها مشفاها التي تعمل بها بأصعب الحالات.. و هي دوما كانت محل ثقة... الطب لم يكن حلمها يوما لكن حينما أدركت بأنها ستحمل مسؤولية أرواح لم تتخاذل و لن تفعل... انتبهت لصوت رامي الواقف خلفها...
(يجب أن نخرج الجنين بأسرع وقت لقد التف الحبل السري حول عنقه أكثر لكن...)
التفتت له تقرأ ملامحه القلقة فأردف هو...
(السيدة ضغطها عالٍ جدا لدرجة لا تسمح لنا بإجراء العملية الآن)
أخفت كل توترها لتقف أمامه بوجه عملي... هي هنا لتساعد الناس و تخطو بهم لبر الأمان... الله وضعها هنا لأن هذا مكانها أحبته أم لا فهي جديرة به... لذا استطردت بخبرة عملية...
(سنجرب حقن خفض ضغط الدم أولا و ان شاء الله ستعطي مفعولا)
قاطعها رامي بنبرة يائسة...
(ماذا لو لم تؤتي ثمارها؟!... الحالة صعبة و امكانيات المشفى هنا لن تسعف لو...)
قاطعته هي هذه المرة بجدية واثقة...
(لن نقفز في خطواتنا دكتور رامي... دعنا نجربهم بترتيبهم و بالتأكيد سنجد حلا في واحدة منهم)
خرجا من غرفة التجهيز للعملية ليوقفها زوج المريضة قائلا بدموع متكدسة في عينيه...
(هل ستنجو زوجتي و ابني يا دكتورة؟.. بالله عليكِ لا تكذبين علي فهي كل حياتي و ابني هذا لطالما تمنيته من الدنيا)
كلامه البسيط زرع بها الخوف من جديد... ماذا لو فشلت هي لن تفرط في روحين بل ثلاث و من يدري ربما أكثر... لكنها صبغت بسمة مرتعشة تقول بتأكيد...
(أدعو لهما الله... و تأكد بأنه لن يردنا خائبين)
ظل الرجل يردد تضرعه لله بقلب تعلق ببابه... أليس هو من يجيب المضطر اذا دعاه؟!... و وعده دوما حق... قل أدعوني أستجب لكم... و بهذا الخاطر دلفت أريج غرفة العمليات بروح تعلقت برحمته ألا يخذلها فتخذل هي أرواح جعلها سببا في حمايتها...
مرت ساعات طويلة بالداخل حتى كاد التوتر يفتت الرجل في وقفته... لكن صوت الباب و خروج أريج منه دفع بعضا من بوادر أمل بثه الله في قلبه... وقف قبالتها يسألها بلهفة فابتسمت بتعب تهمس...
(مبارك عليك ابنك... زوجتك ايضا بخير لكنها ستظل تحت المراقبة للغد)
تركته و تحركت لغرفة تبديل الملابس و هو يزين خطواتها بدعائه السعيد... هذا هو كل ما تحتاجه بعد كل عملية... هذه السعادة و البسمة التي ترسمها بعون الله على محيا الناس... هذا هو الطب بالنسبة لها و ليس مجرد درجات و تقديرات على ورق...
بعدما بدلت ملابسها دلفت مكتبها تحمل بيدها كوبا من القهوة كانت في أمس الحاجة له... فتحت درج مكتبها تستخرج هاتفها الذي أغلقته كعادتها قبل أي عملية... رشفت من الكوب ثم ضغطت على زر الفتح... لم تكن تتوقع فور اعادة فتحه ان تنهال عليها كل هذه الرسائل المسجلة بعدد مكالمات غسق لها!!!... تركت الكوب فوق مكتبها و قد غزا القلق قلبها... اسرعت تتصل بها و فور وصول صوتها انصتت... لحظات و اتسعت حدقتاها بقوة و عدم تصديق لتهتف بصوت مستنكر هادر...
(ماذا؟!!!!!!!!!)
توقفت سيارة الأجرة أمام باب المشفى لتترجل منها بوجه ارتسمت عليه العصبية و الغضب... دفعت باب المشفى الزجاجي بحدة و توجهت مباشرة حيث المصعد دون الاكتراث بأي أحد... ما اخبرتها به غسق قبل قليل على الهاتف لهو سخف و عته هي ترفضه... ضربت ازرار المصعد بحدة حتى انفتح لها فدلفته تطلب رقم طابق بعينه... بالتأكيد مكتبه و ليس غيره هذا الرجل المتعجرف الثلجي!!... زفرت بقلة صبر و قد شعرت بأن مسافة الصعود زادت... تذكرت كلمات غسق فزاد غليان غضبها...
(أريج استمعي جيدا لما سأقوله و لا تنفعلي رجاء حتى نجد حلا... مدير المشفى الذي قمتي بمقابلتكِ معه هو ابن عم ديما صديقتي... يبدو أنه لم يحدث وفاق بينكما فقد اتصل يجمع معلومات عنكِ و ديما تخبركِ بأنه لم يفعل هذا إلا لرغبته في تلقينكِ درسا... هذا لم يكن سوى نصف المصيبة... فنصفها الآخر تمثل في تعيينكِ هناك و إن تقاعستِ عن العمل فنظام المشفى سيكبدكِ غرامة مالية كبيرة لدرجة تخيف كما أوضح هو لديما... أريج أنا حقا آسفة لكل هذا فأنا السبب!)
انقطعت الذكرى القريبة عندما توقف المصعد يعلن وصولها للطابق المطلوب... بكل عنف خرجت منه لتتجه مباشرةً ناحية مكتبه الوحيد هناك... وقفت تسحب نفسا عميقا و تزفره ببطء مشتعل... هل هذا الرجل مصاب بخلل نفسي يجعله لا يرى سوى نفسه فقط و يختال بها؟!!... حسنا يريد تجربة نفوذه و سُلطته لكنه اختار الشخص الخطأ تماما... و كتمسك بأخر خيط تعقل بداخلها طرقت الباب ببعض الحدة... فلو تركت العنان لغضبها لكسرته فورا... سمعت صوته البارد بجموده يأذن للطارق بالدخول... اغمضت عينيها بقوة تكبح جماح تهورها لتفتح الباب و تدلف...
بكل خيلاء جالسا فوق كرسي مكتبه يتحدث في هاتفه... رمقها بنظرة لا مبالية ليعاود الانشغال بمكالمته و كأنها ليست هنا... تحرك بكرسيه يوليها ظهره بقلة تقدير زادت من اشتعالها... لكنه سيد الجليد فمهما بلغت النار أمامه من هيجان بلمسة واحدة منه تخمد و تزول...
(هل أنت متأكد من أن حالة متعسرة كتلك نجحت بها في مشفى بإمكانيات أقل من البسيطة؟!)
كان هذا سؤاله لمن يهاتفه من الجهة الأخرى... صمت يستمع له ثم صدر صوته الآمر بنبرة متعالية...
(جيد... كن جاهزا لتتنازل عنها في أقرب وقت فخبرة كهذه احتاجها هنا)
اغلق الهاتف و قد ارتسمت بسمة جانبية ساخرة و مستخفة حينما سمع خطوات قدمها تقترب بحدة لتنتهي عند مكتبه... بكل برود التف بكرسيه محافظا على بسمته الجانبية... كما توقع ها هي تستند على مكتبه بوجه متحفز يملك من اللعنات ما يكفي لحرق مكتبه... وضع هاتفه بهدوء فوق مكتبه ليهمس بلهجة استخفاف غير مستترة ...
(جيد أنكِ هنا... وفرتي على المشفى ارسال نتيجة المقابلة لكِ)
ضربت المكتب بكفها بكل قوتها و قد زادتها نبرته الباردة جنونا... هتفت بأعين اشتعلت بها واحتها الخضراء ليرى نارها بكل وضوح...
(أأنت معتوه؟!!!... ما هذا الهراء الذي وصلني؟!!)
لم تتغير ملامحه الجامدة ببرودها لوهلة... لكن عيناه زادت دكنتها بقوة... و كأنها تحذرها من هبوب غير متوقع لرياح جليدية قد تجمد خلاياها... اقترب بجسده يستند بمرفقيه على المكتب هامسا بنفس النبرة...
(إن كان ينقصكِ الأدب في معاملة مدير مشفاكِ لا بأس... فالعمل هنا كفيل بأن يعلمكِ إياه)
انفرجت عيناها لتكتسح خضرتها مجال الرؤية أمامه... توهج ثم اشتعال و خلفهما نيران مخيفة... لكن كل هذا ما زاده سوى بسمة متهكمة صغيرة... صرخت فيه بحدة بينما تؤشر اليه بسبابتها...
(راقب كلماتك معي يا أنت... لا ينقصني سوى شخص غير سوي متعجرف مثلك يتجرأ على تربيتي!!!)
وقف فجأة من فوق كرسيه فأجفلها لترتد للخلف بقلق... اختفت بسمته الجانبية و توارى الجمود خلف هذا الذي تراه في عينيه... مخيف بل مرعب و هي تقسم بأنه رجل يعاني من شعور عظمة النفس!!... عيناه تحولت زرقتها لسواد قاتم... و قد هبت الرياح التي تم تحذيرها منها قبل لحظات... صقيع يحاوطها و قد تكبلت اوصالها بقيود وهمية... و رغم أنها توقن بأنها وهمية لم تقدر على فك سراح نفسها منها... يا الله مع من وقعت هي؟!!!...
هي الأولى في هذا المكان التي تمنح لنفسها ميزة الغضب... لكن من أخبرها بأنه سيجعلها تتمتع بها طويلا؟!... منذ لقائها الأول و هي تظن نفسها قادرة على مواجهته... بئس ما ظنت!!!... وقت مقابلتها معه قد قرأ ملف خبرتها بختم مشفاها البسيط لكنه أنكره و شعر به يغالي على الواقع مع درجاتها البسيطة التي تخرجت بها من الجامعة... لكنه بعد اتصاله بابنة عمه حصل على المزيد من المعلومات... و قد ختمها بمهاتفته لمدير مشفاها قبل وصولها ليخبره عن عملية الولادة المتعسرة التي نجحت بها بخبرة يقدرها جراح ماهر مثله... في العمل هو لا يبخس الناس حقهم و حقها هي أنها ماهرة...جدا
مشفاه هنا يحتاجها و هو لن يكون مؤيد لو فلت شخص مثلها من تحت يده و سيسلك كل الطرق المشروعة ليضمها الى طاقم العمل هنا...هي شخص قد يرفع قيمة عمله ليصبح اثباتا جديدا يمكنه جمعه لمواجهة طالت كثيرا
(عملكِ سيبدأ في مطلع الشهر القادم... و التقاعس في قوانيني يكلف كثيرا)
صدرها يعلو و يهبط بحدة من فرط انفعالها... لكنها بادلت نظرة جليده بنظرة نيرانها لتقول بعدها بتأكيد غير عابئة بأي تهديد يرسله لها...
(أعلى ما في خيلك أركبه... دكتور مؤيد)
قصدتها بأن تلفظ اسمه باستهانة كما فعلها معها المرة الماضية... لتوضح له بأنها لا تخشى نفوذه و تهديده... هو مجنون عظمة لا شك و هي لن تصبح قربان لعجرفته و ثقته الزائدة في نفسه... و في لمح البصر اختفت من مكتبه لتطيل نظرته على الباب هامسا بوعد بارد ماثل نظرة عينه...
(ستعودين... مهما قُلتِ بأنكِ لن تفعلي بعدها ستعودين)