رواية انذار بالانتقام الفصل السادس 6 بقلم زينب خالد
الفصل السادس
ليس بالضرورة أن ينتصر الخير دائما ..
أحيانا الشر يعلو لهيبه ولا تقدر على إطفائه ..
والشرير أصبح الجيد في يومنا الحالي ..
والعمل الخير أصبح نادر الوجود ..
وعندما حاول أن ينجرف عن المسار عُوقب بشدة ..
سلبت الحياة روحه وكأنها تعاقبه على ما اقترفه بحقهم ..
وأصبح جسد بلا روح دون حركة أو مقاومة ..
وبعدما كان ينضال بأعز ما يملك، أصبح هامد يأخذ ركن بعيد عن الجميع حتى يحتضر جسديا ويذهب مثلما ذهبت روحه ..
زينب خالد
" الماضي "
بعد مرور الأيام ..
مرت الأيام بصعوبة على كليهما، كل منهم في ملكوته الخاص لكنه يحاول بكل طاقته أن يعوضها عن اليوم الذي عاشته . أما هو لم يعد يعرف معنى النوم حقا وذلك بسبب عقله الذي لم يرحمه بل دائم التفكير فيما يمكن أن يحدث خاصة بعد التحذير الذي أرسله شاكر ..أخذ أجازة من عمله حتى يهدى قليلا ولكي يمضي بعض الوقت مع سجى خوفا من فقدانها بعد ما حدث، أصبح يخاف عليها كثيرا لا يقدر على أن يبتعد عنها بينما هي ظلت شاردة لعدة أيام .. كانت تعاني بعد ما حدث، كثير التفكير، خائفة في أي لحظة أن يزورها ملك الموت دون أن تستعد له .. الأيام عليهما كانت تمر ك مر العلقم، لكن عادت الحياة طبيعية بينهم وبدأ كل منهم في التناسي لكن الأوراق بحوزته لم تترك عقله أبدا .. يفكر ما سيفعله كل ما يضمنه هو وجود نسخة مع يوسف .. ظل يفكر إلا أن أهتدى إلا طريقين: أولا أن يبتعد عن هنا إطلاقا ويذهب لأخيه ويقيم معه دون عودة، ثانيا أن يقوم بتسليم الأوراق للشرطة وهي تتعامل معه بالطريقة الذي يستحقها خصوصا وأنه لا يفضل أن يهرب ويترك شيء خلفه دون إنهائه.
في الصباح اليوم التالي
بمديرية القاهرة ..
دلف حاتم وعينيه تجول على المكان من حوله يراقب الجميع، لم يعلم بأي جهه يتحرك.. فسأل أحد العساكر التي تسير ذهابا وإيابا، فقال:
لو سمحت كنت محتاج أقابل حد من الظباط اللي هنا
أجابه العسكري بجدية :
هتمشي أخر الطرقة المكتب اللي قبل الأخير هتلاقيه فيه المقدم
شكره حاتم ثم اتجه للمكتب، وصل حتى وجد عسكري يقف على الباب فسأله مستفسرا :
لو سمحت كنت محتاج أدخل للمقدم عشان أكلمه وأسلمه أوراق مهمة
هز رأسه ثم تحدث بجدية:
المقدم حاليا في إجتماع.. تقدر تنتظر لغاية لما يجي
أومأ برأسه بتفهم ثم تحرك ونظر حوله حتى وجد مقعد موضوع وجلس عليه ، زفر تنهيدة قوية محاولا بث الثقة لنفسه وطرد أي مخاوف تطارده منذ الصباح خاصة خوفه بمعرفة شاكر بوجوده هنا، ظل جالسا لأكثر من ثلاث ساعات .. نهض متجه للعسكري مرة أخرى وتحدث بحنق ونفاذ صبر :
هو الإجتماع دة هيطول
أجابه العسكري بجدية ونبرة خشنة :
معرفش ممكن يطول وممكن يكون مشي
زفر تنهيدة حانقة يستغفر داخله، مجيئه لم يغير شيء بل كان مجرد مضيعة للوقت .. خرج من المكان وملامح وجه يكسوها الضيق ، رأه وهو يخرج من المديرية بوجه يظهر عليه الجمود .. رفع هاتفه وتحدث قائلا :
أيوة يا باشا جه على المديرية ومعاه ملف ، أعد كتير جوة بس طلع ووشه باين عليه أنه متعصب
تحدث شاكر إليه أمرا :
تخليك وراه زي ضله ومتسبهوش وأي حاجة جديدة تبلغني
أجابه بطاعة :
حاضر يا باشا
على الجانب الآخر ..
في شركة شاكر ..
أغلق الهاتف متحدثا بحنق وصبره على وشك النفاذ من حاتم :
الواد دة مش هيهدى وهيفضل يحوم ورايا كتير وللاسف ميعرفش أن وقته على الدنيا مش كثير .
أجاب عصمت بنبرة هادئة :
طبيعي يا باشا .. خصوصا اللي عملته في مراته وأي حد مكانه هيتصرف كدة
قال شاكر موضحا :
وأنا مش ناقش شوشرة يا عصمت .. حاول تخلص من الموضوع دة، كل ما يطول هيبوخ ويبدأ كل شيء تحت موضع الشك ، وأنا مش عايزة أوصل للنقطة دي .
أجاب بطاعة :
تؤمر بأي
أرجع جسده للخلف يستند على المقعد، فكر قليلا ثم أردف :
أنا أهم شيء عندي أن الورق يبقى معايا .. أما بقى نرد على اللي عمله ازاي، فممكن نقتل مراته، تكتفي برصاصة من غير قتل .. شوف أنت هتعمل أي المهم عايزه يتحسر وأفضل طريقة هي نقتل بيها مراته وننجز
قال عصمت بجدية:
طب حضرتك مش شايف لو عملنا كدة مش هيسكت أكتر وهيقلب الدنيا
أجابه موضحا :
كدة كدة الورق هتاخده ولو متعظش وفكر يعمل حاجة نخلص منه ، المهم محدش يشم خبر عن الموضوع .. وعليه أصلا مراقبة 24 ساعة ومن خلال المراقبة مفيش حد بيروح ويجي عليه، باين مقطوع من شجرة وأنا كدة كدة ميهمنيش ليه حد ولا لا المهم عندي هو وأن أخلص من الموضوع بأسرع وقت
أومأ متفهما قائلا:
تمام.. هخلص من الموضوع
بعد يومين ..
بعد منتصف الليل ..
يجلس كلاهما أمام التلفاز يشاهدان أحد الأفلام ، تعالى طرقات الباب وأول من تحدث سجى التي هتفت مستنكرة يكسو نبرتها التعجب :
مين اللي هيجي دلوقتي
لم يجيب عليها بل نهض حاتم متجه للباب ليرى من الطارق وبعدما فتح الباب ، دفعه أحدهم بقوة فاختل توازنه ووقع الأرض يليه دخول رجال بهيئة ضخمة بكثرة يتوسطهم عصمت الذي هتف بقوة دون أي مقدمة :
الباشا بيقولك فين الورق
ركضت سجى بخوف تجاه فانحنت تفحصه بقلق قائلة بغضب :
هو في أي .. وأنتم مين
نهض بجسده سريعًا وأخذ سجى خلفه وهو يقف أمامها كالحصن المنيع يحميها حيث هتف بقوة ونبرة غاضبة :
اللي عايزه مش هيطوله ولو فاكر اللي عمله دة هيعدي بالساهل يبقى بيحلم
نظرت سجى بتوتر من خلف ظهره لهيئه الرجال ونبره زوجها التي لم تفهم لحد الآن ما يحدث، تحدثت بنبرة مستنكرة وملامح وجهها مستغربة:
مين دول.. وورق أي اللي بتتكلموا عنه
لم يرد عليها أحد منهم وكأن كل منهم يعرف ما يريده الاخر .. فظلت جاهلة لما يحدث حولها .. ف نمت على ثغر عصمت بسمة ساخرة متهكمة بينما أمر رجاله هاتفا بقوة :
تقلبوا الشقة وتجبوللي الورق بسرعة
انتشر الرجال بجميع أنحاء الشقة يبحثون عن الورق .. نظرت لهم سجى برعب وهي ترى شقتها تنقلب رأس عن عقب وحتى الآن لا تعرف الخطر الذي يحاوطهما بينما حاتم رغم قوته الظاهرة لكن كل خوفه متجه نحوها، يحاول حمايتها منهم ف أخذها بحضنه يحضتنها بقوة محاولا أن يستمد قوته منها لكن ملامح وجهه كانت غاضبة تحمل سخرية مما يحدث وهو على علم بأنهم لم يجدوا ما يريدوه .. تحدثت سجى بنبره خافتة بخوف مضطربة لزوجها :
فهمني أنت مش بترد عليا.. ومين دول
لم يجيبها بل ضمها أكثر لحضنه وكأنه يخاف أن يصابها خدش بسيط، يراقبهم عصمت بوجه جامد .. انقلبت الشقة رأسا عن عقب لم يبقى شيء بمكانه الطبيعي وذلك في سبيل البحث عن الورق .. مرت عشرون دقيقة واجتمع الرجالة في الصالة حيث تحدث أحدهم :
ملقناش حاجة
هتف عصمت متسألا :
دورتوا كويس
أجابه بطاعة :
أيوة ومفيش حاجة
ابتسم حاتم بزفر لكن لم تدوم طويلا حيث أمر عصمت رجاله بأخذ سجى .. صرخت سجى بقوة وخوف شديد بينما حاتم يقاوم الرجال لأخذ سجى مرة أخرى لكن الرجال أحكم الحصار حوله وحولها بقوة بحيث لا يمكن إفلاتهم .. تحدث حاتم بصراخ مضطربا يحاول الافلات منهم :
سبها يا حيوان ، سبهااا
تحدث عصمت بلامبالاة :
الورق تقول فينه هسبها مش هتقول أنت الجاني على روحك
أجابه حاتم بغضب شديد وملامح وجه متحفزة :
مفيش ورق وملكمش حاجة عندي
أخرج عصمت سلاحه من خلف ظهره واتجه ناحية سجى حيث وقف بجانبها ثم أشهره عليها .. فصرخت بعنف ممزوج بالخوف وجسدها يرتعش بقوة .. نظر لها حاتم وداخله مقهور على الحالة التي وصلا لها ، وما يخاف منه دائما حدث أمامه وهو لا يقدر على حمايتها .. شعور العجز تملك منه بقوة وهو يحاول أن ينفذها لكن قوتهم البدنية غلبت قوته وهذا ما أصابه بالاحباط الممزوج بالعجز وهو يرى جسدها يرتعش بعنف وعيونها لم تجف من البكاء ورغم ذلك اشتعل جسده من الغصب خاصة مع وجود السلاح ناحيتها فتحدث بغضب:
ابعد السلاح عنها وطلعها برة الحوار خليك معايا أنا
ابتسم الاخر ساخرا على حديثه فأجاب عليه:
ازاي بس .. وهي أصل الموضوع، يلا معاك دقيقتين فكر بسرعة عشان الوقت بيعدي
مع كم الضغط النفسي الهائل الذي يتعرضله، حاول ألا يستسلم لكن منظرها وهي تقف مرتعبة، عيونها الباكية ، كل هذا يضغط عليه بشدة من جانب يخاف أن يستسلم ومن جهة رفيقة دربه، فقرر أن يعطيهم الورق وذلك أهون عليه من أن يحدث بها شيء.
تحدث حاتم بنبرة مقهورة :
موجود تحت الدولاب في الاوضة التانية
أشار لأحد الرجال قائلا :
روح شوفه
قرر أن يتركها ثم أمر رجاله بتركه بمفرده، اتجهت سجى بخوف وهي تتحامى بداخله وعينيها تذرف الدموع بكثرة وجسدها ينتفض من الخوف بينما راقبها بلهفه قائلا بنبرة خافته يضع يديه على وجها محاولة أن يبث بداخلها الأمان :
متخافيش .. أنا معاكي، جمبك، كل حاجة هتعدي
خرج الرجل وأعطى الملف لعصمت ففحصه بأهتمام ثم قال :
كدة تمام .. يلا بينا يا رجالة
وبعدما خرج أخر رجل هتف عصمت ببسمة مخيفة :
الباشا باعتلك تحياته
لم يعي ما يقوله إلا عندما انطلقت الرصاصة من سلاحه واخترقت ظهر سجى بقوة.. شهقت بعنف وصدمة، بينما هو جحظ عينيه بقوة وعدم تصديق .. خرج عصمت بعد أن أرجع سلاحه لخلف ظهره.. مرت الثواني ك تصوير البطئ لا يصدق ما حدث، جاحزة هي عيناها بقوة شاهقه بضعف فخارت قوى جسدها وبدأت بالضعف تدريجيا حتى قدمها بدأت تخور وحاتم يسقط معها، لا يصدق ما حدث، شعوره بالعجز كان أقوى شيء شعره . فكرة بأنه لم يستطع حمايتها أصابته بشدة وكأن وجوده مثل عدمه، هتف بنبرة خافتة، ضعيفة، تائهه، غير مصدقا ما جرى :
متسبنيش.. متسبنيش.. أنا أسف، أنا السبب لكن خليكي معايا
جلس على الارض وهي بحضنه يبكي بعنف وشهقاته ترتفع بينما دموعها تزرف بقوة وشريط حياتهم يعاد من جديد، فابتسمت تحاول أخذ أنفاسها قائلة بنبرة ضعيفة:
ملحقناش نحقق كل اللي نفسنا فيه
هز رأسه بعدم تصديق نافيا بعنف قائلا بنبرة ضعيفة باكية :
لا هتعيشي، وهنحقق اللي نفسنا فيه ونجيب البيبي اللي كنتي بتتمنيه
سعلت بعنف محاولة التماسك لكن الجرح ينزف كثيرا وقدرتها على التحمل لم تعد موجودة، تحدثت بنبرة خافتة ضغيفة متقطعة:
خلي..بالك..من..نفسك..بحبك
وهنا التقطعت أخر أنفاسها فتشاهدت ثم صعدت الروح لخالقها وعينيها انغلقت للابد .. لم يصدق حيث هز رأسه بعنف يهتف بنبرة عالية :
لااااااا.. متمشيش .. متسبنيش .. هعيش ازاي من غيرك
ظل يقربها من حضنه بقوة وهو يقبل وجهها قبلات متقطعة ممزوجة بملوحة دموعه الحارقة .. هز جسدها محاولا أن يجعلها تستيقظ لكن محاولاته كلها باتت بالفشل.. فأصبح عقله غير واعي بما يفعله به ودموعها على صفحات وجهها بينما وجه كان يحاكي كم من العجز والوجع بمرارة فقدان جزء منه وخاصة قلبه .
تحدث حاتم صارخا بقوة هزت أرجاء المنزل :
ســـــــــجـــــــــى
بعد أربع أيام
يراقبه يوسف من بعيد وهو جالس بغرفته يحتضن ملابسها بقوة وعيونه تزرف الدموع دون توقف ، لا يعلم كيف مرت الأيام؟ ، لم يصدق في بادي الأمر عندما هاتفه حاتم وهو يبكي ك طفل فقد والدته، لم يفهم منه كثيرا بسبب حديثه المتقطع كل ما التقطه أنه يجب أن يأتي سريعا ، لم يأخذ وقت بل بأول أتوبيس صعد به وبعد ساعات طويلة من المشقة والسفر فذهب لأخيه سريعا، وحينها صدم مما عرفه.. وظل متصنما مكانه وهو لا يستوعب ما يقوله ولم يصدق إلا عندما رأها بالمشرحة .. بكى وهو لا يصدق ما يراه، زهرة حياتهم التي كانت تملأ حياتهم بالبهجة والسعادة انطفت وأصبحت ذابلة وشاحبة كالموتى.. انهى جميع الإجراءات وقيدت القضية ضد مجهول وذلك بناء على حديث حاتم بصعوبة قائلا بأنها كانت عملية سرقة . ومنذ دفنها وأخذ عزائها على القبر وحالة حاتم تزداد سوء، لا يأكل ولا ينام، يظل مستيقظا جامدا دون حركة إلا عندما ينهض ويأخذ ملابسها ويعود مجددا .
يحاول أن يتماسك من أجله ومن أجل أن يسانده لكنه لا يصدق ، الفكرة بحد ذاتها مرعبة وخاصة البيت الذي كان يمتلئ بضجيج ضحكاتها اختفى واختفت روحهما معها للأبد .. دلف لغرفته بعدما قرر بأنه لن يتركه ثانيا وسيقتحم خلوته ليحاول أن يخرجه مما هو فيه، فجلس بجانبه ثم تحدث قائلا بحنان :
مش هتنام شوية ..بقالك كام يوم مطبق من غير ما تغمض حتى
لم يجيبه ولم يصدر أي اشارة دليل على استجابته بل ظل ينظر لفستانها التي كانت تحب أن ترتديه، ربط على كتفه بحنان محاولا كتم دموعه من حاله أخيه ثم أردف يوسف بنبرة دافئة :
مينفعش تفضل صاحي كدة ولا بتاكل ولا بتشرب ، سجى مكنتش هترضى تعمل اللي بتعمله دة
نظر له بأعين خاوية من الحياة نتيجة لذكر اسمها لكنه وجه عينيه للفستان مرة ثانية، تنهد يوسف بتعب وحزن على ما آلت عليه الأمور لكنه حاول بكل الطرق حتى أخيرا رضخ له وجعله يستلقي على الفراش وبحضنه يحتضن فستانها بقوة وكأنه منفذ الهواء الذي يتنفس منه .
يشعر يوسف بعدم الراحة ولا يعلم ما يفعله وكيف يتركه بهذه الحالة ويعود لعمله مرة أخرى، يخاف أن يخسره مثلما خسرها لم تكن زوجة أخيه فقط بل كانت أكثر من أخت له من تراعيه وتهتم به وكأنه أخيها .. يجب أن يفعل شيء حتى أن حاتم حتى الآن لم يتحدث ويدلو بما حدث ولا يعرف ما حدث وكيف أنها توفت ، لكنه سينتظر حتى يستطيع أن يأخذ عافيته ويعلم ما حدث كاملة .
ليس بالضرورة أن ينتصر الخير دائما ..
أحيانا الشر يعلو لهيبه ولا تقدر على إطفائه ..
والشرير أصبح الجيد في يومنا الحالي ..
والعمل الخير أصبح نادر الوجود ..
وعندما حاول أن ينجرف عن المسار عُوقب بشدة ..
سلبت الحياة روحه وكأنها تعاقبه على ما اقترفه بحقهم ..
وأصبح جسد بلا روح دون حركة أو مقاومة ..
وبعدما كان ينضال بأعز ما يملك، أصبح هامد يأخذ ركن بعيد عن الجميع حتى يحتضر جسديا ويذهب مثلما ذهبت روحه ..
زينب خالد
" الماضي "
بعد مرور الأيام ..
مرت الأيام بصعوبة على كليهما، كل منهم في ملكوته الخاص لكنه يحاول بكل طاقته أن يعوضها عن اليوم الذي عاشته . أما هو لم يعد يعرف معنى النوم حقا وذلك بسبب عقله الذي لم يرحمه بل دائم التفكير فيما يمكن أن يحدث خاصة بعد التحذير الذي أرسله شاكر ..أخذ أجازة من عمله حتى يهدى قليلا ولكي يمضي بعض الوقت مع سجى خوفا من فقدانها بعد ما حدث، أصبح يخاف عليها كثيرا لا يقدر على أن يبتعد عنها بينما هي ظلت شاردة لعدة أيام .. كانت تعاني بعد ما حدث، كثير التفكير، خائفة في أي لحظة أن يزورها ملك الموت دون أن تستعد له .. الأيام عليهما كانت تمر ك مر العلقم، لكن عادت الحياة طبيعية بينهم وبدأ كل منهم في التناسي لكن الأوراق بحوزته لم تترك عقله أبدا .. يفكر ما سيفعله كل ما يضمنه هو وجود نسخة مع يوسف .. ظل يفكر إلا أن أهتدى إلا طريقين: أولا أن يبتعد عن هنا إطلاقا ويذهب لأخيه ويقيم معه دون عودة، ثانيا أن يقوم بتسليم الأوراق للشرطة وهي تتعامل معه بالطريقة الذي يستحقها خصوصا وأنه لا يفضل أن يهرب ويترك شيء خلفه دون إنهائه.
في الصباح اليوم التالي
بمديرية القاهرة ..
دلف حاتم وعينيه تجول على المكان من حوله يراقب الجميع، لم يعلم بأي جهه يتحرك.. فسأل أحد العساكر التي تسير ذهابا وإيابا، فقال:
لو سمحت كنت محتاج أقابل حد من الظباط اللي هنا
أجابه العسكري بجدية :
هتمشي أخر الطرقة المكتب اللي قبل الأخير هتلاقيه فيه المقدم
شكره حاتم ثم اتجه للمكتب، وصل حتى وجد عسكري يقف على الباب فسأله مستفسرا :
لو سمحت كنت محتاج أدخل للمقدم عشان أكلمه وأسلمه أوراق مهمة
هز رأسه ثم تحدث بجدية:
المقدم حاليا في إجتماع.. تقدر تنتظر لغاية لما يجي
أومأ برأسه بتفهم ثم تحرك ونظر حوله حتى وجد مقعد موضوع وجلس عليه ، زفر تنهيدة قوية محاولا بث الثقة لنفسه وطرد أي مخاوف تطارده منذ الصباح خاصة خوفه بمعرفة شاكر بوجوده هنا، ظل جالسا لأكثر من ثلاث ساعات .. نهض متجه للعسكري مرة أخرى وتحدث بحنق ونفاذ صبر :
هو الإجتماع دة هيطول
أجابه العسكري بجدية ونبرة خشنة :
معرفش ممكن يطول وممكن يكون مشي
زفر تنهيدة حانقة يستغفر داخله، مجيئه لم يغير شيء بل كان مجرد مضيعة للوقت .. خرج من المكان وملامح وجه يكسوها الضيق ، رأه وهو يخرج من المديرية بوجه يظهر عليه الجمود .. رفع هاتفه وتحدث قائلا :
أيوة يا باشا جه على المديرية ومعاه ملف ، أعد كتير جوة بس طلع ووشه باين عليه أنه متعصب
تحدث شاكر إليه أمرا :
تخليك وراه زي ضله ومتسبهوش وأي حاجة جديدة تبلغني
أجابه بطاعة :
حاضر يا باشا
على الجانب الآخر ..
في شركة شاكر ..
أغلق الهاتف متحدثا بحنق وصبره على وشك النفاذ من حاتم :
الواد دة مش هيهدى وهيفضل يحوم ورايا كتير وللاسف ميعرفش أن وقته على الدنيا مش كثير .
أجاب عصمت بنبرة هادئة :
طبيعي يا باشا .. خصوصا اللي عملته في مراته وأي حد مكانه هيتصرف كدة
قال شاكر موضحا :
وأنا مش ناقش شوشرة يا عصمت .. حاول تخلص من الموضوع دة، كل ما يطول هيبوخ ويبدأ كل شيء تحت موضع الشك ، وأنا مش عايزة أوصل للنقطة دي .
أجاب بطاعة :
تؤمر بأي
أرجع جسده للخلف يستند على المقعد، فكر قليلا ثم أردف :
أنا أهم شيء عندي أن الورق يبقى معايا .. أما بقى نرد على اللي عمله ازاي، فممكن نقتل مراته، تكتفي برصاصة من غير قتل .. شوف أنت هتعمل أي المهم عايزه يتحسر وأفضل طريقة هي نقتل بيها مراته وننجز
قال عصمت بجدية:
طب حضرتك مش شايف لو عملنا كدة مش هيسكت أكتر وهيقلب الدنيا
أجابه موضحا :
كدة كدة الورق هتاخده ولو متعظش وفكر يعمل حاجة نخلص منه ، المهم محدش يشم خبر عن الموضوع .. وعليه أصلا مراقبة 24 ساعة ومن خلال المراقبة مفيش حد بيروح ويجي عليه، باين مقطوع من شجرة وأنا كدة كدة ميهمنيش ليه حد ولا لا المهم عندي هو وأن أخلص من الموضوع بأسرع وقت
أومأ متفهما قائلا:
تمام.. هخلص من الموضوع
بعد يومين ..
بعد منتصف الليل ..
يجلس كلاهما أمام التلفاز يشاهدان أحد الأفلام ، تعالى طرقات الباب وأول من تحدث سجى التي هتفت مستنكرة يكسو نبرتها التعجب :
مين اللي هيجي دلوقتي
لم يجيب عليها بل نهض حاتم متجه للباب ليرى من الطارق وبعدما فتح الباب ، دفعه أحدهم بقوة فاختل توازنه ووقع الأرض يليه دخول رجال بهيئة ضخمة بكثرة يتوسطهم عصمت الذي هتف بقوة دون أي مقدمة :
الباشا بيقولك فين الورق
ركضت سجى بخوف تجاه فانحنت تفحصه بقلق قائلة بغضب :
هو في أي .. وأنتم مين
نهض بجسده سريعًا وأخذ سجى خلفه وهو يقف أمامها كالحصن المنيع يحميها حيث هتف بقوة ونبرة غاضبة :
اللي عايزه مش هيطوله ولو فاكر اللي عمله دة هيعدي بالساهل يبقى بيحلم
نظرت سجى بتوتر من خلف ظهره لهيئه الرجال ونبره زوجها التي لم تفهم لحد الآن ما يحدث، تحدثت بنبرة مستنكرة وملامح وجهها مستغربة:
مين دول.. وورق أي اللي بتتكلموا عنه
لم يرد عليها أحد منهم وكأن كل منهم يعرف ما يريده الاخر .. فظلت جاهلة لما يحدث حولها .. ف نمت على ثغر عصمت بسمة ساخرة متهكمة بينما أمر رجاله هاتفا بقوة :
تقلبوا الشقة وتجبوللي الورق بسرعة
انتشر الرجال بجميع أنحاء الشقة يبحثون عن الورق .. نظرت لهم سجى برعب وهي ترى شقتها تنقلب رأس عن عقب وحتى الآن لا تعرف الخطر الذي يحاوطهما بينما حاتم رغم قوته الظاهرة لكن كل خوفه متجه نحوها، يحاول حمايتها منهم ف أخذها بحضنه يحضتنها بقوة محاولا أن يستمد قوته منها لكن ملامح وجهه كانت غاضبة تحمل سخرية مما يحدث وهو على علم بأنهم لم يجدوا ما يريدوه .. تحدثت سجى بنبره خافتة بخوف مضطربة لزوجها :
فهمني أنت مش بترد عليا.. ومين دول
لم يجيبها بل ضمها أكثر لحضنه وكأنه يخاف أن يصابها خدش بسيط، يراقبهم عصمت بوجه جامد .. انقلبت الشقة رأسا عن عقب لم يبقى شيء بمكانه الطبيعي وذلك في سبيل البحث عن الورق .. مرت عشرون دقيقة واجتمع الرجالة في الصالة حيث تحدث أحدهم :
ملقناش حاجة
هتف عصمت متسألا :
دورتوا كويس
أجابه بطاعة :
أيوة ومفيش حاجة
ابتسم حاتم بزفر لكن لم تدوم طويلا حيث أمر عصمت رجاله بأخذ سجى .. صرخت سجى بقوة وخوف شديد بينما حاتم يقاوم الرجال لأخذ سجى مرة أخرى لكن الرجال أحكم الحصار حوله وحولها بقوة بحيث لا يمكن إفلاتهم .. تحدث حاتم بصراخ مضطربا يحاول الافلات منهم :
سبها يا حيوان ، سبهااا
تحدث عصمت بلامبالاة :
الورق تقول فينه هسبها مش هتقول أنت الجاني على روحك
أجابه حاتم بغضب شديد وملامح وجه متحفزة :
مفيش ورق وملكمش حاجة عندي
أخرج عصمت سلاحه من خلف ظهره واتجه ناحية سجى حيث وقف بجانبها ثم أشهره عليها .. فصرخت بعنف ممزوج بالخوف وجسدها يرتعش بقوة .. نظر لها حاتم وداخله مقهور على الحالة التي وصلا لها ، وما يخاف منه دائما حدث أمامه وهو لا يقدر على حمايتها .. شعور العجز تملك منه بقوة وهو يحاول أن ينفذها لكن قوتهم البدنية غلبت قوته وهذا ما أصابه بالاحباط الممزوج بالعجز وهو يرى جسدها يرتعش بعنف وعيونها لم تجف من البكاء ورغم ذلك اشتعل جسده من الغصب خاصة مع وجود السلاح ناحيتها فتحدث بغضب:
ابعد السلاح عنها وطلعها برة الحوار خليك معايا أنا
ابتسم الاخر ساخرا على حديثه فأجاب عليه:
ازاي بس .. وهي أصل الموضوع، يلا معاك دقيقتين فكر بسرعة عشان الوقت بيعدي
مع كم الضغط النفسي الهائل الذي يتعرضله، حاول ألا يستسلم لكن منظرها وهي تقف مرتعبة، عيونها الباكية ، كل هذا يضغط عليه بشدة من جانب يخاف أن يستسلم ومن جهة رفيقة دربه، فقرر أن يعطيهم الورق وذلك أهون عليه من أن يحدث بها شيء.
تحدث حاتم بنبرة مقهورة :
موجود تحت الدولاب في الاوضة التانية
أشار لأحد الرجال قائلا :
روح شوفه
قرر أن يتركها ثم أمر رجاله بتركه بمفرده، اتجهت سجى بخوف وهي تتحامى بداخله وعينيها تذرف الدموع بكثرة وجسدها ينتفض من الخوف بينما راقبها بلهفه قائلا بنبرة خافته يضع يديه على وجها محاولة أن يبث بداخلها الأمان :
متخافيش .. أنا معاكي، جمبك، كل حاجة هتعدي
خرج الرجل وأعطى الملف لعصمت ففحصه بأهتمام ثم قال :
كدة تمام .. يلا بينا يا رجالة
وبعدما خرج أخر رجل هتف عصمت ببسمة مخيفة :
الباشا باعتلك تحياته
لم يعي ما يقوله إلا عندما انطلقت الرصاصة من سلاحه واخترقت ظهر سجى بقوة.. شهقت بعنف وصدمة، بينما هو جحظ عينيه بقوة وعدم تصديق .. خرج عصمت بعد أن أرجع سلاحه لخلف ظهره.. مرت الثواني ك تصوير البطئ لا يصدق ما حدث، جاحزة هي عيناها بقوة شاهقه بضعف فخارت قوى جسدها وبدأت بالضعف تدريجيا حتى قدمها بدأت تخور وحاتم يسقط معها، لا يصدق ما حدث، شعوره بالعجز كان أقوى شيء شعره . فكرة بأنه لم يستطع حمايتها أصابته بشدة وكأن وجوده مثل عدمه، هتف بنبرة خافتة، ضعيفة، تائهه، غير مصدقا ما جرى :
متسبنيش.. متسبنيش.. أنا أسف، أنا السبب لكن خليكي معايا
جلس على الارض وهي بحضنه يبكي بعنف وشهقاته ترتفع بينما دموعها تزرف بقوة وشريط حياتهم يعاد من جديد، فابتسمت تحاول أخذ أنفاسها قائلة بنبرة ضعيفة:
ملحقناش نحقق كل اللي نفسنا فيه
هز رأسه بعدم تصديق نافيا بعنف قائلا بنبرة ضعيفة باكية :
لا هتعيشي، وهنحقق اللي نفسنا فيه ونجيب البيبي اللي كنتي بتتمنيه
سعلت بعنف محاولة التماسك لكن الجرح ينزف كثيرا وقدرتها على التحمل لم تعد موجودة، تحدثت بنبرة خافتة ضغيفة متقطعة:
خلي..بالك..من..نفسك..بحبك
وهنا التقطعت أخر أنفاسها فتشاهدت ثم صعدت الروح لخالقها وعينيها انغلقت للابد .. لم يصدق حيث هز رأسه بعنف يهتف بنبرة عالية :
لااااااا.. متمشيش .. متسبنيش .. هعيش ازاي من غيرك
ظل يقربها من حضنه بقوة وهو يقبل وجهها قبلات متقطعة ممزوجة بملوحة دموعه الحارقة .. هز جسدها محاولا أن يجعلها تستيقظ لكن محاولاته كلها باتت بالفشل.. فأصبح عقله غير واعي بما يفعله به ودموعها على صفحات وجهها بينما وجه كان يحاكي كم من العجز والوجع بمرارة فقدان جزء منه وخاصة قلبه .
تحدث حاتم صارخا بقوة هزت أرجاء المنزل :
ســـــــــجـــــــــى
بعد أربع أيام
يراقبه يوسف من بعيد وهو جالس بغرفته يحتضن ملابسها بقوة وعيونه تزرف الدموع دون توقف ، لا يعلم كيف مرت الأيام؟ ، لم يصدق في بادي الأمر عندما هاتفه حاتم وهو يبكي ك طفل فقد والدته، لم يفهم منه كثيرا بسبب حديثه المتقطع كل ما التقطه أنه يجب أن يأتي سريعا ، لم يأخذ وقت بل بأول أتوبيس صعد به وبعد ساعات طويلة من المشقة والسفر فذهب لأخيه سريعا، وحينها صدم مما عرفه.. وظل متصنما مكانه وهو لا يستوعب ما يقوله ولم يصدق إلا عندما رأها بالمشرحة .. بكى وهو لا يصدق ما يراه، زهرة حياتهم التي كانت تملأ حياتهم بالبهجة والسعادة انطفت وأصبحت ذابلة وشاحبة كالموتى.. انهى جميع الإجراءات وقيدت القضية ضد مجهول وذلك بناء على حديث حاتم بصعوبة قائلا بأنها كانت عملية سرقة . ومنذ دفنها وأخذ عزائها على القبر وحالة حاتم تزداد سوء، لا يأكل ولا ينام، يظل مستيقظا جامدا دون حركة إلا عندما ينهض ويأخذ ملابسها ويعود مجددا .
يحاول أن يتماسك من أجله ومن أجل أن يسانده لكنه لا يصدق ، الفكرة بحد ذاتها مرعبة وخاصة البيت الذي كان يمتلئ بضجيج ضحكاتها اختفى واختفت روحهما معها للأبد .. دلف لغرفته بعدما قرر بأنه لن يتركه ثانيا وسيقتحم خلوته ليحاول أن يخرجه مما هو فيه، فجلس بجانبه ثم تحدث قائلا بحنان :
مش هتنام شوية ..بقالك كام يوم مطبق من غير ما تغمض حتى
لم يجيبه ولم يصدر أي اشارة دليل على استجابته بل ظل ينظر لفستانها التي كانت تحب أن ترتديه، ربط على كتفه بحنان محاولا كتم دموعه من حاله أخيه ثم أردف يوسف بنبرة دافئة :
مينفعش تفضل صاحي كدة ولا بتاكل ولا بتشرب ، سجى مكنتش هترضى تعمل اللي بتعمله دة
نظر له بأعين خاوية من الحياة نتيجة لذكر اسمها لكنه وجه عينيه للفستان مرة ثانية، تنهد يوسف بتعب وحزن على ما آلت عليه الأمور لكنه حاول بكل الطرق حتى أخيرا رضخ له وجعله يستلقي على الفراش وبحضنه يحتضن فستانها بقوة وكأنه منفذ الهواء الذي يتنفس منه .
يشعر يوسف بعدم الراحة ولا يعلم ما يفعله وكيف يتركه بهذه الحالة ويعود لعمله مرة أخرى، يخاف أن يخسره مثلما خسرها لم تكن زوجة أخيه فقط بل كانت أكثر من أخت له من تراعيه وتهتم به وكأنه أخيها .. يجب أن يفعل شيء حتى أن حاتم حتى الآن لم يتحدث ويدلو بما حدث ولا يعرف ما حدث وكيف أنها توفت ، لكنه سينتظر حتى يستطيع أن يأخذ عافيته ويعلم ما حدث كاملة .