📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل السادس 6 بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل السادس 6 بقلم وسام اسامة 


تحسبين الحب لعبة
الفصل السادس
"لا أريد سوى أن تعود زوجتي معي، وسأعتبر ما حدث من أخيك مزاح ثقيل.. ولا أريد ان ألقي ببن عمي وأخ زوجتي في السجن، لكم القرار الأخير"
***
كانت الساعات الأخيرة عصيبة على الجميع، وأشدهم بأساً كانت "دُنيا" التي كاد حلقها ينشق من فرط شهقاتها المنهارة على "فـراس".. ومهما حاولت والدتها تهدئتها، أو سعت "مـرام" جاهدة، باءت كل المحاولات بالفشل؛ إذ لم تكف عن النواح والصلاة والدعاء له.
كانت غشاوة خوفها على "فـراس" تطغى على قلقها على أخيها "سيف الدين"، وهذا ما آلم قلب "فاطمة" أكثر؛ فقد كانت الفتاة لا ترى غيره، متعلقة به حداً مرضياً أثار فزع والدتها عليها. ودون قصد منها، وجدت فاطمة نفسها تزجرها بعتابٍ مرّ:
"تخشين عليه، ولا تفكرين في أخيكِ الذي تهور بسبب فعلتك؟"
هتفت دُنيا من وسط انهيارها:
"لم أفعل شيئاً، وفـراس لم يفعل شيئاً.. كان سيعيدني إليكم، لكن "سيف الدين" لم يفكر لدقيقة واحدة! لقد قتل زوجي يا أمي.. وضع حياته على المحك دون أن يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه."
شحب وجه فاطمة من كلمات ابنتها التي تعامت عن دافع أخيها، وألقت بخناجر الاتهام كلها نحوه. تساءلت في نفسها
"كيف لا يلين قلبها لحال إخوتها؟ وكيف استطاع فراس سلب عقلها بهذا الشكل؟". مسحت فاطمة دموع الخيبة التي هبطت رغماً عنها وقالت بمرارة:
"لله أمري في سنوات اعتنائي بكِ.. ولله أمر إخوتك في قسوة قلبكِ عليهم يا دُنيا.. لله أمري في حال أولادي."
خرجت فاطمة من الغرفة تحاول السيطرة على انفعالها، بينما كانت "مـرام" تتابع ما يحدث بعيون دامعة مشفقة على حال الأم، لكنها لم تستطع التعاطف مع "دُنيا" في فزعها على "فراس"، بل لم تستطع التعاطف مع "فراس" ذاته؛ فهذا الرجل لم ترَ منه ومن والدته سوى السوء والكراهية، وكلما خمدت عاصفة من أذاه، أثار أخرى أشد نكالاً. لقد ورث قسوة والدته وعجرفتها، لذا لم تكن تلوم "سيف" رغم فظاعة ما جنته يداه.
انتبهت مرام على صوت دُنيا وهي تهمس بين بكائها:
"أخي له قبيلة كاملة تفزع له.. أما فـراس، فمن له سواي؟ لا أحد فيهم يحبه، ولا أحد يأبه إن عاش أو مات."
جلست مرام بالقرب منها، وربتت على فخذها في رفق قائلة:
"من قال هذا يا دُنيا؟ يظل ابن عمهم، وهم وإن كرهوا أفعاله، يكترثون لأمره.. ولكن السؤال الأهم: هل اهتم فـراس يوماً لأمر إخوتك؟ هل يعنيه شأنهم؟"
أجابت دُنيا مدافعة:
"فـراس يحب أخي نُصير.. لم يرد العراك مع سيف الدين، وقال له لأجل خاطر أخيك لن أتشاجر معك.. قطعاً هو يهتم لهم."
قاطعتها مرام بحزم:
"لو كان حقاً يهتم لهم لما اتخذكِ وسيلة للضغط عليهم، ولما طعن صديق عمره بخنجر الغدر! لقد استغلكِ نكاية بهم حين تزوجكِ، ويفعل ذلك الآن أيضاً. نحّي مشاعركِ جانباً وانظري لأفعاله، وستدركين أن فـراس لا يزرع في حياة إخوتكِ سوى التعاسة والأذى."
"تقولين هذا لأنكِ تكرهينه.. أنتِ لم تنسي ما فعلته أمه بكِ."
"شعوري نحوه لا يغير من حقيقة أفعاله شيئاً.. أنا لا أتمنى موته، ولكني أراه سبب المصائب في حياة زوجي. أخوكِ لا ينام كالبشر يا دُنيا، ينام والهموم تثقل قلبه كلما تذكر ما فعله فـراس.. انظري في وجوه إخوتكِ وستعرفين مدى تضررهم منه. صدقيني، لو كان فـراس يحبكِ أو يحبهم حقاً، لما وصلنا إلى هذا الحال."
لم تجد دُنيا ما تقوله.. توقفت دموعها للحظات بينما ضربتها طعنة الإدراك في عمق قلبها. جزءٌ من نفسها أيد حديث مرام؛ ففراس لا يحبها، بل يهوى عذابها، وهو ما تجلى بوضوح في اليومين الماضيين حين اختطفها وتركها في ذلك المنزل المهجور، وكلماته القاسية التي لا يزال أثرها يدمي روحها.
في قرارة نفسها، كانت تعلم أن فـراس استحال نسخة سامة لنفسه وللجميع، لكن قلبها يرفض التصديق.. قلبٌ يتألم لو لاح الحزن في عينيه، ويتمنى الموت لنفسه ولا يصيبه سوء.
مجروحة منه.. لكنها تحبه. تتألم من كراهيته لها، لكن لا حيلة لها مع قلبٍ يموت عشقاً فيه.. وكأنها لُعنت بهوى رجلٍ يكره حتى النظر في وجهها!
ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى أنين الرياح بالخارج الذي بدا وكأنه يشارك دُنيا عويلها الصامت. كانت نظرات مرام هادئة، مشفقة، لكنها حادة كالمشرط، تضع يدها على الجرح وتضغط عليه بقسوةٍ لعلَّ دُنيا تفيق.
أطرقت دُنيا برأسها، وخبأت وجهها بين كفيها المرتجفين، وهمست بصوتٍ متهدج:
"أعلم.. والله أعلم بكل ما تقولينه. أعلم أنه كسرني، وأنه جعل مني سلاحاً يطعن به إخوتي.. لكن هل بيدي مفتاح هذا القلب لأغلقه؟ لو كان الحب اختياراً يا مرام، لاخترت كراهيته منذ أول دمعة ذرفتها بسببه."
تنهدت مرام بأسى، ونهضت لتقف أمام النافذة، وكأنها تحاول استنشاق هواءٍ نقي بعيداً عن هذه الأجواء المشحونة، وقالت دون أن تلتفت:
"الحب الذي يدمركِ ويدمر أهلك ليس حباً يا دُنيا.. إنه انتحار. سيف الآن خلف القضبان، ونُصير يجري في الطرقات كالمجذوب ليلم شتات ما تبقى من كرامتنا، وفراس.. فراس هو سبب كل المصائب. حتى وهو يصارع الموت، لا يزال يؤذيكم."
رفعت دُنيا عينيها المحتقنتين بالدم، وقالت بمرارة:
"إذاً، فليمت.. هل هذا ما تريدون سماعه؟ هل سيهدأ بالكم إن قيل لي 'عظم الله أجرك في زوجك'؟ هل سيخرج سيف من سجنه ويبتسم نُصير وتعود المياه لمجاريها؟"
التفتت مرام إليها بسرعة، وقالت بحزم:
"لا أحد يتمنى موته، فنحن لا نملك حق الأرواح.. لكننا نتمنى أن تموت سطوته على قلبك. دُنيا، فراس استغل أطهر ما فيكِ ليصل لأقذر ما في نفسه.. انتقامه من نُصير."
شحب وجه دُنيا أكثر، وصورتها وهي بين يدي فراس في ذلك المنزل المهجور تمر أمام عينيها؛ برود نظراته، استخفافه بدموعها، وكلماته التي كانت تقع عليها كالسياط. شعرت بغثيانٍ مفاجئ، وكأنَّ قناع "العشق" بدأ يتشقق ليظهر من تحته وجه "الضحية" التي كانتها طوال الوقت.
في تلك اللحظة، دلف هارون إلى الغرفة والتعب بادٍ على وجهه، ونظر إلى دُنيا نظرةً طويلة خالية من العتاب لكنها مليئة بالغضب والخيبة، وقال بصوتٍ فاتر:
"اتصل نُصير.. الطبيب خرج للتو من الجراحة."
توقفت أنفاس دُنيا، وجفّت الدموع في عينيها، وتصلب جسدها وهي تنتظر الكلمة التي ستحدد مسار حياتها القادم.. هل ستعيش أرملةً لرجلٍ دمرها، أم زوجةً لقتيلٍ قتله أخوها؟
نظر هارون إلى الأرض وهمس:
"مرت الجراحة على خير.. ولكنه لن يفيق قبل ثمان واربعون ساعة."
كادت دُنيا تخر ساجدة لله شكرا على نجاة زوجها..ورغم اطمئنان قلبها عليه استيقظ خوفها من ردة فعله نحو اخوتها.. وما سيحدث لسيف الدين بعدما حدث.!
***
كانت الساعات تمر ثقيلة على "نُصير"، الذي لم يبرح المشفى منذ علمه بمرور الجراحة على خير. كان قلقاً على شقيقه "سيف الدين"؛ فرغم علمه بأن سيفاً رجلٌ شديد البأس صلب الأعصاب، إلا أن مجرد وجوده خلف القضبان كان يحفز أعصابه ويحرقها.
ورغم حقده على "فـراس" وأفعاله الشائنة، إلا أنه كان متوتراً من إصابته؛ كان يكتوي بنارين: أخٌ له على فراش المرض، وأخٌ آخر مُلقى في غياهب السجن. وضع وجهه بين كفيه بإرهاقٍ استبدّ به؛ لم يكن إرهاقاً بدنياً فحسب، بل كانت روحه هي المتعبة من طحن الأحداث حوله. همس بصوت شارد يحمل ما يكفي من العتب:
"إلى أين أوصلتنا يا فـراس؟ لا حول ولا قوة إلا بالله."
ربتةٌ مؤازرة أعادته من شروده وجعلته يرفع رأسه للواقف أمامه، فإذ به "عبدالعزيز" الذي جلس قبالته وهو يغمغم بضيق:
"ألم تذهب لبيتك حتى الآن؟ هل تحاول إنهاك نفسك؟"
"أخبرني، هل من جديد بشأن سيف؟"
زفر عبدالعزيز بوجوم، وفي عينيه تشاؤم واضح وهو يردد:
"تم تفريغ كاميرات المراقبة على الطريق، وظهر عراكهما الذي انتهى بإطلاق سيف الرصاص على فـراس.. لا أخفي عليك، الوضع معقد جداً."
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. سامحك الله يا سيف.
ربت عبدالعزيز على كتفه مواسياً:
"لا تقلق، ستمر بإذن الله."
"لو تنازل فـراس وتم التصالح، ستخفف العقوبة لستة أشهر كحد أدنى، لكنها قد تصل لثلاث سنوات إن ثبتت إصابته بعاهة مستديمة إثر الرصاصة"
أطرق نُصير برأسه، والهمّ يرتسم خطوطاً غائرة فوق جبهته، ثم تمتم بصوتٍ واهن
"أضاع مستقبله بتهوره.. دبرنا يا الله في مصيبتنا"
حاول عبدالعزيز بث بعض الطمأنينة في نفسه وهو يربت على كتفه:
"هون عليك يا نُصير، سأبذل كل ما في وسعي ليخرج بأقل خسارة ممكنة"
رفع نُصير عينيه المجهدتين لصديقه، وبقايا مروءة تجبره على مراعاة حال الآخر:
" عُد لزوجتك الآن، يكفي أننا اختطفناك من بيتك في ثاني أيام زفافك"
أومأ عبدالعزيز موافقاً، وهو يلقي نظرة أخيرة على حال نُصير المتردي: "سأذهب، لكن عُد أنت أيضاً لبيتك، ستسقط إن لم ترتاح"
غادر عبدالعزيز، وبقي نُصير في مكانه، مسجوناً في صمت الممر الطويل وائحة المعقمات الخانقة. كان يشعر بغصةٍ صلبة في حلقه تمنعه من التنفس بعمق، وبثقلٍ يجثم على صدره وكأن العالم كله قد ضاق ليحصر مصيره في هذه الأمتار القليلة. في لمح البصر، وجد نفسه بين شقي رحى.
أخٌ خلف القضبان، وآخر يصارع الموت في الداخل.
مضت الساعات كأنها دهر، حتى طمأنه طاقم التمريض باستعادة فـراس لوعيه واستقرار مؤشراته الحيوية. نُقل فـراس إلى غرفةٍ عادية، ودلف إليه نُصير بخطواتٍ وئيدة، ثقيلة، كأنه يجر خلفه كل ذكرياتهما معاً. كان في أعماقه صراعٌ لا يهدأ، رغبة عارمة في الانقضاض عليه وتفريغ غله في وجهه، وغريزةٌ أخرى خفية تجعله يتنفس الصعداء لمجرد رؤيته حياً.
كان فـراس مسجى على الفراش، وجهه شاحبٌ بلون الكفن، ونصف جسده العلوي عارٍ إلا من ضِمادٍ أبيض يغطي موضع الإصابة عند الكتف. بدا في حالة من الوهن الذي لا يليق بكبريائه المعهود. جلس نُصير على أقرب مقعد، يراقبه بوجوم، وشعر أن رؤية "خليله اللدود" في هذا الضعف تقتلع جزءاً من روحه.
فتح فـراس عينيه ببطء، فاستقبله وجه نُصير المشعث، وعيناه الغائرتان، وكتفاه المائلتان من فرط الهم. تلاقت نظراتهما في صمتٍ مشحون، قبل أن يهمس فـراس بصوتٍ أجش، يخرج بصعوبة من حنجرة جافة:
"تمنيتَ موتي يا نُصير؟"
كان السؤال خافتاً، لكنه كان يحمل لوعةً مكتومة وعتاباً لم تقله الكلمات. لم يرمش لنُصير جفن، بل رد بنبرةٍ باردة، خالية من أي صدى:
"لقد مِتَّ بالنسبة لي في تلك الليلة.. ولا يموت المرء مرتين"
تحركت ملامح فـراس بألم وهو يهمس:
"أنت تدرك يقيناً أنني لم أسلب شرفك.. فلا تكذب على نفسك"
هنا، اشتعلت نظرة نُصير بجمودٍ أقسى:
"قد لا تكون فعلت، لكنَّ وضعك لأختي في فـراشك عارية، بقصدٍ وضيع لتكسرني، يكفي ليجعلك مجرماً في نظري إلى الأبد"
رد فـراس بمرارة وجفاء:
"فعلتَ بي المِثل حين اخترتَ تلك المرأة ووضعتني خلف ظهرك"
. قاطعه نُصير بحدة هامدة:
"لا داعي للنبش فيما مضى، فلن تعود عقارب الساعة"
سأله فـراس بوهن:
"ولن نعود كما كنا.. أليس هذا ما تريد قوله؟"
تجاهل نُصير استعطافه المبطن، ونظر إلى جرحه ببرود، ثم سأل سؤاله الذي يحدد مصير عائلة بأكملها:
"هل ستشتكي على سيف الدين؟"
ابتلع فـراس ريقه بصعوبة، وشعرت عيناه بلسعةٍ لم يظهرها، ثم قال بنبرةٍ تفيض بالتهكم المر:
"وهل تعتقد أن سجن سيف سيشفي ما بصدري؟ أم تظنني سأرى فيه كبش الفداء كما فعلت أنت معي؟"
لم ينخدع نُصير بهذا الالتفاف، فظل ثابتاً في مكانه، يراقب حركة شفتي فـراس بتركيزٍ مريب، ليرد بكلماتٍ مقتضبة:
"لا يهمني ما تظنه، ما يهمني هو قرارك.. سيف أخي، وما فعله كان رد فعلٍ لغدرك."
أدار فـراس وجهه نحو نُصير، وكانت نظراته مشحونة بصراعٍ قديم، صراع بين حبه القديم لصديق عمره وبين رغبته في الانتقام من التجاهل الذي ذاقه. تمتم في جفاء:
"سأتنازل يا نُصير... لكي تظل مديناً لي طوال عمرك بأنني لم أرسل أخاك للمشنقة. أريدك أن تنظر في عيني كلما التقينا، وتتذكر أن كرامة عائلتكم كانت يوماً تحت كلمة مني.. ولكن هذا كله بيدك"
شعر نُصير أن تنازله لن يكون بلا ثمن.. لقد كان كظله في يوم من الايام:
"ماذا تريد"
"ردُّ الدين الذي بيننا هو أن تعود دُنيا لمنزلي.. غداً، وأمام أعين الجميع. أريدها زوجة لي، وتحت طوعي في بيتي كما يملي الشرع والعرف، دون تدخل أحد منكم... هذا هو شرطي الوحيد لإغلاق المحضر وتبرئة أخيك"
انتفض نُصير واقفاً، واندفع الدم لرقبته غضباً، وهتف بصوتٍ مكتوم كزئيرٍ جريح:
"أتريد مقايضة حرية أخي بكرامة أختي؟ هل تظننا سنرميها لك حين تساومنا"
لم يهتز فـراس، بل واصل محاولاته في التماسك والحديث دون الـتأوه من النار المستعرة في كتفه:
"أنا لا أساوم أحداً.. دُنيا زوجتي بالفعل، وما أطلبه هو حقي الشرعي. فكر جيداً يا نُصير.. إما أن تعود لبيتها معززة مكرمة وتنتهي الخصومة، أو أن يستمر سيف في طريقه للقضاء"
ساد صمت خانق، كان نُصير يشعر فيه وكأن الجدران تضيق عليه. نظر لفـراس بذهول، أدرك فيه أن هذا الرجل لم يتغير، بل زادته الإصابة رغبةً في كسر كبريائهم. كانت المساومة قاسية.. فإما أن يسلم شقيقته لرجلٍ لا يرى فيها سوى أداة للانتقام، أو يترك شقيقه لمصيرٍ أسود خلف الجدران.
أطبق نُصير قببضته حتى كادت أظافره تخترق لحمه، وقال بنبرةٍ تقطر كراهية: "لقد بلغت في دناءتك مبلغاً لم أتخيله يا فـراس.. ماذا تريد من دُنيا لتفعل كل هذا، أنت لم تتزوجها إلا لغرضٍ حقير..وبعدها لم تُبدي أي تمسك بها، فلما الان؟"
رد فـراس ببرود حاول اتقانه ليخفي ألمه:
"لا أريد سوى أن تعود زوجتي معي، وسأعتبر ما حدث من أخيك مزاح ثقيل.. ولا أريد ان ألقي ببن عمي وأخ زوجتي في السجن، لكم القرار الأخير"
خرج نُصير من الغرفة يجر أذيال ثقلٍ لم يختبره من قبل. كان الهواء في ردهات المشفى يبدو شحيحاً، وعقله يضج بصورة دُنيا المنهارة وصورة سيف خلف القضبان. كان عليه الآن أن يواجه عائلته بهذا العرض الوضيع..!
****
انغمست شهيرة في دوامة عملها التي حاصرتها من كل جانب؛ فجدولها مزدحم ما بين تصوير فيلمها المقرر عرضه في موسم الصيف، وبين التزاماتها بالإعلانات التلفزيونية التي لا تنتهي. كانت حياتها العملية تبدو كساحة من الفوضى المنظمة، لولا وجود "ميار"، مديرة أعمالها التي كانت بمثابة العقل المدبر لكل تفصيلة في جدولها المكتظ.
أنهت لتوها مشهداً طويلاً استنزف طاقتها، وصعدت إلى الكرفان بخطوات ثقيلة تطلب استراحة قصيرة قبل النداء التالي للمشهد القادم. ما إن فتحت الباب حتى وجدت "سُلاف" غارقة في نومٍ عميق على الفراش الصغير، وبدا عليها الإرهاق جلياً. لم تلمها شهيرة، بل التمست لها العذر؛ فقد مضى عليهما يومان في موقع التصوير وسط ساعات عمل متواصلة لم تذق فيها أي منهما طعم الراحة.
ارتمت شهيرة على المقعد المقابل للمرآة، وألقت بجسدها المنهك فوقه، ثم أمسكت بهاتفها تتصفحه بآلية، تحاول ملاحقة الأخبار لتشتيت ذهنهما عن النوم الذي بدأ يداعب جفونها بإلحاح.
فجأة، انفتح باب الكرفان بقوة جعلتها تشهق فزعاً، وتعتدل في جلستها بقلبٍ نابض، لكن ما إن لمحت وجه "منة" المألوف حتى استعادت أنفاسها، ونهضت لتعانقها ببشاشة حقيقية وهي تردد: "منة! اشتقتُ لكِ كثيراً.. ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المتأخر؟"
لم تبتسم منة، بل ظل العتاب مرتسماً على ملامحها بوضوح، وتجاهلت الترحيب لتقول بنبرة لائمة: "وطالما أنكِ اشتقتِ لي فعلاً، لِمَ لم تُعيديني للعمل معكِ حتى الآن يا فنانة؟"
زفرت شهيرة بهدوء وأجابت بصوتٍ خفيض:
"عزيزتي، لقد أوضحت لكِ أسبابي سابقاً.. المسألة مسألة وقت، وفي القريب العاجل ستعودين لمكانك."
نقلت منة بصرها نحو سُلاف النائمة كالموتى، وقالت بضيق لم تستطع إخفاءه: "أيُّ مساعدة تلك التي تترك نجمتها وتغط في نومٍ عميق دون أن تقوم على راحتها؟ ألم تجدي من هو أفضل منها لاستبدالي به؟"
ابتسمت شهيرة بتعب وحاولت تلطيف الأجواء: "يا فتاة، قلت لكِ لم أستبدلكِ.. هي حارسة في المقام الأول، ترافقني لحمايتي ليس إلا." لفت منة وجهها بتهكم وقالت:
"حماية؟ نعم.. واضح جداً!"
قطع حديثهما صوت قرقعة معدة شهيرة، التي أعلنت بوضوح عن إهمالها للطعام لساعات طويلة. جعدت منة جبينها في قلق، واقتربت منها تتأمل وجهها الشاحب وعينيها المجهدتين وقالت بنبرة أمومية: "لا تقولي إنكِ نسيتِ تناول طعامكِ كالعادة؟"
هزت شهيرة كتفيها بقلة حيلة، ففي زحام المشاهد والتحضيرات، يغدو الطعام آخر ما قد يخطر ببالها، تسللت ابتسامة خبيثة إلى وجه شهيرة، وكأن فكرة "الهروب" من هذا الحصار منحتها طاقة مفاجئة لم تمنحها إياها ساعات النوم الضائعة. نظرت إلى سُلاف الغارقة في سباتها، ثم إلى منة التي فهمت نظرتها على الفور.
بهمسٍ لا يكاد يُسمع، قالت شهيرة وهي ترتدي معطفاً طويلاً بقلنسوة
لتخفي ملامح وجهها:
"منة.. دعينا نخرج من هنا. أحتاج أن آكل شيئاً "
جعدت منة ما بين حاجبيها بقلق، لكنها لم تقو غواية المغامرة:
"والحراس في الخارج، ومرافقتكِ؟ لو رأونا سنكون في ورطة، أنتِ قولتِ أن طاقم حراستك صارم.."
ردت شهيرة وهي تضع نظارة شمسية كبيرة رغم ليل موقع التصوير:
"اتركيها ترتاح، والحراس يراقبون المدخل الرئيسي للكرفان.. سنخرج من الباب الخلفي الصغير الذي يؤدي إلى منطقة المعدات، ومنها إلى السور الجانبي."
وبحذرٍ شديد، تسللتا خارج الكرفان كاللصوص. كانت الرياح الباردة تضرب وجهيهما بينما كانتا تتخطيا صناديق الإضاءة والكابلات الملقاة في زوايا موقع التصوير المظلمة. وبمجرد أن تجاوزتا السور الخارجي وابتعدتا عن وهج الكشافات الضخمة، أطلقت شهيرة زفيراً طويلاً شعرت معه بالحرية لأول مرة منذ أيام.
بعد دقائق، استقر بهما الحال في زاوية شعبية نابضة بالحياة، حيث تصاعدت روائح التوابل والأدخنة الشهية التي تميز المطاعم التي لا تنام. جلست شهيرة على مقعد خشبي بسيط في ركنٍ بعيد عن الزحام، متخفيةً خلف نظارتها الكبيرة ووشاحها، بينما ذهبت منة لإحضار "الوليمة".
عادت منة وهي تحمل أطباقاً شعبية متنوعة تفوح منها رائحة الثوم والخل والبهارات العربية الأصيلة. بدأت شهيرة تأكل بشهيةٍ غريبة، وكأنها لم تذق طعاماً منذ أيام. كانت تستمتع بكل لقمة، وتراقب صخب الشارع الممتع من حولها بعيداً عن أوامر المخرج.. وصرامة حراستها التي تمنعها من الشرود لأي مكان وحدها.
قالت شهيرة وهي تمسح فمها بمنديل ورقي، والرضا يرتسم على وجهها: "أتصدقين يا منة؟ هذا الأكل أعاد لي روحي. شعرت أخيراً أنني إنسانة طبيعية لستُ مجرد كائن يعيش على ما هو أخضر فقط"
كانت منة تنظر لها في عطف وهي تراها تأكل بشراهة.. رغم فقدان وزنها الواضح الذي يدل أنها لا تنتظم في وجباتها وتهملها. فقالت في هدوء:
"كُلي بالهناء والشفاء يا شهيرة، لكن أرجوكِ.. دعينا ننهي هذا الطبق ونعود سريعاً قبل أن يفتقدكِ المخرج ويبدأ البحث عن نجمة الفيلم المفقودة في حواري المدينة!"
ضحكت شهيرة بخفة، وأكملت طعامها في صمتٍ ممتع، مستمتعة بصوت الشارع وضجيج المارة الذي كان بالنسبة لها أعذب من أي موسيقى تصويرية قد وُضعت في أفلامها.
وبدأ الوقت يسرقها مع منة، وهي تأكل وتضحك وتشاركها ثرثرتها المرحة، غافلةً تماماً عن العالم حولها.
لكن فجأة، سقط عليها ظلٌّ كثيف حجب عنها ضوء المكان الصاخب. رفعت وجهها ببطء لتجد "يحيى" واقفاً أمامها مباشرة، كأنه جبلٌ من الغضب الصامت، يحدق فيها بنظراتٍ منتقدة لاذعة لم تستطع النظارة إخفاء وطأتها عن عينيها.
ارتبكت شهيرة بشكلٍ لم تعهده في نفسها، ووقفت بسرعة وهي تغمغم بكلماتٍ متعثرة:
"سيد يحيى.. ما الأمر؟"
لم ينطق بكلمة واحدة، ولم يمنحها حتى فرصة للتبرير، بل قبض على رسغها بقوةٍ وغلاظة، وجرها خلفه في مشهدٍ جعلها تشهق بصدمة وهي تحاول جاهدة مجاراة خطواته الواسعة الغاضبة. لم تكن وحدها المصدومة من فعلته المباغتة، بل "منة" التي تسمرت في مكانها لفزعها، وما كادت تهمُّ باتباعهما حتى وجدت حائطاً بشرياً آخر يمنعها؛ إذ ظهر "مهند" مساعد يحيى، مشيراً لها بالبقاء مكانها بنظرةٍ صارمة لا تقبل النقاش.
جرجرها يحيى وسط ذهول المارة حتى وصل إلى سيارته الرابضة في زاوية مظلمة، وفتح الباب بعنف آمراً إياها بالدخول. كانت شهيرة تشعر بنبضات قلبها تضرب في أذنيها، والوجع في رسغها يذكي نار غضبها المكتوم، وما إن استقرت في مقعدها وأغلق هو الباب بقوةٍ هزت السيارة، حتى انفجرت فيه:
"بأي حق تجرني بهذه الطريقة؟ هل جننت؟"
التفت إليها يحيى، وكان وجهه محتقناً، وعيناه تشتعلان ببرودٍ مخيف وهو يهتف بصوتٍ منخفض لكنه حاد كالشفرة:
"الحق هو أنني المسؤول عن تأمينكِ، بينما تخرجين أنتِ في منتصف الليل كالمراهقات لتأكلي في أزقة لا يعرفها أحد! هل تدركين ما كان سيحدث لو كان أحد يتبعك؟.."
حاولت شهيرة استجماع شتات كبريائها وردت بتحدٍّ:
"كنتُ جائعة.. وأردتُ أن أتنفس بعيداً عن حصاركم الخانق."
سخر يحيى بنبرة لاذعة وهو يشغل المحرك بعنف:
"تتنفسين؟ كدتِ تخنقيننا جميعاً بمغامرتكِ الغبية هذه. سُلاف كادت تُجن،والحراس يبحثون عنكِ كالمجانين.. وموقع التصوير مقلوب رأساً على عقب الجميع يبحث عن النجمة المستهترة..وفوق كل هذا هاتفك ليس معكِ والآن، اصمتي تماماً، فليس لديَّ طاقة لسماع أعذار لا تليق بطفلة، فما بالكِ بنجمة يفترض أنها مسؤولة."
"أنا لا أسمح لك أن تتحدث معي بهذا الأسلوب، أنت لست وصياً عليّ.. ما حدث قد حدث، وها أنا بخير أمامك، فتوقف عن تقريعي"
لم يلتفت إليها، بل ظلّت عيناه مثبتتين على الطريق بجمودٍ مخيف، ورد بنبرةٍ منخفضة تحمل تهديداً مبطناً:
"وهل تسمين هذا تقريعاً؟.. الأفضل أن ينتهي الحديث الآن، قبل أن أريكِ ما هو التقريع الحقيقي"
صمتت شهيرة في حنق، واشاحت بوجها عنه وهي تشعر بغليانٍ داخلي، تحاول جاهدة السيطرة على أعصابها المنفلتة. انطلقت السيارة بسرعة جنونية، بينما ركنت رأسها على النافذة، تراقب أضواء الطريق الباهتة وهي تشعر بمزيجٍ مرّ من الإهانة والندم. ورغم غضبها من غلظة يحيى، لم تستطع إنكار تلك الهيبة الطاغية التي يفرضها بحضوره، وكأنه يمتلك زمام المكان والزمان.
حاولت كسر هذا الصمت المربك الذي يكاد يخنقها، فسألت بنبرةٍ حاولت جعلها متزنة:
"كيف علمت بمكاني؟"
أجابها دون أن يزيح نظره عن الطريق، وصوته يقطر سخرية:
"تتبعتُ هاتف مساعدتك الغالية.. وكان حدسي في محله. لقد استغلت غفلة الجميع لتخرج بكِ، والحمقى في موقع التصوير لم ينتبهوا لغيابكِ إلا بعد فوات الأوان"
اندفعت تدافع بحدة:
"لا تصب غضبك على الحراس.. أنا من خططت للخروج دون أن ينتبهوا، و.."
قاطعها بحزمٍ أخرسها:
"أعلم يقيناً أن الخطأ خطؤكِ وحدكِ.. والآن التزمي الصمت، ولا أريد لهذه المهزلة أن تتكرر. إن أردتِ الذهاب لأي مكان، فلتأخذي حراستكِ معكِ.. أنا لست متفرغاً لأركض في الشوارع بمنتصف الليل بحثاً عن "معشوقة الجماهير"
استفزتها جملته الأخيرة، فالتفتت إليه والشرر يتطاير من عينيها:
"هذا عملك الذي تتقاضى عليه أجراً من "معشوقة الجماهير"، فلا تتكرم عليّ به.. أنت هنا لخدمتي، لذا التزم حدودك معي لأن صبري بدأ ينفذ فعلاً"
لم يكد ينهي جملتها حتى ضغط يحيى على المكابح بعنفٍ مفاجئ أمام بوابة موقع التصوير، فارتد جسدها للأمام وكادت تصطدم بـ "تابلوه" السيارة لولا حزام الأمان. ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ، قبل أن يرعد صوت يحيى داخل قمرة السيارة الضيقة بنبرةٍ لم تعهدها منه من قبل، نبرة جعلت قشعريرة باردة تسري في جسدها:
"انزلي"
نظرت إليه شهيرة بذهول، كانت أنفاسه المسموعة وصدره الذي يعلو ويهبط بعنف يشيان بغضبٍ تجاوز الحدود. لم تتحرك، وكأن كبرياءها جمدها في مقعدها، لكن يحيى لم يمنحها رفاهية الصمت، بل التفت إليها بجسده الضخم الذي ملأ فراغ السيارة، وقال بفحيحٍ مخيف:
"قلتُ انزلي.. ولا تظني أن كلماتكِ الجوفاء عن "الخدمة والأجر" ستجعلني أتجاوز عن استهتارك. من الان لا تفارقي حراسك وإلا لن تري مني ما يسرك"
من شدة صدمتها من كلماته الزاجرة، فتحت شهيرة باب السيارة بعنف، ونزلت وهي تجر أذيال خيبتها وغضبها، لتجد "سُلاف" واقفة عند البوابة بوجهٍ مخطوف، وخلفها طاقم الحراسة الذين نكسوا رؤوسهم خجلاً من تقصيرهم.
لم تلتفت شهيرة خلفها، بل سارت بخطواتٍ واسعة نحو الكرفان، تاركةً يحيى يغلق باب سيارته بقوةٍ دوّت في أرجاء المكان الصامت.
لحقت بها سُلاف وهي تلهث:
" سيدة شهيرة! هل أنتِ بخير؟ أين كنتِ؟ لقد غضب السيد يحيى حين اكتشف غيابكِ!"
أجابت شهيرة بنبرةٍ حادة وهي تدخل الكرفان وتغلق الباب خلفهما:
"أنا بخير يا سُلاف، اتركيني الآن.. اتركيني وحدي"
ارتمت شهيرة على سريرها، كانت تشعر بإهانةٍ لم تختبرها من قبل، وبحرقةٍ في معصمها تذكرها بقبضة يحيى الغليظة. لكن، وفي وسط كل هذا الغضب، كان هناك صوتٌ خفي في أعماقها يهمس لها بأن يحيى كان محقاً، وأن خوفه عليها -وإن غلفه بالقسوة- كانت لصالح حمايتها"
خارج الكرفان، كان يحيى يقف بجوار سيارته، يشعل سيجارةً ويدخنها بعنف، وعيناه مسمرتان على باب كرفان شهيرة. اقترب منه مهند بهدوء وسأله:
"ماذا سنفعل مع المساعدة "منة"؟ لقد وصلت بسيارتها للتو وتريد الدخول للسيدة شهيرة"
نفث يحيى دخان سيجارته وقال ببرودٍ قاتل:
"منة تُمنع من دخول موقع التصوير من هذه اللحظة. والآن، ضاعف الحراسة على مخارج الكرفانات، لا أريد استهتار في مهمة تافهة كتلك"
مرت على تلك الحادثة بضعة أيام وكانت شهيرة تشعر بالاختناق من النظام الصارم المفروض عليها، رغم أن ظهور يحيى أمامها شحيح ويكاد يكون منعدم، إلا أنه يسيطر على حياتها بيد من حديد..ابتداء من سُلاف التي لا تبتسم ولو عن طريق الصدفة من بعد تلك الليلة وكأنها تعاقبها، انتهاءًا بحراسها الذين يحاوطونها كحوائط متحركة ولو اقترب منها عامل الاستديو..!
ومع ذلك، كان الجانب الإيجابي أن حياتها استعادت رتابتها المستقرة، فغابت المنغصات التي تثير ذعرها؛ مما دفعها للانغماس في جدول أعمالها المزدحم، محاولةً التغاضي عن القيود المفروضة عليها.
وذات فجر، بعد يوم عملٍ شاق استنزف آخر ذرات طاقتها، بدت "سُلاف" في أسوأ حالاتها.. فقد غادر النضارة وجهها ليحل محلها شحوبٌ جلي، ورسم السهر دوائر سوداء تحت عينيها نتيجة نظام حياة شهيرة الصاخب. لذا، لم تندهش شهيرة حين وجدتها في الصباح التالي وقد حزمت حقائبها معتذرةً عن إكمال المهمة، وقالت بهدوءٍ لا يخلو من عتب:
"أعتذر منكِ سيدة شهيرة، لكن نظام يومكِ يضر بعاداتي الصحية ، وظروفي لا تسمح لي بمرافقتكِ في السفر.. السيد يحيى سيدبر لكِ مرافقة بديلة، وصلاح سيتولى المهمة مؤقتاً اليوم".
أومأت شهيرة بإيجابٍ لم تخلُ منه ملامح الارتياح؛ فشخصية سُلاف الصارمة لم تكن تتناغم مع طبيعتها المتمردة. ودعتها بابتسامة مجاملة، وما إن شرعت في تجهيز نفسها للسفر لإكمال تصوير عملها في إحدى الدول الأوروبية، حتى فاجأتها العاملة بخبر وصول السيد "يحيى" وانتظاره لها في غرفة الضيوف.
جعدت شهيرة جبينها بدهشة؛ فحضوره المفاجئ بعد أخر تصادم معه
أربك حساباتها. خرجت إليه، فوجدته يجلس في استرخاءٍ تام، يطالع إحدى المجلات التي تصدرت غلافها صورتها من أحدث جلسة تصوير. ولا تدري لِمَ شعرت بحرارة تغزو وجنتيها حين رأته يمعن النظر في صورتها وكأنه يُخضع ملامحها لتقييمٍ بارد!
تنحنحت لتلفت انتباهه، واتجهت لتجلس في أبعد نقطة ممكنة عنه، وهمست ببرود:
"مرحباً سيد يحيى.. أخبرتني العاملة أنك تطلبني".
أغلق المجلة بهدوء، وزفر بضيقٍ لم يحاول إخفاءه، ثم سدد نظراته الحادة نحوها مباشرةً دون رد التحية:
"لِمَ لم تُحيطيني علماً بسفرك سيدة شهيرة؟ أكنتِ تنوين الرحيل دون إخطاري؟"
اتسعت عيناها بذهول من لهجته الآمرة؛ فلوهلة تخيلت أنه "وصي" يحاسبها على خطيئة لا يرضى عنها. رفعت أناملها تزيح خصلاتها الشقراء خلف أذنها، وردت برسمية جافة:
"المعذرة.. هل يُفترض بي استئذانك قبل كل رحلة سفر؟"
أجاب ببرودٍ مستفز، وهز رأسه بتكبر:
"وهل هذا أمرٌ جلل في نظرك؟ أم تظنين أنني أقرأ الغيب لأعرف تحركاتكِ وحدي؟"
كزت على أسنانها بغيظ من أسلوبه الذي يشعرها دوماً بالضآلة أمامه:
"أرجو أن تكف عن سخريتك يا سيد يحيى، فأسلوبك بات فوق الاحتمال".
رد بنبرة حادة كالشفرة:
أنا لا أطلب منكِ أن تُطيقيني، بل أطلب منكِ المهنية. أنا لستُ خطيبكِ أو أحد معجبيكِ لتمارسي معي ألاعيب العناد.. أنا المسؤول عن حمايتكِ، وهذا يقتضي العلم بكل خطوة".
اندفعت ترد بتحدٍ:
"مسألة السفر جاءت مباغتة، ولم أجد وقتاً لإخبارك.. وعلى أية حال، لا أظنني سأحتاج لخدماتك أثناء سفري، فالمنتج سيوفر حراسة خاصة هناك".
ابتسم بسخرية لاذعة:
"حقاً؟ إذن ليتكرم المنتج ويوفر لكِ تلك الحراسة داخل البلاد أيضاً.. ويوفر عليّ هذا العناء".
قطبت جبينها وسألته بوجوم: "ماذا تعني بكلامك هذا؟"
اعتدل في جلسته وقال بلهجة قاطعة:
"أعني أنني سئمت من هذا الاستهتار، ولا أقبل أن أغامر بسمعة شركتي بسبب امرأة طائشة تضرب بقوانين الحماية عرض الحائط.. لذا، أبلغكِ أنني لن أتولى حراستكِ بعد الآن".
ردت بسرعة وكبرياؤها يشتعل:
"جيد أنها جاءت منك، فقد كنت أنوي صرفك من العمل فور عودتي".
نهض يحيى بهدوء مهيب، وقال وهو يتجه نحو الباب:
"إذن، يبدو أننا اتفقنا أخيراً على أمرٍ ما.. فرصة سعيدة سيدة شهيرة"
............................


تعليقات