رواية ست قوارير الفصل السادس 6 بقلم امينة محمد
الفصل السادس
|ست قوارير|
"أشباح من الماضي"
نُرمِّم واجهاتنا ببراعةٍ
كي لا يلمح العابرون رُكام أرواحنا في الداخل.
نحن بارعون في ارتداء الثبات، كما يرتدي المُحارب درعهُ فوق جرحٍ نازفٍ؛ نبتسم لنُخفي الهزائم، ونبني الجدران العالية لنحمي ما تبقى من ركامنا الداخلي.
نظنُّ أننا دفنَّا الماضي في صناديق مُغلقة، أو تحت أنقاض أحلام تهاوت، لكن الحقيقةَ أننا مجرد حُراسٍ لمقابر ذكرياتِنا..
نخشى أن تهب ريح الحقيقة فتُسقِط الأقنعة، وتكشف أنَّ القوة التي نواجه بها العالم، لم تكن سوى صرخة استغاثة.. خنقتها الكبرياء.
تسللت جملة سلسبيل إلى هدوء الغرفة، كخنجرٍ بارد يمزق ستارة الدفء المُصطنع، تساؤلها كان صوتًا مُكبتاً لغياب طال أمده، غياب أظهر الآن هشاشة الجدران التي بنتها العائلة حول نفسها.
ارتعدت الأجواء على الفور، وتوقفت يد يوسف عن تقشير البرتقال، سقطت السكين بهدوء على الطبق الذي يحتوي على عدة برتقالات كان غايتها زرع الدفء في أرجاء هذه الأسرة البسيطة، صوتها المعدني الخفيف كان أشد صخبًا من أي انفجار..
لم يصرخ يوسف
ولم يوبخ
لكن عينيه تجمدتا، حاملتين وجعًا قديمًا أطلّ على السطح بعد سنوات من الدفن.
لا يملك هذا الرجل المُنهك رفاهيةَ الانهيار أمام صغاره، لكن جُملة عابرة قد تُعيده إلى يومِ الخسارة الأول.
هو لم يغضب على سلسبيل، بل غضب على القدر الذي سمح لهذا الاسم أنْ يُعيد رسم خارطة الوجع من جديد.
قام يوسف من جلسته ببطء مثقل، متوجهًا الى غرفته، كان ظهره يحمل ثقل السنين والأسرار، وغيابه الآن كان أكثر قسوة من أي عقاب.
بينما في الصالة اشتعلت تسبيح، وكان غضبها الموجه لسلسبيل بقدر ما كان خوفًا مريرًا على أبيها.
هي وحدها من يدرك كم كلفهم هذا الماضي من سلام.
"أنتِ مش شايفة نظرة بابا كانت عاملة ازاي؟"
قالت تسبيح وصوتها خفيض لكنه يحمل التهديد:
"الكلمة دي بتكسره! مينفعش نفضل كل شوية نفتح جرحه بالشكل ده!"
"عملت ايه يعني؟ هو خلاص مبقاش اسمها ماما؟" تمتمت سلسبيل بخضوع وهي تختبئ خلف الوسادة.
قاطعتهما تسبيح بحدة، وقلبها يقرع ناقوس الإنذار على صحة أبيها، لم تنتظر إجابةبل سارت نحو غرفة والدها، تتجاهل نظرات الأخوات القلقة خلفها.
وجدت يوسف جالسًا على طرف سريره، وجهه مدفون بين كفيه، وكتفاه يهتزان بخفة، كان في صراع شرس بين رجل اعتاد الصلابة وروح تكاد تخونه.
اقتربت تسبيح وجلست بجانبه، ولم تتجرأ على لمسه، خوفًا من ان تفتح سيلًا من الدموع لا يمكن إيقافها، لذلك اكتفت بهمس اسم "يا بابا"، التي كانت في حد ذاتها كافية لاستدرار ماء العينين.
رفع يوسف رأسه عيناه محمرتان وتحملان نظرة انكسار مهين لكبريائه.
"مينفعش تشوف الوجع ده تاني يا بابا"
توسلت تسبيح وعيناها تحبسان دموعًا عصية:
"مش كفاية الحمل ده كله؟ هي غابت، والزمن كفيل ينسينا"
نظر إليها يوسف، وشعر بالاطمئنان لوجودها، تلك البنت التي نمت قبل أوانها لتصبح صخرة العائلة، مد يده الى الدرج السري في دولاب ملابسه، وأخرج صندوقًا خشبيًا عتيقًا.
وضعه بينهما على الفراش، تنهيدة طويلة خرجت من صدره كأنها تحمل ثقلًا مزمنًا لن ينسى..
_"الحاجة اللي هقولها دي يا تسبيح، مينفعش حد يعرف عنها حاجة ابدًا"
قال يوسف وصوته يخلو من القوة، وكأنه على وشك تسليم أمانة ثقيلة.
أومأت تسبيح برأسها في صمت، يديها باردتان وقلبها ينتظر الصدمة.
فتح يوسف الصندوق وأخرج منه ورقة مطوية قديمة:
"البنات فاكرين ان أمهم سابتهم ومشيت عشان مكنتش بتحبني انا بس.."
قال يوسف وعيناه مثبتتان على الورقة الباهتة:
"لكن الحقيقة.. الحقيقة أصعب من ان قلب اطفال زيكم يستحملها"
ناولها يوسف الورقة امسكتها تسبيح وأصابعها ترتجف وهي تفردها، كانت ورقة محكمة، تحمل ختمًا وشروطًا.
"ايه ده يا بابا؟"
سألت تسبيح، وقد شعرت أن البرودة القادمة من الورقة قد اخترقت جلدها.
"ده... التنازل!"
قال يوسف بـ نبرة مُعلنة لـ الحسرة:
"تنازلت عن حضانة السِتة مقابل انها تاخد المبلغ ده، وتاخد حريتها الكاملة من أي سؤال او مسئولية او التزام تجاهكوا"
اتسعت عينا تسبيح في صدمة مُهينة، لم يكن الأمر هجرًا عاطفيًا، بل كان صفقة مادية.
الأم لم ترحل هاربة، بل رحلت بائعة.
"بـ... باعتنا؟"
همست تسبيح، الكلمة خرجت كجرح مفتوح وضع فوقه ماء نار، أشد قسوة من كل ما مرت به بحياتها، الحقيقة المؤلمة التي عرفتها عن عمرٍ كبيرٍ الآن كانت قاسية..
_"مش حابب أقولكم عشان متقولوش بكرهكم فيها، بس دي كانت حقيقة كبيرة خبيتها جوايا كتير يابنتي.. تعبت وشقيت عشان اربيكم، وعشان اسيبلها حريتها تمشي، كانت عايزة كدا ومقدرتش أجبرها تعيش معانا، مع إني حبيتها من قلبي، بس مافيش حد بيفضل بالغصب!"
كيف يمكن لامرأة ان تنظر الى ستة أطفال، وتوقع ورقة تتنازل فيها عن دمها وروحها بثمن؟ ولماذا؟
أدركت تسبيح في تلك اللحظة أنَّ عبء الأب لم يكن غياب زوجةٍ، بل كان جُرح الكرامة الأبوية التي اضطُرت لالابتلاع من أجل ستر حقيقةٍ تفوق طاقتهم.
"مكنش ينفع يعرفوا ان أمهم باعتهم بالورقة دي يا تسبيح"
أكمل يوسف وعاد يغلق الصندوق بيده الواهنة:
"كان لازم يفضلوا فاكرين انها بس غايبة مش بايعة، أنا عملت كده عشان أحميكِ أنتِ وأخواتك من قسوة الحقيقة دي!"
أعادت تسبيح الورقة الى الصندوق بهدوء ثقيل، ثم نظرت الى يد والدها، ثم نظرت اليه مباشرة، عيناها الآن لا تحملان دموعًا إنما تحملان قرارًا قاسيًا.
"ده سرّك يا بابا"
قالت تسبيح، بصوت يمزج القوة بالانكسار:
"الورقة دي هتفضل هنا، والحقيقة دي هتفضل مدفونة وهما هيفضلوا فاكرين انها غايبة مش بايعة"
مدت تسبيح يدها وقبضت على يده، قبضتها كانت قوية، تخبره أنها مستعدة لحمل هذا العبء معه..
"بس عايزة أعرف حاجة واحدة يا بابا!"
تسائلت تسبيح بنبرة تسعى خلف المنطق:
"ليه عملت كده؟ ليه سبتها تمشي؟"
"عشان اللي بيبيع ملوش مكان يفضل فيه"
رد يوسف، وعيناه تحملان حقيقة مرة:
"وكمان... عشان خوفت لو مسبتهاش، هتاخدكوا مني غصب عني بالقضاء، وتعيشوا معاها الذل ده"
نظرت تسبيح الى يوسف بإجلال، فهمت أنه لم يكن ضعيفًا كما ظنت لحظةً، بل كان مُضحيًا بأغلى ما يملك؛ سكوته عن حقه في الانتقام لكرامته، حفاظًا على بقاء بناته حوله.
ــــــــــــــــــــ
حلّ الصباح لكنه لم يحمل معه نورًا كافيًا ليطرد عتمة الليل التي كانت تحاصر المكان وتحاصر قلوبهم
كان تميم يجلس وسط بقايا ما كان يومًا مقهاه، لم يكن يرى حطام الخشب والزجاج المتناثر، كان يرى مراحل حياته التي قضاها يجمع قطعة فوق قطعة ليبني هذا الحلم، والآن أصبحت كل تلك المراحل مجرد ركام.
لم يجرؤ على البكاء حتى بينه وبين نفسه، كان يخشى أن يبدأ، فلا يتوقف، كان معترفًا أن لكل إنسان نقطة ضعف، وكانت نقطة ضعفه هو عائلته، كان يجلس على حافة رصيف متهدم، سيارته مركونة على بعد أمتار، ويده ترفع سيجارة تلو الأخرى، دخانها الأبيض يتصاعد في الهواء البارد، يحمل معه شيئًا من غضبه المكبوت.
الخسارة لا تكمن في قيمة الشيء،
إنما في قيمة الروح التي وضعناها فيه.
والمقهى لم يكن مجرد مشروع، كان هويته التي أثبت بها نفسه أمامهم، كان دليلًا على أنَّ تميم السعدون يستطيعُ أنْ يقف شامخًا دونَ عكّاز اسم عائلته، بل يصنعه بنفسه!
لم يكن تميم يتوقع أحدًا لذلك تفاجأ حين رأى سيارة أجرة تقترب ببطء، ثم توقفت.
لم تميز عيناه المنهكتان من بداخلها في البداية، لكن حين خرجت ورأى هيئتها.. أدرك أنها سجى.
اقتربت سجى منه بخطوات مترددة، كانت ترتدي ملابس عملية، وعلى وجهها مزيج من الفضول والتردد، نظرت إلى الدمار حولها، ثم نظرت الى تميم.
"ايه اللي حصل هنا؟"
سألت سجى وصوتها كان هادئًا بشكل غير معتاد، خاليًا من السخرية المعهودة.
لم يرد تميم بل أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته وأخرجه ببطء:
"مش محتاجة تسألي!"
قال تميم بصوت أجش وخالٍ من أي انفعال:
"زي ما أنتِ شايفة"
جلست سجى على حافة الرصيف البعيدة عنه بمسافة معقولة:
"عرفت من الستوريز اللي نزلت امبارح عالواتساب من اللي بيحبوا الكافية أنه اتدمر، وإن الدنيا اتقلبت عليك بسبب شوية بلطجية مش أكتر!"
قالت سجى بصدق:
"بس متوقعتش المنظر ده، ده تدمير"
"هما عايزين يوصلوا للتدمير الكامل بالظبط!"
رد تميم وعاد الى صمته، يائسًا من أي محاولة للتفسير.
لكن سجى لم تتركه:
"أنا آسفة مكنش المفروض ده يحصلك عشان أنا..."
توقفت ولم تستطع إكمال جملة
"متستاهلش كدا بجد، يعني هو ممكن يكون بسبب حفلـ..حفلتي!"
رفع تميم نظره اليها، لأول مرة يراها بهذا الهدوء، بملامح تحمل تعاطفًا حقيقيًا لا مصطنعًا:
"محدش له ذنب"
قال تميم بنبرة مختلفة، نبرة رجل يسقط عنه عبء التمثيل:
"أنا اللي اخترت طريق تاني غير طريق العيلة، وكل خطوة بتبعدني عنهم لازم ادفع تمنها غالي"
لم يكن هذا هو تميم الذي تعرفه،
لا يوجد تفاخر ولا غرور ولا سخرية،
كان رجلًا يافعًا يسنده الضعف الآن.
كانت سجى ترى الشاب الذي يختبئ تحت قناع "ابن السعدون"، الشاب الذي يشبهها في رفضها لـ حياة مفروضة عليها؛ للمرة الأولى شعرت بتقارب حقيقي يتجاوز الخلاف القديم.
نظرت سجى الى تميم بـ عمق:
"ليه متشتغلش شغل تاني دلوقتي؟ حاجة تانية لحد ما تقدر تصلح الكافية."
"أشتغل إيه؟"
رد تميم بسخرية مريرة وأكمل:
"أنتِ فاكرة أنا مبعرفش اعمل غير القهوة؟ أنا معايا ماجستير في ادارة الاعمال، بس لو روحت اشتغلت في أي شركة، هيبقي لازم اشتغل تحت أخويا وده اللي بابا عايز يوصله!"
تنهد لحديثه الذي خرج عفوية منه دون أن يشعر، لا يود البوح بالكلام هكذا مع أي شخص لكن الحديث معها جعله يعترف بلسانه لها
رمى تميم السيجارة وأشعل أخرى:
"الخسارة مش في شوية الخشب المكسور ده يا سجى، الخسارة ان ده المكان الوحيد اللي كان فيه تميم مش ابن عزيز السعدون.. هنا كنت أنا"
التفتت سجى نحوه بالكامل وقالت بتنهيدة:
"بس متخليش ده يكسرك، أنت مش محتاج ترجع لأوك عشان تثبت له إنك صح، شوف أي شغل تاني، أي مصدر دخل مؤقت لحد ما تقوم على رجلك..مش عيب، كمان ممكن لو حابب تبدأ معايا بعد الوقعة بتاعتي أنا كمان.. نعمل مشروع لينا سوا"
شعرت سجى باندفاع غريب نحو مساعدته، ربما كانت تشعر بالذنب، أو ربما كانت تتحدى الصعوبات من خلال هذا الابن المتمرد.
"أنا عايزة اساعد!"
قالت سجى وهي تخفض صوتها:
"مش عشانك عشان ننهي الحوار ده اللي بدايته كانت في حفلتي، لو محتاج شغل مؤقت نبدأ من حفلة الساحل.. بس سوا.. بنظرتي للتنظيم ونظرتك"
نظر تميم اليها نظرة طويلة، نظرة خالية من الكبرياء والتعالي، كانت هذه أول مرة يشعر فيها أن سجى تراه بوضوح، تراه حقًا وليس الظل الذي يراه الجميع؛ ظل فيصل!
"هتستفادي إيه؟ أنا كنت عايز أساعدك عشان أنا سبب في مشاكل كتير وقولت هرجعلك حقك وتكملي.. ليه أنتِ بتردي حاجة زي دي!"
سأل تميم بحيرة، فابتسمت سجى بـ مرارة:
"عشان أنت عايز ترجع لأحلامك اللي خسرتها، زي ما أنا عايزة أكمل تحقيق أحلامي اللي كتير مش بيآمن بيها زيي.. شبهي يعني، فكر وأبقى قولي ناوي تعمل إيه"
وقفت سجى وغادرت المكان دون ان تنتظر ردًا، بل وضعت جواره بطاقة عليها اسمها ورقمها كما فعل في المرة الأولى معها، ليصبحا معهما أرقام بعضهما الآن.
تركت تميم جالسًا وسط حطامه، لكنها تركت خلفها شعورًا غريبًا لم يعهده تميم من قبل، شعور بأن التحدي لم ينتهِ بعد، وأن هناك شخصًا واحدًا على الأقل، رغم كل الخلافات، يؤمن بأنه يستطيع النهوض مجددًا.
ـــــــــــــــــ
الوجه الآخر للشيطان المحبوب..
والمقصود به لم يكن سواه -فيصل السعدون-
كان مكتب فيصل عزيز السعدون في قمة أناقته الصباحية، ينضح بالفخامة والسيطرة التي تعكس شخصيته.
الضوء الطبيعي ينساب من النافذة الزجاجية الكبيرة، يُلقي باشعة الشمس الدقيقة على بذلته الرمادية الداكنة، بينما هو جالس خلف مكتبه، هادئًا كعادته.
كان فيصل يراجع بعض التقارير المالية، لكن حواسه كانت مركزة على هاتفه الذي كان بجواره. حين وصلته إشارة رسالة، فتحها بهدوء، كانت الصور التي أرسلها عثمان، تقرير لنهاية المشكلة التي أزعجت هدوء عائلته.
رسمت على شفتي فيصل ابتسامة هادئة ومقتضبة، مؤكدة لسلطته، كان راضيًا بالنتيجة المضمونة التي لا يترك لها مجالًا للصدفة.
في تلك اللحظة دخلت ميار بعد أن طرقت الباب مرة واحدة، تحمل في يدها ملفًا، كانت مهنية ومحترفة كعادتها، لكنها لا تستطيع ان تنكر أن جاذبية فيصل كانت تفوق قدرتها على الحياد التام.
"صباح الخير يا فيصل بيه"
قالت ميار بـ احترام وأكملت بعدها:
"دي توقيعات الأوراق الخاصة بصفقة العقارات الجديدة، لازم تتسلم قبل الضهر، راجعتها قانونيًا وكل البنود تمام"
"تمام"
رد فيصل بنبرته الهادئة التي تحمل اقتضابًا، ورفع نظره إليها؛ كانت نظراته العسلية المباشرة كافية لتجعلها تشعر بأنها محل تركيزه التام.
وضعت ميار الملف على المكتب، واثناء ترتيبها للأوراق، تحول نظرها لا إراديًا إلى شاشة هاتف فيصل المفتوحة، للحظة خاطفة رأت وجه بدر المدمى بالكدمات.
تجمدت ميار في مكانها، شعرت بارتجافة خفيفة تسري في جسدها، ثم رفعت عينيها الى فيصل بصدمة لم تستطع إخفاءها.
"مين دول؟"
سألت ميار بصوت خافت، غير مصدقة أن هذا المشهد المروع يمكن أن يكون مرتبطًا بالرجل الذي يواجهها بهذا الهدوء والجاذبية.
لم يرتجف فيصل ولم يحاول إخفاء الهاتف، أغلقه بهدوء شديد، ووضع يده على الملف.
"دول مجرد ناس بيتعلموا إن عيلة السعدون مينفعش يغلطوا معاها"
قال فيصل،ونبرته كانت مغلفة بسلطة لا تقبل الجدال.
نطقت حينها وقت خرجت منها الجملة دون وعي
"بس ده... ده مش قانوني!"
ثم أكملت بصدمة أكبر:
"دي ضرب وإيذاء كان ممكن تبلغ البوليس"
ابتسم فيصل بإغراء خفيف،
إغراء يمزج الثقة بالتهديد،
إغراء لشيطان يرتدي ثوب الحماية.
ثم قام من مقعده وخطى خطوة نحوها يقول:
"القانون وقت ما تبقى مشكلة بسيطة ولا أمر سهل تافه، نقول للقانون اتدخل بتفاهة وحلها!"
خفض صوته وأكمل:
"لكن لما الموضوع بيوصل للأهل، لازم تلبسي القفازات السودا وتنزلي تفرضي حقيقتك بإيدك"
كانت ميار تراه الآن بوضوح؛ الساحر الذي يسيطر بالهدو، شعرت بالانجذاب نحو هذه القوة المطلقة التي لا تهتز، والتي تجعلها تشعر بالأمان المخيف.
"أنا آسفة، بس مكنتش أعرف إنك بتشتغل بالطريقة دي" همست ميار وهي تحاول استعادة ثباتها أمام تأثيره.
مال فيصل عليها قليلًا، كاسرًا مسافة الأمان تمامًا، عيناه تخترقان عينيها، عارضًا عليها للحظة لمحة من جانبه المظلم الذي لا يراه أحد.
"دي طريقتي للحماية، ودي حدودي يا ميار"
قال فيصل وصوته كان كالأوامر التي لا يمكن عصيانها، ثم أضاف بنبرة تحمل اعترافًا غير مباشر بدوره القذر:
"أنا اللي بشيل الوساخة عشان عيلتي تفضل نضيفة، ودي مهمتي، وأي حد يعرف عن الوساخة دي لازم يسكت للأبد"
نظرت إليه ميار، وشعرت بالخوف يختلط بـ الانبهار، وفهمت أن حياته كلها بنيت على هذه المعادلة: هو المنقذ في الخفاء، والمهيمن في العلن.
عاد فيصل الى مكتبه بسلاسة، وكأن شيئًا لم يحدث.
التقط القلم وبدأ يوقع على الأوراق بتركيز:
"تمام يا ميار، الأوراق دي جاهزة، وموضوع الواد اللي شوفتيه على تليفوني ده... يعتبر مكنش موجود من الأساس"
تفوه فيصل خاتمًا حديثه بأمر نهائي.
غادرت ميار المكتب، وبقيّ فيصل محاطًا بضوء النهار، لكنها حملت معها إحساسًا عميقًا بأن هناك ظلًا أسود يحيط بهذا الرجل، ظلًا يجعله مخيفًا وجذابًا في آن واحد.
ــــــــــــــــــــــ
عاد ماجد إلى شقته الفاخرة التي يذهب لها بين الحين والآخر بعيدًا عن منزل عائلته، كانت تشبه صالة عرض فنية أكثر من كونها مسكنًا؛ مرتبة، مميزة، فخمة!
كان اللون الرمادي والأزرق الداكن يسيطر على الأثاث، لونان باردان يتماشيان تمامًا مع الحالة الشعورية لساكن هذا المكان.
الهدوء كان سيد المكان، يكسره فقط صوت المفتاح، ألقى ماجد سترته الجلدية على مقعد مجاور، لم يشعل سوى مصابيح خافتة، تاركًا معظم أركان المكان في شبه ظلام.
كان يفضل هذا العتمة الهادئة، حيث تختفي الألوان ولا يبقى سوى الحدود الواضحة، تمامًا كما يفضل أن تكون حياته.
مشى نحو المطبخ المفتوح ليتناول كوبًا من الماء البارد. كانت عيناه شاردتين، تحملان بقايا نظرات تسبيح التي التقت به في الموقع، نظراتها التي لم تتخطَّ يدَه الممدودة لـ مساعدتها.
كانت تلك اللحظة البسيطة قد فتحت جرحًا ظن أنه خدره للأبد.
وجد على طاولة الطعام المغطاة بالزجاج مظروفًا مطبوعًا بورق فاخر. فتح المظروف بإهمال، متوقعاً إعلانًا أو دعوة عمل وضعتها السيدة التي تنضف له منزله بين الحين والآخر!
لكن ما وجده كان بطاقة دعوة زفاف لفتاة تدعى نورهان عدلي!!
توقف ماجد عن الحركة، لم ترتجف يده، لم يتأوه، لكن نظرة البرود في عينيه تحولت فجأة إلى صقيع حارق.
ظن أن النسيان هو فن التجاوز، لكن النسيان الحقيقي هو أن لا يأتيزاسمهم على غير موعد، أن لا تفسد رسالة واحدةٌ سنواتٍ من العُزلة المُتقنة!
نورهان...
اسم لطالما سبب له أوجاع.. آلام..
قلب ماجد البطاقة ليجد اسمًا آخر تحت اسم العروس: ماهر الرشيدي.
اسم له ثقله في عالم المقاولات.
في تلك اللحظة رن هاتفه وكان صديقه المقرب، "طارق"، لذلك أجاب بثقلٍ يسمع رد الثاني:
"أهلاً ماجد، شفت المجلة اللي بعتهالك؟"
جاء صوت طارق مباشرة
"مجلة إيه؟"
رد ماجد بهدوء مروع.
"مجلة أخبار البناء، في إعلان لشركة المُنجز عن شراكة ضخمة، شريكهم الجديد... شركة العدلي، والشريك الرئيسي نورهان عدلي"
قال طارق ثم أضاف بحذر:
"ماجد عارف انها صعبة بس هي رجعت وبقوة كمان، خصوصًا مع خبر جوازها"
أغلق ماجد عينيه للحظة قصيرة، ليعود فورًا الى واقعه البارد، لم يعد هناك حاجة لبطاقة الزفاف.
الخيانة عادت لتطل بوجهها المهني.
نظر ماجد حوله، الى تفاصيل شقته الباهظة، التي بناها كلها من رماد ما حدث. كان عليه ان يتذكر.
لم تكن نورهان مجرد حُب شاب، بل كانت شريكة في مشروع روحي لبناء شركة العمر معًا، كانا يملكان نفس الشغف، نفس الأحلام، ونفس الثقة المطلقة. قبل سبع سنوات، حين وضع ماجد كل مدخراته وكل طاقته في تصميم مشروعهم الأول، كانت هي من يملك كلمة السر لملفات التصميم.
لم يكتشف الأمر إلا بعد فوات الأوان؛ حين اختفت هي، وظهرت تصميماته -كاملة وباسمها- في شركة منافسة تلقت تمويلاً ضخمًا، لم يرحل الحب فقط، بل سُرقت الهوية المهنية، وبدأت نورهان بمسيرتها المهنية من حيث توقف ماجد.
بل وفسخت خطوبتهما بأبشع الطرق.. بخيانة أخرى مع رجل كانت تريده!
عاد ماجد الى حاضره
قبض على البطاقة بقوة حتى تجعدت في يده.
"ماجد؟ أنت سامعني؟"
سأل طارق بقلق.
"سامعك يا طارق"
قال ماجد وصوته كان مسطحًا كأرض صحراوية.
_"نورهان رجعت كشريك في شركة منافسة، ده معناه إيه؟"
"معناه انك لازم تكون حريص، هي مش هتفكر مرتين قبل ما تستغل أي ثغرة!"
حذر طارق.
ضحك ماجد ضحكة قصيرة، خالية من أي فكاهة.
_"الثغرات؟ أنا مبقتش بسيب ثغرات من يوم ما عرفتها، هي مش خايفة لسبب واحد!"
_"إيه هو؟"
"لأنها عارفة إني عمري ما هأذيها زي ما آذتني!"
أردف ماجد وكانت تلك هي قاعدته الأولى والأخيرة ثم أغلق الخط دون توديع ورمى بطاقة الزفاف الممزقة في سلة المهملات.
التجمد هو الرد المنطقي على الخيانة، لقد أدرك ماجد باكرًا أن القفز في الهاوية أهون من العودة للثقة التي قتلتْه.
هو الآن كتلة خرسانيةٌ؛ صلبة من الخارج، ولكن داخلها فراغ لا يملؤه شيء، فراغ أحدثته يد من وثق بها أكثر من نفسه!
سار ماجد نحو النافذة الزجاجية ونظر إلى أضواء المدينة البعيدة، لكنه لم ير في تلك الأضواء سوى انعكاس مرير لمسيرة فتاة بنت نجاحها على ركام أحلام رجل أحبها.
وهذا بالضبط ما جعله لا يرى في تسبيح اليوم سوى مهندسة يمكن ان تخطئ، وامرأة يجب أن توضع بينها وبين قلبه مسافة أمان لا تقل عن مسافة السماء والأرض.
ــــــــــــــــــــــــ
وصلت تسبيح إلى موقع العمل في وقت مبكر، تتقدم بخطوات سريعة -كعادتها- لكنها كانت تخفي خلف هذا الإيقاع السريع لخطواتها ليلةً ثقيلة من السهر والوجع.
لم تكن عيناها تتورمان بسهولة، لكن الليلة الماضية كانت استثناءً، أثر كتم البكاء، بكاء لطالما حاولت إخراجه لكنها لا تفلح، ولم يكن على فقدان، بقدر ما كان على قسوة السر الذي عرفته عن أمها، كان واضحًا عليها رغم محاولتها إخفاءه بلمسة من الكحل الداكن.
كانت تراجع تقارير المعالجة بالمياه التي بدأت فجرًا عقلها يحاول الهروب الى أرقام وقواعد صلبة، بعيدًا عن هشاشة العائلة التي اكتشفتها.
لم يمضِ وقت طويل حتى وصل ماجد هو الاخر، كان مظهره مرتبًا كعادته، لكنه كان شاردًا بشكل لم تعهده تسبيح.
كان يرتدي قناع التركيز، لكن ماجد كان في الحقيقة يحارب طيف نورهان التي عادت لـ تطل بوجهها المُخادع.
اقتربت تسبيح من حيث يقف، متجاهلة أي شيء شخصي، وتبادلا التحية ببرود مهني.
"صباح الخير يا بشمهندس ماجد، تقارير الصبة كلها تمام، والمعالجة بدأت في المعاد بالظبط"
قالت تسبيح ونبرتها كانت جافة ومقتضبة.
رد ماجد حينها وهو ينظر للمكان نظرة شاملة:
"ممتاز أنا لسه مراجع الإيميل، عايز أراجع معاكِ التقارير المعملية دلوقتي"
مدت تسبيح يدها لتناول ورقة من دفترها، لكن يدها لم تكن ثابتة بما فيه الكفاية، فانزلقت ورقة أخرى من تحت الدفتر، ورقة فارغة كانت تستخدمها كحاجز، وسقطت على الأرض.
انحنى ماجد بسرعة ليلتقطها، وبينما كان يقدمها لها، التقت عيناه بـ عينيها، للحظة قصيرة، رأى ماجد وراء قناعها الاحمرار الباهت حول عينيها، لمحة لشيء غير مُتزن.
"خلي بالك"
قال ماجد وكانت نبرته تحمل قلقًا عابرًا، لكنه كان صادقًا.
أخذت تسبيح الورقة وشكرته بهمس؛ فالإحراج لانكشاف ضعفها اللحظي جعلها تتهرب من نظرات:
"أنا بس مركزة في الشغل شوية زيادة"
قالت تسبيح لتبرر شتاتها.
"باين"
رد ماجد بهدوء، ثم أضاف بـ نبرة شبه محايدة:
"الشغل مهما كان مهم، مش مفروض ياخد الروح كلها كده، فيه حاجات أهم!"
لم ترد تسبيح بل شعرت برغبة في البوح فجأة، ربما لأن ماجد يبدو الآن أكثر انكسارًا داخليًا منها، لكن انكساره لم يكن مرئيًا بالنسبة لها، ولكن المشاعر التي تحوم حولهما كانت تنبأ بذلك!
"الحاجة الأهم دي هي اللي بتتكسر"
قالت تسبيح بنبرة واطئة، لتتفاجأ هي نفسها بخروج هذه الجملة:
"أحياناً بتكتشف ان المجهود اللي بتعمله عشان تحافظ على حاجة.. بيكون هو السبب ان الحاجة دي تستنزفك"
هذه الجملة ضربت وترًا حساسًا جدًا داخل ماجد، أبعد نظره عنها، ونظر نحو أساسات المبنى المنهدمة، كأنه يرى فيها أساسات علاقته المهدمة.
"الناس دايمًا بتشوف القوة بس"
قال ماجد وكأنه يحدث نفسه لا تسبيح:
"محدش بيشوف التمن اللي بتدفعه عشان تفضل قوي، التمن اللي بتدفعه لما بتضطر تكمل لوحدك عشان متديش فرصة لحد تاني يكسرك!"
شعرت تسبيح أن ماجد يشاركها عالمه الداخلي فجأة، عالمه الذي يرتدي فيه درع البرود.
"بس الوحدة صعبة"
قالت تسبيح بـ مرارة:
"إنك تكون الكتف للكل، ومحدش يكون كتف ليكِ، ده أصعب استنزاف!"
عاد ماجد بنظره اليها، ورأى فيها صدقًا مؤلمًا يشبه مرارة تجربته لذلك أردف:
"أنتِ فاهمة غلط"
ثم قال بنبرة حازمة لكنها خالية من القسوة:
"الخسارة الحقيقية مش إنك تمشي لوحدك!"
أومأت تسبيح ببطء، تنتظر إكمال جملته، كانت تعلم ان هذه الجملة ستحمل خلاصة تجربة قاسية.
تنفس ماجد بعمق، كأنما يستدعي قوة لقول الحقيقة التي يؤمن بها:
"الخسارة إنك تكمل مع حد بيستنزفك، وهو شايف إن ده حقه عليك"
وقعت الجملة على قلب تسبيح كـ رصاصة باردة، لم يكن ماجد يقصد عائلتها، لكنها شعرت أن الكلمات وُجهت مباشرة للجرح الذي تركته أمها بورقة التنازل، و لمسؤوليتها عن أخواتها التي تجعلها تستنزف نفسها بلا حدود.
أدركت أن القوة ليست في تحمل الاستنزاف
بل في معرفة متى يجب التوقف.
لم يكمل ماجد الحوار اكتفى بنظرة أخيرة تحمل بعمقها التعاطف والكتمان، ثم تحول باهتمام كامل نحو تقارير العمل، تاركًا تسبيح تقف في مكانها، وقد بدأت بمراجعة قواعد جديدة لحياتها، قواعد لا تسمح بأن تكون الكتف الذي يُستنزف الى الأبد.
لا يعرف ولا تعرف كيف وصلا بحديثهما لتلك النقطة، كيف جذبهما التيار لهنا
حقًا إنه أمر غريب وكارثي بالنسبة لشخصين كتومين مثلهما!
ــــــــــــــــــ
تخطت خطوات تميم السريعة ممرات شركة "السعدون"، لم يكن يسعى إلا للتحدي، كان الغضب الذي استقر في صدره قد تحول إلى وقود خالص، يدفع روحه نحو نقطة واحدة محددة.
كان قراره بالدخول إلى حصن العائلة تمرد على شروطهم، وليس استسلامًا لهم.
وصل تميم إلى الباب الزجاجي لمكتب فيصل، ولم يطرق بل دفع الباب بقوة كادت تخلعه من مفصلاته، محدثًا صوتًا صاخبًا مزق هدوء الصباح
رفع فيصل رأسه عن الأوراق ببطء شديد ومُتعمَّد، ولم يظهر عليه سوى الملل البارد الذي يسبق توقع نتيجة معلومة.
كان يجلس خلف مكتبه، سكونه كان قوة تُقابل طوفان تميم، بينما وقف تميم في المنتصف، يتنفس بعنف واضح، صدره يعلو ويهبط، وعيناه تشتعلان بنيران القرار الذي اتخذه.
"أنا هنا عشان استلم مكانتي.. وشغلي!"
قال تميم صوته كان جافًا لكنه يحمل نبرة قاطعة
ابتسم فيصل بهدوء يخلو من الدفء قائلًا:
"أهلاً بيك يا تميم، كنت متأكد إنك هتختار طريق العقل في الآخر! "
"مش طريق العقل"
رد تميم بحدة فورية مكملًا:
"ده طريق التمن، أنا جاي أشتغل، وجاي أخد حقي اللي بابا وأنتم فاكرينه ملوش قيمة"
ظل فيصل جالسًا دون حراك، لكن نظراته أصبحت أكثر حدة:
"اتفضل اقعد، ونخلص الكلام ده بهدوء"
"مش هقعد"
أجاب تميم رافضًا حتى للغة الجسد تلك التي تفرض السيطرة:
"أنا داخل الشركة، وعايز منصبي يكون جاهز، مش هبدأ كموظف صغير تحت الإدارة العامة"
"إيه اللي عايزه بالظبط؟"
سأل فيصل وهو يراقب تميم كما يراقب خصمًا عنيدًا..
"عايز مكان لابن عزيز السعدون، عايز صلاحيات حقيقية، مش ديكور وزينة، عايز أكون في إدارة أنا أختارها، باسمي الكامل"
قال تميم بـ ثبات غير مسبوق ثم أكمل بحدة:
"مش جاي أتوسل لوظيفة، جاي أطالب باللي ليا في الإمبراطورية دي"
شعر فيصل بشيء جديد في نبرة أخيه، شيء أقوى من الغضب المتهور، كانت مطالب تميم منطقية، لكن إصراره كان صادمًا
"عشان تثبت إيه؟"
سأل فيصل عادته في اختبار حدود الآخرين:
"عشان تثبت إن لعب العيال ده كان بيجهزك لشغلنا؟"
"لا!"
قال تميم والكلمة تلك خرجت كطلقة واحدة ثم أردف'
"عشان أثبت إنكم أنتم اللي كنتوا غلط لما قيمتوا مجهودي بالهشاشة! أنا داخل الشركة دي عشان أتعلم كل قواعد اللعبة اللي بتلعبوها، عشان أكون مؤهَّل يوم ما أقرر أهدم الواجهة دي كلها"
هذه المرة
لم يكن كلام تميم مجرد تهديد عابر
كان فيه صدق اشتعالي غريب.
ابتسم فيصل برضا داخلي، فهو يرى في هذا التمرد قوة، حتى لو كانت موجهة ضده، هو الآن تحت جناحه وهذا هو المهم.
_"تمام يا تميم أنت اختار الإدارة، ومنصبك هيكون جاهز بـ الصلاحيات اللي تستاهلها، وأهدم زي ما تحب وأنا وراك هبني تاني، ده مش هيتهدم بسهولة بس خليني معاك للأخر"
تفوه فيصل وكأن الأمر كان محسومًا سلفًا.
كان فيصل يمد يده بثقة كاملة، ثقة المالك الذي يعتقد أنه استرد شيئًا ضالًا، لكن في تلك اللحظة كان عقل تميم يعمل كآلة حرب تخطط لمعركة.
وعلى فمه ارتسمت ابتسامة جانبية، وبداخله همس بينه وبين نفسه بكلماتٍ لاذعة متمردة
لم يكن هذا استسلامًا لإرادتهم، بل كان تسللاً تكتيكيًا سأستغل كل منصب، كل صلاحية تمنحوني إياها، لأتعلم تفاصيل هذا الكيان، أنا الآن داخل النظام، والقتال من الداخل سيكون أكثر فتكًت بكثير.
نظر تميم الى فيصل بعينيين ثابتتين لا تعرفان التردد: "أنا عايز أكون في إدارة المشاريع، وعايز كل تقارير الشغل توصلني بشكل رسمي"
صافح تميم يد أخيه، وكانت مصافحة هدنة حارقة، ولم يكن تميم يصافح أخاه لبدء شراكة، بل كان يصافح أداة سيستخدمها لبناء نفسه على أنقاض ما كسروه.
ــــــــــــــ