رواية قصر آل الزيني الفصل السادس 6 بقلم سلمي خالد
الفصل السادس [ الزفاف ]
سلمى خالد احمد
*******
نظرت إليه في ضيق ثم دفتعه للخارج وخرحت هي الأخرى من البيت وغلقت الباب خلفها وتحدثت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ عايز إيه يا شهاب؟
_ انتي مايا صح؟
_ مظبوط
_ طيب، أكيد هانيا كانت قايلاكم اني كنت جاي يوم الجمعه وأنا فعلا كنت جاي بس روني اتصلت عليا و...
قاطعته قائلة:
_ عارفة كل دا..... بابا رفض
_ رفض إيه مش فاهم؟
رد في توتر، فأجابت:
_ رفض جوازك من هانيا
تفاجأ من قولها شاعرًا بغصة في حلقه ورد:
_ على أي أساس يقبل أو يرفض! هو حتى مسمعنيش ولا
_ رفض لأنك مش مناسب لهانيا خالص هو سمع منها وعارف عنك كل المعلومات ورفض وبدون احراج ليك، بدل ما تيجي انت وأهلك وتترفض.
فكل المطلوب منك دلوقتي هو انك تبعد عن هانيا وبس وكفاية اللي هي فيه
_ ممكن طيب اقابلها؟ قوللها شهاب عايز يكلمك أو ردي عليه بليز
1
هزت رأسها رافضة وردت:
_ شهاب انت اللي بليز ابعد عن هانيا لان ملكمش نصيب مع بعض خلاص
_ طيب طيب هي ليه مش بتيجي الشغل بقالها يومين؟
_ تعبانة شوية وأكيد مدايقة من قرار بابا، بس هي شوية وهتبقى كويسة متقلقش
كان واقفًا لا يعرف ماذا يقول، ملقيًا بصره على باب المنزل يود أن يقتحمه بكل ما فيه من قوة ويخطف حبيبته منهم وتحدث وهو يتوسل:
_ بليز يا مايا خليني اقابل أبوكم مجدي بيه وأنا هقنعه بيا جايز فيه حاجات هو مش فاهمها أنا هوضحها والله، أنا هانيا هشيلها جوا عيوني هفرشلها الأرض سعادة وهنا و....
1
_ ارجوك يا شهاب بلاش كلام الروايات و المسلسلات دا، اللي هيسعدها هو الفلوس أما تكون كل طلبتها موجابة أما الكلام بدون افعلل دا مش بأكل عيش
1
_ لا هيكون فيه أفعال يا مايا خلي عمي يطلب ليها اللي يعوزه وأنا هوفره كله، الشبكة الشقة المهر أي حاجة يطلبها هجيبها ليها، أنا لازم اتكلم معاه لازم اديني فرصة بس
هزت رأسها رافضة للمرة الثانية ثم قالت:
_ الموضوع انتهى بالنسبة لبابا ولو اصريت بابا هيكسفك وانا عمالة احاول ارفع عنك الحرج واقولك بهدوء خلاص كدا خلصت
رد في تلعثم:
_ خلصت ايه هي إيه اللي خلصت لا لا متقوليش كدا في وشي يا مايا والنبي
_ عن اذنك العربية جت ولازم ارجع القصر دلوقتي وأنا زي ما قولتلك متحاولش ترجع تخبط على الباب لان بابا اصلا مش جوا لا هو ولا هانيا وكمان لو كان جوا هيكسفك جامد أنا قولتلك وانت حر
تركته وذهبت يتبع أثرها ثم سلط بصره على الباب مرة أخرى لا يستطيع أن يمشي دون أن يرى حبيبته.
حاول أن يجد أي نافذة يطل عليها من خلالها ولكنه فشل
حاول أن يهاتفها كي ترد ولكنها لم ترد أيضًا.
حاول ان يهاتف والدها مرتين ولكن لا رد منه.
ارسل لأختها روني وطلب مقابلتها واخبرها إنه في الخارج يقف منتظرًا أمام الباب ولكنها لم ترد عليه هي الأخرى حتى انتاب عليه شعور اليأس ولكنه لم يستسلم فاتجه نحو الباب وطرقه وما إن علمت حورية أنه هو لم تجيب عليه وذلك بعدما اخبرتها ابنتها بمجيئه.
مرت ساعة والثانية وهو في ذلك الوضع لا يعرف كيف يصل لها ولا أحد يجيبه مما قاد به إلى الذهاب من حيث أتى ناويًا أن يقابل والدها ويحدثه غدًا في العمل.
*********
وفي صباح اليوم التالي، استعدت روني صففت شعرها و ارتدت صيغتها ودخلت إلى أختها هانيا وتحدثت في ابتسامة:
_ احنا نازلين دلوقتي علشان نجيب الاوضة، يلا بينا البسي بسرعة
1
نظرت إليها بعينين حرقتهما نيران القهر وتحدثت في نبرة صوت ضعيفة أثر التعب:
_ مش هروح في حتة ولا فارق معايا هتجيبوا ايه ولا هتعملوا إيه حتى
2
اقتربت منها وجلست جوارها وردت:
_ يلا يا هانيا بلاش اللي بتعمليه دا، خلاص كلها يومين وهتبقى في بيته
نظرت إليها بتلك العينين واجهشت بالبكاء، ضمتها أختها إلى صدرها وأخذت تربت على كتفيها تهدئها.
********
كان يقف أمام مكتبه وقرر أخيرًا أن يقابله مستعدًا إذا نهره أو ضايقه، وقبلما يطرق الباب، جاءت إليه السكرتيرة الخاصة به وتحدثت:
_ حضرتك واقف قصاد مكتب مجدي بيه ليه؟
التفت إليها ورد:
_ أنا شهاب مظهر موظف في قسم التسويق هنا في الشركة وكنت عايز اتكلم معاه في موضوع مهم يخص الشغل
_ بس للأسف مستر مجدي مش هنا
_ اومال فين مجاش؟
_ لا جيه بس خرج وبقاله ساعة غايب ومقاليش رايح فين.
ممكن حضرتك تستنى في مكتبك واول ما يجي هبلغك
نظر إليها في خيبة أمل وهز رأسه موافقًا وانصرف في صمت و خذلان.
*********
وصل الشيخ عبدالله الزيني برفقة زوجته عبير هانم و ولداه يزيد و جياد.
ولم تمر إلا دقائق قليلة حتى أتى مجدي السَّلّاب بسيارته رفقة زوجته وابنته روني وحسب.
ابتسم يزيد لروني ما إن سقطت عيناه عليها وهي أيضًا ابتسمت له.
أما جياد فقد لاحظ سريعًا عدم وجود هانيا وعليه سأل والدها:
_ الله! اومال فين هانيا يا عمي؟
تنحنح الرجل ورد في خجل:
_ هانيا جالها نزلة برد جامدة اوي ومقدرتش تنزل قولنلها ترتاح في البيت واختها كدا كدا عارفة ذوقها وهتختار لها معاها
اختض عليها ورد في سرعة:
_ طب كويسة؟ محتاجة حاجة؟ اتحسنت؟ اروح اوديها للدكتور؟
1
ابتسم مجدي مطمئًا بشكل أكبر على ابنته مع ذلك الشاب الملهوف عليها ورد عليه:
_ متقلقش عليها احنا نزلنا للدكتور وقال يلزمها راحة وكتب لها علاج وهي دلوقتي بترتاح، البرد بتاعها بيكون صعب شوية ومش بيسبها بسهولة
وأضافت حورية:
_ وكمان كلها كام يوم وهتبقى عروسة لازم ترتاح
ابتسم مطمئن عليها ورد:
_ طب كويس الحمد الله إن الموضوع بسيط.
اطرق برهة ثم تابع:
_ أنا بس كنت بتصل بيها مش بترد عليا
نظرت حورية إلى زوجها تشعر بارتباك فتابع هو في ابتسامة بسيطة مصطنعة:
_ أكيد من التعب مقدرتش ترد
تدخل الشيخ قائلًا:
_ خلاص بقا الوقت هياخدنا واحنا مضيعينه في الكلام ولسه مجبناش أي حاجة وانت جياد بعد ما نخلص ونشتري اللي عايزينه ابقى ارجع مع عمك مجدي اطمن على خطيبتك بنفسك وخلاص
هز رأسه موافقًا وسار صامتًا.
دخلت روني مع يزيد محلَّ الأثاث الكبير، تعلو وجهها مسحة خفيفة من الترقب، يتقدّمها والدها وأمها، وخلفهم والدة يزيد التي كانت تفتح النقاش في كل قطعةٍ تقع عليها عينها.
كان المكان ممتلئًا بروائح الخشب الجديد، والأضواء الصفراء المنعكسة على الأسِرّة والخزائن فتزيدها فخامة.
وقفت روني أمام أول غرفة نوم تُعرض عليهم، تراقب التفاصيل بصمتٍ يعكس تركيزها، لكن قلبها كان يخفق بخفةٍ لا تُخفى. كل قطعة ترسم في ذهنها جزءًا من بيتها القادم، حياتها القادمة... ووجود يزيد بجوارها كان يضفي على اللحظة شيئًا يشبه الأمان.
2
كانت والدة يزيد تتقدم بخطوات واثقة، تشير إلى سريرٍ دون آخر، وتعلّق على الخشب والألوان، وتستعرض خبرتها الطويلة في تجهيز البيوت.
لكن يزيد... كان لا يلقي بالًا إلا لرأي روني. كان يلتفت إليها كل مرة، وكأنه لا يرى في المكان سواها.
كان يقترب منها قليلًا ويقول بصوتٍ منخفض لا يسمعه غيرها:
- "لو مش عاجباكي نغير... إنتِ ذوقك أحلى من كل دا."
فتتورد وجنتاها رغم محاولتها إخفاء ابتسامتها.
كلما اختارت قطعة، كان يزيد يبتسم ويوافق بلا تردد، يمرر يده بخفة على طرف الخزانة ثم يلتفت إليها قائلًا:
- "طالما هي عجبتك، تبقى أحلى غرفة في المحل كله."
أما روني، فكانت تعيش مشاعر متشابكة:
فرحة هادئة تتسلل إلى قلبها وهي ترى يزيد يحترم ذوقها ويقدّر وجودها، وإحساس داخلي بأنها تختار ما سيكون جزءًا من حياتها الطويلة معه.
كانت تسترق النظر إليه أحيانًا، فتراه يتابعها بعينين فيهما دفء، وكأنه يعوّضها عن كل لحظة خوف أو قلق عاشتْها قبل هذا اليوم.
1
وفي أثناء اختيار الملابس والمفروشات، اقترب منها يزيد مرة أخرى، وصوته يحمل شيئًا من الغزل الرقيق:
- "على فكرة... أي حاجة بتلمسيها بتحلى."
1
تشاغبت ابتسامة خجولة على شفتيها، ورفعت رأسها نحوه بنظرةٍ سريعة كمن يلومه بينما قلبها يرقّ له.
كانت تدرك أن أمّه تحاول أن تُظهر رأيها في كل شيء، لكنها في الوقت نفسه تشعر بأن يزيد يقف حائطًا رقيقًا بينها وبين أي ضغطٍ خارجي.
كان يمنحها شعورًا بأنها ليست وحدها.
ومع كل قطعة تُشترى، كانت روني تشعر بأن خطوة جديدة تُبنى في علاقتها بيزيد...
خطوة تحمل طمأنينة، وقبولًا، ودفئًا بدأت تتعلق به أكثر مما كانت تتصور.
********
دخلت رهف غرفة أسيل أختها فوجدتها تجلس داخل الشرفة معلقة بصرها نحو السماء شاردة.
جاورتها وتحدثت وهي تضع يدها على كتفها:
_ لسه معانا وقت نرفض... لسه معاكي وقت ترفضي تدخلي الحرب دي
التفتت إليها وتحدثت في هدوء:
_ خلاص يا رهف دا نصيبي وانا قبلت وسلمت بيه
_ اومال مالك قاعدة كدا ليه زي الشريدة؟
_ عادي بفكر.... خلاص كلها كام يوم وحياتي كلها هتتغير وهكون زوجة في أسبوع طبيعي أكون سرحانة
_ انتي في ايدك تختاري تمدي فترة الخطوبة
_ عارفة بس أنا مش عايزة
_ ليه؟
_ اهو مش عايزة وخلاص مش هستفاد حاجة أما أضيع وقت
صاحت رهف فب غضب قائلة:
_ انتي مجنونة؟ انتي داخلة حرب ولا هتتجوزي؟ انتي مستوعبة انتي بتقولي ايه؟
صرخت الفتاة:
_ رهف حبيبي بيتجوز من واحدة غيري يا رهف وعايزاني اقف اتفرج
صرخت الأخرى:
_ اه توقفي و تسيبك منه خالص مش تضيعي نفسك وترمي نفسك جوا لعبة سخيفة انتي الخسرانة منها
_ انصحي الكلام دا لنفسك يا حبيبتي
_ مش فاهمة، وانا مالي أنا؟
تنهدت أسيل وردت ساخرة:
_ يعني عايزة اشوف تماسكك انتي كمان وانسحابك من اللعبة أما تعرفي إن باسم حبيب قلبك بيحب روني
اطرقت رهف لبضع ثواني تستوعب ما قالته أختها ثم ردت في صدمة:
_ إيه؟
_ ايوه يا حبيبتي باسم بيحب روني وكان بيجلها القسم كل شوية يتحجج ويتكلم معاها ويعمل نفسه عايزها في شغل وانا و تالية كنا قاطعين عليه وعاملين من بنها وأنا متأكدة إنه مش هيسكت بسهولة أما يعرف ان الخنزيرة دي قبلت تتجوز من ابن خاله وهو لا.
1
كانت الأخرى صامتة تسمعها وتبتلع كلامها دون أي رد منها، فتابعت أسيل:
_ هقوم أنا بقا لازم اجهز لازم اخلص لبسي وحاجاتي علشان بكرة هشتري الاوضة لأنه خلاص كلها يومين و هبقى مرات اخيب واعبط راجل في عايلة الزيني.
********
ومرت الأيام و الفتاة تضعف وباتت مريضة بالفعل متعبة منهكة أما روني سعيدة ملتهية في زفافها الذي بالكاد اقترب. حتى جاء اليوم المشهود.
خرج الصباح كأنه يومان مختلفان، لكلٍّ منهما روح ومصير...
يومٌ يلمع بالفرح، وآخر مكسوّ بالحزن.
---
روني... بين الفرح والخِفّة
كانت روني تسير إلى الكوافير بخطواتٍ خفيفة كأن الأرض تحت قدميها بساطٌ من نور.
لم تكن تمشي... بل تكاد تطير، والابتسامة لا تفارق شفتيها.
عيناها تتلألآن ببهجة صافية، ووجنتاها محمرّتان كمن غمرته الحياة بحلوها أخيرًا.
جلست أمام المرآة في الكوافير، فانطلقت البنات حولها يجهزن شعرها ويضعن لها اللمسات الأولى من المكياج، وهي تضحك بلا توقف، تتبادل المزاح مع مايا وروني وتراجع رسائل يزيد كل بضع دقائق.
كل مرة يهتز هاتفها، كانت تشرق أكثر.
يكتب لها يزيد:
"جاهزة تبقي أجمل عروسة في الدنيا؟"
فترد وهي تبتسم ابتسامة أكبر من وجهها:
"من زمان."
كانت يدها ترتجف من السعادة، وجسدها كله يشع حماسًا وطمأنينة.
تشعر أن الدنيا تفتح لها ذراعيها... وأن هذا اليوم هو بداية حياة حلمت بها طويلًا.
2
---
هانيا... ليلة لا تشبه الأعراس
وفي الغرفة المجاورة... كان المشهد نقيضًا كاملًا.
جلست هانيا أمام المرآة ذاتها، لكن انعكاسها لم يكن عروسًا...
كان ظلًّا باكيًا، شاحبًا، مكسورًا.
كانت كلما وضعت خبيرة التجميل طبقة من المكياج، انهمر الدمع مُذيبًا كل شيء.
تجفف دموعها بيدها المرتجفة، ثم تعود تبكي من جديد.
عيناها متورمتان، شفتيها ترتجفان، وصدرها يعلو ويهبط كأنها تُساق إلى قدرٍ لم تختره.
لم تكن تشعر بأنها ذاهبة إلى فرحها...
بل كأنها ذاهبة إلى نهاية روحها.
كانت أمها تحاول تهدئتها:
"كفاية يا هانيا... الناس تحت مستنيين."
لكن هانيا لم تكن تسمع.
كانت غارقة في خوفها، في خسارتها، في حبٍّ دفنته رغماً عنها، وفي مستقبل لا تعرف وجهه ولا تشعر تجاهه بشيء سوى الرفض.
كانت تفكر:
"كيف سأقف بجواره وأنا لا أحبه؟
كيف أعيش حياة لم أخترها؟
كيف أبتسم اليوم وأنا قلبي كله يبكي؟"
1
كل شيء فيها كان ينكسر بصمت.
---
مشهدان... وقلوبٌ متعاكسة
في نفس الكوافير...
في نفس الساعة...
تحت نفس الأضواء...
كانت روني تزداد جمالًا لأنها سعيدة.
وكانت هانيا تزداد شحوبًا كلما زاد بكاؤها.
روني تُجهَّز لحياةٍ تنتظرها بشغف.
وهانيا تُدفع إلى حياةٍ تخشاها بكل ما تبقّى في قلبها من نبض.
وفي الخارج...
كانت السيارات تنتظر لنقل العروسين،
لكن كل واحدة منهما كانت تحمل داخلها ليلة ليست كالأخرى.
كان يزيد وجياد يقفان عند مدخل القاعة كصنمين من الأناقة، يلفّهما ضوءٌ أبيض ناعم ألقى على ملامحهما مزيدًا من الوسامة والثبات.
كانا يرتديان بدلتين فاخرتين، قصّتهما دقيقة، تنسدل بسلاسة على الكتفين وتبرز عرض الصدر وأناقة الوقفة.
يزيد اختار بدلة بلونٍ داكن يليق بحضوره الهادئ الواثق؛ ربطة عنقه كانت منسّقة بعناية، وشعره مصفف بطريقة تمنحه وقارًا ينسجم مع شخصيته الرزينة. كان يحمل باقة ورد بيضاء بين يديه، يضمّها كما لو كانت وعدًا جديدًا يبدأ الليلة. عينيه لامعتان بفرحٍ خالص لا يخفى، وابتسامته تهتز كلما تخيّل لحظة ظهور روني أمامه، وكأنه طفل ينتظر هديته الأغلى.
1
أمّا جياد، فكان يرتدي بدلة رمادية فاخرة تُبرز وسامته الحادة وملامحه الرجولية القوية. كان يضغط بخفة على باقة ورد حمراء؛ لونها كان يشتعل كقلبٍ لم يعرف الخوف يومًا. ملامحه تشعّ ثقة وفخرًا، وكأنه ينتظر لحظة تتويجه، فابتسامته العريضة لم تفارقه، وعيناه تلمعان بفرحٍ واضح، غير قادر على إخفائه.
كلاهما كان واقفًا مشدودًا، متحمسًا، تتراقص داخلهما توقعات الليلة.
وكانت كل ثانية تمرّ تُثقل الانتظار وتُشعل الحماس.
وعندما يسمعان وقع الخطوات القادمة من أعلى السلم، كان قلب كلٍّ منهما يقفز دفعة واحدة...
فها هي اللحظة التي انتظراها، اللحظة التي سيهديان فيها وردتيهما لمن ستصبح زوجتهما بعد دقائق قليلة.
*******
في الجهة الأخرى، كان المشهد مختلفًا تمامًا...
حيث جلست أسيل في الكوافير كأنها ليست من المكان ولا من اللحظة، غارقة في صمتٍ ثقيل يشبه الغرق في بئر لا قرار له. كانت تحدّق في المرآة أمامها دون أن تراها، عيناها شاردتان، كأنهما تبحثان عن إجابة في شيءٍ لا يُرى...
هل ما تفعله صواب؟ أم أنها تستسلم فقط لأن الجميع يدفعها إلى الطريق ذاته؟
يد المصفّفة تتحرك في شعرها، ترفعه، تثبّته، تزينه... لكن أسيل لا تشعر بأي شيء.
كل ما تشعر به هو الضيق في صدرها ورجفة خفيفة في أطرافها كلما تذكرت الليلة، والزواج، والاختيار الذي لم يكن اختيارًا من الأساس.
كانت أمها تجلس بجوارها، تراقبها بعينٍ قلقة، ثم تقترب كل بضع دقائق، تربّت على كتفها وتقول بصوتٍ حازم يخالطه خوف:
«شدّي نفسك يا بنتي... اجمدي، وبُكرا هتشكريني. ما تضعفيش دلوقتي.»
كلمات حليمة لها كانت كالصفعات... تُفيق جسد أسيل لكنها لا تُفيق قلبها.
كانت تخاف أن تنهار، أن تتراجع، أن تُعلن رفضًا متأخرًا... لذلك كانت أمها تعيد عليها الجملة نفسها مرارًا لتُبقيها واقفة على قدميها.
أمّا رهف، أختها، فكانت تقف بجوارها في صمتٍ ثقيل، تحمل شفقتها بين عينيها.
تنظر لأسيل وكأن قلبها ينكسر معها، تعرف جيدًا أنها لا تريد هذا الزواج، تعرف أن أختها تُدفع دفعًا، وتعرف أنها لو مدّت يدها لتمنعها، ستسقط عليها الجبال كلّها.
1
كانت رهف تقترب بين حينٍ وآخر، تلمس يد أسيل برفق، تقول لها بصوت منخفض:
«لو مش قادرة... قولي. محدش يستاهل دمعتِك.»
لكن أسيل لم تكن تبكي.
كانت فقط صامتة... ثقيلة... محاصرة.
تشعر أن اليوم ليس يومًا عاديًا... بل يومٌ تُغلق فيه أبواب كثيرة، وتُفتح أبواب أخرى لا تعرف ما ينتظرها خلفها.
كانت تتنفس ببطء، كأن الهواء نفسه يؤلمها.
وكأنها، رغم الزينة والضجيج وروائح العطور... تعيش وحدها داخل غرفة ضيّقة من الحيرة والاضطراب والخوف من غدٍ لم تختره.
كان حسّان واقفًا عند مدخل القاعة، ببدلته الأنيقة التي اختارها بعناية كطفلٍ يتحمّس لعيده الأول. كان يبدو أطول قليلًا ممّا هو عليه عادةً، ربما لأن الفرح يرفع الشخص دون أن يدري... أو لأن التوتر يشدّ كتفيه إلى الخلف في محاولة للظهور ثابتًا.
كان يُمسك بباقة ورد بسيطة لكنها مرتّبة بإخلاص، وكأنّه اختارها بيده، أو على الأقل تمنى لو فعل.
عيونه تتحرك في كل اتجاه، ثم تعود لتستقر على السلم الذي من المفترض أن تهبط منه أسيل.
كل دقيقة ينظر إلى ساعته...
كل لحظة يرفع يده ويعدّل النظّارة على أنفه رغم أنها لم تتحرك أصلًا.
كان طيبًا... على نياته... قلبه واسع لدرجة تبان في طريقة وقوفه، في ابتسامته المربكة
كان يُحارب توتره بمحاولة تثبيت ملامحه، يضع يديه خلف ظهره تارة، ثم أمامه، ثم يعقدهما، ثم يفكّهما...
يحاول يظهر رجل واثق، مستعد، سعيد...
والحقيقة أنه سعيد فعلًا.
سعيد جدًا.
يشعر أنه على وشك أن يبدأ حياة جديدة، وأن أسيل ستكون السند الذي يحلم بيه.
لم يكن يدري بقلقها... ولا بمعركتها الداخلية...
كل ما يعرفه أنها فوق، تتحضّر له كي تكون زوجته...
وهو ينتظرها بقلب طفل ونوايا رجلٍ لا يريد منها إلا الرضا، والبيت الهادي، والحياة الطيبة.
********
كانت روني أوّل من أنهت استعداداتها، وقفت أمام المرآة تتأمّل انعكاسها وقد اكتمل زينتها. كان مكياجها هادئًا مشرقًا يبرز ملامحها دون مبالغة؛ ظلالٌ لامعة خفيفة فوق جفنيها، خطّ كحلٍ دقيق يطوّق عينيها فيزيدهما اتساعًا، وشفاهٌ وردية متألّقة تُشبه ابتسامتها التي لا تُفارقها.
أما فستانها الأبيض فكان منسدِلًا بنعومة، ويأخذ طابعًا ملكيًّا بسيطًا، يجعلها تبدو كعروس واثقة، سعيدة، تمشي بخفّة كأن الأرض تُفسح لها الطريق.
في المقابل، كانت هانيا واقفة بجانبها كأنهما صورتان من عالمين مختلفين...
انتهت من مكياجها، لكن وجهها كان يحمل أثر الليلة الطويلة من البكاء؛ حاولت خبيرة التجميل أن تُخفي الاحمرار وتورّم الجفون، فوضعت مكياجًا هادئًا شديد الرقة ليخفّف آثار الحزن، إلا أنّ عيون هانيا ظلّت حزينة مهما تجمّلت.
أما فستانها فكان في غاية الجمال؛ فستان أبيض منسدل واسع الذيل، مطرّز بتطريزات رفيعة تُشبه خيوط الحرير، يحيط بكتفيها بلمسة شفّافة تزيدها رقة... لكنه بدا عليها كأنه ثقلٌ ترتديه لا زينة.
1
وقفت الأختان أمام المرآة للحظة قصيرة، إحداهما يعلوها بريق الفرح، والأخرى يغمرها ظلّ من الأسى لا يزول.
وحين نزلتا السلالم باتجاه يزيد وجياد، كانت خطوات روني خفيفة نشيطة، كأنها تهبط إلى قدرٍ تمنّته،
بينما خطوات هانيا بطيئة مترددة، كأن كل درجة تنزع من قلبها جزءًا من حلمٍ فقدته.
كانت اللحظة أشبه بانفصال الزمن عن مجراه...
ما إن ظهرت روني و هانيا أعلى السلالم حتى توقّف كل شيء، كأن القاعة حُبست في نفسٍ واحد لا يخرج.
يزيد كان أول من رفع نظره، وما إن رآها حتى اتّسعت عيناه بدهشة لم يستطع إخفاءها.
كأنّ روني أضاءت المكان بمجرد حضورها؛ شعره بالدهشة امتزج بفرح طفلٍ رأى حلمه يتحقق أمامه.
انفرجت شفتاه بابتسامة واسعة، عفوية، واندفع خطوةً للأمام دون أن يشعر، ممسكًا بالبوكيه بقوة كأنه يحتضن الفرح نفسه.
قال دون صوت، لكنها قرأته على شفتيه:
"يا الله... إزاي جميلة كده؟"
أما جياد...
فلم يكن رد فعله صاخبًا كالآخر، بل صامتًا مهيبًا.
حين ظهرت هانيا، تجمّد مكانه؛
حدّق فيها بذهولٍ طويل، كأنه يراها لأول مرة في حياته.
جمالها الهادئ، وحزنها المختبئ تحت طبقات المكياج، جعل ملامحه تلين فجأة.
قبض على بوكيه الورد بيدٍ متوترة، ابتلع ريقه، واتّسعت عيناه بنظرة امتزج فيها الإعجاب بالعطف وبشيءٍ من الغموض.
وللحظة قصيرة جدًا... بدا عليه كأنه يريد أن يقترب ليطمئنها قبل أن يهنّئها.
1
نظر إليها يزيد وقال مغازلًا:
_ مش عايز اروح الفرح عايز اخدك على البيت علطول مش قادر اتحمل كم الجمال دا بجد
بينما هي ابتسمت في خجل واتجهت نحو السيارة فاتجه خلفها وفتح لها الباب وأطلقت أمها زغرودة عالية.
بينما هانيا لم تعط لجياد فرصة في أن يغازلها أو يتحدث معها حتى فما إن نزلت حتى اتجهت نحو السيارة فحاول أن يلحق بها ليفتح لها الباب وتحدث:
_ ايه براحة شوية للدرجادي مستعجلة؟
وفتح لها الباب فدخلت وتجاهلته طوال الطريق وكلما حاول أن يتحدث معها أو يغازلها تمنعه دون حتى النظر إليه فكانت تنظر جهة النافذة هاربة بعينيها منه وكان هو في تعجب من أمرها.
********
ظهرت أسيل من باب الكوافير كأنها انبثقت من ضوءٍ خافت...
خطواتها هادئة، مترددة، لكن جمالها كان أعلى من ترددها.
الفستان الأبيض انساب على جسدها بانسيابية رقيقة، يعلو كتفيها بخامة ناعمة كأنها تُخفي فيها كل الحزن،
والطرحة المتدلية على ظهرها كانت تتحرك مع كل خطوة ببطءٍ شاعري خافت.
وجهها كان هادئًا، لكن عينيها تحملان قصة كاملة؛
كأنها تخاف أن تفرح، وتخاف ألا تفرح.
لكن اللحظة الحقيقية...
كانت حين وقعت عينا حسّان عليها.
تجمّد تمامًا.
كأنه نسي كيف يتنفس.
أمسك بالنظارة وعدّلها بسرعة - ليس لأنه محتاجها، بل فقط ليخبي ارتباكه.
عيناه اتّسعتا بدهشة صافية، ذهول طفل يرى القمر لأول مرة.
ظلّ ينظر إليها بلا رمشة، فمه انفتح قليلًا،
وقلبه - لو كان مسموعًا - لسمع الجميع خفقاته.
ولوهلة...
شعر أن الدنيا كلّها اختفت،
وأن هذه المرأة الجميلة - بكل رقتها وخوفها وضعفها -
ستكون له هو فقط.
لم يصدّق جمالها،
ولا فكرة أن القدر اختار أن يضعها في طريقه،
فابتسم تلك الابتسامة الخجولة المليئة بالامتنان،
وكأنه يقول بصمت:
"معقول الجمال دا... يبقى نصيبي؟"
1
اقترب منها واعطاها باقة الورد اخذتها منه وابتسمت ابتسامة صغيرة ثم اتجهت نحو السيارة متجاهلة إياه تسبه في سرها:
" غبي"
وعلى الجانب الآخر تقف حليمة تدعو الله ان تمر هذه الليلة على خير دون أن تخطئ ابنتها أو تفعل أي شيء يندم الجميع عليه.
********
كانت القاعة أشبه بلوحة مُذهِّلة صُمِّمت لتُعلن عن حدثٍ استثنائي لا يُشبِه سواه.
فكل ركنٍ فيها كان يشي بعظمة المناسبة، وبمكانة آل الزيني بين رجال الأعمال والنُّخَب.
الثُريّا الضخمة المتدلية من السقف، كانت كنجمةٍ بلورية تتناثر منها خطوط الضوء على الأرضية اللامعة،
تشعُّ بألوانٍ هادئة كالذهب الأبيض، فتزيد المكان مهابة ورُقياً.
امتدَّ السجاد الفاخر على طول الممرّ بلون خمري داكن،
تحفُّه أعمدة مزخرفة تتلألأ فوقها شموع كهربائية تُضفي دفئًا ملكيًّا على المشهد.
الطاولات كانت مستديرة، مزينة بمفارش حريرية بلون عاجيّ،
وفوق كل طاولة مزهرية كريستالية شاهقة تحمل باقات من الزهور البيضاء والذهب الهادئ،
كأنها غيوم صغيرة تُضيء بروائح الياسمين والفاوانيا.
1
وفي صدر القاعة، ارتفع مسرح العرائس بجدار خلفي مُغطّى بستائر مخملية داكنة،
تتخللها إنارة خفيفة تُبرز بساطة الاسم المكتوب بخط عربي راقٍ:
"آل الزيني"
كأنها علامة ملكية لا تحتاج إلى شرح.
أما المقاعد الأمامية، فكانت محجوزة لأسماء ثقيلة؛
رجال أعمال معروفين، أصحاب شركات كبرى، سياسيين، إعلاميين،
وكأن القاعة جمعت صفوة المجتمع في ليلة واحدة.
الصحافة كانت في كل زاوية:
كاميرات تتحرك، أضواء تومض،
مراسلة تهمس في الميكروفون،
ومصور يلتقط اللحظة كمن يوثّق تاريخًا جديدًا لأسرة لا تقل عن الأسَر الأرستقراطية نفوذًا وسمعة.
كانت الموسيقى الهادئة تنساب في الخلفية،
أنغام بيانو رقيقة تُضفي على الصخب هيبة،
وعلى الرفاهية لمسةً واثقة لا تُخطئها عين.
وبين هذه الفخامة كلها...
كان واضحًا أن الليلة ليست مجرد زفاف،
بل احتفال كبير يليق بآخر ثلاثة شباب من آل عبدالله الزيني،
وتأكيد جديد أن اسم هذه العائلة لا يزال يتصدر الصفوف الأولى أينما حلّ.
كان عبدالله الزيني يقف عند مدخل القاعة كما لو كان عمودًا من أعمدة المكان نفسه؛
ثابتًا، راسخًا، تُحيط به هيبة رجلٍ لم يأتِ إلى الدنيا ليملأ مكانًا... بل ليُنشئ مكانًا حوله.
كان طويل القامة، عريض المنكبين، يملك تلك الوقفة التي لا يتقنها إلا رجال الأعمال الذين اعتادوا أن تُرفع لهم القبعات احترامًا.
بدلته السوداء الراقية منسابة على جسده بثقة، وربطة عنقه الذهبية الهادئة تضيف توقيعًا أخيرًا على مظهر رجلٍ يعرف تمامًا وزنه وقيمته.
تتدلّى من وجهه ملامح جامدة صلبة،
خطوطها محفورة بتجارب وسنين من الكفاح،
لكن عينيه - السوداوين العميقتين - كانتا تتحركان بثبات محسوب،
ترصد كل الداخلين، وتزن كل ابتسامة، وتُقدّر كل يد تُصافحه.
كلما اقترب أحد كبار رجال الأعمال، ارتسمت على شفتيه ابتسامة وقورة،
ابتسامة لا تكشف أكثر مما يجب،
ولا تُخفي من الاحترام إلا ما يليق برجلٍ يقف على قمة سُلّم النفوذ.
وبجواره - على يمينه - كان يقف مجدي السَّلّاب، مساعده ومستشاره،
ووالد الفتيات.
كان مجدي متأهبًا،
عيناه تتحركان بيقظة على الضيوف، بدلته لم تقل أناقة وثقل عن بدلة الشيخ كأنه يعرف جيدًا أنه يقدم ابنتاه الليلة في صورته و هيأته.
يُرحّب، يُشير، يشرح...
ولولا حضوره الهادئ لأحسّ الناس أن مدخل القاعة ينقصه ضلعٌ أساسي.
أما على يسار عبدالله، فكان يقف ابنه فاتح الزيني،
ذراعه اليمنى وامتداد اسمه بين الشباب.
كان فاتح نسخة أصغر وأشد صلابة من أبيه؛
وقفته مشدودة، كتفاه مرفوعتان،
وعيناه تحملان ذكاء رجلٍ يعرف أن الليلة ليست احتفالاً فقط...
بل عرض قوة وسمعة وصورة للعائلة أمام المجتمع كله.
كان هو الذي أشرف على كل ترتيبات ليلة زفاف إخوته،
من أصغر التفاصيل إلى أكبر القرارات،
حتى بدا وكأنه الجنرال المسؤول عن إنجاح معركةٍ بلا خسائر.
كلما دخلت شخصية مهمة،
انحنى عبدالله الزيني قليلًا بوقار،
صافح بثبات لا يرتجف،
ومجدي السَّلّاب يقدّم الضيف بكلمات قصيرة،
وفاتح يبتسم ابتسامة رجلٍ يكمل الصورة.
كان مشهدهم الثلاثي على الباب - الأب والابن و والد الفتيات -
أقرب إلى لوحةٍ تُجسد قوة العائلة، وثقة الرجال الذين يُمسكون بخيوط كل شيء؛
ثلاثتهم واقفون كأنهم سورُ القصر الحقيقي،
يستقبلون كل ضيفٍ بثباتٍ يُشبه المهابة الملكية...
ويبثّون في القاعة كلها معنى واحدًا:
ليلة آل الزيني بدأت.
كما كان عبدالعزيز الكبير، والد أسيل وزوج أخت الشيخ عبدالله، يجلس على كرسيه المتحرّك بجانب عبدالله الزيني ورفاقه، يحيط به شعورٌ بالوقار رغم قيده الجسدي.
كانت ملامحه ما زالت تحمل ثقل السنين والخبرة؛ عيون حادة تتفحص الداخلين، وابتسامة هادئة تكاد لا تظهر إلا في لحظاتٍ نادرة، لكنها كافية لتُشعر من حوله بالاحترام.
كان يلوّح بيده أحيانًا للضيوف، يحييهم بصوت هادئ لكنه حازم، كل كلمة منه موزونة بدقة، وكأن كل حركة صغيرة على كرسيه تحمل وزن مكانته في العائلة والمجتمع.
وجوده هناك أعطى القاعة إحساسًا بالاستقرار والتوازن؛
بين عبدالله الزيني ونجله فاتح، ومجدي السَّلّاب على الجهة الأخرى، كان عبدالعزيز يجلس كصخرة ثابتة، يضيف وقارًا هادئًا ومكانة محترمة للحدث، يذكّر الجميع بأن هذه العائلة ليست مجرد ثروة أو نفوذ، بل جذور ممتدة من الحكمة والتجربة.
ومع كل ضيف يمر، كانت عيناه تراقب، صوته يحيّي، ويده تلوّح بالترحيب، بينما كرسيه المتحرك يبدو وكأنه جزء طبيعي من الهيبة التي تحيط به، لا ضعفًا يذكر، بل رمزًا لعزيمةٍ لم تنكسر رغم مرور السنوات والتجارب ورغم تعبه وارهاق جسده ألا أنه تحامل على نفسه كي يكون موجودًا في زفاف ابنته، وبجانب عبدالعزيز الكبير، كان يقف ابنه الأكبر أمجد، يكسوه شعورٌ واضح بالثقة والحرص على الظهور بأبهى صورة.
ارتدى بدلته الأنيقة بعناية بالغة، كل خط فيها متقن، وربطة عنقه مضبوطة بدقة، وكأنها توقيع على شخصيته الطموحة.
كانت عيناه تتحركان بين الداخلين والكاميرات، يراقب كل عدسة تلمحه، وكل ضوء يسلّط عليه.
لم يكن هدفه الترحيب بالضيوف فحسب، بل أن يظهر، يلمع، يخطف الأضواء، ليؤكد حضوره ومكانته أمام الجميع.
ابتسامته كانت محسوبة، رأسه مرفوعًا، ووقفته مشدودة، كأن كل حركة من حركاته مدروسة لتبدو طبيعية أمام التصوير، لكنها في الواقع تخطط لتترك انطباعًا قويًا ومؤثّرًا.
كان واضحًا أن هذا اليوم بالنسبة له ليس مجرد زفاف، بل فرصة ليتألق ويثبت نفسه في وسط رجال الأعمال والمجتمع الراقي، وأن يكون اسمه مرتبطًا بالظهور الأنيق والهيبة التي لم يتركها أحد من حوله يفلت منها، وبجانب أمجد، كان يقف باسم، يبدو في مظهره الأنيق والمرتب شخصًا كامل الحضور؛ بدلته مصممة بعناية، شعره مصفف بعناية، وابتسامته الطبيعية تكاد تظهر لو لم يكن شيءٌ ما يثقل قلبه.
1
لكن الملامح لم تخفِ شعوره الداخلي؛
كانت حواجه مشدودة، وعيناه تنطق بالقلق والهمّ،
وشفتاه شبه مضغوطتين كأنه يحمل ثقلًا داخليًا لا يراه أحد،
وعلى فمه كان تكرار النفخ كإشارة على توتره وعدم ارتياحه،
كمن يحاول تفريغ شيء ما من صدره، لكن لا يجرؤ على الكلام.
باسم كان واضحًا أنه غارق في أفكاره، متضايق ومثقل بالهموم،
وفي الوقت ذاته يحاول الظهور أمام الجميع بمظهر أنيق وهادئ،
كأن كل حركة محسوبة لإخفاء الاضطراب، لكنه لا يستطيع أن يخفّي ما في قلبه من قلق.
وكانت عبير، زوجة الشيخ عبدالله الزيني، تقف في جانب من القاعة، تفيض أناقة وجمالًا، كأن حضورها جزء من الديكور الراقي نفسه.
كان فستانها منسجماً مع المكان، بسيطًا لكن فاخرًا، خطوطه الناعمة تُبرز رشاقتها، وألوانه الهادئة تتناغم مع الذهب والفضة المنتشرة في القاعة.
شعرها مصفف بعناية، ومكياجها يبرز ملامح وجهها دون مبالغة، ليضفي عليها هالة من الثقة والجاذبية المتزنة.
4
كانت تتحرك بخفة وأناقة، ترحب بالضيوف النساء من زوجات رجال الأعمال والمشاهير، كل ابتسامة منها محسوبة، كل إيماءة دقيقة،
وكأنها تعرف تمامًا كيف تجعل كل ضيفة تشعر بالترحيب، وفي الوقت نفسه تُثبت مكانتها بين النخبة الحاضرة.
عيونها كانت تلمع بالذكاء الاجتماعي، وصوتها رقيق لكنه واثق، يلقى استحسان كل من حولها،
وكل خطوة تخطوها تجعلها رمز الأناقة والوقار النسائي في القاعة، دون أن تضطر إلى رفع صوتها أو فرض وجودها، فقط بحضورها وسحرها الطبيعي.
وكانت كاميليا، الابنة الكبرى لعبير، واقفة بجانب والدتها على اليمين، تفيض ثقة وأناقة.
فستانها البيج الفاخر كان مصمَّمًا ببساطة راقية، يلتف حول جسدها بانسيابية تبرز رشاقتها، مع لمسة تطريز ناعمة عند الصدر والخصر تزيدها فخامة دون مبالغة.
شعرها مصفف بعناية، وابتسامتها تملأ المكان إشراقًا، وكأنها تعرف تمامًا كيف تُكمل حضور والدتها في هذا المشهد الكبير.
وعلى اليسار، كانت الابنة الصغرى ماهى، والأخيرة، تقف بجانب والدتها، فستانها الشفاف قليلاً من الأسفل لكنه متقن التصميم، ينساب على قدميها بخفة،
وتسريحة شعرها ناعمة مع طلة بريئة، لكن وجهها يحمل ثقة مبكرة تتجاوز سنها الصغير، وكأنها تعلم أن كل نظرة توجه لها تُحسب، وأنها جزء من هذا المشهد المهيب.
كانت الثلاثة معًا صورة متناغمة من الثقة والجمال والأناقة، كل واحدة تكمل الأخرى،
ويمتزج حضورهن بالفساتين والابتسامات المحكمة، ليشكّلن خطًا نسائيًا متماسكًا يفيض بالأناقة والهيبة في القاعة الفخمة.
حين اقتربت لحظة دخول العرائس، ارتفعت الموسيقى تدريجيًا، تملأ القاعة أنغامًا ناعمة تحاكي نبض القلوب.
أول الداخلين كان حسان وأسيل.
وقف الحضور لحظة عند رؤيتهما، فحسان بدا واثقًا، وجهه يشع طيبة طبيعية، وابتسامته المشرقة تخفي توتره البسيط أمام هذا الجمع الكبير.
أما أسيل، فكان حضورها ملفتًا؛ خطواتها هادئة، رأسها مرفوع، عينيها تحملان وقارًا فطريًا،
كأنها تعرف قيمة اللحظة وتقدّر مكانها بجانب حسان، _ لم يكن لأجل حسان نفسه بل لأنه حسان الزيني وحسب.
وعلى الرغم من توتر قلبها الداخلي، كان مظهرها الخارجي يتحدث عن احترامها للمناسبة ورصانتها وثقتها بنفسها.
كل حركة فيها محسوبة، وكل ابتسامة خافتة كأنها تقول:
"أنا هنا، وأنا أستحق هذه اللحظة."
ثم دخل يزيد وروني، زوجان خاطفان الأنظار، ومعهما الهواء ينبض بالحماس.
روني كانت تمشي بخفة ورشاقة، فستانها الأبيض يتألق تحت الأضواء، وابتسامتها مشرقة لا تخفي فرحها.
أما يزيد، فكان يرافقها بثقة واضحة، خطواته متزنة، ويداه تمسكان باقة الورد بقوة وهدوء،
وكأنهما كائن واحد في المشهد، يجذب الأنظار كلما تقدّمَا.
كل حركة منهما تنطق بالفرح والاطمئنان، كل ابتسامة تُثبت انسجام قلبيهما، وتُشعر الحاضرين بنوع من الحماس المار.
وأخيرًا، دخل جياد وهانيا، خطواتهما مثقلة بالوقار، لكنهما ثابتان كالتماثيل الرشيقة.
جياد يمشي بثقة محسوبة، عيناه متجهتان نحو هانيا، وكأنها محور كل شيء في عالمه،
أما هانيا، رغم الحزن الطاغي الذي يختبئ خلف عينيها، فقد حملت وقارها بثبات،
وفستانها الأبيض ينساب بانسيابية، يحاكي كل خطوة، كل حركة فيها تنطق بالأناقة والرصانة.
كان دخولهما معًا لحظة استقرار وجمال، تشبه مشهدًا مرسومًا بعناية فائقة،
يحمل توقيع الثقة، الثبات، والهيبة التي تناسب مناسبة فخمة كهذه.
وبعد دخول العرائس الرئيسيات، جاء الركن النسائي الثاني في القاعة، حاملًا حضورًا متوازنًا بين الأناقة والوقار والفرحة الصافية:
كانت مايا، تمشي بخطوات هادئة، فستانها بلون كريمي دافئ مع تطريز ذهبي بسيط عند الصدر والخصر، ينساب على جسدها برشاقة. ملامحها متزنة، وعيناها تتلألأان بالفخر والسرور لأخواتها، وكل حركة منها تُظهر ثقتها بنفسها وأناقتها الطبيعية تناسب الكنة الأولى و الزوجة لابن الزيني الأكبر
وبجانبها تسير حورية في شموخ عيناها تلمع بفخر وفرحة صافية ببناتها، ووقوفها المهيب يعكس ثقتها التامة بالمكانة التي وصلت إليها العائلة.
فستانها الأخضر الزيتوني الداكن يتلألأ بخيوط متقطعة من الذهب، ينساب على جسدها بثبات ورصانة، وكأن كل تفاصيله تبرز هيبتها وذكاءها الاجتماعي.
أما حليمة، أم أسيل و أخت الشيخ عبدالله، فقد اختارت فستانًا خمريًا داكنًا، مزينًا بتطريزات دقيقة على الأكتاف والكمّين،
يحمل توازنًا بين الفخامة والرصانة. كانت تمشي بخطوات متزنة، مبتسمة، لكن وقارها العميق لا يخفى على أحد.
وأخيرًا بجانبها تسير كلًا من فاطيمة ورهف، كانتا تكملان المشهد:
فاطيمة بفستان بنفسجي فاتح، حريري ينساب على طول ساقيها، يضفي عليها نعومة وأناقة، وابتسامتها تحمل هدوءًا طبيعيًا ووقارًا واضحًا.
ورهف، بفستان أخضر داكن، شعرها مصفف بعناية، وملامحها تعكس براءة ووضوح الشخصية، لكن مع ثقة متنامية في حضورها.
معًا، شكلن خطًا متماسكًا من الأناقة والهيبة والفرحة،
كل واحدة منهن متناسقة مع الأخرى، وكل فستان يعكس شخصيتها،
مما جعل هذا الركن النسائي مصدر إشعاع وجمال في القاعة الفخمة، يوازِنه حضور الرجال المهيب في الجانب الآخر.
وعقب قليل، أتى الماذون أولًا وقبل أي شيء كي يتم الزواج.
نزلوا وجلسوا على الطاولة وكان المأذون يتحدث في المايك كي يسمعه الجميع وانتظر الموافقة من أسيل والتي ردت في نبرة صوت مسموعة إلى حد ما:
" موافقة "
وكان والدها يشعر أنها في عالم آخر ولكنه سبق وقام بتخذيرها هي وأمها أكثر من مرة.
وتم زواجهما.
وما إن أتى دور روني حتى صرخت في صوت عالي جعلت الجميع يصفق في حرارة من شدة حماسها:
" موافقة موافقة"
ثم ابتسمت ابتسامة عريضة ليزيد الذي انشرح قلبه يشعر بدقاته من فرحتها بوجوده وبكونه سيصبح زوجها وعليه قام وجذبها أمام جميع الحاضرين إلى صدره ثم حملها وطاف بها في منتصف القاعة ليخطفا الأجواء و الكاميرا ويسلط الضوء عليهما.
كانت أسيل تتجاهل ما يحدث تشعر أنها ستقوم بتحطيم الطاولة و الكراسي على رؤوس جميع الحاضرين فكانت تكبت غيظها بالضغط على يدها من آن لآخر تحت الطاولة كي لا تُلاحظ كما أنها لم تنظر إليهما مرة واحدة فكانت تتعمد في تعليق بصرها إلى زاوية أخرى غيرهما، هذان اللذان جذب الانتباه من الجميع بكل بساطة.
ما إن جاء دور هانيا حتى سكتت ولم ترد مما أخاف مجدي كثيرًا وجعله يتوتر فعاد عليها المأذون سؤاله مرة أخرى ففتحت فمها كي تتحدث ولكن سقط بصرها نحو ذلك الشخص الذي لم تتغافل عنه ابدًا، تعرفه إذا كان يسير بين ملايين، إنه حبيبها يقف ناظرًا إليها واضعًا يده في جيبه...
********
انا عمالة انزل بدري اهو عن المعاد، فمتنسوش
بس كدا متنساش تقول رأيك و توقعاتك و اتفاعل مع البارت ولقاؤنا يوم السبت
دمتم بخير