📁 آخر الروايات

رواية قصر آل الزيني الفصل السابع 7 بقلم سلمي خالد

رواية قصر آل الزيني الفصل السابع 7 بقلم سلمي خالد


دأ

الفصل السابع [ هروب الفتاة]
سلمى خالد احمد
***********
" بص انا عايزة اقولك اني... مش عارفة اجبهالك ازاي والله بس.. احنا قرينا الفاتحة غلط"

رفع حاجبيه في استغراب و رد في  تعجب:
_ مش فاهم حاجة؟ انتي عايزة تقولي ايه وضحي كلامك
_ اقصد ان اللي كان هيقرأ فاتحتي حد تاني غيرك حصل لخبطة.... بص انا كنت فكراك هو
_ والله؟ هو انتي مش عارفة شكله ولا ايه!! ولا انتي بتستهزأي بيا؟
_ خالص بس والله فعلا ماكنش المفروض يكون انت بس بقا انت فممكن انت تقول لبابا و نفسخ الخطوبة دي لانه انا قولتله وقالي لا
1

_ انتي شكلك عبيطة باين ولا ايه!!
_ صدقني دا اللي حصل و...
_ خلاص نكلم عمي في الموضوع دا نقوله بنتك عايزة تسبني علشان كانت فكراني واحد تاني وقرأت الفاتحة غلط و نشوف رأيه

_ لا لا بلاش بابا خالص بعد اذنك أصله مش هيسكت والله ولا...
_ بقولك ايه انا ورايا شغل وزي ما دخلت البيت بالمعروف هخرجه بالمعروف مع والدك اللي اداني كلمة لان اهلي وأهلك ادخله اما الهبل اللي انتي بتقوليه دا انا مش فاهم منه حاجة يلا عن اذنك ورايا شغل..

وبينما الجميع كان ينتظر ردها كانت هي شاردة تلوم نفسها لما لم تتصل به في مرة قبل ساعتها هذه وتخبره بما حدث وتخبره أن والدها اجبرها لينهي الأمر هو من جانبه ولكنها خشيت ردوده تلك التي كانت تتخيلها كلما راودتها فكرة الاتصال عليه واخباره، خافت من غضب والدها القاتم ومن عقابه الذي لن تنجو منه بسهولة لو فعلت ذلك واظهرت عنه تلك الصورة السيئة أمام الشيخ أو حتى أولاده.
كل ذلك كان يجول في خاطرها لا تسمع الاغاني المشتعلة في الارجاء و لم تلاحظ روني وفرحتها بيزيد عقب عقد القرآن كأنها في عالم آخر أو مكان آخر غير هؤلاء.
حتى عندما جاءت اللحظه الحاسمة كي توافق على الزواج سكتت إلى أن وقعت عيناها على حبيبها، تتخيل وقوفه هناك وهو يلومها على فعلتها، كيف لها أن توافق بغيره يصبح زوجها! لم يكن هناك بجسده ولكن روحه كانت تجول في المكان حولها تلومها و تذمها.
اتجهت الكاميرات نحو المكان الذي شردت به العروس فلم يكن سوى الحاضرين، وخرجت هي عن شرودها على صوت جياد وهو يهمس جانب أذنها:
" هانيا فيه إيه؟ ارجوكي الكاميرات كلها باصة علينا، ردي على المأذون سرحانة في إيه؟!"
1

التفتت إليه ثم إلى والدها فأحست برجفة يداه وجسده وتوتره الذي وصل إليها رأت الانكسار داخل عينيه وخجله من الجميع، يجلس منكس الرأس حاملًا الهم و أيقن من أنه حان الوقت لتسترد حقها منه أمام الجميع صارخة وهي تشير إليه هو ذلك الذي جبرني.
فصرخت في فرحة:
" موافقة"

لتفاجئ الجميع وتضع والدتها سريعًا يدها على قلبها تتنفس مرة أخرى بعدما توقفت أنفاسها لثواني.

ابتسم جياد ابتسامة عريضة ورجعت علامات الفرح تشكل ملامحه مرة أخرى بعدما سلبت منه تلك الفتاة روحه لوقت قدره دقائق معدودة.

ما إن صفق الجميع وبدأ المأذون يتابع بقية عمله، تلاقت عيناها الحزينة مع عيني والدها والذي شعر بالندم للحظة وأسرع يضمها إلى صدره هامسًا:
" أنا آسف "
1

فاجهشت بالبكاء بين ذراعي أخذ يربت على كتفيها واقتربت مايا منها سريعًا وأخذت تمسح لها دموعها وهي تتحدث في صوت خفيض:
" بس بس اهدي بوظتي الميك اب وبوظتي شكلك يا هانيا مش كدا"
1

اقتربت حليمة من أذن أختها الجالسة جوارها فاطيمة وهمست:
_ مالها دي؟
لترد عليها الأخرى في ابتسامة:
_ المدام الموقرة بتحب واحد  تاني غير جياد
_ وحياة ربنا؟
_ والله، تالية قالتلي كدا
_ وفين تالية اصلا أنا مشفتهاش من أول ما جينا القاعة
_ قالتلي هنزل في آخر الفرح ابارك وامشي مش ناقصة حرقة دم
_ بجد فعلا البت دي بتحب غير جياد يا فاطيمة؟
_ اه والله تالية قالت كدا وقالت كمان ان بنتك أسيل عارفة
_ أسيل مقلتليش
_ يمكن مجاش في بالها، المهم قالتلي تالية أنها بتحب واحد في التيم معاهم وهما عارفين فواضح أوي إن الدموع دي و سكوتها كان تردد وخوف لان شكلها كدا يا مجبورة يا أما زنوا على ودنها كتير فضغطوا عليها زي ما انتي ما عملتي مع بنتك أسيل
_ وطبعا مش هتتفهم كدا، هتتفهم انها كانت بتهزر مع العريس وعملت حركة سخيفة زيها كأنها هترفض وبتاع وبعدها صرخت وهي فاتحة بؤها شبرين والضحكة من هنا لهنا تقول موافقة، و الدموع بتدل على إنها بنت رقيقة بتعيط في حضن أبوها وكيوت موت علشان هتتجوز بقا و هتسيبه وكدا وخطفوا الأضواء بنات مجدي وأنا بنتي قاعدة زي خبيتها.
_ طبعا، عرفت تنقذ الموقف في آخر لحظة
_ وماله الجيات اكتر يا بنات مجدي السَّلّاب و حورية
1

أنهت كلامها بنظرة إلى حورية و مجدي لخصت كل ما تحمله تجاههما من غل وحقد وهي تراهما في غاية سعادتهما بزواج بناتهم من أولاد الشيخ عبدالله الزيني.

اتجهوا حيث الرقص [ slow ]
حين بدأت لحظة الرقص السولو، امتلأت القاعة بأنغامٍ تتناغم مع نبض القلوب، وبدأ كل ثنائي في التعبير عن مشاعره عبر الحركة والنظرات.
كان حسان ثابت الخطى، خطواته محسوبة بعناية، ويداه تمسكان بأسيل برقة واهتمام.
نظراته كانت صافية، تنطق بالحب والحنان والطيبة التي يعرفها كل من حوله،
أما أسيل، فكانت تراقصه بعينين هادئتين، تحملان وقارها الطبيعي،
لكن داخلهما كان قلبان ينبضان بحزن داخلي وقهر صامت
كأن كل حركة منهما تقول: "أنا هنا ولكني لست هنا لأجلك."
3

أما روني ويزيد فكانا ثنائيًا كامل الانسجام، حيويتهما وبهجتهما تملأ المكان.
روني تمشي برشاقة، فستانها ينساب معها بانسيابية، وابتسامتها مشرقة لا تخفي فرحتها العارمة،
أما يزيد، فخطواته متزنة وواثقة، ينظر إليها بعينين تلمعان بالفخر والحب،
ونظراتهما تتبادل إشارات سرية من فرح وحماس،
كأنهما يحكيان قصة حب صغيرها المكبر في هذا المشهد الكبير.


واخيرًا هانيا وجياد فكانا أكثر وقارًا وثباتًا، خطواتهما محسوبة، لكنها تنطق بالرصانة والجمال.
جياد يمسك هانيا برفق، عينيه مركّزة على كل حركة منها،
أما هانيا، رغم الحزن الخفي خلف عينيها، فقد حاولت أن تُظهر توازنها،
نظراتهما كانت متبادلة بعمق، صامتة لكنها مليئة بالشعور، عيناه تخبرها
"حتى وسط كل هذا الزحام والفخامة، لا أرى غيرك."
بينما عيناها تخبره بالعكس تمامًا
" وسط كل الزحام و الفخامه فأنا لا أراك لأنك لا شيء بالنسبة لي"

كانت القاعة كلها تراقب كل ثنائي، كل نظرة، كل حركة،
وكل ثنائي يعكس توازنه الخاص
لتتحول لحظة الرقص إلى لوحة حية من المشاعر، تتحدث دون كلمات، وتترك أثرها في كل الحاضرين.

تحدثت كاميليا إلى ماهي متعجبة:
_ هو أنا بس اللي حاسة ان هانيا مش مبسوطة أو فيها حاجة غلط؟
_ هي هانيا بس؟ ما أسيل زي البومة هي كمان أهي مش عارفة مالهم!
حقيقي مفيش غير روني اللي عاملة بهجة فيهم.
2

تقدم منهما أمجد وكاد أن يطلب من ماهي رقصة ولكنه لاحظ وجود كاميليا بجانبها وتذكر جيدًا ما قالته له آخر مرة، فتوقف وهو يختلس النظرات نحو ماهي والتي يود أن يسرع جهتها يحتضنها و يغازلها من شدة جمالها.
تماسك وعاد إلى نقطة الصفر مرة أخرى فقد انطفأ بعدما كان في كامل شغفه لذلك الزفاف كي يراقصها ويتأمل جمالها لمدة طويلة من الوقت.
تنهد وحاول أن يطلب تلك الرقصة من كاميليا ولكنه شعر بالقرف فهي لا تمثل له أي شيء سوى أنها ابنة خاله وحسب وعليه تراجع وانصرف.

وكان باسم جالسًا في أحد أركان القاعة، لكنه لم يكن جالسًا على راحته أبدًا.
منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها روني، شعر بأن قلبه يتقلب، وعقله مشوش.
كل ضحكة منها، كل حركة خفيفة، كل قربها من يزيد، كان يزرع في داخله شعورًا بالغيظ والاضطراب، شعور يشبه النار تكوي أعصابه.

حاول أن يضبط نفسه، أن يجلس بهدوء، لكن جسده كله كان مشدودًا، كأن كل أليافه تتوتر مع كل ابتسامة منها.
عيناه تراقبانها بلا انقطاع، رغم أنه يعرف أنه لا يحق له التدخل، ولا حتى التعبير عن ما يشعر به.
كل مرة يقترب فيها يزيد منها، كان باسم يشعر بغصة غريبة، خليط من الغيظ والغيرة والعجز، فتزداد ضربات قلبه سرعة، ويصبح كل ما يراه أشبه بلسعة كهرباء.

حاول أن يسيطر على نفسه، حتى أنه أخذ نفسًا عميقًا مرات عدة،
لكن صوته الداخلي كان يصرخ:
"كيف تسمحين لنفسكِ بالضحك معه وقربه منكِ؟"
كان هادئًا في الظاهر، لكنه في داخله سيجن من مشاعر متناقضة، من حب لم يُترجم، ومن شعور بالغيرة لا يستطيع الإفصاح عنه.
كل ثانية تمر تزيد من توتره، وتجعله يزداد صراعًا بين العقل والوجدان.
اخرج علبة السجائر الخاصة به ولكنه تذكر أن هنا غير مسموح بالتدخين فتمتم ساخرًا:
" دلوقتي تطلع لي نادية من تحت الأرض تقولي ممنوع التدخين "
1

نهض من مكانه بعدما حاول كثيرًا السيطرة على نفسه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل وعليه خرج من القاعة في سرعة قبل أن يجن جنونه.

اشتعلت الأغاني و بالأخص المهرجانات في الأرجاء، ونهضت السيدات كي يرقصن معًا والرجال أيضًا.
كانت روني تقف في منتصف دائرة مكونة من السيدات ترقص في فرحة و الضحكة لا تفارقها، تقفز في فرحة مرات متتالية وتشارك الجميع فرحتها
فحين نزلت روني إلى أرضية الرقص، كان حضورها يشع بالحياة والبهجة، وكأن كل خطوة منها تُضيف إشراقة للقاعة بأكملها.

فستانها، المصمم بلون دافئ يتماوج مع الإضاءة، انساب على حركتها بانسيابية مذهلة، يبرز رشاقتها ويعطي كل حركة انسيابًا وجاذبية.
شعرها كان يلمع تحت الأضواء، يتحرك بخفة مع كل دوران، وابتسامتها العريضة لم تفارق وجهها، تنطق بالفرح والحرية والبهجة الطاغية.
عيناها كانت تتلألأان بالحماس، تنقل مشاعرها مباشرة للحاضرين، وكأنها تقول:
"أنا هنا، أفرح، أعيش اللحظة، وأستمتع بما حولي."

كل حركة من حركات رقصها كانت متناغمة، متقنة، ومليئة بالحيوية،
أشعلت الطاقة في القاعة، وجعلت الجميع يلتفت إليها، يتابع كل خطوة، كل دوران، وكل ابتسامة.
كانت بحق النجمة المتألقة على أرضية الرقص، رمز الفرح والحرية، وجاذبية لا يمكن تجاهلها.

وما إن لاحظ يزيد أن الأجواء مسلطة على زوجته حتى تدخل وبدأ يطلب منها أن تكف عن ذلك ولكنها كانت ترقص مستمرة رغم كلامه فكان يطلب منها في هدوء مرة ومرة أخرى يأخذها من يدها ويجلسها في مكانها ولكنها كانت تصفق وترقص وهي جالسة حتى يمشي فتعود إلى الدائرة مرة أخرى

وكان هو مشغولًا بالرقص مع أصحابه و أحبابه، وبدأ شباب عائلة الزيني في الرقص معًا
فكان فاتح يمسك بيد كلًا من يزيد وحسان بينما يزيد يمسك بيد حسان وجياد وكذلك حسان يمسك بيد جياد ويزيد، يرقصون معًا في فرحة قد وصلت للجميع.

أما والدهم فكان يراهم أثناء جلوسه شامخًا في شاشات العرض فيضحك قلبه قبل شفتيه وهو يرى تلك الفرحة تشق طريق أولاده الأربعة.

وترك الجميع مسافة لفاتح الذي توسطهم هو و يزيد وأخذا يرقصان معًا رقص شبابي

فوقفت روني تطلع إليه في ابتسامة عريضة وتحدثت وهي تجذب يد أختها مايا:
_ بصي بصي يزيد وفاتح بيعقبوا واوبا بقا الوقار في ذمة الله

لتضحك مايا وترد عليها:
_ فاتح دا أصلا رقاصة.

وبعد قليل نزل جياد معهما وأخذ يرقص مثلهما، ثم تابعه أمجد ثم حسان والذي كان يبدو عليه بعض الخجل فلم يكن مثل أخواته.

أما باسم فقد كان يراقب الأجواء يمثل الضحكة و يصفق ولم يغفل عن يزيد و فرحته تلك التي كانت تصعقه في قلبه ولكنه رغم ذلك يبتسم حتى فاجأه يزيد وهو يسحبه من بين الجميع ليرقص معهم فلم يمانع وأمسك في يده يرقص معه يضحك في وجهه وداخله بركان.
1

اقتربت حليمة من أسيل وتحدثت في ضيق:
_ هتفضلي قاعدة زي البومة كدا و سايبة الحرباية دي واقفة عمالة ترقص! عايزة اي حركة بعد كدا تعمليها الكل يلاحظها ويقول ماهي كانت مبلمة طول الفرح وكأنها مخصوبة!
هتعملي زي هانيا؟ طب دي احنا هنولع الدنيا وهنقومها عليها ما هنقعدها عايزة الناس تقول ماهي كمان أسيل كانت مدايقة؟

زفرت في ضيق وردت:
_ عايزة إيه يا ماما؟ عايزاني أرقص؟
حاضر

نهضت الفتاة واسرعت نحو الدائرة الخاصة بالنساء وتصنعت الضحكات ودخلت كي ترقص فوجدت روني لازالت ترقص فقادها غرورها بأن ترقص أمامها فهي ماهرة في الرقص وبتلك الطريقة تكيدها وتخطف منها الأنظار.
وبدأت أسيل في الرقص بحركات جميلة متناسقة جعلت الناس تلتفت لها بينما روني ادهشتها عندما كانت ترقص هي الأخرى في ثقة وبشكل رائع وكانت المنافسة شديدة للغاية والسيدات يشاهدن.

أمالت عبير برأسها في تلك الأثناء نحو زوجها الشيخ عبدالله وتحدثت:
_ هي اللي اسمها هانيا دي مالها؟ قاعدة مبوزة ليه وكل اللي يجي يشدها تقوم ترقص ترفض بقرف وشايلة الحزن!
هي مش شايفة روني و أسيل عاملين ايه؟

تنهد ورد:
_ ماهو الفرحة مش بالرقص يا عبير جايز هي بتتكسف او مش بتعرف ترقص فمش عايزة تقوم وتكسف نفسها قصاد البنات!
_ وشها مبلم والله طاقة مقرفة جيالي منها

انتبه إلى ضيفه الذي أتى يبارك له منشغلًا عنها، بينما هي كانت ولا تزال معلقة بصرها على هانيا.

وكانت هانيا تجلس وعيناها معلقة على الشباب وهم يرقصون، وابتسمت فجأة ما إن تخيلت أن حبيبها وهو الذي يرقص بينهم بدلًا من جياد تتخيل أن ذلك رفافهما، زفاف[ شهاب و هانيا] لا [ جياد و هانيا]  ولكن سرعان ما تفيق على الواقع.... إنه جياد لا شهاب، فتختفي البسمة.

" الف مبروك وربنا يتمم على خير "

التفتت إلى ذلك الصوت في سرعة لتجد تالية تقف أمامها وهي تمد لها يدها تنتظر مصافحتها.
واختارت تالية فستانًا متقنًا التصميم، ينساب بانسيابية على جسدها، لون غني يبرز جمالها دون مبالغة، مع لمسات دقيقة من التطريز أو اللمعان الخفيف عند الصدر والخصر، ليكمل شكلها المثالي.
شعرها مصفف بعناية، مكياجها متقن، يبرز ملامح وجهها ويعكس جاذبية طبيعية متوازنة، كأن كل تفاصيلها مصممة لتظهر في أفضل صورة أمام الجميع.
مع كل خطوة تخطوها، كان حضورها يملأ المكان بهدوء، يلفت الأنظار دون صخب، ويُبرز أنها مهيأة، مرتبة، ومستعدة لتكون جزءًا من الحدث الكبير.
كانت حقًا رمزًا للأناقة والرقي في هذا الزفاف، بجانب كل العائلات والحضور الفخم.

ابتسمت هانيا ابتسامة صغيرة ومدت يدها لها وردت:
_ شكرا

ابتسمت لها تالية ثم ولت لها ظهرها وسرعان ما اختفت الابتسامة ليظهر وجهها الحقيقي الغاضب الساخط.
واتجهت نحو السيدات اللاتي يرقصن فوجدت من بينهن كاميليا وماهي و روني ومايا و أسيل ورهف.
أغتلست بعض النظرات من جياد وهي تنظر إليه في حسرة وتمتمت:
" ازاي قدرت تفرط فيا! وفرحان وانت متجوز غيري وقاعد بترقص كمان؟!"

ولكن ما إن رأت الكاميرا و الأضواء مسلطة جهتها حتى تصنعت سريعًا البسمة وانضمت إلى الفتيات تشاركن الرقص. 
                         ********
" علشان خاطري كل لقمة، هيغمى عليك من قلة الأكل بقالك يومين مش بتاكل من ساعة ما عرفت إن المحروقة دي هتتجوز جياد... انساها يا ابني وارحم نفسك هو أيه اللي قطعها مقطعش غيرها؟"

كانت والدته تتحدث وهي تحمل الطعام ناظرة إليه وهو ملقي على السرير شاردًا في نقطة واحدة لا يرد ولا يحرك ساكنًا.
ومن ثم أخذت تبكي على تلك الحالة التي وصل لها ابنها واتجهت نحو الخروج وهي تنادي :
" يا وعد يا شاهندا انتوا فين "

كان شهاب مرميًا على سريره، جسده كأنه لم يعد ملكًا له، وقد فقد الرغبة في كل شيء، منذ يومين لم يلمس الطعام، ولم يهتم لأي شيء حوله.
أما اليوم، فكان الألم يشتد في قلبه، كأنه جمر يحرق صدره، فاليوم هو يوم زفاف هانيا و جياد، اليوم ستزف حبيبته و قطعة من قبله لغيره، اليوم استسلمت هانيا و باعته وباعت قلبه بثمن بخس جنيهات معدودة يملكها جياد استطاع بهم أن ينسيها أياه، المال قد أنساها أحلامهما وآمالهما التي تبخرت في لحظة بسببها.
عيناه كانت غارقة في فراغ الغرفة، لا ترى شيئًا، والدموع تتجمع على أطرافها، لكنه لا يستطيع أن يبكي كما يريد، فقد كان جرحه أكبر من أن يسمح للدموع بالخروج.
يده تتشابك مع الغطاء بعنف، يحاول أن يجد شيئًا يمسك به، شيئًا يعيد له شعور السيطرة، لكنه لا يجد سوى فراغ يزيد من وجعه وحنينه.
قلبه كان ينبض ببطء وثقل، كل خفقة مليئة بالأسى والحسرة، كأن الزمن قد توقف عند لحظة خسارته لحنانها،وفمه مشدود، لا كلمات تخرج، إلا صدى الألم الذي يملأ صمت الغرفة.
كل شيء حوله أصبح رمادًا، حتى الهواء الذي يتنفسه يبدو مشبعًا باللوعة، وكل شيء يذكره بأنها ليست له بعد الآن.
كان وحيدًا في صمته، يحدق في السقف بلا معنى، وكل نبضة قلب تتساقط مع الألم، تقطع روحه كما لو أن جزءًا منه مات مع فرحتها مع  غيره.
دخلت أمه ومعها أختاه، اقتربت منه وعد في سرعة وتحدثت وهي تضع يدها على نبضه:
_ ماما، شهاب ضغطه واطي
_ ما لازم مش بياكل خالص، اعمل إيه بس ياربي اعمل إيه في المصيبة دي أنا دلوقتي
2

فردت الأخرى:
_ هروح انادي على دكتور أشرف جارنا يقيس له الضغط و يطمنا عليه أو حتى يقولنا نعمل معاه إيه

هزت لها رأسها بالقبول في سرعة وردت:
_ جري يا شاهندا متتأخريش

ركضت الفتاة بينما أمه واخته الأخرى وعد ظلتا بجانبه.
                      ********
انهى الحفل وبدأ الجميع يباركون ثم ينصرفون.
وكانت السيارات الثلاثة التي بداخلهم العرائس تسير في الصفوف المتوسطة بينما تسبقهم سيارات و تسير خلفهم سيارات أخرى تحمل العائلة و الأصحاب و يسيرون في ضجة لزفاف سيكتب عنه العالم.

وبعد قليل وصلت السيارات القصر وخرج كل عريس قبل عروسته يفتح لها الباب و يساعدها في النزول.
وأصوات الزغاريد تملأ الأجواء، دخلوا بهو القصر وطلبت حليمة من الخادمات أن يطلقن زغاريد كثيرة متتالية حتى تدخل ابنتها غرفتها، ثم أخذت تجول في المكان ترى أي غرف لهاتين الفتاتين.

دخلت أسيل الغرفة وتبعها حسان والذي قام بإغلاق الباب في ابتسامة ثم أخذ يعدل نظارته.
وتحدث في ابتسامة عريضة:
_ ن...نورتي بيتك يا عروسة

لم تلتفت له بل ظلت كما هي تعطي له ظهرها.
اقترب منها في هدوء ثم وضع يده على أحد كتفيها وتابع:
_ أنا... أنا فرحان أوي يا أسيل مش قادر اتخيل إننا خلاص بقينا لوحدنا في اوضة واحدة... وانتي كمان صح؟

ابتلعت تلك الحقيقة مرة المذاق وهي تغمض عيناها تؤكد لنفسها أن هذا هو زوجها وهذا هو وضعها فلا مفر.
والتفتت إليه في ابتسامة جاهدت في أن تتصنعها وردت:
_ اليوم كان طويل اوي وكان ضغط علينا دا غير إن كمان بقالنا أسبوع مش بنام علشان بنجهز لليوم دا... فأنا حقيقي مجهدة يا حسان ومحتاجة أنام.

ولم تنتظر رده حتى فانهت كلامها معه بتلك الطريقة ثم اتجهت نحو المرآة، ونزعت تلك الطرحة البيضاء الشفافة ثم اتجهت نحو دولابها أخرجت منامة تشبه المنامات التي كانت ترتديها في منزل والدها
وما إن رأته متضايق ينظر إلى ما تفعله حتى ابتسمت ابتسامة باطنها السخرية و ظاهرها ابتسامة عادية بالنسبة لشخص طيب القلب مثله،ودخلت الخلاء وغلقت الباب
كان يقف لا يعرف ماذا عليه أن يفعل الآن ولكنه تمتم:
" ماشي... كان يوم طويل فعلا، وكانت أيام ورى بعض مرهقة، احنا فعلا محتاجين ننام هي معاها حق"

وفتح يزيد باب غرفته وأشار بيده لروني كي تدخل وهو يقول:
_ اتفضلي يا ملكة ادخلي مملكتك

ابتسمت واماءت له برأسها وهي تدخل وردت:
_ امرك جلالة الملك
1

وما إن دخلت حتى غلق الباب وأسرع جهتها دفعها بيده لتسقط على السرير واعتلاها بجسده، نظرت إليه في توتر وردت:
_ انت مستعجل ليه؟ طب اغير الفستان حتى؟

تحدث وهو يتمعن النظر إليها وإلى ملامحها وبالاخص عيناها:
_ بقالي سنة ونص نفسي اطولك بس كبريائي كان منعني... أنا صبرت كتير وجيت على نفسي، كنت صابر متحمل غباوتك و استفزازك ليا وطريقتك اللي كانت بتولع في قلبي حب و اشتياق، و دلوقتي قوليلي وانتي بين ايديا كدا لسه عندك طاقة تانية تشاغبي فيا و تستفزيني؟ خلاص الموضوع انتهى وبقيتي مراتي، فاهمة يعني ايه مراتي!

رفعت أحد حاجبيها وردت عليه:
_ أنا ملفتش انتباهي غير كلمة واحدة وهي وانت بتقولي فضلت مستحمل غباوتي! غباوتي! انا غبية يا يزيد؟

هز رأسه مؤكدًا و اضاف:
_ و مستفزة
_ والله؟ على أساس انت بقا كنت إيه؟ لو انت كنت مستحمل غباوتي وجاي على نفسك أوي كدا فأنا كمان كنت مستحملة رخامتك و رزالتك وتقلك اللي كان اوفر اوي بجد و مصطنع كدا، تحسه تقل منافقين بوشين، أما انت بتحب مش بتقول ليه؟ راجل غتت صح!
2

_ كل دا يا عيني كنتي مستحملاه وساكتة؟
_ أيوا زي ما طول عمري بستحمل وزي ما مستحملة تقلك دا كله عليا دلوقتي وأنا مش قادرة اخد نفسي، قوم كدا
1

تزامن مع نطقها تلك الجملة دفعه بعيدًا عنها، فابتعد وهو يبتسم وقال:
_ على فكرة مش زقتك دي اللي قومتني، أنا قمت بمزاجي
_ أقعد لنا في حتة بقا
_ كدا يعني!

هزت رأسها مؤكدة، ثم اتجهت نحو المرآة تفك تسريحة شعرها، فاقترب منها محتضًا إياها من ظهرها وتحدث وهو ينظر إليها في المرآة:
_ ودليل على إنك مستفزة اوي بقا النهاردة، عمال أقعد فيكي و ارميكي على الكوشة ويدوب أروح أرقص الاقيكي قمتي تاني، كان المفروض اعمل إيه بقا اربطك في الكرسي؟

رفعت كتفيها في لا مبالاة وردت:
_ طب ما أنا كمان عايزة أرقص اشمعنى أنت يعني؟ وبعدين دا فرحي لو ماكنتش هرقص وافرح في فرحي هعمل كدا امتى؟

ابتعد عنها ورد وهو يقترب نحو الخزانة:
_ جبت وجع الدماغ لحد عندي في الاوضة بجد مش عارف إيه الغباء دا! اهو كنت مستحمل الاستفزاز دا مرة ولا مرتين كل كام يوم في الشركة وقضيت!

التفتت إليه وردت:
_ لو ماكنتش بتحبني ماكنتش حفيت عليا يا حبيبي

رد ساخرًا:
_ حفيت إيه؟ دا هي وجبة غدا خلصت الموضوع، لسه بقولك إيه رأيك الفرح يكون يوم الجم، مكلمتهاش حتى لقيتك بتقولي والله فكرة حلوة أنا موافقة

ضحكت وردت:
_ قولت اريحك من الحرب النفسية الباردة اللي كنت داخلها طالما استسلمت ورفعت الراية البيضا وقولتلي بحبك و استنيت قبول مني إذا كنت هوافق تكون زوج ليا ولا لا، ولا نسيت؟

_ افتكرت اليوم دا... مش دا اليوم اللي وقعتي فيه من طولك علشان قولتلك بحبك؟

_ ماشي يا يزيد بكرة نشوف مين هيقع من طوله علشان التاني

اطرق برهة ثم رد:
_ لا توقعي من طولك ولا أقع من طولي كفاية بقا، انتي خلاص بقيتي في مملكتي، و استفزازك دا هيلاقيله آخر
_ في اليوم الآخر يا حبيبي ان شاء الله
_ مستفزة يا مستفزة

اتجهت نحوه ثم طبعت قبلة صغيرة على خده الأيمن وردت في ابتسامة:
_ روق

ابتسم واتجه نحو المرآة ينظر إلى مكان القُبلة على خده في فرحة ورد:
_ تصدقي الجواز دا حلو اوي، كانت فين البوسة دي من زمان! بوسة زي دي كانت ممكن تخليني استحمل ضغط يومين شغل متواصلين من غير صياح
_ كل دا وتقولي إن أنا اللي واقعة! دا انت ميت، انت مجتش يا حبيبي

استدار لها ورد:
_ طب تعالي اوريكي الميت دا اللي مجاش هيعمل فيكي إيه

ما إن قالها حتى ركض خلفها، كانت تضحك وهي تجري منه تلاعبه.
                        ********
قبل دخول الطبيب إليه، كان نائمًا مثلما هو شاردًا وتذكر:

قبل يومين في شركة الزيني
دخل شهاب إلى مجدي وتحدث:
_ اسف إني جتلك من غير معاد، بس اللي أنا عايز اتكلم فيه مهم وحاولت كتير اجيلك علشان نتكلم بس للأسف دايما ماكنتش بلاقيك

_ انت بقا شهاب مظهر؟

هز رأسه مؤكدًا ثم جلس وتحدث:
_ ممكن افهم حضرتك رفضت تجوني هانيا ليه؟ أنا هجيب كل اللي تحتاجوه والله انت بس اؤمر وانا هنفذ و....

قاطعه قائلًا في تأكيد:
_ هانيا فرحها يوم الجمعة الجاية، يعني كلها يومين

ذُهل عقل الشاب لا يصدق ما يقوله ذلك الرجل، فهو يكذب عليه ورد:
_ مستحيل
_ لا مش مستحيل ولا حاجة، بنتي هانيا فعلا فرحها كمان يومين على جياد الزيني

كادت الصدمة أن تقتله من هولها وصاح في ضجر:
_ مستحيل انتوا أكيد غصبتوها على الجواز دا

ضرب السلاب بيده على الطاولة ونهض صارخًا:
_ صوتك ميعلاش في مكتبي انت سامع؟ والا هطردك برا.... جياد أتقدم لهانيا وهانيا وافقت بيه لأنها شافته أفضل منك ومعاه فلوس عنك و هيعيشها ملكة في قصره مع أخواتها مايا و روني وحسمت أمرها واختارت لنفسها زوج أفضل ودا من حقها ومش عايزة ترد عليك ولا تكلمك علشان نفسيتك ولأن معندهاش حاجة تقولهالك فلو سمحت بقا احفظ الباقي من كرامتك وابعد عن بنتي تماما وعن أي حاجة تخصها.
1

كان ينظر إليه بعينين أسرت دموعه بداخلهما، جسده يرتجف و قدماه لا تحمله من هول الصدمات المتتالية فوق رأسه ولكن رغم ذلك هز رأسه رافضًا وهو يتمتم:
" مستحيل.... مستحيل هانيا مستحيل..... مستحيل تعمل فيا كدا مستحيل"

وخرج عن شروده على صوت الطبيب وهو يقول:
_ انت معايا ولا فين؟
لازم تاكل يا شهاب ضغطك واطي جدا

فردت والدته:
_ مش راضي يا دكتور بقالنا يومين بنتحايل عليه كان الأول بياكل بسيط بس النهاردة اتمنّع خالص زي ما انت شايف وبقا هزيل ومرمي على السرير
_ كدا هضطر اعلق له محاليل
_ أي حاجة يا دكتور المهم يبقى كويس
                      ********
كان يقف لا يعرف من أين يبدأ وكيف، فقط ينظر إليها وهي تنظر إلى نفسها في المرآة تحاول أن تصدق أن ذلك أصبح زوجها.
ابتسم قاطعًا ذلك الصمت وهو يقول:
_ أنا بقول تغيري الفستان ونتعشا مع بعض، اليوم كان طويل و مرهق

التفتت إليه واقتربت نحو السرير وردت:
_ أنا هنام تعبانة و نعسانة واديك قلت اليوم كان طويل و مرهق

رد في عدم تصديق:
_ هتنامي؟
_ آه
_ آه؟
_ ايوا مالك في إيه؟
_ مالي فيه إيه؟
_ مالك قلبت بغبغان كدا ليه؟
_ يعني مستغرب ازاي هتنامي يعني؟ النهاردة إيه؟
_ النهاردة الجمعة...إيه اجازة من النوم ولا إيه؟
_ مش قصدي النهاردة يوم إيه، اقصد النهاردة مناسبة إيه؟ النهاردة كان فرحنا ودي أول ليلة لينا وانتي بتقوليلي هنام؟
_ اه يا جياد هنام علشان تعبانة عندك مانع؟

كانت تلك آخر جملة نطقت بها قبل أن تلقي بنفسها فوق السرير تدعي أنها نامت، أخذ زفيرًا طويلًا ورد:
_ طب غيري الفستان الأول مش معقولة هتنامي بيه كمان يعني!
_ لا عاجبني وهنام بيه

ينظر إليها في غيظ مكتوم وضيق عارم وتمتم:
" نامي بيه يكش تفطسي وانتي نايمة "
1

أخذ يسير في أرجاء الغرفة لا يستطيع النوم واليوم هو أول يوم له مع حبيبته تلك التي نامت غير آبهة لأي شيء، كان من بين الحين و الآخر يفرك جانب ذقته تارة وتارة أخرى يفرك جبينه.
وعقب مرور وقت بدل ثيابه بمنامة وجلس على السرير ينظر إلى ملامح وجهها متبسمًا وفي هدوء مرر أنامله على خدها الأيمن فقد كانت نائمة على الجانب الأيسر لذا لم يكن أمامه سوى ذلك الخد.
أحست به لذا أبعدت يده عنها وذلك عندما ابتعدت قليلًا بوجهها ثم وضعت الوسادة عليه، مما ضايقه أكثر فأكثر ونهض في غضب مبتعدًا عنها.
ودقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فأبعدت هانيا الوسادة من على وجهها وأخذت تنظر بعينيها في أركان الغرفة فوجدته نائمًا جوارها وعليه ابتسمت  ونهضت وأخذت تسير في هدوء على أطراف أناملها ثم فتحت باب الغرفة في هدوء أيضًا ونزلت السلم في سرعة حذرة وهي ترفع طرفي فستانها كي لا تقع.
وما إن نزلت حتى أخذت تنظر يمينًا و يسارًا تتأكد إذا أحد منهم يراها، ولما تأكدت أن الأمور جيدة، اتجهت نحو الخروج فسألها الحارس:
_ رايحة فين يا هانم؟ الساعة متأخرة جدا دلوقتي!
_ رايحة... رايحة لماما، ماما تعبت شوية
_ طب نوصلك؟
_ لا شكرا، معايا عربيتي
1

أنهت كلامها وخرجت ولكن الحارس لم يكن مطمئن لفعلها وعليه حسم أمره يجب أن يخبر زوجها.

ركبت سيارة الأجرة خائفة ولكن وجود جياد بجانبها كان يخوفها أكثر فهي لن تقبل آخر يلمسها.
ارتفعت أطراف الفستان حولها كغيمة ممزقة، والطرحة ملتوية على كتفها، كأنها شهدت معركتها الأخيرة قبل الهروب. كانت أنفاسها متلاحقة؛ يداها ترتجفان، ودموعٌ ساخنة تنزل بلا صوت على وجنتيها المصبوغتين ببقايا مكياج تلاشى تحت الضغط.
4

السائق كان يُلقي نظرات متقطعة في المرآة، بين صدمة وفضول، لكنه لم يجرؤ على سؤالها. هي ذاتها لم تكن قادرة على الكلام؛ كل ما استطاعت فعله هو أن تضغط على هاتفها، تبحث عن عنوان شهاب وكأن الأرقام نفسها تطمئنها بأنها تتجه نحو الشيء الوحيد الذي بقي مألوفًا في حياتها.

كان قلبها يخبط داخل صدرها كطائر محبوس.
هربت.
تركت كل شيء خلفها.
فستان زفافها يلتصق بجسدها كذكرى يجب أن تُنسى سريعًا.

المدينة حولها تبدو كأنها تراقبها بصمت…
أضواء الشوارع تمرّ على وجهها كشرائط ضوء تكشف ارتجافها مرة، وثباتها مرة أخرى.

وهي تمسح دموعها بطرف الطرحة، لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها عند باب شهاب، ولم تكن متأكدة إن كان سيستقبلها بصدْرٍ مفتوح… أم دهشة قاتلة.
لكن الشيء الوحيد الذي كانت تُقسم عليه في تلك اللحظة أنها لن تعود.
لن تُسلّم نفسها لقدرٍ لم تختره.
وأنها—مهما كلّف الأمر—ستذهب إليه… إلى شهاب،
الوحيد الذي شعرت معه أن قلبها لا يحتاج أن يختبئ.

كان غارقًا في نومه أثر التعب و الإرهاق وقلة الطعام، واستيقظ حينما رأى أقبح كابوس يمكن أن يراه في حياته، رجل آخر يقترب من حبيبته، رجل آخر سرق أحلامه، رجل آخر سيعيش أحلامه، رجل آخر سلب منه حياته، وعليه استيقظ صارخًا، فنهضت أمه في رعب قائلة:
" إيه بتصوت ليه اسم الله عليك "

أبعد عن يده ذلك المحلول وهو يصيح:
_ هانيا مفيش حد هيلمس هانيا غيري، مفيش حد يحق له يقرب من هانيا غيري، مش لازم ابقى نايم كدا لازم اعمل حاجة لازم

نهض وكاد أن يسقط مرة أخرى محله ولكن والدته كانت تسنده وهي تصرخ باسم اخواته.

دفعت للرجل ثم غلقت باب السيارة ورفعت طرفي فستانها وأخذت تجري ...تجري متحررة ..تجرى هاربة.. تجري تاركة كل شيء خلفها تجري بلا خوف بلا قيود وبلا مسؤولية أيضًا.
تجري بفستانها الأبيض وقد تقصدت ألا تبدله كي يراها حبيبها به لتقول له ها أنا بفستاني الابيض بليلتي لك أنت وحسب.
وعندما لامست قدماها أوّل البلاط البارد في ذلك الشارع الطويل، شعرت كأن العالم اتسع فجأة ليتحمّل ركضها. الهواء كان يصفع وجهها، لكن الصفعة جاءت حيّة… أعادت لها تنفّسها، كأنها أول شهيق حقيقي تأخذه منذ شهور.
كانت تركض والفستان يتطاير خلفها مثل جناحين انفكّا للتوّ من سجن.
طرحتها تضرب كتفها مع كل خطوة، وصوت حذائها الخفيف فوق الأرض يرنّ كنبض مسموع.
الشارع ضيّق، هادئ، مظلم في معظم أجزائه…
لكنها كانت ترى النهاية واضحة.
هناك في آخره… بيته.
ركضت وهي لا تلتفت.
لم تنظر خلفها ولو لحظة.
كانت تشعر أن كل مخاوفها تسقط من جسدها واحدًا تلو الآخر، كخطايا تُغسَل مع كل خطوة.
كأنها تفرّ من نسخة قديمة منها إلى نسخة أخرى لم تولد بعد.
نسائم الليل تُبرد عرقها، ودموعها تجف قبل أن تسقط،
والفستان—رغم ثقله—صار خفيفًا…
خفيفًا كأنها لم تعد ترتديه، بل ترتدي حريتها.
كلما اقتربت من آخر الشارع، تسارعت خطوتها أكثر.
قلبها يدقّ ليس خوفًا هذه المرة، بل توقًا…
توقًا للوصول، للنجاة، للفهم، لشيء يشبه الحياة.
الشارع بدا كأنه يفتح ذراعيه لها،
كأنه يقول لها: اركضي… بقي قليل. بقي خطوة. بقي باب واحد.
وهي تركض وكأنها ستصل إليه أخيرًا،
إليه…
إلى شهاب.
2

وقفت تلتقط أنفاسها أمام منزله ورفعت يدها كي تطرق بابه

وعلى الجانب الآخر قد وقفت سيارة جياد في منتصف الشارع نظرًا إلى ضيقه فلم يستطع أن يكمل بالسيارة أكثر، غلق الباب وركض سريعًا وداخل عيناه الغضب القاتم لو رآها لقتلها...
                     ********



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات