رواية تمرد اسيرة القصر الفصل السادس 6 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل السادس:
_ أيوة إسمها غزل .
إنتفض قلب فارس و إتسعت عينيه و قال بلهفة :
_ إيه ده .... هى غزل رجعت من السفر .
أجابه رامى و هو متعجبا من ردة فعله مؤكدا :
_ آه رجعت .... و عايشة مع ستى رأفة .
تنهد فارس مطولا براحة ... فها قد عادت صغيرته إليه مجددا .... إبتسم بشوق و هو يرجو الساعة أن تتحرك مسرعة ليراها ..... إنتبهت زينب لحالته فقالت مازحة :
_ أخيرا هتشوفها برة حلمك .
إتسعت إبتسامته و تحولت لضحكة مشرقة و قال مؤكدا :
_ فعلا أخيرا هشوفها ..... بس يا ترى هتفتكرنى .
وقفت غزل أمام خزانتها تبحث و سط فساتينها عن شيئا يلائم ليال حتى وقعت عينيها على فستان رمادى مطرز باللون الوردى .... رغم بساطته و لكنه أنيق ... فحملته و توجهت لغرفة ليال ...
التى إنبهرت به .... فقالت لها بجدية :
_ عوزاكى تلبسى الفستان ده يا لولو .... بسرعة يالا .
تطلعت ليال للفستان بفرحة و لامسته بأناملها قائلة :
_ أنا .... هلبس ده ... ده حلو جدا .
أجابتها غزل بضيق :
_ يالا بسرعة مش وقته زمانهم جايين ..... لسه هعملك ميك أب .
إرتدت ليال الفستان وحجابه بفرحة ... فلم يسبق لها أن إرتدت فستانا مماثلا .... و وقفت تتطلع لنفسها بإعجاب .... فقد لائمها جدا و ناسب خمرية بشرتها ... رغم إختلاف المقاس بينها وبين غزل صاحبة المنحنيات القاتلة .... إلا أنها كانت رائعة ... و مع القليل من مستحضرات التجميل باتت جاهزة .....
إنتبهوا على طرقات بباب الشقة ... فدفعتها غزل قائلة بحماس :
_ إفتحى بسرعة وأنا هلبس و أجيلك .
وقفت ليال أمام الباب تستجمع قواها و تنفست مطولا و فتحت الباب ... دلف صبرى أولا و قال بإبتسامة هادئة :
_ السلام عليكم .
أجابته ليال بخجل :
_ وعليكم السلام يا عمى إتفضل .
دلف للداخل و ورائه فارس بجواره مهاب و خلفهم .... رامى ..... الذى حدجها بإعجاب و دهشة ... من زيادة معدل جمالها بشكل أصبح يصيبه بالجنون أكثر ... و أكثر .... فطأطأت رأسها بخجل هربا من عينيه و التى أصبحتا جريئتان و تلتهمها بشوق ... وزع فارس نظراته بينهما و قال بضيق :
_ هنفضل واقفين على الباب يا ليال .
أجابته مسرعة بخجل و هى تتنفس بتوتر :
_ لأ طبعا .... إتفضلوا فى الصالون .... ثوانى و تيتة هاتيجى .
جلسوا بغرفة الضيوف فى إنتظار الجدة التى أتت ترتكز على عكازها .... و قالت بترحاب :
_ يا أهلا و سهلا ... البيت نور .
وقف الجميع و صافحوها ... ثم جلست متثاقلة ... و قالت بإبتسامة مرحبة :
_ أخبارك إيه يا حاج صبرى ... وأخبار الحاجة زينب إيه .
أجابها صبرى بود :
_ كلنا بخير .... و زينب بتسلم عليكى و هتبقى تجيلك هى لواحدها .
فقالت مسرعة :
_ تنورنى طبعا ..... إزيك يا مهاب يا حبيبى .
أجابها مهاب بإبتسامة طفولية و هو يؤرجح ساقيه :
_ أنا كويس يا تيتة .
دلفت ليال و قدمت إليهم الضيافة و جلست فإقترب منها مهاب و قال :
_ وحشتينى يا لولو .
قبلته ليال بوجنته و قالت بمداعبة :
_ إنتى وحشتنى أكتر يا عمرى .
تطلع مهاب بطرف عينيه ناحية رامى لإغاظته .... فجذبه رامى من سترته بغضب و قال بإبتسامة باهتة هامسا :
_ إقعد يا إبن العوو أحسنلك .
ثم رفع عينيه ناحية رأفة و قال :
_ و إنتى أخبارك إيه يا ستى .
زمت رأفة شفتيها و قالت ساخرة :
_ كويسة ... ما تسيب الواد يا رامى و لا ده كمان عاملك أزمة .
إعتدل رامى بجلسته و قال مسرعا :
_ لأ ده أنا بهزر و الله .
ثم دفع مهاب بحنق و قال من بين أسنانه :
_ روح لليال يا مهاب .
ضحك مهاب عاليا لقدرته على إغضاب ذلك الكائن الضخم .... و سأل ليال بتلقائية :
_ هى المزة بنت خالتك فين .
إجتذبه فارس من سترته وقال بغضب :
_ ياض إتعدل فى كلامك .... إنت دايما فاضحنى كده .
زفر مهاب بضيق و عدل من سترته و قال بعصبية :
_ يوووه ... لو التى شيرت مضايقكم كده هقلعه و الله ... كل شوية تشدونى منه .
ضحكت ليال و قالت له بمزاح :
_ سيبك منهم يا هوبا و تعالى جنبى .
سار نحوها فسد رامى الطريق أمامه بساقه متصنعا البلاهه ... فتطلع إليه مهاب بضيق و قال :
_ وسع يا رامى بلاش حركاتك دى فاقسك .
إبتسم إليه رامى بسخرية و أشار على عنقه بعلامة الذبح و قال :
_ ههههه .... عدى يا حبيبى ما أخدتش بالى .... عدى .
دلفت غزل عليهم قائلة بتحفظ :
_ السلام عليكم .
أجابها الجميع :
_ و عليكم السلام .
لحظة .... هل هذا الصوت الذى وصل لأذنيه مخترقا طبلته و دفه و مزماره و كل الأدوات الموسيقية حقيقيا .... هذه المغرورة هنا ... مجددا .... وقف فارس ببطء مصدوما و هو يراها أمامه ... لقد صدق حدسه و لكن هذه المرة لن يتركها قبل أن تعترف له هل تراقبه حقا ..... قطبت غزل جبينها بضيق ... مفتعل و قالت ببرود :
_ إنت !
رفع سبابته ناحيتها و قال بغلظة :
_ إنتى. !!!!
سألهم صبرى متعجبا و هو يطالع تلك السيوف المنبعثة من عيناهما و تتبارز بقوة :
_ مالكم يا ولاد إنتوا تعرفوا بعض .
فقالت رأفة و هى تستند على عكازها مسرعة :
_ تعالى يا غزل إدخلى .
رفع فارس طرف شفته وقال بتذمر :
_ نعم !!! دى بقا غزل ..... مش معقول .
زمت غزل شفتيها وقالت ساخرة بسخط:
_ ليه مش مالية عينك .... إنت بتطلعلى منين .
وقف رامى بينهما متعجبا و قال مهدئا :
_ صلوا على النبى .... إنتوا تعرفوا بعض و لا إيه ؟!!
أجابته غزل و هى تجلس بين جدتها وصبرى بثقة :
_ أيوة قابلته مرتين قبل كده .
قطع مهاب تلك الحالة و هو يتجه ناحية غزل مسلوبا الإرادة مسحورا بجمالها ... قائلا بهيام :
_ إزيك يا غزل .
إبتسمت إليه برقة و أجابته :
_ كويسة يا حبيبى ... تعالى إقعد جنبى .
جلس بجوارها و رأسه مرتفعة يطالعها بوله ...فقال له رامى مازحا :
_ أيوة ركز مع غزل بقا .
إلتف صبرى بجسده قبالة غزل و قال لها بحنو :
_ منورة مصر يا بنتى .
تطلعت ناحيته بود و قالت :
_ منورة بحضرتك يا Uncle .
قطب صبرى حاجبيه بعدم فهم ... فأوضح له رامى ما قالته مسرعا :
_ بتقولك منورة بيك يا عمى .
إرتاحت ملامح صبرى و قال و هو يطالعها بقوة مشتاقا لملامحها الفاتنة :
_ دى ستك كانت هتتجنن عليكى .... هتقعدى بقا فى مصر و لا هترجعى تانى بلاد بره .
أجابته و هى تداعب مهاب بطفولة :
_ لأ هستقر فى مصر إن شاء الله .
تطلع صبرى ناحية فارس و الجالس يطالعها بتحفز ثم عاد بعينيه لغزل و قال متعجبا :
_ معقولة ما إفتكرتيش فارس يا غزل .
أجابته بتعجب :
_ فارس مين ؟!
أجابها و هو يشير بذراعه ناحية فارس مفسرا :
_ ده .... ده فارس إبنى .... إزاى نسياه صحيح كنتى صغيرة بس أكيد فاكرة اللى حصل ليلة سفرك .
تطلعت غزل بتعجب ناحية رأفة ... ثم قطبت حاجبيها و قالت ببلاهه :
_ مش عارفة الصراحة حضرتك بتتكلم عن إيه ؟!
قطع فارس هذا الحوار بضيق و هو عابسا بقوة قائلا بجدية :
_ حاج .... إحنا هنا علشان رامى و ليال و يا ريت نقفل الموضوع ده بقا .
أومأ صبرى برأسه و وجه حديثه لرأفة قائلا بقوة :
_ إيه رأيك يا حاجة ... الواد إستوى على الآخر و الله ... و يا ريت نحدد ميعاد لكتب كتابهم و بعد كده الفرح إن شاء الله .
تطلعت رأفة بليال و التى تتواصل مع رامى بعينيها ... فرأفت بحالهم و قالت بحسم :
_ إنت تؤمرنى يا حاج صبرى ... هى بنتك و هو إبنك تقدر تحدد ميعاد لكتب كتابهم و الفرح فى الوقت اللى يريحك .
تنفس رامى الصعداء ووقف و إنحنى ناحية رأفة و قبل كفها وقال بفرحة :
_ ربنا يخليكى لينا يا ستى و ما يحرمنا منك .
ربتت رأفة على كتفه و قالت بحنو :
_ ألف مبروك يا حبيبى .... ربنا يسعد أيامكم .
إستند صبرى على عكازه بقوة و قال بعملية :
_ على خيرة الله .... يبقى كتب الكتاب الجمعة الجاية ... و بعدها بإسبوعين هعملهم فرحين الكل يتكلم عنهم فرح فى أكبر قاعة و فرح هنا فى الحارة وسط أهلهم و ناسهم .
كل هذا و تلك السيوف ما زالت تتبارز بقوة ... هو يلومها على ذاكرتها الواهية و كيف لم تتذكره ... و هى تحاول كبح زمام تلك القطعة الصغيرة و التى ترقص فرحا لرؤيته .... حتى قالت رأفة بهدوء :
_ يبقى على خيرة الله ... مبروك يا ولاد .
إبتسم صبرى و قال بفرحة ... و تلقائية لم يدرى عواقبها :
_ إنتى عارفة يا حاجة جناح رامى فى القصر جاهز ... و طلبات العروسة كلها فى رقبتى و أنا المتكفل بكل مصاريفها .
أجابته غزل بحزم قاطع :
_ شكرا يا حاج بس ليال مسئولة منى دلوقتى ....و أنا اللى هجيبلها كل طلباتها .
زم صبرى شفتيه و قال ببديهية :
_ عادى يا بنتى ... أنا مسئول عن ليال و ميناس من سنين و هما زى بناتى .
رفعت غزل حاجبها بغضب مخفى و قالت بقنوط :
_ كتر خيرك لحد كده ... إحنا دلوقتى نقدر نجيب لها كل اللى هى عاوزاه ... و مش محتاجين مساعدة من حد .
إشتعلت عينى فارس بغضب وقال بتذمر :
_ قالك إنهم بناته ... و هو اللى مسئول عنهم ... يبقى كلمة أبويا اللى تمشى ... و لسه ما إتخلقش اللى ينزلها .
إعتدلت فى جلستها و قالت و هى تحدجه بتحدى :
_ و أنا قلت اللى عندى ... وإحنا مش محتاجين مساعدة من حد .
صك أسنانه بغضب و سلط أنظاره القوية عليها و هو لا يجد تفسيرا لعندها و تزمتها فقال ساخرا :
_ إنتى ليه شيفاها مساعدة ... أخداها يعنى على كرامتك .
منحته ردا سريعا و قوى و هى تقول :
_علشان مش هسمح إنكم تكسروا عينها بفلوسكم و تبقى جارية عنده .... زى ميناس .
علت الدهشة الوجوه من حولها ... فقبضت رأفة على ذراعها و قالت بإبتسامة مصطنعة مانعة إياها من التفوه بالمزيد :
_ سامحها يا حاج ما تعرفش عوايدنا .
أجابتها غزل بصوت محتد منفعل :
_ لأ أنا قاصدة كل حرف قولته ... و من حقى أخاف على ليال .
وقف فارس و قال بغضب من غرورها و تكبرها :
_ هو إنتى محدش مالى عينك و لا إيه .
أشاحت بعينيها عنه و قالت بهدوء :
_ أن قولت اللى عندى ... و باعدين أنا بتكلم مع الحاج ... و المفروض لما الكبير يتكلم إنت ما تتدخلش .
أشعلت كلماتها غضبه أكثر فتطلع الجميع ناحيته و قد إصطبغت عينيه بلون أحمر قانى نتيجة وصوله لقمة غضبه ... فهمست لها رأفة برجاء :
_ بس بقا يا غزل كفاية .
إستدار صبرى بجسده مجددا ناحيتها و قال بعقلانية قبل أن ينفجر إبنه و يلقنها درسا لن تنساه :
_ خلاص يا بنتى اللى إنتى عيزاه إعمليه .... و أنا تحت أمرك فى أى وقت تحتاجينى .
إبتلعت ريقها بتوتر و هى تشعر بالخجل من ردة فعله المفاجأة و الحنونة أيضا ... فإرتدت قناع القوة مجددا و قالت و هى تحدج فارس بسخرية :
_ شكر يا عمى .... وإن شاء الله مش هخليها محتاجة حاجة .
كور فارس قبضته بقوة قبل أن تنالها و تلكمها لكمة ستعيدها بطن أمها من جديد .... بينما ربت صبرى على كفها و قال بنظرة إمتنان من شئ لا تعرفه :
_ لو حد غيرك يا بنتى كنت إتصرفت معاه بطريقة تانية .... بس إنتى بالذات اللى ليها حق عندى يخلينى أوافقك فى كل حاجة .
زمت شفتيها و قالت بتعجب و فضول يقتلها :
_ مش فاهمة حاجة .... و ليه أنا بالذات يعنى .
هز فارس رأسه بضيق .... فذاكرة الإنسان غريبة حين يحاول إستعراض حوادث الطفولة ... و لكن حادثهم من المؤكد أنه ترك آثرا عليها كفيلا بأن يذكرها به كل يوم .... و لكنها تخبره بعينيها ببساطة أنها قد محته و كأنه لم يكن بينهما عهد ..... عهد الطفولة ....
إقترب منها بحدة و سحب مهاب من يده و قال بإنفعال :
_ بما إنكم إتفقتم على كل حاجة أنا هاخد مهاب أفسحه شوية .... بعد إذنكم .
و خرج مسرعا قبل أن يدمر المنزل على رأسها المتصلب و لكن قبلها سينتزع شعرات حاجبها و الذى ترفعه بحدة كلما تحدثت معه ... كل هذا و مهاب يركض ورائه من سرعة خطواته .... نهرتها رأفة قائلة :
_ كده يا غزل ضايقتى فارس .
أجابتها ببرود :
_ هو متضايق لوحده .
إبتسم صبرى بخفوت و وقف مستندا على عكازه و قال بحزم :
_ ربنا يهنيكم يا ولاد ... أتكل أنا على الله .
وقف الجميع لوداعه ... فإقترب من غزل و قال بحنان لم يره أحدا منه بذلك القدر من قبل :
_ مصر نورت يا ست البنات ... و لازم تعرفى إنك إنتى بالذات لو طلبتى روحى مش هتأخر عنك ... يالا السلام عليكم .
شعرت غزل براحة غريبة و هى تطالع إنصرافه و إستسلمت لصدق كلماته .... و أوصلته لباب الشقة قائلة بإبتسامة صافية :
_ مع السلامة يا عمى .
ربت على وجنتها بحنو وتركها و إبتعد .
لو كان للغضب تمثالا ... لجسده هو بكل تفاصيله و حاز أيضا على المركز الأول ... فإحمرار عينيه و التى صارتا مرعبتين .... و ملامحه الحادة و الجامدة و التى زادت صلابة .... و إنقباض كفيه على مقود السيارة و أنفاسه القوية و التى يزفرها بشدة نافثا معها نيران صدره المشتعلة ....
و كل هذا كافى لجعل ذلك الصغير الجالس بجواره ينكمش فى نفسه برعب من هيأة والده الغاضبة ... و الذى كلما تذكر نظرات التحدى و العند و التكبر فى عينيها و التى بات يعشقها أكثر من السابق ... تزداد نيرانه إشتعالا و يضرب مقود السيارة نافثا تلك النيران قبل أن تلتهمه بداخلها ....
إبتلع مهاب ريقه بخوف وقال بنبرة تكاد تكون مسموعة :
_ بابا ...... إحنا ... إحنا هنروح فين ؟!
خرج من حالته المشتعلة تلك قاذفا نفسه بدلو ماء بارد ... و إرتاحت ملامحه قليلا .... و علا ثغره إبتسامة باهتة رسمها بصعوبة و قال بعملية :
_ عاوز تروح فين يا أستاذ مهاب .
إعتدل مهاب فى جلسته و تصنع التفكير ... ثم قال بمداعبة :
_ نروح أى حتة فيها مزز طبعا .
تعالت ضحكات فارس العالية على كلماته التلقائية و قال مازحا :
_ مزز إيه بس ..... أعمل فيك إيه .
إلتفت مهاب بجسده ناحيته و قال بإبتسامة هى أكثر ما يسعد فارس و ينسيه همومه :
_ أيوة إضحك كده يا عوو ... و ودينى مكان ألعب فيه ... يالا .
أدى فارس التحية العسكرية بجدية و قال بمرح :
_ تمام يا فندم .... إنت تؤمر بس و أنا أنفذ .
أجابه بفرحة قائلا :
_ yes ... شغلنا بقا أغنية كده نرقص عليها و نروق المود .
صفع فارس كفيه ببعضهما و قال مستفهما بسخرية :
_ طلع بطاقتك ياض .... مستحيل يكون عندك خمس سنين .
غمز له مهاب بعينيه و قال بثقة :
_ هو أنا عيل كاويرك .... ده أنا إبن فارس العوو .
بعثر له فارس شعراته بمداعبة و هو يطالع الطريق و قال بجدية :
_ أيوة كده خليك راجل .... حبيبى يا صاحبى و أحلى مهرجان شعبى ليك يا مريسة .
أدار إليه فارس أغنية صاخبة ... و بدأ الصغير فى تقليد حركات رامى و حمزة بإتقان .... إبتسم فارس بشجن و هو يتذكر يوم الحادثة و منظر الدماء المنسابة من السيارة ورؤيته لحمزة و تكاد ركبتيه تقابل وجهه من ضغط السيارة المنقلبة عليه و رؤيته لزوجته غارقة فى دمائها و ما جمده يومها و جمد دمائه بعروقه هو رؤية صغيره و الذى إنتظره شهورا طويلة حتى حمله بين ذراعيه ... و تكحلت عيناه برؤيته .... غارقا بالدماء ... و لكن صرخته الصغيرة من داخل السيارة المقلوبة رأسا على عقب ... أعادته للحياة مجددا ..... فدس جسده بالسيارة و حمله ..... و إطمأن أنه بخير و أن الدماء التى أغرقته هى دماء والدته و أنه لولا ضمتها إليه لكان .........
عند هذه النقطة عاد لواقعه الجميل و أنه مازال معه و ينعم بصحة جيدة ..... أوقات يشتاق لوالدته و التى لم يرها و لكنه يحتفظ بصورتها دائما و يطالعها بنظرات يُتم تقطع فى أحشاء فارس و لا يستطيع فعل شيئا له ..... إلا تعويضه بحنانه قدر إستطاعته .....
تطلعت رأفة ناحية غزل بضيق ... فرفعت غزل عيناها بملل ثم سألتها ببساطة :
_ أنا مش عارفة إنتى زعلانة منى ليه ؟!
أشاحت رأفة بعينيها عنها و قالت بضجر :
_ تنزلى فارس زعلان من عندى ... دى عمرها ما حصلت ... لأ يا غزل يا بنتى إنتى زودتيها قوى .
أجابتها بنبرة تحفزية غاضبة :
_ و هو يتدخل فى الكلام ليه .. ما رامى كان قاعد ما إتكلمش ليه .
إعتدل رامى فى جلسته و قال بنبرة قاطعة و حازمة لا تقبل النقاش :
_ لأنه ما ينفعش أتكلم و عمى و فارس قاعدين طبعا .
إنحنى قليلا و إستند بمرفقيه على ركبتيه و هو يطالعها بإهتمام و قال موضحا :
_ شوفى يا غزل بما إنك هتعيشى فى الحارة دى فلازم تعرفى قوانينها ... الحارة هنا ليها كبير و هو عمى صبرى و من وراه العوو ... إحنا هنا بنسوى أمورنا بينا و بين بعضنا .. يعنى لو فى مشكلة بين شخصين إحنا بنحلها و بنجيب للمظلوم حقه و الظالم حكم عمى بيمشى عليه و لا حكم المحكمة .
نظرت بثبات فى عينيه و قالت بجدية :
_ ليه ما فيش بوليس فى البلد .
إبتسم بخفوت و قال بهدوء قاسى :
_يبقى إنتى ما فهمتيش قصدى إيه ..... البوليس ده آخر مرحلة بنوصل لها و أمورنا و مشاكلنا بنحلها بالجلسات العرفية .... و عمرنا ما جينا على حق حد .
شعرت رأفة بثقل فى جسدها من جلستها الطويلة و إرتكنت على عكازها و قالت بصوت مرهق :
_ إيدك يا غزل يا بنتى دخلينى أوضتى ..... البيت بيتك يا رامى إتفق مع ليال على كل حاجة و غزل هتبقى جنبكم لو إحتاجت حاجة .
وقف رامى مسرعاو ساعدها حتى وقفت على قدميها قائلا :
_ تسلميلى يا ستى .
إستندت على غزل وخرجا من الغرفة .... فجلس بجوار ليال التى إبتعدت عنه قليلا ... فإقترب منها مجددا .... فإبتعدت عنه بخجل ... فإقترب منها قائلا بمزاح :
_ هتروحى فين تانى خلاص
إلتفتت إليه و قالت بصوت حازم و هى تفرك أناملها من الخجل :
_ طب إبعد شوية لو سمحت .
مال عليها بجسده قليلا و قال بصوت خافت يحمل كل الشوق :
_ لأ مش هبعد ده أنا ما صدقت ... أخيرا يا ليال كلها إسبوع و تبقى ملكى و ليا لواحدى .
أشاحت بعينيها عنه و هى تتنفس بصعوبة من هذا التقارب الجسدى بينهما .... و تلك الحرارة المنبعثة منه و التى زادت من حرارة الجو المحيط بهما ... لامس ذقنها بخفة و أدار وجهها ناحيتة برقة و تطلع داخل عيونها عشقه الأبدى و قال هامسا :
_ نفسى تعرفى أنا واصل معاكى لمرحلة إيه .... أكيد اللى أنا حاسه ده حاجة تانية غير الحب اللى بيحكوا عنه و اللى الناس عرفاه .
تنهدت بخجل و تمنت أن يعلم هو ما وصلت إليه حالتها الآن و يبتعد و يقلل من همسه المثير ... حتى باغتها قائلا بنعومة :
_ مشتاق و يحرقنى الشوق لهمس شفتيك و دفء أنفاسك .... لشهد عينيكى فإنظرى إلى و إحتضنينى بأهدابك .... لتمادى أعصابى من الذوبان أمام نعومة لمساتك ... لنسائم الربيع المثيرة أثناء تمشيط شعراتك .... لأن أخطفك على حصانى الأبيض لأتشارك معك هدوء حياتك .
كانت تتلقف كلماته بعينيها من فوق شفتيه ... و عمق نظراته العاشقة نحوها و هى هائمة و طائرة على غيمة بيضاء و النجوم تحيطهما من كل جانب ... لو يعلم الجميع ذلك الجانب الرومانسى و الهادئ بشخصيته القوية و الذى لا يطفو على السطح سوى معها هى ... و فقط ....
قطعت غزل حالتهم الملتاعة تلك و هى تمرر أنظارها بينهما ملتقطة تلك الموجات المتنقلة بينهم ثم قالت و هى تكتم ضحكتها بصوت عالى لإفزاعهم :
_ تشرب إيه يا رامى .
أطبق عينيه بقوة و هو يسبها بداخله بأفظع الألفاظ ... ثم فتحهما و تطلع إليها بحنق قائلا :
_حاجة ساقعة ...... قوى .
ضحكت ضحكة ساخرة و سألت ليال بمشاغبة :
_ و إنتى يا لولو تشربى إيه .
وقفت ليال مسرعة و قالت بخجل عارم :
_ أنا .... أنا ثوانى و هرجع .
و تركت الغرفة بسرعة و عينى رامى تتابعها بضيق ... ثم إلتفت ناحية غزل و قال بصرامة :
_ أعمل فيكى إيه دلوقتى .
تعالت ضحكات غزل التى بقيت على حالتها لدقيقة ربما حتى هدأت و قد دمعت عيناها و قالت محذرة :
_ ما بلاش .... لهقعد معاكم و الله .
رفع كفيه بالهواء و قال مستسلما :
_ لأ و على إيه .... بس لو سمحتى ... سقعى الحاجة الساقعة ... قوى .
هزت رأسها و أجابته بمزاح :
_ ماشى يا عريس .
عادت ليال مجددا و جلست مكانها .. فهز رامى رأسه لغزل بأن تنصرف ... فكتمت ضحكاتها مجددا و خرجت و تركتهم ... فسبها رامى قائلا بغيظ :
_ أعوذ بالله ده إنتى ******* .
إتسعت عينى ليال و وضعت كفها على فمه لمنعه من التفوه بالمزيد من السباب و هى تتطلع خلفها خشية ان تكون غزل قد سمعت ... فقالت بقلق :
_ وطى صوتك لتسمعك .
إنتبهت على قبلته الرقيقة لباطن كفها الوقح و المكبل لشفتيه .. فعادت بعينيها نحوه و سحبت كفها بخجل ... فقال بصوته الرجولى و هو يحدجها مستخفا بكلامها :
_ ما تسمع .... هى مين غزل دى يعنى علشان أعملها حساب .
أطلت غزل برأسها و قالت بمداعبة :
_ سامعة إسمى .... خير إن شاء الله .
أجابها رامى راسما إبتسامة لزجة على شفتيه :
_ كل خير طبعا .... ده إنتى بَركتنا .
بادلته إبتسامته الساخرة و خرجت .... قبض كفه فى محاولة منه للسيطرة على غضبه ... فقالت ليال مسرعة لتدارك الموقف :
_ رامى .
فعلت ذبذبات صوتها الأعاجيب فإرتخت ملامحه و تنهد بهيام و تطلع إليها بوله و أجابها قائلا بهمس :
_ عيون رامى .
إبتسمت بخجل و عدلت من وضع حجابها بتوتر ... و إستجمعت قواها و قالت بتوجس :
_ أنا هضطر أخرج اليومين اللى جايين كتير علشان أجيب الحاجات اللى نقصانى و كده .... تمام .
رجع بظهره للخلف و إستند على ظهر الأريكة و هو يحك ذقنه يفكر بما قالته حتى أجابها قائلا بهدوء :
_ تمام .... بس أنا اللى هوصلك فى كل مكان هتروحيه .... و رجلى على رجلك .
زمت شفتيها بضيق و قالت بعفوية :
_ يا رب بقا غزل توافق على الكلام ده .
ضرب ساقه بكفه متذمرا و قال بغضب :
_ تانى غزل .... هتخلينى أقوم أتهور عليها دلوقتى .... بصى هو ده اللى عندى و إلا هتجوزك باللى عليكى ده .
قفز قلبها خوفا من نبرته العالية فعادت و وضعت كفها على فمه قائلة بهمس قلق :
_ هشششش .... وطى صوتك .
إستغل الفرصة مجددا و قبل باطن كفها التى سحبته مسرعة و هى تطالعه بلوم ... فقال لها غامزا بعينه بمشاغبة :
_ ده أنا هفضل أغلط فيها كده علشان أبوس إيدك كل شوية .
فركت أناملها مجددا من خجلها و تماديه معها ... و قبل أن يتزايد تماديه ذلك وقف مسرعا و قال مجابها قلبه المشتاق :
_ همشى انا بقى ... خلى بالك من نفسك و هبقى أكلمك أطمن عليكى .
وقفت أمامه تتطلع إليه بإبتسامة لا تدرك عواقبها و التى سيدفعها ثمنها غاليا بعد ان تصبح له و ملك يديه ... أومأت برأسها و قالت بهدوء :
_ حاضر .
غمز لها قائلا :
_ سلام يا عسلية .
و تركها و إنصرف متجاهلا جلوس غزل أمامه ... أغلقت ليال ورائه الباب و إستندت عليه بظهرها و هى تلامس قلبها فى محاولة لتهدئة نبضاته المنفعلة و على ثغرها إبتسامة مشرقة .... وضعت غزل طبق الفاكهة من يدها على الطاولة و قالت بتقزز ساخر :
_ نفسى هتغم عليا .... ده إيه الحب الملزق ده .
لم تعرها ليال إهتمام و سارت نحو غرفتها محتفظة بإبتسامتها و شرودها حتى دلفت غرفتها و اغلقتها عليها .... هزت غزل رأسها بيأس و حملت طبقها من جديد و رفعت ساقيها على الطاولة و عادت بعينيها للتلفاز و مع جملة :
_ انا شامم فى الموضوع ده ريحة ناظلة يا كريمة .
إنفجرت ضاحكة و هى تتخيل أن رامى يراها الآن كحماة له .. بل و يشم رائحتها فى حديث ليال أيضا ... حملت حبة كرز و إلتهمتها و هى تتابع التلفاز بهدوء .
مر يومان و غزل مازالت تبحث عن عمل ... تخرج يوميا من الصباح حتى الظهيرة و تعود إلى منزلها تجر أذيال الصبر ... و قد تزايد ضيقها ... صعدت الدرج و شياطين عينيها تسبقها ... أخرجت مفتاحها من حقيبتها لفتح باب الشقة فإستوقفتها مهجة قائلة بتهكم و هى منحنية على الدرج و تستند عليه بذراعيها :
_ إزيك يا سحلية .
رفعت غزل عينيها نحوها بإرهاق ... فقالت لها مهجة بإستهجان :
_ أموت و أعرف بتروحى فين كل يوم .
زفرت غزل بغضب و أجابتها بعبوس خفيف :
_ يبقى موتى أحسن لأنى مش هقولك يا اااا ..... ياااااا ... إسمك تقريبا نعجة ... لأ إفتكرت بؤجة صح .
خرجت ليال من شقتهم على صوت غزل و لاحظت نظراتهم المتحفزة فسألتهم بقلق :
_ فى إيه مالكم تانى ؟!
تجمدت نظرات غزل على مهجة و قالت موضحة بهدوء :
_ الأخت بهجة باين و لا نعجة ... يوووه مش بفتكر إسمها خالص حطانى فى دماغها ... لأ و إختارت الوقت الغلط علشان تلعب معايا فيه ....بتنشن .
ضحكت مهجة ضحكة عالية رقيعة و قالت بصوت هازئ :
_ خفت يا إدلعدى و هكش دلوقتى .
" ملحوظة كلمة يا إدلعدى ... أصلها ... يا ألد أعدائى و ليست سبا "
زفر غزل بجمود و قالت و هى تشمر عن ساعديها متذكرة كلمات فارس أثناء عراكه مع مسعد :
_ قالك إيه بقا ... الكلبة عضت رجلها فهى اللى جابته لنفسها .
و إنقضت على مهجة و جذبتها من عبائتها و مددتها على الدرج و جلست فوقها و هى تكيل إليها اللكمات و الصفعات حتى أدمت وجهها .... لم تستطع مهجة صد هجماتها فبدات بالصراخ ليخلصها أحد ...
فى هذا التوقيت عاد كلا من فارس و رامى من الوكالة لمنزلهم لتناول وجبة الغداء فإنتبها على صراخ يأتى من منزل رأفة فتطلعا لبعضهما بقلق و هبطا الدرج مسرعين لمعرفة السبب وراء هذا الصراخ .....
إنخفضت طاقة غزل قليلا فبدات مهجة بصد هجماتها فتدخلت ليال و كبلت ذراعى مهجة و قالت بغل و حقد :
_ إديها يا غزل دى ياما علمت عليا .
رفعت غزل نظراتها ناحية ليال و سألتها بإهتياج :
_ هى مدت إيدها عليكى قبل كده .
أومأت ليال برأسها بالإيجاب و هى تضرب مهجة بهيستيرية ... فقالت غزل بصوت متصلب :
_ So you deservit .
أجابتها ليال مؤكدة :
_ أيوة تستاهل يا غزل إديها معايا .
أشعلت كلمات ليال غضب غزل أكثر فزادت من ضرباتها لمهجة التى زاد صراخها المستنجد ....
صعد رامى و فارس الدرج مسرعين و وقفا مصدومين مما رأوا .... تحرك رامى مسرعا و جذب ليال من ذراعها رغم رفضها الإبتعاد عنها .... أما فارس فحاول نزع غزل من فوق مهجة و لكن دون جدوى ... فإضطر لتكبيل خصرها بذراعيه و رفعها بالقوة و لكنها تشبست بها أكثر ... فرفعها أكثر و إبتعد بها قليلا و ساقيها تضربان مهجة بلا تراجع ... و صرخت به قائلة :
_ سيبنى أربيها ال vulgar دى ..... سيبنى بقا بقولك .
حاول جذبها مجددا قائلا بتعجب :
_ بس بقا .... خلاص البت هتموت فى إيدك .
ركلتها بساقها فتأوهت مهجة بشدة ...لم يحتمل أكثر فأنزلها على قدميها و لف ذراعه حول خصرها و إنحنى قليلا و دس ذراعه خلف ركبتيها و حملها بين ذراعيه و دلف بها داخل شقة جدتها تحت أنظار ليال و رامى المصدومين ....
لم تفسر إبتسامة عينيه الغريبة و هو يطالعها عن قرب ... قائلا بمزاح :
_ إيه القوة دى يا بنتى إتهدى بقا شوية .
حاولت أن تبدو جادة و هى تتطلع داخل عينيه الدافئة و التى ملأتها بشعور باتت تكرهه ... مجرد نظرة منه أشعلت فتيل قلبها فإنفجر و قد تزايدت قوة نبضاته و التى شعر بها تضرب صدره القوى لقربها منه .... فتمالكت مجددا و عبست بشدة و قالت له بضيق :
_ إنت شايلنى كده ليه نزلنى .
قطة برية ... فصغيرته البريئة الناعمة تحولت لقطة برية و مخالبها متحفزة دائما للهجوم ... قد تخدعك بجمالها و لون عيناها الساحر و لكنها فجأة تنقض عليك كوحش كاسر ... لم ينكر أنه رغم غضبه منها ... إلا أنه مستمتع بتمردها و قوة شخصيتها ... و هيأتها المسلية و هى تطالعه بضيق فقال لها راسما الحدة على وجهه :
_ يعنى مش هترجعيلها تانى .
أجابته بجمود بعدما قست عيناها و إشتد بأسها و قالت و هى تطالعه بنظرة قوية إعتادت أن توقف بها المتطفلين أمثاله عند حدودهم :
_ و إنت مالك أصلا ... نزلنى بقا .
أنزلها برفق على قدميها .. فإعتدلت و عدلت من هندامها و سارت للخارج .. فقبض على معصمها و قد قرر بل أقسم بداخله أن يقلم لها أظافرها و التى ربما تطاله هو ... جذبها ناحيته و قل لها محذرا :
_ لمى لسانك ده ... أنا لحد دلوقتى صابر عليكى و إنما للصبر حدود .
أشاحت بيدها بوجهه بإستخفاف من كلماته و قالت بتحدى :
_ على فكرة بقا الست قالت برضه وصفولى الصبر لقيته خيال ... يعنى خلى صبرك لنفسك .. و سيب إيدى .
تطلعا رامى و ليال ببعضهما بتعجب و إلتفتوا على توجه غزل للخارج مجددا يتبعها فارس بيأس ... وقفت أمام مهجة و إنحنت نحوها و قالت بنبرة محذرة :
_ هسيبك المرة دى ياااا ... يووه نسيت إسمك تانى .. لهجة باين و لا إيه .. ما علينا إبعدى عنى و عن ليال ... مفهوم .
إنتبهت مهجة لوقفة فارس فقالت بدموعها لجذب إستعطافه و هى تتطلع إليه بهيام :
_ شوفت يا ريس عوو عملت فيا إيه البت دى .
رق قلب فارس على حالتها و ملابسها الممزقة و الدماء بوجهها ... فمال عليها و مد يده نحوها قائلا بشفقة :
_ هاتى إيدك يا آنسة مهجة .... معلش .
تمسكت بكفه و وقفت بتثاقل .. كففت دموعها و تطلعت داخل عينيه و إقتربت منه قائلة :
_ أبقى فى حمايتك يا سى فارس و البت دى تضربنى يرضيك .
أجابها بعقلانية :
_ لو ليكى حق ... هيرجعلك .
و ربت على كفها كى تهدأ ... و كان هذا كفيلا لوصولها لأقصى مراحل غضبها فإنتشلت يده بعيدا عن تلك الحمقاء و قالت بغضب :
_ ما تلم نفسك .
تطلع ناحية غزل بغضب و قال متعجبا :
_ ألم نفسى ..... ما تسيطرى على لسانك لصوتك يوحشك .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بسخرية :
_ over جدا يا معلم .
و عادت بعينيها مجددا لمهجة و رفعت سبابتها بوجهها و قالت بقوة :
_ لو فكرتى بس تقربى منى أو من ليال هفعصك تحت جزمتى ياااا ... يااا يادى النيلة ... يا لهجة باين و لا بهجة و لا ... و لا نعجة أظن ... لأ لأ إفتكرت .. بؤجة .
حاول فارس كتم ضحكاته بالقوة ... فإندفع رامى ناحية مهجة و وقف أمامها بصورته المنفعلة المخيفة و سألها بحدة :
_ بت إنتى ... إنتى إتعرضتى لليال تانى .
هزت رأسها بالنفى و قالت مسرعة :
_ لا و الله يا سر رامى و إسألها .. ده هى اللى ضربتنى .
مسد فارس أعلى أنفه بيأس و صاح قائلا بهدوء :
_ يا ليال ... تعالى لو سمحتى .
خرجت ليال و وقفت أمامه و قالت و هى تطالع مهجة بغضب :
_ أيوة .
فسألها و هو يتعمق فى ملامحها لرؤية صدقها :
_ مين اللى غلطان فى الإتنين دول ؟!
رفعت ليال سبابتها و أشات على مهجة و قالت بصوت محتد :
_ مهجة هى اللى إستفزت غزل و كل شوية تقعد ترخم عليها و تقولها يا سحلية ... و بتستناها على السلم كل يوم ... بس غزل ما إستحملتش المرة دى و خدت حقها .
حول فارس مقلتيه ناحية مهجة بغضب و قال بصوته الأجش :
_ صحيح الكلام ده .
إبتلعت مهجة ريقها بتوتر و أجابته بخوف :
_ مش بالظبط .... أنا ... أنا بهزر معاها .. بس هى ما إستحملتش هزارى .
إقترب منها خطوتين و حدجها بقوة قائلا بصرامة :
_ إطلعى على شقتك و لو فكرتى تهزرى معاهم تانى ...... شيلى منى بقا .
إتسعت عيناها برعب و هرولت لشقتها مسرعة ... حدجته غزل بغرور و تكبر و أشاحت بوجهها عنها و دلفت لشقتها ... ربت رامى على كف ليال بحنو و قال لها بهدوء :
_ إدخلى إنتى كمان و خلى بالك من نفسك ... و لو حد بصلك بس كلمينى و أنا همسحه من على وش الأرض .
أومات له برأسها و منحته إبتسامة ألجمته و عادت لشقتها ... إنتبه فارس على وقفته الجامدة فسحبه من ذراعه قائلا بضيق :
_ يالا يا عم إنت كمان ده وقت تناحتك .
و ترجلا الدرج و على ثغر فارس إبتسامة مرحة ... الآن فقط تأكد من عودة غزل و تذكر موقفهما القديم سويا .... ها قد عادت .. قطته البرية ....
بعد أن فقدت الأمل من أنه سيجيبها أحد ... إتكأت على عكازها و كادت أن تسقط أكثر من مرة حتى وصلت لباب غرفتها ... ففتحته و إستندت عليه و خرجت متثاقلة و هى تقول بذعر :
_ يا بنات ... مين اللى كانت بتصوت ... إنتوا كويسين .
إقتربت منها غزل مسرعة و قالت بعتاب رقيق :
_ إيه اللى قومك من السرير يا تيتة بس .
أجابتها رأفة بقلق :
_ سمعت صريخ و ندهت عليكم كتير محدش رد عليا .. هو فى إيه ؟!!
أعادتها غزل لغرفتها و مددتها على فراشها و دثرتها و جلست بجوارها قائلة لطمأنتها :
_ ماتقلقيش يا تيتة ده أنا كنت بضب اللى إسمها لهجة باين و لا بؤجة دى .
عقدت رأفة حاجبيها و سألتها بتعجب :
_ مين بؤجة دى يا بنتى .
أجابتها ليال و هى منهارة من الضحك :
_ دى قصدها مهجة يا تيتة ... بس غزل إديتها حتت علقة لولا العوو كان زمانها ماتت فى إيدها .
العووو ... دائما ما يحاصرها ... حتى وهو ليس موجودا معها ... وقفت غزل منتصبة بغضب وقالت :
_ هاقوم آخد شاور و أصلى و هاجى أتغدى معاكم لأنى تعبت النهاردة جدا .
و تركتهم و توجهت لغرفتها و عيونها تقدح شرارا .. كلما تذكر لمسته لتلك الوقحة لحمقاء ... صفعت باب غرفتها و قالت بغضب :
_ عاملى فيها محترم ... قليل أدب .
دلف كلا من رامى و فارس لشقتهم فإستقبلتهم زينب قائلة بقلق :
_ مين اللى كانت بتصوت دى يا ولاد ؟!
زم رامى شفتيه و قال بضيق :
_ ولاد إيه بس يا حاجة ... بقا طولنا و عرضنا ده و لسه بتقولى لينا ولاد ... عجبت لك يا زمن .
وضعت ذراعها بخصرها و قالت و هى تحدجه بغضب :
_ إنت هتكبر عليا و لا إيه يا واد إنت .. إنت نسيت لما كنت بشتالك على دراعى و تعملها عل......... .
وضع رامى كفه على فمها و قال راجيا :
_ مهاب واقف أبوس إيدك ... هيبتى هتروح قدامه ... و باعدين أنا أكبر عليكى يا نور عنيا .
أزالت كفه و قالت بحدة :
_ أيوة كده إتعدل .... قولى بقا مين اللى كانت بتصوت دى .
خلع سترته و قال بإرهاق :
_ لا و لا حاجة دى غزل كانت بتضرب مهجة علقة بس .
شهقت زينب بقلق و ضربت صدرها بيدها و قالت بدهشة :
_ يالهوى .... ضربتها علقة مرة واحدة .... ليه كده .
جلس بجوار فارس الشارد و قال و هو يتنقل بين قنوات التلفاز :
_ أصل مهجة ضايقتها فغزل عملت معاها الغلط و ظبطتها .
ثم إلتفت برأسه ناحيتها و قال ضاحكا بشدة :
_ اللى يضحك بقا منظر ليال و هى بتضرب مهجة مع غزل .
مصمصت زينب شفتيها و قالت بعدم تصديق :
_ ليال تضرب ... مش ممكن ... ده ليال دى نسمة محدش بيسمع لها صوت .
عاد بعينيه للتلفاز و قال بجدية:
_ لا ما هى إتجرأت لما شافت غزل بتضربها
قفز مهاب وجلس بينه و بين والده و الذى مازال شاردا .. و قال بإعجاب :
_ أساسا غزل دى سوبر ومان ... جامدة كده و صارووووخ .
إلتفت فارس برأسه ناحيته و طالعه بغضب ... بينما اكد رامى على كلمات الصغير قائلا بهدوء :
_ هى فعلا قوية و عندها شخصية .... بس ما أنكرش إنها صارووووخ .
إمتعض وجه فارس و صك أسنانه بغضب و تركهم ... غمز مهاب لرامى وقال مداعبا :
_ هقول لليال على فكرة .
صفعه رامى على مؤخرة عنقه و قال بضيق :
_ ياض هو أنا ضُرتك ... إشتالنى من دماغك أحسنلك .
و فجأة إنتفض الجميع على غلق فارس لباب غرفته بالقوة ... فعادت زينب بعينيها لرامى و سألته بقلق :
_ و ده ماله إن شاء الله .
إبتسم رامى بسخرية و قال مازحا :
_ أصل و هو بيخلص فى الخناقة غزل طالته بعصبيتها .
عبست قليلا و حركت رقبتها يمينا و يسارا و قالت بتعجب غاضب :
_ نععععععم ... هى مين دى اللى تطول إبنى و أنا عايشة .
ثم إعتدلت فى وقفتها و قالت بعزم :
_ لأ .. كده أنا لازم أزورهم و أشوف غزل دى .
جلس مهاب على الأريكة بركبته حتى أصبح مواجها لجدته و الواقفة خلفه و قال برجاء :
_ أروح معاكى و النبى يا تيتة ... علشان خاطرى .
قرصت وجنتيه و قالت بحنو :
_ هاخدك معايا طبعا يا روح تيتة .
جذبه رامى من قميصه و قربه من وجهه و قال محذرا :
_ إياك تقرب من ليال يا سى هباب إنت .... سامع .
خلص مهاب نفسه من قبضة رامى و عدل من هيأته و إعتدل فى جلسته قائلا بغرور :
_ على فكرة هى اللى بتبوسنى .
هدر به رامى بعصبية قائلا :
_ عليا يا إبن العوو .... طب أعرف بس إنك قربتلها و أنا هقصلك شعرك اللى إنت فرحان بيه ده زيرو .
ضحكت زينب على شجارهم المستمر و قالت مازحة :
_ و زعلان قوى إنى بقولك يا ولد ... طب وربنا مهاب فيه عقل عنك .
وضع مهاب ساقا فوق الأخرى بتكبر بعد كلمات جدته ... فركل رامى ساقه بقدمه و إلتفت لزينب قائلا بضجر :
_ إحنا مش هنتغدى و لا إيه ... و رانا أشغال يا أما .
أخذ يتطلع لصوره السابقة بإبتسامة حزينة ... هنا و هو يقود دراجة نارية و ورائه إحدى الفتيات تلف خصره بذراعيها ... و أخرى و هو يجلس بجوار رامى على رمال الشاطئ بعدما قضوا ساعات طويلة فى السباحة ..... و أخرى و هو يقف مبتسما بفرحة مرتديا بدلة سوداء و رابطة عنق سوداء و بجواره فارس ببدلة عرسه و العروس إبنة خالته و التى تعلق ذراعها بذراع فارس الشارد كعادته .....
نثر تلك الصور على الأرضية و هو يلعن غبائه و الذى أودى بحياة إبنة خالته و جعله سجين كرسى ....
إلتفت برأسه ناحية الشرفة المجاورة لشرفته مستمعا لضحكات ميناس الرنانة و الرقيقة .... أكله الفضول و القلق عن هوية المتصل و الذى يضحكها بهذا الشكل ... فإلتف بكرسيه مسرعا و تعثر أكتر من مرة بالبساط و هو يتحرك بسرعة حتى أدار مقبض غرفته و خرج متوجها لغرفة ميناس ... أدار مقبضها و إسترق السمع عله يمسكها متلبسة بجرمها و الذى طالت أو قصرت المدة ستقع به .... وجدها جالسة على فراشها و عاقدة ساقيها ببعضهما بقميص نومها القصير و تتوالى ضحكاتها ثم قالت بلهاث :
_ بجد يا لولو ........ براڤوا عليكى يا غزل و الله ................ أهه ده اللى مش مصدقاه إنتى يا ليال تضربى حد ........... لا كان لازم أشوف الخناقة دى بنفسى ........ بس البت مهجة دى تستاهل ......... بؤجة هههههه ............ يالهوى عليكى يا غزل دى كارثة ..... .
لملمت شعراتها خلف أذنها فإنتبهت لوقفة حمزة بكرسيه أمام باب غرفتها...... فإبتلعت ريقها بتوتر و قالت مسرعة :
_ سلام دلوقتى يا ليال .... هكلمك تانى .
و إنتفضت واقفة و قالت بتوجس قلق :
_ محتاج منى حاجة يا حمزة .
حرك كرسيه و دلف لمنتصف غرفتها و إقترب منها قائلا بحدة :
_ صوت ضحكك واصل لآخر القصر .... يا ريت يكون فى سبب مقنع .
فركت أناملها من التوتر و القلق و هى ترى شرارات غضبه تنبعث من عينيه و قالت بتلعثم :
_ دى ... دى ليال كانت بتحكيلى عن خناقة غزل و مهجة جارتنا .. فا .. فضحكت غصب عنى و الله .
رفع سبابته و قال لها محذرا بغضب :
_ لو صوتك عِلى تانى هندمك و الله .. مفهوم .
أومأت برأسها بقوة و قالت مسرعة :
_ حاضر مش هكررها تانى .
تأملها قليلا بقميص نومها القصير و الذى يظهر الكثير من جسدها الأنثوى و شعراتها الطويلة المنسدلة على ظهرها و بياض بشرتها المشع و الذى يسلبه لبه و يثير بداخله مشاعر باتت مرهقة ....
إنتبهت ميناس لتأمله لجسدها ... فإرتدت مأزرها مسرعة و لملمت شعراتها على جانب واحد و ضمت مأزرها كأنها تضم جسدها و الذى تعرى أمامه ...
إبتلع ريقه بإرتباك و قال بصوت متصلب :
_ هو أنا مش حذرتك كذا مرة ما تلبسيش هدوم زى دى تانى .
تسلل القلق و الخوف لقلبها من القادم بعد عبارته تلك و أجابته بملامح مذعورة :
_ أصل أنا كنت حرانة قوى و قاعدة لوحدى فلبست قميص نومى .
إجتذبها من معصمها فإقترب وجهها من وجهه فقبض على ذقنها بقوة كاد معها أن يخلع فكها من شدتها ... و هدر بها بعصبية قائلا :
_ كلامى يتنفذ و بس... و مش عاوز أشوفك بهدوم البيت تانى ... فاهمانى .
أومأت برأسها بصعوبة ... فدفعها بقوة فإرتمت على فراشها و قد إنطلقت دموعها على وجنتيها بقهر ... لم يحتمل المزيد و إلتف بكرسيه و خرج عائدا لمنفاه و وحدته القاتلة .....
مررت أناملها على ذقنها متألمة من قبضته ... و وقفت أمام مرآتها تطالع إحمرار ذقنها و الذى سيتحول لزرقة خافتة بعد قليل .. ثم خلعت مأزرها و تركته يسقط تحت قدميها و تأملت جسدها بالمرآة و هى تسأل نفسها هل يراها دميمة لهذا الحد الذى يجعله ينفر من رؤيتها بقميص نوم .... إزداد إنهمار دموعها بحرقة ... حتى تعالى صوتها و تحول لنحيب على حالها ...
كما وصله صوت ضحكاتها وصله صوت نحيبها المؤلم ... فقبض بأنامله على شعراته بقوة و هو يكبت صرخة مدوية بداخله ... فما كان منه إلا أنه وضع كفيه على أذنيه مانعا ذلك الصوت الحاد كنصل سكينة يقطع قلبه بألم من المرور لأذنيه نافذا لقلبه .......
فى المساء توجهت زينب برفقة مهاب لزيارة رأفة و المباركة لليال ... بالحقيقة أصل الزيارة هو فضولها للقاء غزل و التى يتحدث عنها الجميع ... لم ترها منذ كانت طفلة بعمر مهاب تقريبا .. فتلك الصغيرة و التى رغم صغر سنها إلا أنها لها فضلا عليهم لآخر العمر ...
إستقبلتهم ليال بإبتسامتها المشرقة قائلة بترحاب :
_ اهلا و سهلا يا ماما ... إتفضلى .
عانقتها زينب و قبلتها قائلة بفرحة :
_ حبيبة قلبى ... أخبارك إيه يا عروسة .
بادلتها ليال عناقها و قالت بحب :
_ الحمد لله كويسة يا ماما .
ربتت زينب على ظهرها و قالت بحنو :
_ وحشتينى يا حبيبتى .
إبتعدت ليال عنها قليلا و قالت و هى تداعب مهاب :
_ و إنتى وحشتينى أكتر ... إتفضلوا .
و أشارت على غرفة رأفة .. فساروا نحوها و دلفوها سويا ... فإعتدلت رأفة فى جلستها و قالت بفرحة :
_ يا أهلا و سهلا البيت نور .
إقتربت زينب منها و عانقتها و قبلتها قائلة :
_ أخبارك صحتك إيه يا حاجة رأفة .
حركت رأفة رأسها و أجابتها بإبتسامة هادئة :
_ نحمده .... إزيك إنتى يا أم فارس .
جلست زينب على أريكة أمامها و قالت :
_ كويسة الحمد لله ... مبروك لليال يا حبيبتى تفرحى بعيالهم فى حياتك .
هزت رأفة رأسها بإيماءة خفيفة كتعبير عن رغبتها و قالت بتمنى :
_ يارب ... ربنا يديم علينا الصحة و نشتال عيالهم و نفرح بيهم زى ما فرحنا بأبوهم و أمهم .
تلفت مهاب حوله و سأل ليال بفضول :
_ هى فين غزل يا لولو ؟!
أجابته و هى تعتزم الخروج من الغرفة :
_ غزل فى أوضتها يا حبيبى روح إندهلها .
ركض مهاب مسرعا ليلحق بليال و توجه ناحية غرفة غزل التى كانت تتابع حاسوبها و هى تضع سماعات الأذن و تستمع لموسيقى غربية هادئة إعتادت أن تسمعها قبل دلوفها لغرفة العمليات ....
لم تنتبه لطرقات مهاب الناعمة .. فإضطر أن يفتح الباب و يطل برأسه للداخل فرآها .... إبتسم و قال بمداعبة :
_ ممكن أدخل و لا لأ .
إلتفتت غزل برأسها ناحيته و إبتسمت بفرحة و تركت حاسوبها على الفراش و نزعت سمعاتها و إعتدلت فى جلستها قائلة :
_ هوبا .... إنت جيت إمتى .... تعالى .
دلف للغرفة قائلا :
_ أنا جيت مع تيتة و هى برة .
قرصت له غزل وجنتيه و قالت بصدق :
_ يا واد إنت أنا بقيت بموت فيك .
غمز لها بعينه قائلا بثقة :
_ ده العادى بتاعى ... ده البنات فى الكى چى هيموتوا عليا .
ضحكت غزل ضحكة رنانة و قالت بمداعبة :
_ يا واد يا جامد .... ده إيه الثقة دى .
عدل من ياقة قميصه و قال بتفاخر :
_ ده أنا إبن فارس العوو .... إنتى مش بتشوفى البنات فى النادى بيعملوا إيه علشان بابا يرضى يكلمهم .. دول بيجيبولى شيكولاتة و حاجات كتير قوى .
تصنعت غزل الإبتسام و فى داخلها شعور غريب بالغضب ... فسألته بخبث مستتر بالبرائة :
_ و بابا بيوصلك النادى دايما .
قفز و جلس بجوارها على الفراش و قال ببساطة :
_ تقريبا أيوة .
إبتسمت بسخرية و قالت بحدة :
_ طبعا لازم يوصلك أمال يسيب البنات دول لوحدهم ... قصدى يسيبك لواحدك .
جذبها مهاب من كفها و قال بحماس :
_ تعالى معايا أعرفك على تيتة بتاعتى .
وقفت و هى عابسة و شاردة فيما قاله مهاب ... و لم تشعر بنفسها و هو يجذبها خلفه حتى إنتبهت انها تقف أمام زينب فقالت مسرعة :
_ السلام عليكم .
وقفت زينب مشدوهة و هى تطالع جمال غزل بإعجاب و قد زاد بريق عينيها ... فخرج صوتها مندهشا و هى تسألها بترقب :
_ إنتى غزل صح .
أومأت غزل برأسها و قالت بهدوء :
_ أيوة ... أهلا بحضرتك .
و فجأة إتسعت عينى غزل بتعجب من ضمة زينب لها بود زائد و تلك القبلات المتتابعة على وجنتها اليمنى تلتها نفس عدد القبلات المتتالية على و جنتها اليسرى ... و التى معها جحظت عينى غزل .... إنتهى سيل القبلات فتطلعت زينب بغزل و قالت بإعجاب :
_ يا أختى ما شاء الله زى القمر .... أخيرا رجعتى يا غزل .
إبتسمت غزل بمجاملة و قالت بتوجس :
_ Thanks .
قطبت زينب حاجبيها بعدم فهم و تسائلت بتعجب :
_ نعم يا بنتى ؟!!
أجابها مهاب مسرعا و هو يخفى ضحكاته على جهل جدته :
_ بتقولك شكرا يا تيتة .
إبتسمت زينب مجددا و قالت و هى تجذب غزل من ذراعها فسقطت جالسة بجوارها :
_ العفو يا بنتى ... تعالى يا غزل إقعدى جنبى .
تململت غزل فى جلستها و تطلعت ناحية رأفة تستفهم منها عن ذلك الود الزائد للغاية ... فأومات لها رأفة برأسها و طالعتها بلوم ... فإلتفتت غزل ناحية مهاب المتصنم و يطالعها بأعجاب و عيونه تتقافز منها القلوب الحمراء العاشقة .... فإبتسمت بيأس و حملته و أجلسته على ساقيها و داعبته فتعالت ضحكاته .....
دلفت ليال للغرفة حاملة صينية عليها أطباق من الحلويات و مشروبات باردة ... و وضعتها أمامها و جلست بجوار رأفة ... فسألتها زينب بجدية :
_ بدأتى تجهزى نفسك يا عروسة .
توردت وجنتي ليال بخجل و أجابتها قائلة :
_ من بكرة إن شاء الله هخرج مع غزل نشترى اللى ناقصنى .
إبتسمت زينب و هى تعود بعينيها ناحية غزل تتفرس فى جمالها و تلك المنامة الزرقاء الضيقة و التى برزت منها مفاتن غزل .. و ملست على شعراتها السوداء الناعمة اللامعة و قالت بحنو :
_ عقبالك يا غزل يا بنتى .
إحتدت نظرات غزل و أجابتها مسرعة :
_ لأ ... شكرا يا أنطى مش بفكر دلوقتى غير فى مستقبلى و شغلى و بس .
زمت زينب شفتيها بتعجب و تسائلت بإهتمام :
_ و إنتى بتشتغلى إيه بقا ؟!!
أجابتها غزل مسرعة :
_ انا دكتورة يا أنطى .
تطلعت إليها زينب بفخر و قالت لرأفة :
_ ربنا يباركلك فيها يا حاجة .... دى حاجة تفرح و الله .
إنتعشت رأفة بزهو و قالت و هى تطالع غزل بفخر :
_ ربنا يحميها و يوفقها فى حياتها .
أرسلت لها غزل قبلة بالهواء و عادت لمداعبة مهاب و زينب تزداد برأسها فكرة ما لمعت أكثر و هى تطالع حنية غزل فى التعامل مع ذلك اليتيم الراغب فى أم حنون تعوضه ما إفتقده سابقا .....
فى الصباح توقف فارس بسيارته أمام مشفاه ... فإستقبله أحد موظفى الأمن و فتح له باب سيارته فحمل حقيبته و ترجل منها مبتسما لذلك الش?
_ أيوة إسمها غزل .
إنتفض قلب فارس و إتسعت عينيه و قال بلهفة :
_ إيه ده .... هى غزل رجعت من السفر .
أجابه رامى و هو متعجبا من ردة فعله مؤكدا :
_ آه رجعت .... و عايشة مع ستى رأفة .
تنهد فارس مطولا براحة ... فها قد عادت صغيرته إليه مجددا .... إبتسم بشوق و هو يرجو الساعة أن تتحرك مسرعة ليراها ..... إنتبهت زينب لحالته فقالت مازحة :
_ أخيرا هتشوفها برة حلمك .
إتسعت إبتسامته و تحولت لضحكة مشرقة و قال مؤكدا :
_ فعلا أخيرا هشوفها ..... بس يا ترى هتفتكرنى .
وقفت غزل أمام خزانتها تبحث و سط فساتينها عن شيئا يلائم ليال حتى وقعت عينيها على فستان رمادى مطرز باللون الوردى .... رغم بساطته و لكنه أنيق ... فحملته و توجهت لغرفة ليال ...
التى إنبهرت به .... فقالت لها بجدية :
_ عوزاكى تلبسى الفستان ده يا لولو .... بسرعة يالا .
تطلعت ليال للفستان بفرحة و لامسته بأناملها قائلة :
_ أنا .... هلبس ده ... ده حلو جدا .
أجابتها غزل بضيق :
_ يالا بسرعة مش وقته زمانهم جايين ..... لسه هعملك ميك أب .
إرتدت ليال الفستان وحجابه بفرحة ... فلم يسبق لها أن إرتدت فستانا مماثلا .... و وقفت تتطلع لنفسها بإعجاب .... فقد لائمها جدا و ناسب خمرية بشرتها ... رغم إختلاف المقاس بينها وبين غزل صاحبة المنحنيات القاتلة .... إلا أنها كانت رائعة ... و مع القليل من مستحضرات التجميل باتت جاهزة .....
إنتبهوا على طرقات بباب الشقة ... فدفعتها غزل قائلة بحماس :
_ إفتحى بسرعة وأنا هلبس و أجيلك .
وقفت ليال أمام الباب تستجمع قواها و تنفست مطولا و فتحت الباب ... دلف صبرى أولا و قال بإبتسامة هادئة :
_ السلام عليكم .
أجابته ليال بخجل :
_ وعليكم السلام يا عمى إتفضل .
دلف للداخل و ورائه فارس بجواره مهاب و خلفهم .... رامى ..... الذى حدجها بإعجاب و دهشة ... من زيادة معدل جمالها بشكل أصبح يصيبه بالجنون أكثر ... و أكثر .... فطأطأت رأسها بخجل هربا من عينيه و التى أصبحتا جريئتان و تلتهمها بشوق ... وزع فارس نظراته بينهما و قال بضيق :
_ هنفضل واقفين على الباب يا ليال .
أجابته مسرعة بخجل و هى تتنفس بتوتر :
_ لأ طبعا .... إتفضلوا فى الصالون .... ثوانى و تيتة هاتيجى .
جلسوا بغرفة الضيوف فى إنتظار الجدة التى أتت ترتكز على عكازها .... و قالت بترحاب :
_ يا أهلا و سهلا ... البيت نور .
وقف الجميع و صافحوها ... ثم جلست متثاقلة ... و قالت بإبتسامة مرحبة :
_ أخبارك إيه يا حاج صبرى ... وأخبار الحاجة زينب إيه .
أجابها صبرى بود :
_ كلنا بخير .... و زينب بتسلم عليكى و هتبقى تجيلك هى لواحدها .
فقالت مسرعة :
_ تنورنى طبعا ..... إزيك يا مهاب يا حبيبى .
أجابها مهاب بإبتسامة طفولية و هو يؤرجح ساقيه :
_ أنا كويس يا تيتة .
دلفت ليال و قدمت إليهم الضيافة و جلست فإقترب منها مهاب و قال :
_ وحشتينى يا لولو .
قبلته ليال بوجنته و قالت بمداعبة :
_ إنتى وحشتنى أكتر يا عمرى .
تطلع مهاب بطرف عينيه ناحية رامى لإغاظته .... فجذبه رامى من سترته بغضب و قال بإبتسامة باهتة هامسا :
_ إقعد يا إبن العوو أحسنلك .
ثم رفع عينيه ناحية رأفة و قال :
_ و إنتى أخبارك إيه يا ستى .
زمت رأفة شفتيها و قالت ساخرة :
_ كويسة ... ما تسيب الواد يا رامى و لا ده كمان عاملك أزمة .
إعتدل رامى بجلسته و قال مسرعا :
_ لأ ده أنا بهزر و الله .
ثم دفع مهاب بحنق و قال من بين أسنانه :
_ روح لليال يا مهاب .
ضحك مهاب عاليا لقدرته على إغضاب ذلك الكائن الضخم .... و سأل ليال بتلقائية :
_ هى المزة بنت خالتك فين .
إجتذبه فارس من سترته وقال بغضب :
_ ياض إتعدل فى كلامك .... إنت دايما فاضحنى كده .
زفر مهاب بضيق و عدل من سترته و قال بعصبية :
_ يوووه ... لو التى شيرت مضايقكم كده هقلعه و الله ... كل شوية تشدونى منه .
ضحكت ليال و قالت له بمزاح :
_ سيبك منهم يا هوبا و تعالى جنبى .
سار نحوها فسد رامى الطريق أمامه بساقه متصنعا البلاهه ... فتطلع إليه مهاب بضيق و قال :
_ وسع يا رامى بلاش حركاتك دى فاقسك .
إبتسم إليه رامى بسخرية و أشار على عنقه بعلامة الذبح و قال :
_ ههههه .... عدى يا حبيبى ما أخدتش بالى .... عدى .
دلفت غزل عليهم قائلة بتحفظ :
_ السلام عليكم .
أجابها الجميع :
_ و عليكم السلام .
لحظة .... هل هذا الصوت الذى وصل لأذنيه مخترقا طبلته و دفه و مزماره و كل الأدوات الموسيقية حقيقيا .... هذه المغرورة هنا ... مجددا .... وقف فارس ببطء مصدوما و هو يراها أمامه ... لقد صدق حدسه و لكن هذه المرة لن يتركها قبل أن تعترف له هل تراقبه حقا ..... قطبت غزل جبينها بضيق ... مفتعل و قالت ببرود :
_ إنت !
رفع سبابته ناحيتها و قال بغلظة :
_ إنتى. !!!!
سألهم صبرى متعجبا و هو يطالع تلك السيوف المنبعثة من عيناهما و تتبارز بقوة :
_ مالكم يا ولاد إنتوا تعرفوا بعض .
فقالت رأفة و هى تستند على عكازها مسرعة :
_ تعالى يا غزل إدخلى .
رفع فارس طرف شفته وقال بتذمر :
_ نعم !!! دى بقا غزل ..... مش معقول .
زمت غزل شفتيها وقالت ساخرة بسخط:
_ ليه مش مالية عينك .... إنت بتطلعلى منين .
وقف رامى بينهما متعجبا و قال مهدئا :
_ صلوا على النبى .... إنتوا تعرفوا بعض و لا إيه ؟!!
أجابته غزل و هى تجلس بين جدتها وصبرى بثقة :
_ أيوة قابلته مرتين قبل كده .
قطع مهاب تلك الحالة و هو يتجه ناحية غزل مسلوبا الإرادة مسحورا بجمالها ... قائلا بهيام :
_ إزيك يا غزل .
إبتسمت إليه برقة و أجابته :
_ كويسة يا حبيبى ... تعالى إقعد جنبى .
جلس بجوارها و رأسه مرتفعة يطالعها بوله ...فقال له رامى مازحا :
_ أيوة ركز مع غزل بقا .
إلتف صبرى بجسده قبالة غزل و قال لها بحنو :
_ منورة مصر يا بنتى .
تطلعت ناحيته بود و قالت :
_ منورة بحضرتك يا Uncle .
قطب صبرى حاجبيه بعدم فهم ... فأوضح له رامى ما قالته مسرعا :
_ بتقولك منورة بيك يا عمى .
إرتاحت ملامح صبرى و قال و هو يطالعها بقوة مشتاقا لملامحها الفاتنة :
_ دى ستك كانت هتتجنن عليكى .... هتقعدى بقا فى مصر و لا هترجعى تانى بلاد بره .
أجابته و هى تداعب مهاب بطفولة :
_ لأ هستقر فى مصر إن شاء الله .
تطلع صبرى ناحية فارس و الجالس يطالعها بتحفز ثم عاد بعينيه لغزل و قال متعجبا :
_ معقولة ما إفتكرتيش فارس يا غزل .
أجابته بتعجب :
_ فارس مين ؟!
أجابها و هو يشير بذراعه ناحية فارس مفسرا :
_ ده .... ده فارس إبنى .... إزاى نسياه صحيح كنتى صغيرة بس أكيد فاكرة اللى حصل ليلة سفرك .
تطلعت غزل بتعجب ناحية رأفة ... ثم قطبت حاجبيها و قالت ببلاهه :
_ مش عارفة الصراحة حضرتك بتتكلم عن إيه ؟!
قطع فارس هذا الحوار بضيق و هو عابسا بقوة قائلا بجدية :
_ حاج .... إحنا هنا علشان رامى و ليال و يا ريت نقفل الموضوع ده بقا .
أومأ صبرى برأسه و وجه حديثه لرأفة قائلا بقوة :
_ إيه رأيك يا حاجة ... الواد إستوى على الآخر و الله ... و يا ريت نحدد ميعاد لكتب كتابهم و بعد كده الفرح إن شاء الله .
تطلعت رأفة بليال و التى تتواصل مع رامى بعينيها ... فرأفت بحالهم و قالت بحسم :
_ إنت تؤمرنى يا حاج صبرى ... هى بنتك و هو إبنك تقدر تحدد ميعاد لكتب كتابهم و الفرح فى الوقت اللى يريحك .
تنفس رامى الصعداء ووقف و إنحنى ناحية رأفة و قبل كفها وقال بفرحة :
_ ربنا يخليكى لينا يا ستى و ما يحرمنا منك .
ربتت رأفة على كتفه و قالت بحنو :
_ ألف مبروك يا حبيبى .... ربنا يسعد أيامكم .
إستند صبرى على عكازه بقوة و قال بعملية :
_ على خيرة الله .... يبقى كتب الكتاب الجمعة الجاية ... و بعدها بإسبوعين هعملهم فرحين الكل يتكلم عنهم فرح فى أكبر قاعة و فرح هنا فى الحارة وسط أهلهم و ناسهم .
كل هذا و تلك السيوف ما زالت تتبارز بقوة ... هو يلومها على ذاكرتها الواهية و كيف لم تتذكره ... و هى تحاول كبح زمام تلك القطعة الصغيرة و التى ترقص فرحا لرؤيته .... حتى قالت رأفة بهدوء :
_ يبقى على خيرة الله ... مبروك يا ولاد .
إبتسم صبرى و قال بفرحة ... و تلقائية لم يدرى عواقبها :
_ إنتى عارفة يا حاجة جناح رامى فى القصر جاهز ... و طلبات العروسة كلها فى رقبتى و أنا المتكفل بكل مصاريفها .
أجابته غزل بحزم قاطع :
_ شكرا يا حاج بس ليال مسئولة منى دلوقتى ....و أنا اللى هجيبلها كل طلباتها .
زم صبرى شفتيه و قال ببديهية :
_ عادى يا بنتى ... أنا مسئول عن ليال و ميناس من سنين و هما زى بناتى .
رفعت غزل حاجبها بغضب مخفى و قالت بقنوط :
_ كتر خيرك لحد كده ... إحنا دلوقتى نقدر نجيب لها كل اللى هى عاوزاه ... و مش محتاجين مساعدة من حد .
إشتعلت عينى فارس بغضب وقال بتذمر :
_ قالك إنهم بناته ... و هو اللى مسئول عنهم ... يبقى كلمة أبويا اللى تمشى ... و لسه ما إتخلقش اللى ينزلها .
إعتدلت فى جلستها و قالت و هى تحدجه بتحدى :
_ و أنا قلت اللى عندى ... وإحنا مش محتاجين مساعدة من حد .
صك أسنانه بغضب و سلط أنظاره القوية عليها و هو لا يجد تفسيرا لعندها و تزمتها فقال ساخرا :
_ إنتى ليه شيفاها مساعدة ... أخداها يعنى على كرامتك .
منحته ردا سريعا و قوى و هى تقول :
_علشان مش هسمح إنكم تكسروا عينها بفلوسكم و تبقى جارية عنده .... زى ميناس .
علت الدهشة الوجوه من حولها ... فقبضت رأفة على ذراعها و قالت بإبتسامة مصطنعة مانعة إياها من التفوه بالمزيد :
_ سامحها يا حاج ما تعرفش عوايدنا .
أجابتها غزل بصوت محتد منفعل :
_ لأ أنا قاصدة كل حرف قولته ... و من حقى أخاف على ليال .
وقف فارس و قال بغضب من غرورها و تكبرها :
_ هو إنتى محدش مالى عينك و لا إيه .
أشاحت بعينيها عنه و قالت بهدوء :
_ أن قولت اللى عندى ... و باعدين أنا بتكلم مع الحاج ... و المفروض لما الكبير يتكلم إنت ما تتدخلش .
أشعلت كلماتها غضبه أكثر فتطلع الجميع ناحيته و قد إصطبغت عينيه بلون أحمر قانى نتيجة وصوله لقمة غضبه ... فهمست لها رأفة برجاء :
_ بس بقا يا غزل كفاية .
إستدار صبرى بجسده مجددا ناحيتها و قال بعقلانية قبل أن ينفجر إبنه و يلقنها درسا لن تنساه :
_ خلاص يا بنتى اللى إنتى عيزاه إعمليه .... و أنا تحت أمرك فى أى وقت تحتاجينى .
إبتلعت ريقها بتوتر و هى تشعر بالخجل من ردة فعله المفاجأة و الحنونة أيضا ... فإرتدت قناع القوة مجددا و قالت و هى تحدج فارس بسخرية :
_ شكر يا عمى .... وإن شاء الله مش هخليها محتاجة حاجة .
كور فارس قبضته بقوة قبل أن تنالها و تلكمها لكمة ستعيدها بطن أمها من جديد .... بينما ربت صبرى على كفها و قال بنظرة إمتنان من شئ لا تعرفه :
_ لو حد غيرك يا بنتى كنت إتصرفت معاه بطريقة تانية .... بس إنتى بالذات اللى ليها حق عندى يخلينى أوافقك فى كل حاجة .
زمت شفتيها و قالت بتعجب و فضول يقتلها :
_ مش فاهمة حاجة .... و ليه أنا بالذات يعنى .
هز فارس رأسه بضيق .... فذاكرة الإنسان غريبة حين يحاول إستعراض حوادث الطفولة ... و لكن حادثهم من المؤكد أنه ترك آثرا عليها كفيلا بأن يذكرها به كل يوم .... و لكنها تخبره بعينيها ببساطة أنها قد محته و كأنه لم يكن بينهما عهد ..... عهد الطفولة ....
إقترب منها بحدة و سحب مهاب من يده و قال بإنفعال :
_ بما إنكم إتفقتم على كل حاجة أنا هاخد مهاب أفسحه شوية .... بعد إذنكم .
و خرج مسرعا قبل أن يدمر المنزل على رأسها المتصلب و لكن قبلها سينتزع شعرات حاجبها و الذى ترفعه بحدة كلما تحدثت معه ... كل هذا و مهاب يركض ورائه من سرعة خطواته .... نهرتها رأفة قائلة :
_ كده يا غزل ضايقتى فارس .
أجابتها ببرود :
_ هو متضايق لوحده .
إبتسم صبرى بخفوت و وقف مستندا على عكازه و قال بحزم :
_ ربنا يهنيكم يا ولاد ... أتكل أنا على الله .
وقف الجميع لوداعه ... فإقترب من غزل و قال بحنان لم يره أحدا منه بذلك القدر من قبل :
_ مصر نورت يا ست البنات ... و لازم تعرفى إنك إنتى بالذات لو طلبتى روحى مش هتأخر عنك ... يالا السلام عليكم .
شعرت غزل براحة غريبة و هى تطالع إنصرافه و إستسلمت لصدق كلماته .... و أوصلته لباب الشقة قائلة بإبتسامة صافية :
_ مع السلامة يا عمى .
ربت على وجنتها بحنو وتركها و إبتعد .
لو كان للغضب تمثالا ... لجسده هو بكل تفاصيله و حاز أيضا على المركز الأول ... فإحمرار عينيه و التى صارتا مرعبتين .... و ملامحه الحادة و الجامدة و التى زادت صلابة .... و إنقباض كفيه على مقود السيارة و أنفاسه القوية و التى يزفرها بشدة نافثا معها نيران صدره المشتعلة ....
و كل هذا كافى لجعل ذلك الصغير الجالس بجواره ينكمش فى نفسه برعب من هيأة والده الغاضبة ... و الذى كلما تذكر نظرات التحدى و العند و التكبر فى عينيها و التى بات يعشقها أكثر من السابق ... تزداد نيرانه إشتعالا و يضرب مقود السيارة نافثا تلك النيران قبل أن تلتهمه بداخلها ....
إبتلع مهاب ريقه بخوف وقال بنبرة تكاد تكون مسموعة :
_ بابا ...... إحنا ... إحنا هنروح فين ؟!
خرج من حالته المشتعلة تلك قاذفا نفسه بدلو ماء بارد ... و إرتاحت ملامحه قليلا .... و علا ثغره إبتسامة باهتة رسمها بصعوبة و قال بعملية :
_ عاوز تروح فين يا أستاذ مهاب .
إعتدل مهاب فى جلسته و تصنع التفكير ... ثم قال بمداعبة :
_ نروح أى حتة فيها مزز طبعا .
تعالت ضحكات فارس العالية على كلماته التلقائية و قال مازحا :
_ مزز إيه بس ..... أعمل فيك إيه .
إلتفت مهاب بجسده ناحيته و قال بإبتسامة هى أكثر ما يسعد فارس و ينسيه همومه :
_ أيوة إضحك كده يا عوو ... و ودينى مكان ألعب فيه ... يالا .
أدى فارس التحية العسكرية بجدية و قال بمرح :
_ تمام يا فندم .... إنت تؤمر بس و أنا أنفذ .
أجابه بفرحة قائلا :
_ yes ... شغلنا بقا أغنية كده نرقص عليها و نروق المود .
صفع فارس كفيه ببعضهما و قال مستفهما بسخرية :
_ طلع بطاقتك ياض .... مستحيل يكون عندك خمس سنين .
غمز له مهاب بعينيه و قال بثقة :
_ هو أنا عيل كاويرك .... ده أنا إبن فارس العوو .
بعثر له فارس شعراته بمداعبة و هو يطالع الطريق و قال بجدية :
_ أيوة كده خليك راجل .... حبيبى يا صاحبى و أحلى مهرجان شعبى ليك يا مريسة .
أدار إليه فارس أغنية صاخبة ... و بدأ الصغير فى تقليد حركات رامى و حمزة بإتقان .... إبتسم فارس بشجن و هو يتذكر يوم الحادثة و منظر الدماء المنسابة من السيارة ورؤيته لحمزة و تكاد ركبتيه تقابل وجهه من ضغط السيارة المنقلبة عليه و رؤيته لزوجته غارقة فى دمائها و ما جمده يومها و جمد دمائه بعروقه هو رؤية صغيره و الذى إنتظره شهورا طويلة حتى حمله بين ذراعيه ... و تكحلت عيناه برؤيته .... غارقا بالدماء ... و لكن صرخته الصغيرة من داخل السيارة المقلوبة رأسا على عقب ... أعادته للحياة مجددا ..... فدس جسده بالسيارة و حمله ..... و إطمأن أنه بخير و أن الدماء التى أغرقته هى دماء والدته و أنه لولا ضمتها إليه لكان .........
عند هذه النقطة عاد لواقعه الجميل و أنه مازال معه و ينعم بصحة جيدة ..... أوقات يشتاق لوالدته و التى لم يرها و لكنه يحتفظ بصورتها دائما و يطالعها بنظرات يُتم تقطع فى أحشاء فارس و لا يستطيع فعل شيئا له ..... إلا تعويضه بحنانه قدر إستطاعته .....
تطلعت رأفة ناحية غزل بضيق ... فرفعت غزل عيناها بملل ثم سألتها ببساطة :
_ أنا مش عارفة إنتى زعلانة منى ليه ؟!
أشاحت رأفة بعينيها عنها و قالت بضجر :
_ تنزلى فارس زعلان من عندى ... دى عمرها ما حصلت ... لأ يا غزل يا بنتى إنتى زودتيها قوى .
أجابتها بنبرة تحفزية غاضبة :
_ و هو يتدخل فى الكلام ليه .. ما رامى كان قاعد ما إتكلمش ليه .
إعتدل رامى فى جلسته و قال بنبرة قاطعة و حازمة لا تقبل النقاش :
_ لأنه ما ينفعش أتكلم و عمى و فارس قاعدين طبعا .
إنحنى قليلا و إستند بمرفقيه على ركبتيه و هو يطالعها بإهتمام و قال موضحا :
_ شوفى يا غزل بما إنك هتعيشى فى الحارة دى فلازم تعرفى قوانينها ... الحارة هنا ليها كبير و هو عمى صبرى و من وراه العوو ... إحنا هنا بنسوى أمورنا بينا و بين بعضنا .. يعنى لو فى مشكلة بين شخصين إحنا بنحلها و بنجيب للمظلوم حقه و الظالم حكم عمى بيمشى عليه و لا حكم المحكمة .
نظرت بثبات فى عينيه و قالت بجدية :
_ ليه ما فيش بوليس فى البلد .
إبتسم بخفوت و قال بهدوء قاسى :
_يبقى إنتى ما فهمتيش قصدى إيه ..... البوليس ده آخر مرحلة بنوصل لها و أمورنا و مشاكلنا بنحلها بالجلسات العرفية .... و عمرنا ما جينا على حق حد .
شعرت رأفة بثقل فى جسدها من جلستها الطويلة و إرتكنت على عكازها و قالت بصوت مرهق :
_ إيدك يا غزل يا بنتى دخلينى أوضتى ..... البيت بيتك يا رامى إتفق مع ليال على كل حاجة و غزل هتبقى جنبكم لو إحتاجت حاجة .
وقف رامى مسرعاو ساعدها حتى وقفت على قدميها قائلا :
_ تسلميلى يا ستى .
إستندت على غزل وخرجا من الغرفة .... فجلس بجوار ليال التى إبتعدت عنه قليلا ... فإقترب منها مجددا .... فإبتعدت عنه بخجل ... فإقترب منها قائلا بمزاح :
_ هتروحى فين تانى خلاص
إلتفتت إليه و قالت بصوت حازم و هى تفرك أناملها من الخجل :
_ طب إبعد شوية لو سمحت .
مال عليها بجسده قليلا و قال بصوت خافت يحمل كل الشوق :
_ لأ مش هبعد ده أنا ما صدقت ... أخيرا يا ليال كلها إسبوع و تبقى ملكى و ليا لواحدى .
أشاحت بعينيها عنه و هى تتنفس بصعوبة من هذا التقارب الجسدى بينهما .... و تلك الحرارة المنبعثة منه و التى زادت من حرارة الجو المحيط بهما ... لامس ذقنها بخفة و أدار وجهها ناحيتة برقة و تطلع داخل عيونها عشقه الأبدى و قال هامسا :
_ نفسى تعرفى أنا واصل معاكى لمرحلة إيه .... أكيد اللى أنا حاسه ده حاجة تانية غير الحب اللى بيحكوا عنه و اللى الناس عرفاه .
تنهدت بخجل و تمنت أن يعلم هو ما وصلت إليه حالتها الآن و يبتعد و يقلل من همسه المثير ... حتى باغتها قائلا بنعومة :
_ مشتاق و يحرقنى الشوق لهمس شفتيك و دفء أنفاسك .... لشهد عينيكى فإنظرى إلى و إحتضنينى بأهدابك .... لتمادى أعصابى من الذوبان أمام نعومة لمساتك ... لنسائم الربيع المثيرة أثناء تمشيط شعراتك .... لأن أخطفك على حصانى الأبيض لأتشارك معك هدوء حياتك .
كانت تتلقف كلماته بعينيها من فوق شفتيه ... و عمق نظراته العاشقة نحوها و هى هائمة و طائرة على غيمة بيضاء و النجوم تحيطهما من كل جانب ... لو يعلم الجميع ذلك الجانب الرومانسى و الهادئ بشخصيته القوية و الذى لا يطفو على السطح سوى معها هى ... و فقط ....
قطعت غزل حالتهم الملتاعة تلك و هى تمرر أنظارها بينهما ملتقطة تلك الموجات المتنقلة بينهم ثم قالت و هى تكتم ضحكتها بصوت عالى لإفزاعهم :
_ تشرب إيه يا رامى .
أطبق عينيه بقوة و هو يسبها بداخله بأفظع الألفاظ ... ثم فتحهما و تطلع إليها بحنق قائلا :
_حاجة ساقعة ...... قوى .
ضحكت ضحكة ساخرة و سألت ليال بمشاغبة :
_ و إنتى يا لولو تشربى إيه .
وقفت ليال مسرعة و قالت بخجل عارم :
_ أنا .... أنا ثوانى و هرجع .
و تركت الغرفة بسرعة و عينى رامى تتابعها بضيق ... ثم إلتفت ناحية غزل و قال بصرامة :
_ أعمل فيكى إيه دلوقتى .
تعالت ضحكات غزل التى بقيت على حالتها لدقيقة ربما حتى هدأت و قد دمعت عيناها و قالت محذرة :
_ ما بلاش .... لهقعد معاكم و الله .
رفع كفيه بالهواء و قال مستسلما :
_ لأ و على إيه .... بس لو سمحتى ... سقعى الحاجة الساقعة ... قوى .
هزت رأسها و أجابته بمزاح :
_ ماشى يا عريس .
عادت ليال مجددا و جلست مكانها .. فهز رامى رأسه لغزل بأن تنصرف ... فكتمت ضحكاتها مجددا و خرجت و تركتهم ... فسبها رامى قائلا بغيظ :
_ أعوذ بالله ده إنتى ******* .
إتسعت عينى ليال و وضعت كفها على فمه لمنعه من التفوه بالمزيد من السباب و هى تتطلع خلفها خشية ان تكون غزل قد سمعت ... فقالت بقلق :
_ وطى صوتك لتسمعك .
إنتبهت على قبلته الرقيقة لباطن كفها الوقح و المكبل لشفتيه .. فعادت بعينيها نحوه و سحبت كفها بخجل ... فقال بصوته الرجولى و هو يحدجها مستخفا بكلامها :
_ ما تسمع .... هى مين غزل دى يعنى علشان أعملها حساب .
أطلت غزل برأسها و قالت بمداعبة :
_ سامعة إسمى .... خير إن شاء الله .
أجابها رامى راسما إبتسامة لزجة على شفتيه :
_ كل خير طبعا .... ده إنتى بَركتنا .
بادلته إبتسامته الساخرة و خرجت .... قبض كفه فى محاولة منه للسيطرة على غضبه ... فقالت ليال مسرعة لتدارك الموقف :
_ رامى .
فعلت ذبذبات صوتها الأعاجيب فإرتخت ملامحه و تنهد بهيام و تطلع إليها بوله و أجابها قائلا بهمس :
_ عيون رامى .
إبتسمت بخجل و عدلت من وضع حجابها بتوتر ... و إستجمعت قواها و قالت بتوجس :
_ أنا هضطر أخرج اليومين اللى جايين كتير علشان أجيب الحاجات اللى نقصانى و كده .... تمام .
رجع بظهره للخلف و إستند على ظهر الأريكة و هو يحك ذقنه يفكر بما قالته حتى أجابها قائلا بهدوء :
_ تمام .... بس أنا اللى هوصلك فى كل مكان هتروحيه .... و رجلى على رجلك .
زمت شفتيها بضيق و قالت بعفوية :
_ يا رب بقا غزل توافق على الكلام ده .
ضرب ساقه بكفه متذمرا و قال بغضب :
_ تانى غزل .... هتخلينى أقوم أتهور عليها دلوقتى .... بصى هو ده اللى عندى و إلا هتجوزك باللى عليكى ده .
قفز قلبها خوفا من نبرته العالية فعادت و وضعت كفها على فمه قائلة بهمس قلق :
_ هشششش .... وطى صوتك .
إستغل الفرصة مجددا و قبل باطن كفها التى سحبته مسرعة و هى تطالعه بلوم ... فقال لها غامزا بعينه بمشاغبة :
_ ده أنا هفضل أغلط فيها كده علشان أبوس إيدك كل شوية .
فركت أناملها مجددا من خجلها و تماديه معها ... و قبل أن يتزايد تماديه ذلك وقف مسرعا و قال مجابها قلبه المشتاق :
_ همشى انا بقى ... خلى بالك من نفسك و هبقى أكلمك أطمن عليكى .
وقفت أمامه تتطلع إليه بإبتسامة لا تدرك عواقبها و التى سيدفعها ثمنها غاليا بعد ان تصبح له و ملك يديه ... أومأت برأسها و قالت بهدوء :
_ حاضر .
غمز لها قائلا :
_ سلام يا عسلية .
و تركها و إنصرف متجاهلا جلوس غزل أمامه ... أغلقت ليال ورائه الباب و إستندت عليه بظهرها و هى تلامس قلبها فى محاولة لتهدئة نبضاته المنفعلة و على ثغرها إبتسامة مشرقة .... وضعت غزل طبق الفاكهة من يدها على الطاولة و قالت بتقزز ساخر :
_ نفسى هتغم عليا .... ده إيه الحب الملزق ده .
لم تعرها ليال إهتمام و سارت نحو غرفتها محتفظة بإبتسامتها و شرودها حتى دلفت غرفتها و اغلقتها عليها .... هزت غزل رأسها بيأس و حملت طبقها من جديد و رفعت ساقيها على الطاولة و عادت بعينيها للتلفاز و مع جملة :
_ انا شامم فى الموضوع ده ريحة ناظلة يا كريمة .
إنفجرت ضاحكة و هى تتخيل أن رامى يراها الآن كحماة له .. بل و يشم رائحتها فى حديث ليال أيضا ... حملت حبة كرز و إلتهمتها و هى تتابع التلفاز بهدوء .
مر يومان و غزل مازالت تبحث عن عمل ... تخرج يوميا من الصباح حتى الظهيرة و تعود إلى منزلها تجر أذيال الصبر ... و قد تزايد ضيقها ... صعدت الدرج و شياطين عينيها تسبقها ... أخرجت مفتاحها من حقيبتها لفتح باب الشقة فإستوقفتها مهجة قائلة بتهكم و هى منحنية على الدرج و تستند عليه بذراعيها :
_ إزيك يا سحلية .
رفعت غزل عينيها نحوها بإرهاق ... فقالت لها مهجة بإستهجان :
_ أموت و أعرف بتروحى فين كل يوم .
زفرت غزل بغضب و أجابتها بعبوس خفيف :
_ يبقى موتى أحسن لأنى مش هقولك يا اااا ..... ياااااا ... إسمك تقريبا نعجة ... لأ إفتكرت بؤجة صح .
خرجت ليال من شقتهم على صوت غزل و لاحظت نظراتهم المتحفزة فسألتهم بقلق :
_ فى إيه مالكم تانى ؟!
تجمدت نظرات غزل على مهجة و قالت موضحة بهدوء :
_ الأخت بهجة باين و لا نعجة ... يوووه مش بفتكر إسمها خالص حطانى فى دماغها ... لأ و إختارت الوقت الغلط علشان تلعب معايا فيه ....بتنشن .
ضحكت مهجة ضحكة عالية رقيعة و قالت بصوت هازئ :
_ خفت يا إدلعدى و هكش دلوقتى .
" ملحوظة كلمة يا إدلعدى ... أصلها ... يا ألد أعدائى و ليست سبا "
زفر غزل بجمود و قالت و هى تشمر عن ساعديها متذكرة كلمات فارس أثناء عراكه مع مسعد :
_ قالك إيه بقا ... الكلبة عضت رجلها فهى اللى جابته لنفسها .
و إنقضت على مهجة و جذبتها من عبائتها و مددتها على الدرج و جلست فوقها و هى تكيل إليها اللكمات و الصفعات حتى أدمت وجهها .... لم تستطع مهجة صد هجماتها فبدات بالصراخ ليخلصها أحد ...
فى هذا التوقيت عاد كلا من فارس و رامى من الوكالة لمنزلهم لتناول وجبة الغداء فإنتبها على صراخ يأتى من منزل رأفة فتطلعا لبعضهما بقلق و هبطا الدرج مسرعين لمعرفة السبب وراء هذا الصراخ .....
إنخفضت طاقة غزل قليلا فبدات مهجة بصد هجماتها فتدخلت ليال و كبلت ذراعى مهجة و قالت بغل و حقد :
_ إديها يا غزل دى ياما علمت عليا .
رفعت غزل نظراتها ناحية ليال و سألتها بإهتياج :
_ هى مدت إيدها عليكى قبل كده .
أومأت ليال برأسها بالإيجاب و هى تضرب مهجة بهيستيرية ... فقالت غزل بصوت متصلب :
_ So you deservit .
أجابتها ليال مؤكدة :
_ أيوة تستاهل يا غزل إديها معايا .
أشعلت كلمات ليال غضب غزل أكثر فزادت من ضرباتها لمهجة التى زاد صراخها المستنجد ....
صعد رامى و فارس الدرج مسرعين و وقفا مصدومين مما رأوا .... تحرك رامى مسرعا و جذب ليال من ذراعها رغم رفضها الإبتعاد عنها .... أما فارس فحاول نزع غزل من فوق مهجة و لكن دون جدوى ... فإضطر لتكبيل خصرها بذراعيه و رفعها بالقوة و لكنها تشبست بها أكثر ... فرفعها أكثر و إبتعد بها قليلا و ساقيها تضربان مهجة بلا تراجع ... و صرخت به قائلة :
_ سيبنى أربيها ال vulgar دى ..... سيبنى بقا بقولك .
حاول جذبها مجددا قائلا بتعجب :
_ بس بقا .... خلاص البت هتموت فى إيدك .
ركلتها بساقها فتأوهت مهجة بشدة ...لم يحتمل أكثر فأنزلها على قدميها و لف ذراعه حول خصرها و إنحنى قليلا و دس ذراعه خلف ركبتيها و حملها بين ذراعيه و دلف بها داخل شقة جدتها تحت أنظار ليال و رامى المصدومين ....
لم تفسر إبتسامة عينيه الغريبة و هو يطالعها عن قرب ... قائلا بمزاح :
_ إيه القوة دى يا بنتى إتهدى بقا شوية .
حاولت أن تبدو جادة و هى تتطلع داخل عينيه الدافئة و التى ملأتها بشعور باتت تكرهه ... مجرد نظرة منه أشعلت فتيل قلبها فإنفجر و قد تزايدت قوة نبضاته و التى شعر بها تضرب صدره القوى لقربها منه .... فتمالكت مجددا و عبست بشدة و قالت له بضيق :
_ إنت شايلنى كده ليه نزلنى .
قطة برية ... فصغيرته البريئة الناعمة تحولت لقطة برية و مخالبها متحفزة دائما للهجوم ... قد تخدعك بجمالها و لون عيناها الساحر و لكنها فجأة تنقض عليك كوحش كاسر ... لم ينكر أنه رغم غضبه منها ... إلا أنه مستمتع بتمردها و قوة شخصيتها ... و هيأتها المسلية و هى تطالعه بضيق فقال لها راسما الحدة على وجهه :
_ يعنى مش هترجعيلها تانى .
أجابته بجمود بعدما قست عيناها و إشتد بأسها و قالت و هى تطالعه بنظرة قوية إعتادت أن توقف بها المتطفلين أمثاله عند حدودهم :
_ و إنت مالك أصلا ... نزلنى بقا .
أنزلها برفق على قدميها .. فإعتدلت و عدلت من هندامها و سارت للخارج .. فقبض على معصمها و قد قرر بل أقسم بداخله أن يقلم لها أظافرها و التى ربما تطاله هو ... جذبها ناحيته و قل لها محذرا :
_ لمى لسانك ده ... أنا لحد دلوقتى صابر عليكى و إنما للصبر حدود .
أشاحت بيدها بوجهه بإستخفاف من كلماته و قالت بتحدى :
_ على فكرة بقا الست قالت برضه وصفولى الصبر لقيته خيال ... يعنى خلى صبرك لنفسك .. و سيب إيدى .
تطلعا رامى و ليال ببعضهما بتعجب و إلتفتوا على توجه غزل للخارج مجددا يتبعها فارس بيأس ... وقفت أمام مهجة و إنحنت نحوها و قالت بنبرة محذرة :
_ هسيبك المرة دى ياااا ... يووه نسيت إسمك تانى .. لهجة باين و لا إيه .. ما علينا إبعدى عنى و عن ليال ... مفهوم .
إنتبهت مهجة لوقفة فارس فقالت بدموعها لجذب إستعطافه و هى تتطلع إليه بهيام :
_ شوفت يا ريس عوو عملت فيا إيه البت دى .
رق قلب فارس على حالتها و ملابسها الممزقة و الدماء بوجهها ... فمال عليها و مد يده نحوها قائلا بشفقة :
_ هاتى إيدك يا آنسة مهجة .... معلش .
تمسكت بكفه و وقفت بتثاقل .. كففت دموعها و تطلعت داخل عينيه و إقتربت منه قائلة :
_ أبقى فى حمايتك يا سى فارس و البت دى تضربنى يرضيك .
أجابها بعقلانية :
_ لو ليكى حق ... هيرجعلك .
و ربت على كفها كى تهدأ ... و كان هذا كفيلا لوصولها لأقصى مراحل غضبها فإنتشلت يده بعيدا عن تلك الحمقاء و قالت بغضب :
_ ما تلم نفسك .
تطلع ناحية غزل بغضب و قال متعجبا :
_ ألم نفسى ..... ما تسيطرى على لسانك لصوتك يوحشك .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بسخرية :
_ over جدا يا معلم .
و عادت بعينيها مجددا لمهجة و رفعت سبابتها بوجهها و قالت بقوة :
_ لو فكرتى بس تقربى منى أو من ليال هفعصك تحت جزمتى ياااا ... يااا يادى النيلة ... يا لهجة باين و لا بهجة و لا ... و لا نعجة أظن ... لأ لأ إفتكرت .. بؤجة .
حاول فارس كتم ضحكاته بالقوة ... فإندفع رامى ناحية مهجة و وقف أمامها بصورته المنفعلة المخيفة و سألها بحدة :
_ بت إنتى ... إنتى إتعرضتى لليال تانى .
هزت رأسها بالنفى و قالت مسرعة :
_ لا و الله يا سر رامى و إسألها .. ده هى اللى ضربتنى .
مسد فارس أعلى أنفه بيأس و صاح قائلا بهدوء :
_ يا ليال ... تعالى لو سمحتى .
خرجت ليال و وقفت أمامه و قالت و هى تطالع مهجة بغضب :
_ أيوة .
فسألها و هو يتعمق فى ملامحها لرؤية صدقها :
_ مين اللى غلطان فى الإتنين دول ؟!
رفعت ليال سبابتها و أشات على مهجة و قالت بصوت محتد :
_ مهجة هى اللى إستفزت غزل و كل شوية تقعد ترخم عليها و تقولها يا سحلية ... و بتستناها على السلم كل يوم ... بس غزل ما إستحملتش المرة دى و خدت حقها .
حول فارس مقلتيه ناحية مهجة بغضب و قال بصوته الأجش :
_ صحيح الكلام ده .
إبتلعت مهجة ريقها بتوتر و أجابته بخوف :
_ مش بالظبط .... أنا ... أنا بهزر معاها .. بس هى ما إستحملتش هزارى .
إقترب منها خطوتين و حدجها بقوة قائلا بصرامة :
_ إطلعى على شقتك و لو فكرتى تهزرى معاهم تانى ...... شيلى منى بقا .
إتسعت عيناها برعب و هرولت لشقتها مسرعة ... حدجته غزل بغرور و تكبر و أشاحت بوجهها عنها و دلفت لشقتها ... ربت رامى على كف ليال بحنو و قال لها بهدوء :
_ إدخلى إنتى كمان و خلى بالك من نفسك ... و لو حد بصلك بس كلمينى و أنا همسحه من على وش الأرض .
أومات له برأسها و منحته إبتسامة ألجمته و عادت لشقتها ... إنتبه فارس على وقفته الجامدة فسحبه من ذراعه قائلا بضيق :
_ يالا يا عم إنت كمان ده وقت تناحتك .
و ترجلا الدرج و على ثغر فارس إبتسامة مرحة ... الآن فقط تأكد من عودة غزل و تذكر موقفهما القديم سويا .... ها قد عادت .. قطته البرية ....
بعد أن فقدت الأمل من أنه سيجيبها أحد ... إتكأت على عكازها و كادت أن تسقط أكثر من مرة حتى وصلت لباب غرفتها ... ففتحته و إستندت عليه و خرجت متثاقلة و هى تقول بذعر :
_ يا بنات ... مين اللى كانت بتصوت ... إنتوا كويسين .
إقتربت منها غزل مسرعة و قالت بعتاب رقيق :
_ إيه اللى قومك من السرير يا تيتة بس .
أجابتها رأفة بقلق :
_ سمعت صريخ و ندهت عليكم كتير محدش رد عليا .. هو فى إيه ؟!!
أعادتها غزل لغرفتها و مددتها على فراشها و دثرتها و جلست بجوارها قائلة لطمأنتها :
_ ماتقلقيش يا تيتة ده أنا كنت بضب اللى إسمها لهجة باين و لا بؤجة دى .
عقدت رأفة حاجبيها و سألتها بتعجب :
_ مين بؤجة دى يا بنتى .
أجابتها ليال و هى منهارة من الضحك :
_ دى قصدها مهجة يا تيتة ... بس غزل إديتها حتت علقة لولا العوو كان زمانها ماتت فى إيدها .
العووو ... دائما ما يحاصرها ... حتى وهو ليس موجودا معها ... وقفت غزل منتصبة بغضب وقالت :
_ هاقوم آخد شاور و أصلى و هاجى أتغدى معاكم لأنى تعبت النهاردة جدا .
و تركتهم و توجهت لغرفتها و عيونها تقدح شرارا .. كلما تذكر لمسته لتلك الوقحة لحمقاء ... صفعت باب غرفتها و قالت بغضب :
_ عاملى فيها محترم ... قليل أدب .
دلف كلا من رامى و فارس لشقتهم فإستقبلتهم زينب قائلة بقلق :
_ مين اللى كانت بتصوت دى يا ولاد ؟!
زم رامى شفتيه و قال بضيق :
_ ولاد إيه بس يا حاجة ... بقا طولنا و عرضنا ده و لسه بتقولى لينا ولاد ... عجبت لك يا زمن .
وضعت ذراعها بخصرها و قالت و هى تحدجه بغضب :
_ إنت هتكبر عليا و لا إيه يا واد إنت .. إنت نسيت لما كنت بشتالك على دراعى و تعملها عل......... .
وضع رامى كفه على فمها و قال راجيا :
_ مهاب واقف أبوس إيدك ... هيبتى هتروح قدامه ... و باعدين أنا أكبر عليكى يا نور عنيا .
أزالت كفه و قالت بحدة :
_ أيوة كده إتعدل .... قولى بقا مين اللى كانت بتصوت دى .
خلع سترته و قال بإرهاق :
_ لا و لا حاجة دى غزل كانت بتضرب مهجة علقة بس .
شهقت زينب بقلق و ضربت صدرها بيدها و قالت بدهشة :
_ يالهوى .... ضربتها علقة مرة واحدة .... ليه كده .
جلس بجوار فارس الشارد و قال و هو يتنقل بين قنوات التلفاز :
_ أصل مهجة ضايقتها فغزل عملت معاها الغلط و ظبطتها .
ثم إلتفت برأسه ناحيتها و قال ضاحكا بشدة :
_ اللى يضحك بقا منظر ليال و هى بتضرب مهجة مع غزل .
مصمصت زينب شفتيها و قالت بعدم تصديق :
_ ليال تضرب ... مش ممكن ... ده ليال دى نسمة محدش بيسمع لها صوت .
عاد بعينيه للتلفاز و قال بجدية:
_ لا ما هى إتجرأت لما شافت غزل بتضربها
قفز مهاب وجلس بينه و بين والده و الذى مازال شاردا .. و قال بإعجاب :
_ أساسا غزل دى سوبر ومان ... جامدة كده و صارووووخ .
إلتفت فارس برأسه ناحيته و طالعه بغضب ... بينما اكد رامى على كلمات الصغير قائلا بهدوء :
_ هى فعلا قوية و عندها شخصية .... بس ما أنكرش إنها صارووووخ .
إمتعض وجه فارس و صك أسنانه بغضب و تركهم ... غمز مهاب لرامى وقال مداعبا :
_ هقول لليال على فكرة .
صفعه رامى على مؤخرة عنقه و قال بضيق :
_ ياض هو أنا ضُرتك ... إشتالنى من دماغك أحسنلك .
و فجأة إنتفض الجميع على غلق فارس لباب غرفته بالقوة ... فعادت زينب بعينيها لرامى و سألته بقلق :
_ و ده ماله إن شاء الله .
إبتسم رامى بسخرية و قال مازحا :
_ أصل و هو بيخلص فى الخناقة غزل طالته بعصبيتها .
عبست قليلا و حركت رقبتها يمينا و يسارا و قالت بتعجب غاضب :
_ نععععععم ... هى مين دى اللى تطول إبنى و أنا عايشة .
ثم إعتدلت فى وقفتها و قالت بعزم :
_ لأ .. كده أنا لازم أزورهم و أشوف غزل دى .
جلس مهاب على الأريكة بركبته حتى أصبح مواجها لجدته و الواقفة خلفه و قال برجاء :
_ أروح معاكى و النبى يا تيتة ... علشان خاطرى .
قرصت وجنتيه و قالت بحنو :
_ هاخدك معايا طبعا يا روح تيتة .
جذبه رامى من قميصه و قربه من وجهه و قال محذرا :
_ إياك تقرب من ليال يا سى هباب إنت .... سامع .
خلص مهاب نفسه من قبضة رامى و عدل من هيأته و إعتدل فى جلسته قائلا بغرور :
_ على فكرة هى اللى بتبوسنى .
هدر به رامى بعصبية قائلا :
_ عليا يا إبن العوو .... طب أعرف بس إنك قربتلها و أنا هقصلك شعرك اللى إنت فرحان بيه ده زيرو .
ضحكت زينب على شجارهم المستمر و قالت مازحة :
_ و زعلان قوى إنى بقولك يا ولد ... طب وربنا مهاب فيه عقل عنك .
وضع مهاب ساقا فوق الأخرى بتكبر بعد كلمات جدته ... فركل رامى ساقه بقدمه و إلتفت لزينب قائلا بضجر :
_ إحنا مش هنتغدى و لا إيه ... و رانا أشغال يا أما .
أخذ يتطلع لصوره السابقة بإبتسامة حزينة ... هنا و هو يقود دراجة نارية و ورائه إحدى الفتيات تلف خصره بذراعيها ... و أخرى و هو يجلس بجوار رامى على رمال الشاطئ بعدما قضوا ساعات طويلة فى السباحة ..... و أخرى و هو يقف مبتسما بفرحة مرتديا بدلة سوداء و رابطة عنق سوداء و بجواره فارس ببدلة عرسه و العروس إبنة خالته و التى تعلق ذراعها بذراع فارس الشارد كعادته .....
نثر تلك الصور على الأرضية و هو يلعن غبائه و الذى أودى بحياة إبنة خالته و جعله سجين كرسى ....
إلتفت برأسه ناحية الشرفة المجاورة لشرفته مستمعا لضحكات ميناس الرنانة و الرقيقة .... أكله الفضول و القلق عن هوية المتصل و الذى يضحكها بهذا الشكل ... فإلتف بكرسيه مسرعا و تعثر أكتر من مرة بالبساط و هو يتحرك بسرعة حتى أدار مقبض غرفته و خرج متوجها لغرفة ميناس ... أدار مقبضها و إسترق السمع عله يمسكها متلبسة بجرمها و الذى طالت أو قصرت المدة ستقع به .... وجدها جالسة على فراشها و عاقدة ساقيها ببعضهما بقميص نومها القصير و تتوالى ضحكاتها ثم قالت بلهاث :
_ بجد يا لولو ........ براڤوا عليكى يا غزل و الله ................ أهه ده اللى مش مصدقاه إنتى يا ليال تضربى حد ........... لا كان لازم أشوف الخناقة دى بنفسى ........ بس البت مهجة دى تستاهل ......... بؤجة هههههه ............ يالهوى عليكى يا غزل دى كارثة ..... .
لملمت شعراتها خلف أذنها فإنتبهت لوقفة حمزة بكرسيه أمام باب غرفتها...... فإبتلعت ريقها بتوتر و قالت مسرعة :
_ سلام دلوقتى يا ليال .... هكلمك تانى .
و إنتفضت واقفة و قالت بتوجس قلق :
_ محتاج منى حاجة يا حمزة .
حرك كرسيه و دلف لمنتصف غرفتها و إقترب منها قائلا بحدة :
_ صوت ضحكك واصل لآخر القصر .... يا ريت يكون فى سبب مقنع .
فركت أناملها من التوتر و القلق و هى ترى شرارات غضبه تنبعث من عينيه و قالت بتلعثم :
_ دى ... دى ليال كانت بتحكيلى عن خناقة غزل و مهجة جارتنا .. فا .. فضحكت غصب عنى و الله .
رفع سبابته و قال لها محذرا بغضب :
_ لو صوتك عِلى تانى هندمك و الله .. مفهوم .
أومأت برأسها بقوة و قالت مسرعة :
_ حاضر مش هكررها تانى .
تأملها قليلا بقميص نومها القصير و الذى يظهر الكثير من جسدها الأنثوى و شعراتها الطويلة المنسدلة على ظهرها و بياض بشرتها المشع و الذى يسلبه لبه و يثير بداخله مشاعر باتت مرهقة ....
إنتبهت ميناس لتأمله لجسدها ... فإرتدت مأزرها مسرعة و لملمت شعراتها على جانب واحد و ضمت مأزرها كأنها تضم جسدها و الذى تعرى أمامه ...
إبتلع ريقه بإرتباك و قال بصوت متصلب :
_ هو أنا مش حذرتك كذا مرة ما تلبسيش هدوم زى دى تانى .
تسلل القلق و الخوف لقلبها من القادم بعد عبارته تلك و أجابته بملامح مذعورة :
_ أصل أنا كنت حرانة قوى و قاعدة لوحدى فلبست قميص نومى .
إجتذبها من معصمها فإقترب وجهها من وجهه فقبض على ذقنها بقوة كاد معها أن يخلع فكها من شدتها ... و هدر بها بعصبية قائلا :
_ كلامى يتنفذ و بس... و مش عاوز أشوفك بهدوم البيت تانى ... فاهمانى .
أومأت برأسها بصعوبة ... فدفعها بقوة فإرتمت على فراشها و قد إنطلقت دموعها على وجنتيها بقهر ... لم يحتمل المزيد و إلتف بكرسيه و خرج عائدا لمنفاه و وحدته القاتلة .....
مررت أناملها على ذقنها متألمة من قبضته ... و وقفت أمام مرآتها تطالع إحمرار ذقنها و الذى سيتحول لزرقة خافتة بعد قليل .. ثم خلعت مأزرها و تركته يسقط تحت قدميها و تأملت جسدها بالمرآة و هى تسأل نفسها هل يراها دميمة لهذا الحد الذى يجعله ينفر من رؤيتها بقميص نوم .... إزداد إنهمار دموعها بحرقة ... حتى تعالى صوتها و تحول لنحيب على حالها ...
كما وصله صوت ضحكاتها وصله صوت نحيبها المؤلم ... فقبض بأنامله على شعراته بقوة و هو يكبت صرخة مدوية بداخله ... فما كان منه إلا أنه وضع كفيه على أذنيه مانعا ذلك الصوت الحاد كنصل سكينة يقطع قلبه بألم من المرور لأذنيه نافذا لقلبه .......
فى المساء توجهت زينب برفقة مهاب لزيارة رأفة و المباركة لليال ... بالحقيقة أصل الزيارة هو فضولها للقاء غزل و التى يتحدث عنها الجميع ... لم ترها منذ كانت طفلة بعمر مهاب تقريبا .. فتلك الصغيرة و التى رغم صغر سنها إلا أنها لها فضلا عليهم لآخر العمر ...
إستقبلتهم ليال بإبتسامتها المشرقة قائلة بترحاب :
_ اهلا و سهلا يا ماما ... إتفضلى .
عانقتها زينب و قبلتها قائلة بفرحة :
_ حبيبة قلبى ... أخبارك إيه يا عروسة .
بادلتها ليال عناقها و قالت بحب :
_ الحمد لله كويسة يا ماما .
ربتت زينب على ظهرها و قالت بحنو :
_ وحشتينى يا حبيبتى .
إبتعدت ليال عنها قليلا و قالت و هى تداعب مهاب :
_ و إنتى وحشتينى أكتر ... إتفضلوا .
و أشارت على غرفة رأفة .. فساروا نحوها و دلفوها سويا ... فإعتدلت رأفة فى جلستها و قالت بفرحة :
_ يا أهلا و سهلا البيت نور .
إقتربت زينب منها و عانقتها و قبلتها قائلة :
_ أخبارك صحتك إيه يا حاجة رأفة .
حركت رأفة رأسها و أجابتها بإبتسامة هادئة :
_ نحمده .... إزيك إنتى يا أم فارس .
جلست زينب على أريكة أمامها و قالت :
_ كويسة الحمد لله ... مبروك لليال يا حبيبتى تفرحى بعيالهم فى حياتك .
هزت رأفة رأسها بإيماءة خفيفة كتعبير عن رغبتها و قالت بتمنى :
_ يارب ... ربنا يديم علينا الصحة و نشتال عيالهم و نفرح بيهم زى ما فرحنا بأبوهم و أمهم .
تلفت مهاب حوله و سأل ليال بفضول :
_ هى فين غزل يا لولو ؟!
أجابته و هى تعتزم الخروج من الغرفة :
_ غزل فى أوضتها يا حبيبى روح إندهلها .
ركض مهاب مسرعا ليلحق بليال و توجه ناحية غرفة غزل التى كانت تتابع حاسوبها و هى تضع سماعات الأذن و تستمع لموسيقى غربية هادئة إعتادت أن تسمعها قبل دلوفها لغرفة العمليات ....
لم تنتبه لطرقات مهاب الناعمة .. فإضطر أن يفتح الباب و يطل برأسه للداخل فرآها .... إبتسم و قال بمداعبة :
_ ممكن أدخل و لا لأ .
إلتفتت غزل برأسها ناحيته و إبتسمت بفرحة و تركت حاسوبها على الفراش و نزعت سمعاتها و إعتدلت فى جلستها قائلة :
_ هوبا .... إنت جيت إمتى .... تعالى .
دلف للغرفة قائلا :
_ أنا جيت مع تيتة و هى برة .
قرصت له غزل وجنتيه و قالت بصدق :
_ يا واد إنت أنا بقيت بموت فيك .
غمز لها بعينه قائلا بثقة :
_ ده العادى بتاعى ... ده البنات فى الكى چى هيموتوا عليا .
ضحكت غزل ضحكة رنانة و قالت بمداعبة :
_ يا واد يا جامد .... ده إيه الثقة دى .
عدل من ياقة قميصه و قال بتفاخر :
_ ده أنا إبن فارس العوو .... إنتى مش بتشوفى البنات فى النادى بيعملوا إيه علشان بابا يرضى يكلمهم .. دول بيجيبولى شيكولاتة و حاجات كتير قوى .
تصنعت غزل الإبتسام و فى داخلها شعور غريب بالغضب ... فسألته بخبث مستتر بالبرائة :
_ و بابا بيوصلك النادى دايما .
قفز و جلس بجوارها على الفراش و قال ببساطة :
_ تقريبا أيوة .
إبتسمت بسخرية و قالت بحدة :
_ طبعا لازم يوصلك أمال يسيب البنات دول لوحدهم ... قصدى يسيبك لواحدك .
جذبها مهاب من كفها و قال بحماس :
_ تعالى معايا أعرفك على تيتة بتاعتى .
وقفت و هى عابسة و شاردة فيما قاله مهاب ... و لم تشعر بنفسها و هو يجذبها خلفه حتى إنتبهت انها تقف أمام زينب فقالت مسرعة :
_ السلام عليكم .
وقفت زينب مشدوهة و هى تطالع جمال غزل بإعجاب و قد زاد بريق عينيها ... فخرج صوتها مندهشا و هى تسألها بترقب :
_ إنتى غزل صح .
أومأت غزل برأسها و قالت بهدوء :
_ أيوة ... أهلا بحضرتك .
و فجأة إتسعت عينى غزل بتعجب من ضمة زينب لها بود زائد و تلك القبلات المتتابعة على وجنتها اليمنى تلتها نفس عدد القبلات المتتالية على و جنتها اليسرى ... و التى معها جحظت عينى غزل .... إنتهى سيل القبلات فتطلعت زينب بغزل و قالت بإعجاب :
_ يا أختى ما شاء الله زى القمر .... أخيرا رجعتى يا غزل .
إبتسمت غزل بمجاملة و قالت بتوجس :
_ Thanks .
قطبت زينب حاجبيها بعدم فهم و تسائلت بتعجب :
_ نعم يا بنتى ؟!!
أجابها مهاب مسرعا و هو يخفى ضحكاته على جهل جدته :
_ بتقولك شكرا يا تيتة .
إبتسمت زينب مجددا و قالت و هى تجذب غزل من ذراعها فسقطت جالسة بجوارها :
_ العفو يا بنتى ... تعالى يا غزل إقعدى جنبى .
تململت غزل فى جلستها و تطلعت ناحية رأفة تستفهم منها عن ذلك الود الزائد للغاية ... فأومات لها رأفة برأسها و طالعتها بلوم ... فإلتفتت غزل ناحية مهاب المتصنم و يطالعها بأعجاب و عيونه تتقافز منها القلوب الحمراء العاشقة .... فإبتسمت بيأس و حملته و أجلسته على ساقيها و داعبته فتعالت ضحكاته .....
دلفت ليال للغرفة حاملة صينية عليها أطباق من الحلويات و مشروبات باردة ... و وضعتها أمامها و جلست بجوار رأفة ... فسألتها زينب بجدية :
_ بدأتى تجهزى نفسك يا عروسة .
توردت وجنتي ليال بخجل و أجابتها قائلة :
_ من بكرة إن شاء الله هخرج مع غزل نشترى اللى ناقصنى .
إبتسمت زينب و هى تعود بعينيها ناحية غزل تتفرس فى جمالها و تلك المنامة الزرقاء الضيقة و التى برزت منها مفاتن غزل .. و ملست على شعراتها السوداء الناعمة اللامعة و قالت بحنو :
_ عقبالك يا غزل يا بنتى .
إحتدت نظرات غزل و أجابتها مسرعة :
_ لأ ... شكرا يا أنطى مش بفكر دلوقتى غير فى مستقبلى و شغلى و بس .
زمت زينب شفتيها بتعجب و تسائلت بإهتمام :
_ و إنتى بتشتغلى إيه بقا ؟!!
أجابتها غزل مسرعة :
_ انا دكتورة يا أنطى .
تطلعت إليها زينب بفخر و قالت لرأفة :
_ ربنا يباركلك فيها يا حاجة .... دى حاجة تفرح و الله .
إنتعشت رأفة بزهو و قالت و هى تطالع غزل بفخر :
_ ربنا يحميها و يوفقها فى حياتها .
أرسلت لها غزل قبلة بالهواء و عادت لمداعبة مهاب و زينب تزداد برأسها فكرة ما لمعت أكثر و هى تطالع حنية غزل فى التعامل مع ذلك اليتيم الراغب فى أم حنون تعوضه ما إفتقده سابقا .....
فى الصباح توقف فارس بسيارته أمام مشفاه ... فإستقبله أحد موظفى الأمن و فتح له باب سيارته فحمل حقيبته و ترجل منها مبتسما لذلك الش?