📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل السادس 6 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل السادس 6 بقلم آية احمد عرفة


وجع لا يشبه سواه"


ظـــــــل البـــــراء

آية أحمد عرفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تفرّق الجميع بعد أن استمعوا إلى حديثه وقدّموا اعتذارهم أيضًا. أنهى مهاب المكالمة ونظر إلى براء قائلًا:
- "أنا كلمته وهو مستنّينا. بإذن الله يقدر يشيل الصور."

هزّ براء رأسه، ثم نظر إلى أدهم الذي كان يقف شاردًا، فهزه بخفّة:
- "يلا."

انتبه أدهم لهما، وهز رأسه موافقًا، وسار معهما. ذهب مهاب ليجلب السيارة، ولم يلبث أن عاد بعد قليل ليستقلّوا بها سويًا، متوجهين إلى الشخص الذي قال مهاب إنه يعرفه ويمكنه حذف صورها من السوشيال

مر بعض الوقت، توقفت السيارة داخل منطقة راقية في الزمالك.
ترجلوا منها، وجذب براء أخاه ممسكًا بكتفه، قائلًا باستغراب:
- "الهكر اللي قولت عليه هنا؟!"

هزّ مهاب رأسه مؤكدًا، فازدادت دهشة براء، وقال أدهم وهو يشاركهما الاستغراب:
- "مهاب إنت متأكد إنه هيساعدنا؟"

أجابه بثقة:
- "هيساعدنا طبعًا دا صاحبي من أيام الكلية."

تمتم براء ساخرًا:
- "ما دام صاحبك يبقى عقله طاقق زيّك."
ثم استرسل بحدّة:
- "وانت مصاحب هكر ليه؟ ها؟ رد عليّ! إزاي تقبل تعمل كده؟!"
1

أسرع مهاب يصحّح له سوء فهمه:
- "لأ هو هكر شريف جدًا!"

التفت إليه أدهم بنفاد صبر:
- "هو فيه هكر شريف وهكر مش شريف؟! إنت عايز تجنّني ولا إيه؟"

ردّ مهاب بعجلة وهو يقترب من العمارة:
- "دلوقتي هتفهموني."

ودلفوا خلفه، يصعدون الدرج حتى توقّفوا أمام باب الشقّة. ضغط مهاب على الجرس، وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتح الباب، وخرج شاب يقول بهدوء:
- اتفضلوا.

دلفوا إلى الداخل، فصافحه مهاب قائلاً:
- ازّيك يا أويس؟ أخبارك إيه؟
فأجابه بابتسامة هادئة:
- بخير الحمد لله.
2

كادوا أن يتقدّموا للداخل، لكنه أوقفهم سريعًا قائلاً:
- لو سمحتم اقلعوا الجزم.

هزّ مهاب رأسه موافقًا، وانصاع الباقون، فالشقّة مرتّبة ومنظّمة بعناية شديدة.

جلسوا في الريسيبشن، ليأتي إليهم وهو يحمل اللابتوب. وضعه على الطاولة وجلس، ثم نظر إلى مهاب متسائلًا:
- اتفضل قولّي. إيه اللي في إيدي أقدر أعمله؟

انتظر مهاب أن يبادر أحدهم بالحديث، فقال براء بهدوء:
- في صور عاوزين نشيلها من على السوشيال.

هزّ أويس رأسه موافقًا، وفتح اللابتوب، ثم أخذ منهم التفاصيل. استغرق بعض الوقت يعمل بصمت، قبل أن يرفع نظره أخيرًا قائلاً بثبات:
- مسحتهم.


نظروا إليه، فقال أدهم بعدم تصديق:
- متأكد إنك مسحتهم كلهم؟

نظر أويس إلى مهاب قائلاً بنبرة تحمل يقينًا:
- شكل مهاب ما قالّكش هو جايبك عند مين. بس عمومًا أويس نصّار يعرف هو بيعمل إيه كويس قوي. مدام قولت اتشالوا يبقى اتشالوا خلاص.

ثم نهض مبتعدًا، لينظر أدهم إلى مهاب بضيق:
- صاحبك وقِح ومغرور هو فاكر نفسه إيه؟

حاول مهاب تصحيح سوء الفهم قائلاً:
- لا لا أويس مش مغرور ولا حاجة، هو بس مش بيحب يتكلم كتير.

مرّت دقائق قليلة، قبل أن يعود أويس وهو يحمل صينية عليها أربعة أكواب من الشاي. وضعها على الطاولة وجلس قائلاً:
- عملت شاي، ومكنتش محتاج أسأل مفيش مصري ما بيشربش الشاي.
1

رفع كوبًا وقدّمه لبراء، ثم حمل الآخر وقدّمه لأدهم الذي قال بضيق:
- مش محتاجين ضيافة الصور كلها اتمسحت فعلاً ولا لأ؟

لكن أويس ردّ ببرود شديد:
- اتفضل الشاي.

أخذه أدهم على مضض، بينما ناول الكوب الثالث لمهاب الذي شكره، ثم جلس أويس بارتياح، ونظر إلى أدهم قائلاً فجأة:
- انت أخوها صح؟

نظر أدهم إليه باستغراب، فتابع أويس وكأنه قرأ عينيه:
- بدام محروق كده يبقى يا جوزها يا أخوها. بس إيدك مفيهاش دبلة يبقى أخوها عامة أنا شيلت الصور. لا على جروبات ولا مواقع. بس على فكرة الصور دي متركّبة.

وضع أدهم كوبه على الطاولة ونظر إليه مصدومًا:
- عرفت إزاي؟

أجابه أويس ببساطة:
- أنا أقدر أكتشف الموضوع بسهولة حتى لو اللي ركب محترف. بس مش عليّا. وكمان دلوقتي بقى سهل جدًا إن حد يركّب الموبايل.

قال براء بعدم فهم:
- يعني إيه؟

- يعني يهكره. الموضوع بسيط قوي لو حد بعتلك لينك من رقم مش تعرفه وفتحته. في ثواني الموبايل يتفتح قدامه.

ثم تابع بأسف:
- كتير بقوا يعملوا كده للأسف بيستخدموا التكنولوجيا بطريقة مؤذية للّي حواليهم.

علّق أدهم بسخرية لاذعة:
- وانت ما شاء الله عليك هكّر قد الدنيا!

لكن أويس قابله ببرود ثابت:
- أنا هكر آه. بس شريف.
واستخدمه في الخير زي دلوقتي كده. وحط تحت كلمة شريف مليون خط أحمر.

قال مهاب معتذرًا:
- معلش يا أويس هو مش يقصد.

وتدخّل براء ليسأل:
- عاوز كام حق شغلك؟

ردّ أويس بثبات:
- مش باخد على الموضوع ده فلوس. ده أجر بكسبه وربنا يستر علينا جميعًا.

ثم قال أخيرًا:
- وبصّ شوف موبايل صاحبة الصور دي. أنا متأكد مليون في المية إنه اتهكر بلينك.

هزّ براء رأسه، ونهضوا، وشكره مرة أخرى قبل الرحيل. صافحه مهاب قائلًا:
- على تليفونات بقى.


فابتسم أويس:
- مستني منك مكالمة.

هزّ مهاب رأسه مؤكدًا، وارتدى حذاءه، ثم هبطوا للأسفل، حيث استقلوا السيارة. كان أدهم يجلس في الخلف، شاردًا، لا يعرف كيف سيواجه أخته الآن وقد اكتشف أن الصور كانت مركّبة. نظر إلى يده التي امتدت عليها بغضب شديد كيف فعل ذلك؟! بحياته ما رفع يده على أحد ويوم ما فعلها، تكون على أخته الصغيرة غضب من نفسه من تسرّعه من كونه لم يملك التحكم في نفسه
نظر إليه براء من خلال المرآة، وقد فهم من ملامحه ما يعتصره، فهو يعلم أنّ أدهم قد أساء كثيرًا في حقّ أخته. أمّا مهاب فكان يركّز على القيادة بصمت.
2

ــــــــ

داخل بيت علوان، كانت فاطمة قد غادرت مع ابنها وليد، بينما ظلّ علوان داخل غرفته، عاجزًا عن تصديق أن الفتاة التي ظهرت في تلك الصور هي ابنته سكن. يعرف جيدًا تربيته لها كيف لعينيه أن ترى شيئًا كهذا؟ وكيف له أن ينكره؟

في غرفة سكن، كانت سندس تساعدها على تبديل ثيابها. وبمجرد أن انتهت، تمدّدت سكن على الفراش، تضم جسدها كمن يحتمي من ألم يعصف بروحه. جلست سندس إلى جوارها، تربّت على شعرها برفق وهي تقول بحنوّ:
- سكن قولي أي حاجة تطمنيني عليكي. سكوتِك بيقلقني.

تابعت بحزن:
- أنا عارفة إن أدهم غلط في حقّك جامد ومكنش لازم يعمل كده. كان لازم يسمعك يعرف أخته على إيه. بس هو مَدّاش لنفسه فرصة.
لكن أنا أختِك الكبيرة وحاسّة بيكي. عشان خاطري اتكلمي. قولي اللي جواكي. أنا الوحيدة اللي هفهمك في الدنيا دي.

صمتت سكن، بلا حيلة. ما زالت تحتضن نفسها، تأخذ وضعية جنين يبحث عن أمان مفقود، وعيناها شاردة، كأنها لا ترى شيئًا سوى اللحظة التي كسرت قلبها.
تنهدت سندس، ودعت لها بصوت خافت تدعو أن يتيسّر حال أختها ويبرأ وجعها.
أخيرًا، خرجت الكلمات من بين شفتي سكن، مكسورة، ضعيفة:
- أنا مقهورة.

رفعت سندس عينيها إليها، فتابعت سكن بنبرة مختنقة، والدموع تهطل على وجنتيها:
- أنا مش عارفة عملت إيه عشان أعيش دا كله أنا مش استاهل كده عمري ما آذيت حد ولا عملت حاجة وحشة في يوم!

أمسكت سندس يدها بحنان وقالت:
- بلاء يا سكن مش إنتي. أي حاجة بتحصل معانا مش بنفهمها دلوقتي، بس بتكون اختبار. يمكن يكون فيها خير حتى لو مش شايفينه.

ردّت سكن بقهر يفتت القلب:
- بس صعب صعب أوي، لدرجة إني بتمنى أموت ولا أشوف نظرة الناس ليا وأولهم أهلي!

صمتت سندس. لا يوجد كلام في الدنيا قادر على تضميد جرح مثل جرح أختها. لكنها عادت لتربّت على شعرها قائلة بهدوء ينساب كماء بارد فوق نار:
- وإن مع العسر يسرا يا سكن ربنا ما بينساش حد. ولو نسي الناس كلهم هو عمره ما هينسى.

ـــــــــ

توقّفت السيارة أسفل العمارة، وترجّل منها أدهم وبراء. اقترب براء منه قائلًا:
- بكرة بالليل هجيب المأذون ونيجي نكتب الكتاب واخدها.
2

هزّ أدهم رأسه موافقًا، ولم يكن يفهم شيئًا. حيّ السيدة زينب بأكمله يعلم الآن أنه سيتزوج سكن. تابع براء حديثه بصوت ثابت:
- راضي أختك عشان انت غلطت جامد في حقّها.

تنفّس أدهم كأن جبلًا جاثمًا فوق صدره. قال بصوت مثقل بالقهر:
- مش عارف أحط وِشي في وشّها بعد اللي عملته. أنا مستصغر نفسي أوي. كنت لازم أبقى سند أقف قدّام عمّتي وكلامها. بس أنا كنت جلّاد ليها. بدل ما أكون أمان.

قالها ودلف إلى العمارة بخطوات مثقلة، بينما تابع براء أثره، ثم عاد ليستقلّ السيارة.

نظر إلى أخيه مهاب قائلًا:
- يلا اطلع. مستني إيه؟

ردّ مهاب بتساؤل لم يعد يتحمّل كتمه:
- ليه؟

- ليه إيه؟

- هتتجوزها؟

وتابع باستغراب أكبر:
- فجأة كده تعلن جوازك من سكن؟! أنا مبقتش فاهم حاجة!

نظر براء أمامه وقال بهدوء غريب:
- أصلي اتنغزت.

ازدادت دهشة مهاب:
- يعني إيه اتنغزت؟

تنهد براء ونظر للطريق أمامه كأنه يرى شيئًا لا يراه أحد:
- النغزه بتيجي للإنسان مرة واحدة. وهي جت لي مع سكن.
3

ثم ابتسم مازحًا:
- مسيرك تفهم قصدي بس مش دلوقتي. لما تتنغز. لما تلاقي اللي هتبقى سبب نغزتك بس يا رب ما تبقاش سبب وكستك يا هوبا.
2

ضحك مهاب على آخر حديثه، ثم أدار السيارة وانطلق.

ـــــــــــــ

دلف أدهم إلى الشقّة. كان الهدوء يخيّم على المكان. أخذ نفسًا عميقًا، واقترب من غرفة سكن، ثم فتح الباب ودلف.

قال بحرج شديد:
- احم سكن كنت عاوز أتكلم معاكي.

انتفضت سكن بمجرد سماع صوته، وتمسّكت بسندس بكل خوفها تجمّد أدهم في مكانه مذهولًا من ردّ فعلها. لم يتخيّل يومًا أن تراه هكذا تهرب منه. وازداد ذهوله حين رأى أنها تختبئ داخل حضن سندس كأن وجوده أصبح خطر عليها وهنا شعر أدهم لأول مرة بأن جريمته بحقها كانت أكبر بكثير مما يظن.

أصعبُ الجراح ذلك الذي يأتي من يدٍ خِلتُها سندي.
ذلك الذي لا تراه العيون، لكنّه يغرس في القلب شرخًا
لا يلتئم مهما مرّ عليه الزمن كيف أشرح وجعي؟
وهو ليس وجع خِصامٍ عابر، بل وجع أخٍ كان أماني
ثم صار خوفًا.
1

اقترب وجلس على الفراش، ونظر إلى سندس قائلًا بهدوء:
- "عاوز أتكلم مع سِكن لوحدنا."

تمسكت سكن بأختها أكثر، وهزّت رأسها نافية، رافضة أن تتركها وتغادر.
أعاد أدهم حديثه برفق:
- "سندس اطلعي."

لكنها قالت بضيق يمزجه العتاب:
- "في إيه تاني عاوز تتكلم معاها فيه؟ مش كفاية اللي عملته فيها؟ أنا بجد مش قادرة أستوعب إنك تصدّق حاجة زي دي عليها."

زفر بضيق، يجلده الندم؛ فهو يؤنّب نفسه منذ اللحظة الأولى، ويعلم أنه أخطأ، ولهذا جاء إليها الآن. نظر إلى سِكن قائلًا بأسى:
- "مش عارف أقولّك إيه بس أنا آسف. أنا غلطت في حقك وخذلتك. بدل ما أكون ضهرك اللي تتسندي عليه كنت زيهم. مخي وقف أول ما شوفت الصور، معرفتش أتصرف إزاي ولا أعمل إيه. سِكن أنا متفهم زعلك وقهرك، وأنا كمان حزين وندمان على اللي عملته."

استرسل وهو ينظر إليها بثبات:
- "في واحد مسح الصور من على السوشيال خلاص مبقوش موجودين."

لكنها قالت بنبرة مقهورة ودموعها تهطل على وجنتيها:
- "حتى لو مبقوش موجودين الناس موجودة، وهتتكلم. الناس أكتر حاجة بتحبّها الكلام."

قالتها وهي شاردة، وعيناها تزوغان من الإرهاق. نظر إليها، لا يعرف كيف يفتح الموضوع الآخر كيف يخبرها بزواجها من براء. تنحنح يحاول ترتيب كلماته قبل أن يقول أخيرًا:
- "سِكن يعني الناس خلاص مش هتتكلم بما إنك هتكوني على ذِمّة راجل."

رفعت نظرها إليه بصدمة، واتسعت عينا سندس بعدم تصديق.
قالت سِكن بعدم فهم:
- "راجل مين؟"
ثم تابعت بضيق:
- "ردّ عليّ يا أدهم راجل مين ده؟! ومين قالّك إني هقبل أتجوز بالطريقة دي؟! أنا مش رخيصة للدرجة دي!"

صرخت في وجهه، متألمة، فحاول أن يتفهم غضبها وهو يقول بهدوء:
- "بس هو مش أي حد يا سِكن ده محبوب جدًا في السيدة زينب وكلمته مسموعة. الناس أول ما عرفوا إنه هيتجوزِك كلهم اعتذروا على اللي عملوه. صدقيني، ده أفضل حل ليكي دلوقتي. أنا عارف إنه صعب تتقبّليه، خصوصًا إنك مش تعرفيه بس مسيرِك تعرفيه بعد الجواز. هو أخو صاحبي، وأنا عارف العيلة دي كويس، وكمان عمري ما أرخصك. هو اللي طلب يتجوزك وأنا وبابا وافقنا."

قالت بحزن مخنوق:
- "هو مين؟"

رد بهدوء:
- "براء الزيني."

انهمرت دموعها، وقالت سندس مذهولة:
- "بس ده متجوّز!"

هزّ أدهم رأسه:
- "أيوه بس صدقيني ده الحل الوحيد. جوازك من براء هيخرس كل الألسنة عشان هما عارفينه كويس."

قالت سِكن بتيه، وهي تنظر إليه بعينين مشوبتين:
- "يُخرس كل الألسنة على حسابي أنا؟! أنا بقيت بالنسبة لكم فضيحة عايزين تخلصوا منها؟! وهو جاي يستغل الموقف ويطلب إيدي عشان متأكد إنكم هتوافقوا؟!"
ثم تابعت بقهر:
- "حتى بابا خذلني أنا بجد مش عارفة أقول لكم إيه. إزاي تقبلوا عليّ أتجوز بالطريقة دي؟! وكمان واحد متجوز!"

تنهد أدهم بضيق أكبر:
- "قولتلك لما تبقي مراته محدش في السيدة زينب هيجرؤ يرفع عينه في عينِك. براء الزيني خيره على الكل، وعشان كده ما ترددتش إني أوافق. ولا كنتي عايزة تبقي لوليد ابن عمتِك الصايع؟"
ثم أنهى بجمود:
- "خلاص يا سِكن الوقت فات. جوازك بكرة. وأرجوكي سامحيني أنا لحد دلوقتي مش قادر أسامح نفسي. خصوصًا بعد ما عرفت إن موبايلك اتهكر من لينك اتبعتلك."
نظر إليها مستفسرًا:
- "قبلتي لينك من حد النهارده؟"

نظرت إليه بحيرة وسط الفوضى التي تحاصرها، ثم أحضرت هاتفها وأعطته له. فتحه، وقلب فيه حتى وجد حساب فتاة على الماسنجر مع رسالة محذوفة.
- "كانت باعتالك إيه؟"

قالت بصوت منهك:
- "كان لينك بتطلب مني المتابعة. فتحته ملقيتش حاجة، وما اهتمّيتش."

هزّ رأسه بتفهم:
- "وبعد ما الموبايل اتهكر حذفت اللينك كمان. كلامه كان صح."

لتقول سندس بتسأؤل:
- "كلام مين؟"

فأجاب أدهم:
- "الشاب اللي شال الصور."

ثم نظر إلى سِكن برجاء خافت:
- "لو لسه ليا معزة عندك سامحيني يا سِكن."

قال اخر كلماته وغادر الغرفة.
فانفجرت دموعها، وقامت متعبة. سألتها سندس بقلق:
- "رايحة فين؟"

أجابت بإرهاق شديد:
- "هروح أصلي وأدعي ربنا يخف وجع قلبي شوية ويزيح البلاء ده."

خرجت من الغرفة متجهة إلى الحمام، بينما ذهبت سندس لتجهّز الغداء.

وفي تلك الأثناء، كان أدهم يجلس داخل غرفة والده بعد أن سرد عليه كل ما حدث.
قال علوان أخيرًا:
- "سِكن ماعملتش حاجة غلط."

هزّ أدهم رأسه، فتنهّد الأب بارتياح قبل أن يقول:
- "بس كده إحنا بنظلمها بالجوازة دي صح؟"

فقال أدهم ثابتًا:
- "بابا الناس كلها عرفت إنها هتتجوز بكرة. وبالطريقة دي كلهم هيسكتوا."
3

هزّ علوان رأسه باقتناع؛ فهو يدرك أن ابنه محق فالناس لا يفعلون شيئًا سوى الحديث فيما لا يعنيهم.

ــــــــ

عجيب أمر الناس يبحثون في جراح غيرهم كأنها حقٌ مكتوب بأسمائهم، ويفتشون في أسرار البيوت
وكأنهم خُلِقوا ليكونوا قضاة على القلوب.

لا يعرفون وجعك لكنهم يحكونه بمهارة، لا يعيشون محنتك لكنهم يصنعون منها حكاية تليق بمجلسهم.
يتسلّون بدموعك، ويضحكون على الكسور التي اصابتك ثم يتركونك وحدك مع ثِقل ما قالوه وكأن كلمة منهم لا تكسر ولا تميت.

يا رب، احفظنا من ألسنةٍ لا ترحم، ومن قلوبٍ لا تعرف إلا الحكم على ما لا يعنيها، واجعلنا أقوى من كل حديث وأعلى من كل ظنٍّ قصير النظر.
2

ـــــــــــ

كانت سِكن تجلس على المُصَلّية بعد أن أدّت فرضها، وقد أثقل عقلها التفكير في حياتها التي ستبدأ غدًا يوم تصبح فيه زوجةً لرجل، وزوجةً ثانية أيضًا.
عمرُها كلّه ما تمنّت هذا لنفسها، ولا خطر ببالها يومًا أن تكون في هذا الوضع.

رفعت يديها وقلبها يضجّ بالدعاء

اللهم هو أخي، وإن قسا. وهو دمي، وإن جهل.
فاهدِ قلبه إليّ، وردّ بيننا ما انكسر.

لتتابع:
"يا رب إني ضعيفة أمام ما لم أعرفه، واجعل لي من أمري فرجًا، ومن حياتي خيرًا اهدني إلى الصواب فيما لا أعلم، واجعل قلوب الناس معي رحيمة لا تؤذيني، وارزقني الصبر والقوة على ما سيأتي،
واجعل ما أخافه خيرًا لي، وما أجهله نورًا لطريقي،
يا أرحم الراحمين.

ـــــــــ

داخل بيت الزيني، كان الجميع جالسين بعد أن طلب براء منهم الاجتماع لأمرٍ هام جدًّا. كانت والدته تطالعه بفضول، أمّا هند فكانت تفكّر في الأمر الذي سيقوله، وما هو ذلك الحدث الكبير الذي يستدعي هذا الجمع. غير أنّ فكرةً لمعت في ذهنها: هل سيكتب لها شيئًا؟ هل يريد تعويضها الآن؟ شقّت الابتسامة ثغرها بمجرد أن تخيّلت ذلك... يا لسعادتها إن صحّ ظنّها.

قالت والدته:
ــ "قول يا ابني كلّنا موجودين."

نظر براء إلى ساعته قائلًا:
ــ "لا مش كلنا. أنا مستني حمزة، لِسّه ما جاش. فاضل خمس دقايق وييجي."

زفرت هند بضيق شديد؛ حتى الآن يريد حمزة حاضرًا؟ ذلك المتوحّد الغبي! كانت تحدث نفسها في غضبٍ مكتوم.

وما هي إلا دقائق حتى دلف حمزة من باب الشقة قائلًا:
ــ "السلام عليكم."

ردّ الجميع السلام إلا هند التي كانت تطالعه بعبوس. فقال براء:
ــ "ادخل غسّل وتعالى عشان في موضوع مهم."

هزّ حمزة رأسه وذهب. أمّا مهاب فكان ملتزمًا الصمت؛ فهو الوحيد الذي يعرف المفاجأة التي سيفجّرها أخوه. نعم يسمّيها انفجار، لأنها ستكون بمثابة مصيبة فوق رأس تلك "الحية" زوجة أخيه. هكذا كان يراها؛ فهي لا تحبّهم، بل تُمثّل أمام براء فقط. ومن لا يحترم أهله لا قيمة له عنده.

عاد حمزة وجلس، فتنفّس براء الصمت أخيرًا قائلًا:
ــ "حمزة باشا وصل يبقى أقول اللي عندي. أكيد عارفين عيلة علوان اللي ساكنة معانا في المنطقة."

قالت والدته بعد لحظة من التفكير:
ــ "آه سمعت عنهم. عالم في حالهم."

لكن هند قالت باستهزاء وسخرية:
ــ "بنتهم الدكتورة دي؟ فضايحها كانت مالية الفيس."

ضايقه حديثها، ونظر إليها بحدّة:
ــ "من إمتى وإحنا بنتكلم في أعراض ناس يا هند؟"

لتقول أميرة:
ــ "يمكن مقصدتش وبعدين عندك حق، ما يصحّش نحكم على حد من شوية بوستات. الله أعلم الحقيقة فين."

ابتسم مهاب لاخته:
ــ "ربنا يكملك بعقلك يا حبيبتي."

أمّا حمزة فظل صامتًا، لا يفهم فائدة كل هذا الحوار.

قال براء أخيرًا، بلا أي تمهيد:
ــ "أنا هتجوز سكن علوان بكرا."

تجمّد الجميع في أماكنهم، لتنتفض هند صارخة:
ــ "إنت بتهزر صح؟"

قال بهدوء:
ــ "تفتكري دا موقف أَهزَر فيه؟"

صرخت بحدة:
ــ "عاوز تتجوز عليّا يا براء؟ بالساهل كده؟! وياترى بقى تعرفها من إمتى؟ ولا يمكن كنت على علاقة بالدكتورة من زمان وأنا نايمة على وداني؟!"

وقف أمامها قائلًا بحدّة:
ــ "فوقي لنفسك! وشوفي إنتي بتقولي إيه. أنا من إمتى كان ليا في الكلام ده؟"

قامت والدته محاولة إصلاح الموقف:
ــ "يمكن مش تقصد يا براء اهدا. وفهّمني يا ابني، جواز إيه اللي ظهر فجأة؟"

نظر إليها بهدوء، فقد أراد إنهاء الأمر:
ــ "ماعنديش تفاصيل أقولها. كل اللي أقدر أقوله إني هتجوز بكرا، وسكن علوان هتدخل البيت ده عروسة."

كانت هند واقفة كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. سيتزوج وكذبتها ستنكشف لو حدث حمل. وكل ما خططت له سينهار. صاحت:
ــ "أنا مش موافقة! ولو مُصرّ طلّقني، يا براء! فاهم؟!"

وتابعت بسخرية جارحة:
ــ "مش كفاية إني قبلت بيك وانت مش مكمّل إعدادية؟ وأنا معايا بكالوريوس تجارة؟! وقلت عادي مش مشكلة. دلوقتي جاي تتجوز عليّا بعد سبع سنين؟ وأنا نفسي في حتّة عيل؟!"

نظر الجميع إليها باستغراب. قبض براء على ذراعها ودلف بها الغرفة وأغلق الباب، ثم قال بغضب:
ــ "بتعايريني يا هند قدّام أهلي في حاجة ماليش يد فيها؟!"

صرخت في وجهه:
ــ "أنت اللي عايز تتجوز عليّا! وأنا أقف أتفرج؟! أنا إزاي هونت عليك؟!"

تنهد:
ــ "الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة ومش هعرف أشرح أسبابي."

قالت بإصرار:
ــ "يبقى طلّقني! يا أنا يا هي!"

صمت براء طويلًا لتظنّ أنها بدأت تربح، لكنه قال أخيرًا:
ــ "مش هقدر أتراجع... الناس كلها عرفت إن الجوازة بكرا."

سقطت الصدمة فوق رأسها. قالت وهي تضغط بأقصى ما تبقى لها من أوراق:
ــ "أنا مش هقعد في البيت دا دقيقة واحدة بعد النهاردة! انت قلّيت كرامتي! وما عملتش حساب لمشاعري!"

قال ساخرًا:
ــ "هند إنتي اللي عايرتيني قدّام أهلي. قبل ما تتكلمي شوفي مين جرح مين الأول."

أيقنت أنها في الجانب الخاسر. قالت وهي تغادر:
ــ "أنا طالعة عندي بابا. كلامك معاه هو اللي هيجيبلي حقي."

غادرت دون انتظار رد، ومضت خارج الشقة، منتظرة أن يوقفها أحد لكن لم يتدخل أحد.

خرج براء بعدها وقال لمهاب:
ــ "انقل أوضتك مع أوضة حمزة من النهارده هتقعد معاه."

تحدّث حمزة بسرعة بذعر:
ــ "لا لا لا! أنا مش بحب أقعد مع حد!
مهاب فوضوي وأنا مش بحب الفوضى! خليه يشوف حتّة تانية!"

اقترب منه براء بلطف:
ــ "يا حبيبي بالعكس. إنت كده بتعلّمه النظام. خلّيه يتعلم منك."

قال مهاب مستنكرًا:
ــ "يعني إيه هودّع أوضتي؟!"

قالت مفيدة بسعادة:
ــ "وفيها إيه؟ بكرا تتجوز ويبقى ليك شقتك. دا بدل ما تبارك لأخوك!"

قال مهاب وهو يغادر لينفّذ ما قاله براء:
ــ "أنا أول واحد باركتله! تعالي يا ميروا ساعديني."

ذهبت وراءه قائلة:
ــ "جاية."
ثم وقفت أمام براء بابتسامة:
ــ "ألف مبروك
يا حبيبي ربنا يجعلها أيام سعد عليك."

وهتف مهاب من داخل الغرفة:
ــ "وتستاهل طيبتك وتقدّرها يا رب!"

ضحك حمزة بخفوت:
ــ "بيِلَقّح على هند."

نظر إليه براء بجديّة:
ــ "ما تنساش إنها مرات أخوك برضه."

هز حمزة رأسه على مضض، فقال براء:
ــ "يلا تعال معايا نروح نشتري الأوضة."

قالت والدته:
ــ "اتغدّوا الأول."

فقال:
ــ "مفيش وقت ياست الكل قبل ما الليل يدخل. يدوب أروح ألاقي أوضة كويسة وتتفرش."

غادر مع حمزة، بينما كانت والدته تدعو له أن يُصلح الله حاله وتستقيم الأمور.

في تلك اليوم، لم يكن الزواج هو المفاجأة بل كانت النفوس التي كشفتها. ومن ظنّ أن اللعبة بيده فانقلبت عليه.
وما بين قلبٍ يُقدِم وقلبٍ ينكسر كان القدر يكتب صفحة جديدة، صفحة لن تشبه ما قبلها، ولن يخرج منها أحد كما دخلها.
"وفي الشدائد يرفع اللهُ الستار، ليُري كلَّ نفسٍ ما خبأته"

ــــــــــــــــــــــ

كانت تجلس تبكي بحرقة، تنتحب على حظّها، وقد ألقت كل شيء على والدتها، لتقول بخوفٍ واضطراب:
- "يعني إيه؟ ردّي عليّا! مش كنتي واثقة إنّه عمره ما هيتجوز؟ إيه اللي حصل بقى يا هند؟ ردّي عليّا! إزاي فجأة يطلع بموضوع الجواز ده؟!"

لتردّ وهي تندب وتتحسّر:
- "معرفش! معرفش إمتى ولا إزّاي يا خوفي ليحصل حمل بس أكيد هيحصل، براء مش بيعاني من أي مشكلة تمنعه إنّه يخلّف من بُكرة لو عاوز أنا مش عارفة أعمل إيه! مش عارفة أتصرف إزاي! حتى ولا أُعرف أمتي ظهرت الزفتة اللي اسمها سكن دي كمان حاسّة إن مخّي هيطق منّي!"

وما هي إلا لحظات حتى دلف والدها، مغلقًا باب الشقة خلفه، قائلاً بقلق:
- "في إيه؟ جبتوني على ملّي وشي!"

قال ذلك وهو يجلس، فبادرت زوجته تروي عليه كلّ شيء، ليبدو الذهول واضحًا على وجهه وهو يقول:
- "دي مصيبة وحلّت علينا!"
ثم وجّه نظره إلى ابنته:
- "وإنتي قاعدة تندبي حظّك هنا؟!"

لتصرخ باستنكار يصحبه الغضب:
- "أعمل إيه يعني يا بابا؟ في إيه في إيدي أعمله؟ ده أنا قولت هيتراجع لما أقولّ له إني هسيب البيت! ولا فرَق معاه حتى!"

فقال بتهكّم لاذع:
- "عشان غبيّة! سيبتي البيت وخلّيتيهم على راحتهم يوضّبوا لجوازه! كان لازم تفضّلي على قلبهم عشان تضمني إن مفيش حاجة تحصل أبدًا!"
ثم تابع بقسوة:
- "اتمسّكني عليه مش بتعرفي تتمسّكني!"

واعتدل في جلسته قبل أن يأمرها:
- "قومي يلا انزلي! هتفضّلي قاعدة هنا تعملي إيه؟! لازم يفهموا إنّك ليكي الحقّ الأكبر في البيت عشان إنتي مراته الأولى وأنا هجيب لكِ حبوب تحلّ المشكلة دي، تضفّيها للبت اللي هيتجوزها في أي حاجة تشربها عشان تضمني إن مفيش حمل هيحصل!"

أشرق وجهها فجأة، وقالت بذهول:
- "أنا إزاي مجاش فى بالي الموضوع ده؟!"

فردّ ساخرًا:
- "عشان بتندبي في حظّك ومش فاضية! كلّ حاجة وليها حل وكمان بيقولوا إن البت دي كانت ليها صور نازلة على النت حتى أنا سمعت الكلام ده تحت عشان كده طول الوقت تشكّكيه فيها وتخلّقي مشاكل بينهم! طول ما إنتي تحت سقف واحد معاهم يبقى خيوط حياتهم في إيديكي إنتي!"

وقفت من فورها عند آخر حديثه، وقد عادت إليها شرارة الغيرة والغضب، وقالت بعزم:
- "أنا نازلة بيتي عشان إنت صح! ومبقاش هند الزيني لو كنت خلّيت الحيّة اللي اسمها سكن دي تتهنّى يوم واحد!"
3

"إنّ القلب إذا غلبه الغضب أعمى، وإن غلبته الغيرة أضلّ، ولا ينجو من ظُلمة الفتن إلا من رجع إلى ربّه. فاحذروا أن تُهدم بيوتكم بأيديكم، واذكروا أنّ ما عند الله لا يُنال بمعصية، وأنّ الظلم وإن خفي اليوم، فله يومٌ يُكشف فيه، ولكلّ نفسٍ ما كسبت، والله خير الحافظين."

ــــــــ

خرج أويس من العمارة، توجه نحو الدراجة، ركبها، وكان على وشك تشغيلها، حين وضع شاب يده على كتفه وقال:
- "أويس، إزيك؟"
التفت إلى جانبه وأجاب مبتسمًا:
- "وليد، عامل إيه؟"



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات