رواية وريثة العرش المفقودة الفصل الخامس 5 بقلم منه الله ابو طالب
الليل عدا على ملاك كأنه سنة..
ليلة كاملة عيونها مهدتش ولا داقت النوم. جملته"أنا هكون زي ظلك" كانت بتلف في عقلها . الشك كان بياكلها، والأسئلة في دماغها كتيرة: يا تري اي ال ورا زين.....
الشمس طلعت، وملاك دخلت المدرج.
واختارت تقعد في النص بالظبط، مكان كويس يخليها كاشفة كل الأبواب عشان تراقبه وهو داخل.
وبالفعل، دقايق وظهر زين بطلّته اللّي بتخطف العين وسط الزحمة.
لابس قميصه الأسود المعتاد، وماشي بهدوء مستفز كأن الكون كله ملكه.
عينيه الرمادية لفت المدرج ببرود، لحد ما ثبتت عليها. ابتسم ابتسامة خفيفة تودّي في داهية، وبكل ثقة مشي في الممر، وعدى بين الطلاب، وقعد جنبها في نفس البنج بالظبط!
ملاك بصت له من تحت لفوق، وضمت حواجبها بغضب، وقالت بنبرة حادة وصوت واطي ومسموع ليه بس:
— "المدرج فيه 500 كرسي فاضي.. ملقيتش غير اللّي جنبي تقعد عليه؟"
زين سحب النوت بوك بتاعه من الشنطة، وفرد ضهره وهو باصص قدامه بكل برود وقال:
— "الدكتور قال إحنا شركاء في الأبحاث.. وأنا طالب ملتزم وبحب أكون جنب شريكتي عشان لو احتاجت حاجه او 'أحميها' من أي هبوط مفاجئ."
في اللحظة دي، ملاك حست بنبض السلسلة في رقبتها بيزيد وسخونتها بتعلى.
ضغطت على سنانها من الغيظ وقالت:
— "أنا مش محتاجة حماية من حد يا دكتور زين.. وياريت تلزم حدودك معايا ومتدخلش في اللّي مالكش فيه."
الدكتور دخل وبدأ يشرح، وملاك كانت بتحاول تصب كل تركيزها وتكتب المحاضرة، بس زين مكنش ناوي يسبها في حالها. كل شوية يمد إيده ببرود وياخد القلم من جنبها عشان يكتب بيه، أو يمد صوابعه ويعدل أوراقها اللّي قدامها، ويقول بوَشْوَشَة مستفزة جنب ودنها:
— "خطك صغير أوي يا دكتورة، ركزي في السطر اللّي فات.. سيبتي نقطة مهمة."
ملاك كانت بتغلي من جواه، وخلاص جابت أخرها.
ولما جت تخطف منه القلم بعصبية، صوابعهم اتقابلت تاني.
في ثانية، حست بنفس الصعقة الكهربائية الشديدة اللّي سرت في جسمها كله. بصت في عينيه بسرعة، ولقت فيهم لمعة رعد غريبة وغامضة، لمعة خلت لسانها يتلجم وتسكت، واكتفت بإنها تتحداه بنظراتها النارية طول المحاضرة.
بعد الظهر:
بمجرد ما الدكتور قال "انتهت المحاضرة"، زين سحب حاجته وشال الشنطة في ثانية، وخرج بسرعة البرق كأنه بيهرب من حاجة.
ملاك لمت أوراقها بسرعة وهي بتقول في سرها:
"مش هتهرب مني النهاردة يا زين.. لازم أعرف آخرتك إيه".
خرجت وراه وهي مستخبية وسط زحمة الطلاب اللّي طالعين برة الكلية، وبدأت تمشي وراه من بعيد لبعيد.
المفاجأة إن زين مأخدش طريق الميكروباصات ولا الشوارع العادية اللّي بتودي لبيوت الطلاب؛ ده مشي بخطوات سريعة وواثقة متجهة لـ أطراف المدينة، وتحديداً نحو ......
"حي الضباب القديم".
المنطقة دي كانت معزولة تماماً، مشهورة بقصورها الأثرية المهجورة من عشرات السنين، ومفيش رجل بشر بتعتبها بسبب الإشاعات المرعبة والقصص اللّي بتطلع عنها.
الدنيا كانت بدأت تليل، والضباب الكثيف بدأ ينزل تدريجياً ويغطي الشوارع الضيقة بين الأسوار العالية للقصور القديمة.
ملاك كانت ماشية وراه بحذر، كاتمة أنفاسها، وحاطة إيدها على السلسلة اللّي لاحظت إن حرارتها بترتفع وبتبض بهدوء غريب.. كأن السلسلة مطمنة لوجود زين، بس عقل ملاك كان مليان شك وعواصف.
أخيراً، زين وقف قدام بوابة حديدية ضخمة مصدية لواحد من أكبر القصور المهجورة، وزقها ودخل.
ملاك استنت ثواني ودخلت وراه، وهي بتتدارى ورا الشجر الكثيف والضخم اللّي محاوط الجنينة والمكان كله.
وفجأة.. زين اختفى! اختفى تماماً من قدام عيونها كأنه فص ملح وداب وسط الضباب!
ملاك وقفت في نص جنينة القصر المظلمة، ورعب حقيقي بدأ يتسلل لقلبها:
"راح فين؟!
ده كان واقف هنا من ثانية واحدة!"
وفجأة..
من غير أي مقدمات، حست بنفس الأنفاس الدافية اللّي بتطاردها دايماً، وصوت رجالي عميق وهمس ورا ودنها مباشرة:
— "المطاردة عجبتك؟ ولا تحبي نتمشى سوا في الضلمة يا دكتورة؟"
ملاك اتنفضت من مكانها ولفت بسرعة ، وطلعت خنجر صغير من شنطتها (اللّي أدريانا علمتها تخليه معاها دايماً للدفاع عن النفس)، ووجهت السلاح لـ صدره بعناد وعيون بركانية:
— "أنت مين يا زين؟! وبتعمل إيه هنا في المكان المهجور ده؟ وراك إيه بالظبط انطق!"
زين، بلمحة من السرعة الخارقة اللّي عيونها مقدرتش تتابعها، مسك معصم إيدها اللّي فيها الخنجر، ولوى دراعها وثبته ورا ضهرها، وقرّبها منه لدرجة إنها بقت سامعة وحاسة بدقات قلبه القوية والمنتظمة.
في العتمة دي، عيونه الرمادية نورت فجأة زي كشافات رعد، والهوا حواليهم بدأ يصفر ويتحرك بعنف وبشكل مش طبيعي!
زين بصلها ونطق بنبرة ملوكية مرعبة، نبرة هزت كيانها وثقتها في نفسها:
— "أنا اللّي سبتك تتبعيني لحد هنا يا ملاك.. أنا اللّي سمحتلك بده عشان تعرفي إنك مش لوحدك في الحرب دي. القصر القديم ده، هو الحصن اللّي 'أعداء عائلتك' بيدوروا عليه وبيموتوا عشان يوصلوا له بقالهم 19 سنة!
أنا مش الجاسوس يا ملاك.. أنا الظل اللّي السكندرا لو لمحو طرفه بس.. بيموتوا من الرعب!"
وفجأة، وقبل ما ملاك تستوعب كلامه أو تنطق بحرف، طلع صوت دوي رعد شديد شق السماء، وانشقت الأرض في ساحة القصر.. لتظهر وحوش مش بشرية بالمرة! ملامحهم سوداء كأنها مصنوعة من فحم، وعيونهم حمراء بتطق شرار..
"جواسيس السكندرا" محوطينهم من كل جهة!
زين ساب إيد ملاك براحة، وتحرك بخطوات ثابتة ووقف قدامها كأنه سد منيع، وجسده بدأ يطلع منه ضوء رمادي وشحنات رعد حقيقية بتنور المكان. لف راسه وبص لـ ملاك اللّي واقفة مصدومة، وابتسم ابتسامة نصر مستفزة وقال:
— "جه الوقت اللّي تشوفي فيه ظلك بيعمل إيه في الكلاب يا بنت أطلس.. ارجعي خطوة ورا وسيبيهم ليا!"
واستوووووووووووووووووووب
اي السر المستخبي جوه القصر المهجور دا ؟ وليه المكان دا بالذات هو الحصن ال بيدور عليه السكندرا؟