رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الخامس 5 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل الخامس:
ترجلت غزل بصحبة ليال و ما أن خرجت حتى إنتبهت أن ليال مازالت واقفة مكانها فعادت إليها وسألتها بتعجب :
_ يالا نخرج يا بنتى ... إنتى مش قولتى إن رامى جه .
أومأت ليال برأسها و قالت بتلقائية :
_ مش هينفع أخرج غير لما رامى يدخل ياخدنى من هنا .
_ ليه بقى مش فاهمة .
طأطأت ليال رأسها وقالت بتوجس :
_ علشان ما ينفعش أخرج الشارع إلا معاه .
زمت غزل شفتيها و قالت بضيق رافعة عينيها للسماء :
_ ده إيه الجنان ده بس يا ربى ....... الصبر من عندك .
إبتسمت ليال عليها .... و وقفا فى إنتظار قدوم رامى حتى إنتبهت غزل لتغير ملامح ليال و كفها التى إرتفعت ولامست صدرها الذى نهج بصورة مرئية و أغمضت عيناها و قالت هامسة :
_ رامى جه .
عقدت غزل ذراعيها أمام صدرها و قالت بإستخفاف :
_ و سيادتك عرفتى منين إنه جه .
أجابتها بإقتضاب هائم :
_ بحس بيه .
و إتسعت إبتسامتها و هى تستمع لصوت خطواته الرزينة و عطره الذى سبقه حتى رأته أمامها .... بهيبته الآخذة و جماله الرجولى ... حاولت إيجاد ذرة من الأكسجين لتتنفس و لكنه سحبهم جميعهم بوجوده المهيب ....
تعلقت عيونهم فى عناق مخفى ظهر تأثيره على وجنتيها و التى صبغتا باللون الوردى ... خرج صوته الرجولى نافذا لقلبها و هو يقول بإبتسامة هادئة :
_ السلام عليكم .
ياااالله ... مجرد كلمتين و إبتسامة ... و حل الربيع فجأة و تفتحت الزهور و ملأ عطرها الأجواء و زقزقت العصافير بسعادة و إزدانت الأشجار بالثمار ..... و فجأة سقطت إحدى تلك الثمار على ذراعها التى وخزته غزل بالقوة لتعيدها لمدخل البناية القديم مجددا و هى تجيب رامى بعملية :
_ و عليكم السلام .
حتى وخزة غزل لم تستطع فك عيناهما عن بعضهما .... فتحركت قليلا و وقفت بينهما و وزعت أنظارها تارة على ليال الذائبة و تارة على رامى صاحب النظرات القوية الذى مد يده نحو ليال و قال بهدوء يحسد عليه فى تلك الأمواج العاتية من المشاعر المتدفقة من عيونهم :
_ أخبارك إيه يا عسلية .
مدت ليال يدها ناحية يده و صافحته قائلة بإبتسامة عذبة :
_ الحمد لله كويسة .
طالت نظراتهم و مصافحتهم ... فضربت غزل جبهتها بيدها و تنحنحت قائلة بإشمئزاز من ذلك العشق المنفر والزائد عن الحد :
_ إحم .... نحن هنا يا جماعة .
إنتبه إليها رامى أولا فقال وهو محرجا :
_ أأ .. حمد الله على السلامة يا آنسة غزل .
أجابته غزل بإبتسامة ودودة :
_ الله يسلمك يا رامى و ياريت تقولى غزل بلاش آنسة دى .
ضحك قليلا و هو يطالع جمالها الصارخ و هز رأسه بالإيجاب و قال :
_ تمام يا غزل .... يالا بينا .
و أشار لهما بذراعه كى يتقدموه فخرجوا سويا ... فتح رامى الباب لغزل أولا ... فإستقلت السيارة و قالت بتعجب من تصرفه المهذب :
_ Thanks .
ثم فتح الباب المجاور له لليال التى جلست بهدوء ... فإلتف حول السيارة و صعد مكانه خلف المقود و أدار السيارة و إنطلق ...
تطلع لغزل بمرآته الأمامية و سألها بإهتمام :
_ مصر عجبتك يا غزل .
أومأت غزل برأسها و قالت براحة :
_ مصر كانت و هتفضل أحلى بلد فى الدنيا .
فقال لها بتعجب و هو مازال يطالعها من مرآته :
_ يعنى لسه راجعة من أمريكا و بتقولى على مصر كده ده فى فوارق كبيرة بين البلدين .
إبتسمت بسخرية و طالعت الطريق بشرود و أجابته بضيق :
_ محدش هنا هيعرف قيمة مصر غير اللى إتغرب عمره زيى .
أومأ رامى برأسه و قال مؤكدا :
_ عندك حق فعلا .
لم يجفل عن نظرات القابعة بجواره تنحته داخل قلبها بنظراتها ... فسحب كفها دون أن يتطلع إليها و إحتضنه بين راحته و قاد السيارة بيد واحدة ......
زاد تورد وجنتيها حتى أنه تحول للون أحمر قانى .... إلتفت إليها و تعمقا فى نظراتهما مجددا فزفرت غزل بضيق من تلك الحالة المستفزة و التى ستجعلها تتقئ .....
خرجوا بالسيارة من الحارة للطريق الرئيسى فإلتف بها للطريق المقابل و إنحدر عن الطريق ليصبح فى مواجهة القصر ...
شعرت غزل بإنقباضة بقلبها و تسارع أنفاسها و هى تتطلع لتلك الأشجار المحيطة للطريق المؤدى للقصر فسألت رامى بتعجب قلق :
_ إنت رايح فين يا رامى .
أجابها بتلقائية بسيطة :
_ عند ميناس .. هى و حمزة ساكنين فى القصر ده ... و أنا و ليال لما هنتجوز هنسكن فيه إن شاء الله .
ترائت لها خيالات مزعجة و هى تطالع ذلك الممر الطويل حتى توقفت السيارة و ضغط رامى بوقها فإنفتحت البوابة الكبيرة و دلف بهما لداخل القصر ... تطلعت له غزل بإنبهار و صفرت قائلة بإندهاش :
_ wow ...... So beautifull .
فسألها رامى و هو يصف سيارته :
_ عجبك القصر ؟!
أجابته و هى مشدوهة من جماله و فخامته :
_ un believable .
ترجلوا من السيارة و غزل مازالت على حالتها من الإنبهار و هى تتأمل تلك التماثيل التى زينته من الخارج فقالت و كأنها مسحورة :
_ يجنن .... أموت و أعرف حكاية القصر ده إيه ؟!
أغلق رامى سيارته و تمسك بكف ليال و أجابها قائلا :
_ القصر ده كان بتاع باشا من البشوات صممهوله و نفذه مهندس فرنساوى .... و كانت المنطقة اللى حواليه دى كلها صحرا ... بس بعد ما إتبنى القصر هنا إتعمر المكان مع الوقت ... و الورثة بتوع الراجل ده عرضوه للبيع فاجدى إشتراه ... و عمى صبرى و أبويا و رثوه و بقا ليا أنا و ولاد عمى .
عدل من ياقته بغرور و أردف قائلا بمداعبب :
_ بس أنا ليا نصه لأنى وريث أبويا الوحيد ... يالا ندخل إتفضلوا .
صعدوا الدرجات الرخامية فقرع رامى الجرس .... ففتحت له نشوى التى قالت بإبتسامة مرحبة :
_ يا أهلا و سهلا .... إتفضلوا .
ولجوا للداخل و الذى لا يقل جمالا عن الخارج .... فإستقبلتهم ميناس بفرحة ... ركضت ليال ناحيتها و ضمتها إليها قائلة بشوق :
_ وحشتينى قوى يا مينو .... أخبارك إيه ؟!
تنهدت ميناس بإرتياح و قالت بهدوء :
_ كويسة يا عمرى و إنتى وحشتينى قوى .
إنتبهت ميناس لوقفة غزل و المتابعة للقائهم بضيق ... سائلة نفسها كيف لإنسان أن يحرم أختان من لقاء بعضهما دائما ... و الأسوء خنوع تلك الفتاتان لمصيرهما بإسم الحب .... الحب ... عن أى حب يتحدثون ... بُلهاء .....
إقتربت ميناس من غزل بإبتسامتها الملائكية و قالت لها مرحبة :
_ نورتى مصر يا غزل ... دى تيتة كانت بتحكيلنا عنك دايما .
تطلعت غزل لبرائتها و جمالها وبادلتها إبتسامتها و قالت بحب غمرها ناحية تلك الصغيرة و الرائعة الجمال :
_ مصر منورة بيكم ... ما كنتش أتخيل إنك جميلة كده .... فعلا زى الملايكة زى ما قالتلى ليال .
إحتضنتها ميناس و قبلتها قائلة بمرح تفتقده :
_ و لو أنا جميلة إنتى بقا إيه ...... إتفضلوا إقعدوا .
و إبتعدت عن غزل و أشارت لهم بيدها فجلسوا سويا بردهة القصر الواسعة .... تابعت ميناس حديثها و رحبت برامى قائلة :
_ أخبارك إيه يا رامى .
أجابها و هو شارد بحبيبته مستغلا كل ثانية لإشباع عينيه برؤيتها :
_ الحمد لله زى الفل و العسل .
أخفت ليال إبتسامتها بصعوبة ... بينما لفت إنتباههم جميعا إقتراب حمزة منهم و هو يحرك كرسيه ناحيتهم و على ثغره إبتسامة هادئة .... ضيقت غزل عينيه و هى تحدجه بتعجب من وسامته الشديدة بشعراته الطويلة و ملامح وجهه الحازمة و الجميلة ... هزت رأسها متفهمة سبب تضحية ميناس الكبيرة فهذا الوسيم يستحق .....
إقترب منهم أكثر و قال بنبرة عميقة تلائمه :
_ أهلا و سهلا نورتونا .
أجابه رامى مداعبا :
_ عامل إيه يا صاحبى .
تطلع نحوه و أجابه مازحا :
_ أنا كويس .... أنا سلامى لليال و غزل مش ليك مالحقتش توحشنى يعنى .
ضيق رامى عينيه و قال بحدة ساخرة :
_ أنا مش عايز أقولك كلام مقاسه و أشوطه فى وسط ناسه .
إرتسمت تعابير الدهشة و الغباء على ملامح الفتيات ... بينما لم تتغلب على فضولها و قالت :
_ إيه اللغة الجديدة دى ... هى الترجمة هتنزل إمتى .
ضحك الجميع فأجابها حمزة ساخرا :
_ معلش يا غزل أصل رامى بقا بيئة جدا .. الحارة كرفت عليه .
زم رامى شفتيه بحدة و قال متوعدا :
_ ماشى يا إبن القصور ... بس إنت تمامك قل عندى و إستحمل بقا .
أشاح حمزة بعينيه عنه و سأل غزل بود :
_ إنتى هتستقرى فى مصر يا غزل .
هزت رأسها بالإيجاب و قالت بإبتسامة هادئة :
_ أيوة إن شاء الله .
حرك حمزة رأسه قليلا و سأل ليال أيضا :
_ و أخبار ستى رأفة إيه يا ليال .
أجابته بإمتعاض و هى عابسة :
_ كويسة .
إنتبه رامى لنفورها من حمزة فإقترح قائلا بدهاء :
_ قوموا يا بنات إقعدوا مع بعض أكيد عندكم كلام كتير عاوزيين تقولوه لبعض .
وقفوا مرحبين بالفكرة .... فمالت ميناس ناحية حمزة و سألته برقة :
_ عاوز منى حاجة يا حمزة .
أجابها بسخط و هو عابس :
_ هعوز منك إيه يعنى .... إمشى يالا .
لم يدرك عواقب ما قاله و تلك الشرارات الفيروزية المشتعلة تكاد تحرقه حيا .... إقتربت منه غزل و قالت بحدة :
_ ما تكلمها كويس ..... مالك بتعاملها كده بقرف .
إتسعت العيون من حولهما بصدمة بينما هز حمزة رأسه مستفهما و قال بتعجب :
_ نعم !!
عقدت ذراعيها و قالت بقوة :
_ أظن سمعتنى كويس ... و لو عاملتها كده تانى هندمك مفهوم .
صك أسنانه بغضب فمن هى لتتجرأ و تناطحه فسألها ساخرا :
_ هتعملى إيه يعنى مش فاهم .
رفعت حاجبها بضيق و قالت محذرة :
_ بلاش تعرف دلوقتى هخليهالك مفاجأة .
ثم فكت ذراعيها و إقتربت منه و هى تحدجه بتحدى مشتعل :
_ إتقى ربنا فيها دى أمانة فى رقبتك .... و لا إنت مش قد الأمانة .
لم تمهله وقتا للرد و قالت بنبرة محتدة :
_ قدامى يا بنات .
أخفى رامى إبتسامته الشامتة حتى رآهم يدخلون غرفة ميناس و يغلقون ورائهم الباب فإنفجر ضاحكا ... و قال ساخرا :
_ و الله كنت ناويلك على نية سودا ... بس كفاية عليك اللى حصل ده .
طبق حمزة كفه بغضب حتى إنغرست أظافره به و قال بعصبية :
_ إيه البت دى هى فاكرة نفسها إيه .
جلس رامى بجواره و قال بتشفى فى حالته :
_ بصراحة يا زميلى تستاهل .... أفحمتك ..... حافظ بقا على الأمانة علشام ربنا يرضى عنك .
إبتسم حمزة بسخرية عن من يوصونه عن ملاكه البرئ .... لم يعلمون أنه يوصى نفسه كل يوم بها .... و لكن فكرة أنها ستتركه يوما وتلجأ لشخص مكتمل تمضى معه حياتها و يحظى بكل ذلك الجمال قلبا و جسدا تشتعل غيرته و ينقض عليها دون سبب ملموس .....
جلست الفتيات فى غرفة ميناس و غزل تقطع الغرفة ذهابا و إيابا و إيابا و ذهابا و ميناس و ليال جالستان على الفراش تتابعانها ... شعرت ليال بدوار يجتاح عقلها فنفضت رأسها قائلة بملل :
_ إقعدى بقا يا غزل دوخت يا بنتى .
وقفت غزل أمام ميناس و تمسكت بذقنها و حركت وجهها يمينا و يسارا تطالع زرقته و سألتها بغل :
_ إزاى تسمحيله يعمل فيكى كده .... لو عملها تانى تطلعى على الشرطة و تعملى فيه بلاغ فورا .
إجتذبتها ميناس من ذراعها و أجلستها بجوارها عنوة و قالت بإستعطاف :
_ إقعدى بس ربنا يهديكى .
وقفت غزل مرة أخرى و قالت و شرر عينيها يلتهم ميناس بغضب :
_ عاوزانى أهدا ... In your dreams .
إجتذبها ليال مجددا و قالت بتعب :
_ إقعدى بقا ... تعبتينا يا شيخة .
جلست تنقر بأناملها على ساقها ... فقالت لها ميناس لتهدئتها .... و هذا ما إعتقدته :
_ هو بس كان متعصب منى فضربنى غصب عنه .
إلتفت غزل بجسدها ناحيتها بتحفز و قالت بصوت عالى من شدة غضبها فتراجعت الفتاتان بظهرهما مبتعدتين عنها قليلا :
_ لا و الله ..... صدقتك أنا كده .... صح .
ربتت ليال على ذراع أختها و قالت مؤيدة وجهة نظر غزل :
_ غزل عندها حق يا مينو .... هتستحملى لغاية إمتى اللى بيعمله فيكى ده .
إبتسمت غزل بسخرية و قالت بسخط :
_ شوفوا مين اللى بتنصحها .
إبتسمت ميناس بهدوء و قالت مغيرة دفة الحوار :
_ غيروا الموضوع ده و قولولى تيتة عاملة إيه ؟!
أجابتها ليال بضيق :
_ كويسة و بتسلم عليكى و نفسها تشوفك .
تنهدت ميناس بشوق و قالت بحزن :
_ أنا كمان نفسى أشوفها أكتر ... هحاول أكلم حمزة علشان يوافق اجى أشوفها .
وقفت غزل بصرامة و قالت بقوة :
_ هاتيجى تشوفيها .... و دلوقتى .
و تركتهم و خرجت من الغرفة تطلعت ليال بميناس بذعر و وقفا مسرعتين للحاق بها ... و لكن فات الأوان و وقفت قبالته و قالت بجمود :
_ أنا هاخد ميناس تشوف تيتة و هترجعلك بالليل تمام .
ضرب حمزة ذراع كرسيه و أجابها قائلا ببرود :
_ لأ ... مش هتخرج من هنا.
حدجته غزل بتحدى و قالت بصوت متصلب :
_ لأ بقا هاتيجى معايا .. و بطل أنانية .
إستشاط حمزة من غضبه و قال لها بصوت عالى مهتاج :
_ جرى إيه يا آنسة إنتى نسيتى نفسك ... بتغلطى فيا فى بيتى .
إجتذبتها ميناس من ذراعها و قالت بخوف :
_بس بقا يا غزل خلاص .
تطلعت نحوها بحنق و قالت بحدة :
_ بطلى سلبية بقا ... و إدخلى غيرى هدومك دى علشان هاتيجى معايا .
تعالت صيحات حمزة قائلا بشراسة :
_ ده إنتى بتتحدينى بقا .
وقف رامى بينهما و قال ملطفا للأجواء :
_ خليها عليك المرة دى يا حمزة و سيبها تروح تشوف جدتها و إنت كمان تعالى معايا الوكالة .
أجابه مسرعا :
_ لأ .
تابع رامى رجائه قائلا :
_طب وحياة مهاب عندك لتوافق .
حدجه حمزة بغضب و قال بإنفعال :
_ بتمسكنى من دراعى اللى بيوجعنى يا رامى .
أجابه بإبتسامة أمل :
_ يبقى هتوافق صح ... يالا بقا علشان نعمل للحاج صبرى مفاجأة قولت إيه ؟!
زفر بضيق و قال بتغطرس و هو يطالع غزل بضيق :
_ علشان مهاب بس .....تعالى يا ميناس هانم علشان تجهزيلى هدومى .
إبتسمت ميناس بفرحة و دفعت كرسيه ناحية غرفته .... بينما قبلت ليال غزل و قالت لها بسعادة :
_ شكرا يا غزل بجد دى تيتة هتفرح قوى .
إقترب رامى من ليال و قال بمداعبة :
_ أنا اللى أقنعته على فكرة مش هى .
و أشار على وجنته فإبتسمت ليال بخجل ... تطلعت إليهم غزل بضيق و قالت :
_ لأ كده كتير أنا عندى المرارة خفوا شوية .
ضحك رامى وقال برجاء :
_ طب ما تكلمى ستك يا غزل خليها توافق على جوازنا .... أنا تعبت معاها .
جلست أمامه و قالت و هى تطالعه بشك :
_ اللى فهمته إن تيتة خايفة ليال تبقى نسخة من ميناس .... و إنت الصراحة كل يوم بتثبت إنها صح .
وضع يديه بجيبى بنطاله و قال و هو يرمقها من علو :
_ ده اللى هو إزاى .... أنا حاجة و حمزة حاجة ... أنا بحب ليال و عمرى ما هلمسها و لا أمد إيدى عليها .
ضحكت غزل بسخرية تزايد معها غضبه بينما قالت هى معللة :
_ و تحكمك فيها ... و شخصيتها اللى إنت لغيتها و خليتها لعبة فى إيدك تقول لها يمين يمين .... شمال شمال .... بزمتك فى واحد يحب واحدة ضعيفة كده .
إحتدت نظراته نحوها و قال بصوت قاتم :
_ أيوة بحبها كده .... و عاوزها كده .
وقفت أمامه و قالت بصرامة :
_ بتتكلم عن نفسك بس ... إنما هى عاوزة إيه مش مهم .... عمرى ما شوفت ناس أنانيين زيكم كده فى حياتى .
إقترب منها و هو يحدجها بقوة ترعد أقوى الرجال و قال محذرا :
_ دى أول وآخر مرة هسمحلك تغلطى تانى .... إنتى ما تعرفيش إنتى بتتعاملى مع مين .... فبلاش تختبرى صبرى أكتر .
إقتربت منه أيضا حتى أصبح وجهها مقابل لوجهه .... تطلعت مطولا داخل عينيه و قالت بإبتسامتها المثيرة :
_ صدقنى إنت اللى مش عارف بتتعامل مع مين ... و أحسنلك ما تعرفش .
طالت نظرات التحدى بينهم وليال تتابع حديثهم بإنبهار من شخصية غزل القوية .. خرجت ميناس من غرفتها و وقفت بجوار ليال تحدجهم بقلق و سألتهم قائلة بتوجس :
_ فى إيه تانى مالكم .
إبتعد رامى عن غزل كاظما غيظه قبل أن يمسك رأسها و يضرب به الحائط خلفهما حتى يظهر لها أصحاب .... وسحب ليال من يدها خلفه بقوة متوجها للخارج و قال بصرامة :
_ هستناكم بره .
إقتربت ميناس من غزل و قالت بفضول :
_ عملتيله إيه هو كمان .
أشاحت غزل بيدها و قالت بإستخفاف :
_ سيبك منه ... خلصتى .
أجابتها ميناس بفرحة قائلة :
_ أيوة ... أنا فرحانة قوى إنى هشوف تيتة .
حملت غزل حقيبة يدها و قالت بهدوء :
_ Let's go .
وقفت ميناس و تطلعت لغرفة حمزة و قالت بعجز :
_ لأ لما يخرج حمزة ... علشان أخرجه برة ...هو مش بيرضى حد يعمله حاجة غيرى .
زمت غزل شفتيها بضيق و جلست فى إنتظار خروج حمزة .....
إستقلت ليال السيارة بجوار تلك الجمرة المشتعلة و الذى ينفث نارا من أنفه ... إبتلعت ريقها بتوتر و قالت مسرعة :
_ أنا ماليش دعوة .
إلتف برأسه ناحيتها و قال بغضب :
_ لولا إنها بنت خالتك كنت ساوتها بالأرض .
ربتت ليال على كفه و قالت برقة لتهدأة إنفعاله :
_ طب إهدا بقا خلاص .
إحتضن كفها بقوة ... ثم قربه من شفتيه و لثمه برقة ذابت معها ليال و جذبت كفها بخجل .. إبتسم على خجلها المثير و الذى يشعل بداخله نيران لو طالتها لفتكت بها بين ذراعيه القويتين ... حاول جاهدا كبح جموح أفكاره الجريئة و قال فاقدا صبره :
_ أنا هاجى يوم الجمعة مع عمى و العوو و هنحدد ميعاد للفرح مع ستك و لو لرفضت قسما عظما لهخطفك و اللى يحصل يحصل .
صعدت غزل السيارة و هى تطالع رامى بتحفز و تطلعت ناحية حمزة و ميناس و مساعدة السائق لحمزة حتى إستقل بجواره و ميناس جلست خلفه ...
ما أن وصلوا للحارة حتى إلتف حمزة برأسه ناحية ميناس و قال بحزم :
_ لو رنيت عليكى و إتأخرتى فى النزول ثانية ... هخليكى تندمى ... سامعة .
أومأت برأسها و ترجلت من السيارة و إتجهت ناحية ليال و غزل و صعدوا سويا لشقة الجدة ... فتطلعت ميناس للدور العلوى و قالت هامسة بحذر :
_ هى مهجة مسافرة و لا إيه ؟!
فسألتها غزل بضيق :
_ مش عارفة بؤجة إيه دى اللى إنتوا خايفين منها ... قدامى إدخلوا هموت و أشوف تيتة هتعمل إيه .
ولجوا للداخل ... فصاحت رأفة قائلة :
_ إنتوا جيتوا يا بنات .
أجابتها ليال و هى تنزع حجابها :
_ أيوة يا تيتة رجعنا .
همست غزل لميناس قائلة بمرح :
_ ما تدخليش يا مينو غير لما نقولك تمام .
ضحكت بخفوت و هزت رأسها موافقة ... دلفت غزل و معها ليال لغرفة رأفة التى سألتهم بقلق :
_ إنتوا رجعتوا بدرى ليه ؟!
لم يجيباها فزاد قلقها و قالت مسرعة :
_ ميناس جرالها حاجة ... الواد حمزة ضربها تانى و لا زعلها و لا زعلكم و لا إيه اللى حصل إنطقوا .
هدأتها غزل قائلة :
_ إهدى يا حبيبتى مافيش حاجة خالص .. بس إحنا محضرين ليكى مفاجأة .
زمت شفتيها و قالت بتوجس :
_ إستر يا رب مفأجة إيه .
ضحكت ليال ضحكة عالية و قالت بمداعبة :
_ مفأجة .... بغض النظر يعنى مستعدة .
لوت رأفة ثغرها و قالت بضيق :
_ بتتريقى عليا يا بنت نغم ... و ماله .
فردت ليال ذراعيها بطريقة مسرحية و قالت بصوت جاهورى :
_ إظهر و بان عليك الأمان .
فولجت ميناس للداخل مسرعة و قد غلبها شوقها و قالت مسرعة :
_ وحشتينى يا أحلى تيتة فى الدنيا ... و الله وحشتينى .
إتسعت عينى رأفة و إمتلأت بالدموع و فتحت ذراعيها فركضت ميناس نحوها و إرتمت بداخل صدها فضمتها إليها بقوة و قالت بلوعة :
_ يا حبيبتى يا بنتى ... أنا دلوقتى قلبى إرتاح بشوفتك .
لفت غزل ذراعها حول كتفى ليال و وقفا يتابعا لقائهم المؤثر بضيق ....
رفعت ميناس رأسها ناحية رأفة و قالت :
_ و انا كمان يا حبيبتى .
فسألتها بعدما زمت شفتيها بسخرية :
_ و هو سى الأستاذ حمزة سمحلك تجينى إزاى إن شاء الله .
إلتفت ميناس برأسها ناحية غزل و قالت بإمتنان :
_ غزل هى اللى أقنعته .
إعتدلت رأفة فى جلستها و قالت بإهتمام :
_ لأ ... من الأول بقا و واحدة واحدة و بالتفصيل .
أحيانا نقع فى واقع مرير ليس منه مخرجا بسبب تلك الكتلة اللينة و القابعة داخل جمجمتنا و التى تسم مخاً فبسببها يقتنع كل شخص منا أنه الذكى المنتظر أذكى شخصا بأمور الحياة وأنه مسيطر و متحكم بعجلة القيادة لحياته ......
و لكن عذرا فأنت واهى .... لأن عقلك العنيد هذا قد دفعك فى النهاية إلا منطقة لو كانوا أخبروك سابقا أنها هى ما ستؤل إليه حياتك لكنت ضحكت بملئ فمك ساخرا و متأكدا أن هذا لن يحدث .... و لكنه حدث بالفعل و أصبحت سجين .... أسير ...... يصرخ بداخلك ذلك الشخص الواهى و الذى سخر سابقا من أن تقع فى الفخ و يضرب باب زنزانته بكلتا يديه ربما يسمعه أحد و يحرره و يخرج للنور و للحياة .......
ولكن يبقى صراخه بداخله وتبقى ملامحه جامدة و هو يطالع الطيور كل يوم من شرفة غرفته يحسدها على حريتها و المحروم هو منها أسيرا لذلك اللعين المتحرك ....
وصلت سيارتى رامى و حمزة أمام الوكالة ... ترجل سائق حمزة أولا و حمل كرسيه المتحرك و فتحه بجوار باب السيارة و إنحنى فلف حمزة ذراعه حول رقبته و إستند بذراعه الأخرى على مقعد السيارة و دفع جسده الذى إستقر كالعادة نصف ميتا على الكرسى .... إنحنى السائق مجددا و رفع قدميه واحدا تلو الأخرى ليستندا على حاملهما بالكرسى ....
تطلع إليه حمزة بإشفاق ... تريد أن تخرج منه كلمات الشكر له و لكن مساعدته تلك لا يشعر بها كما لا يشعر بنصف جسده السفلى ....
أشار رامى بيديه للسائق أن يكفى ما فعلته و أنا سأكمل ....و بالفعل إلتف و وقف خلفه و دفع كرسيه بحرص ... لم يرفع حمزة عينيه عن ساقيه متحاشى النظر لعيون المارة و هو لا يريد أن يرى عجزه بأعينهم أو نظرة شفقة أو ذلك السؤال البغيض " لماذا لم تستمع لأسرتك و بقيت على عنادك " .....
لم يعلمون أن ذلك الساخر بداخله يسأله نفس السؤال يوميا لو أنه إستمع فقط و ترك عقله على جانب و حكم قلبه قليلا لكان الآن فى مكان آخر .......
و كان سينعم بحياة زوجية مكتملة مع من كبلته بها و أخذت تسحبه ببطء ناحيتها حتى أصبح غارقا بها و بعشقها مستسلما لكل ما تقدمه له من إهتمام و رعاية و لمسات حارقة و أنفاس برائحة الورد و شعرات طالما رغب فى إفتراشها على وسادته و جسد يتمايل بنعومة مخفى وراء تلك العباءات الواسعة و الذى يجبرها على إرتدائها حتى لا تحترق عينيه برؤية حلاله محرما عليه ...
خرج حمزة من شروده على إهتزاز الكرسى نتيجة مروره على قطعة حديد صدأة ملقاه بإهمال على الأرض .. وبعد لحظات إبتسمت شفتيه و هو يطالع والده جالسا على مكتبه بترفع و إيباء و هيبة الرجل الأول لتلك الحارة الكبيرة ....
والذى إنتفض فور رؤيته له و إتسعت عينيه بفرحة و إستند بكلتا يديه على عكازه و وقف ببطء مصدوما يجبر عقله على تصديق ما يراه فالأسير بداخل القصر قد خرج للنور أخيرا .... لم يشعر بنفسه و هو يلتف حول مكتبه و يسير ناحيته بصمت موجع و إنحنى بعد أن أضحى قبالته و ضمه لصدره بقوة مخبرا عقله الغير مصدق أنه أمامه فعلا ......
خرج صوته متحشرجا و هو يقول بحنان أبوى :
_ وحشتنى يا حمزة يا إبنى ..... الوكالة نورت .
آآآآه .... كم يعشق تلك الرائحة الذكية و التى تشعره بالأمان و تعيده صغيرا كلما سرق من فارس أو رامى شيئا ركض لذلك الصدر الواسع مختبئا بداخله ....
تمسك حمزة بجلباب والده و أجابه بإبتسامة رائقة :
_ الوكالة كانت و هتفضل منورة بيك إنت يا حاج .
إبتعد صبرى عنه قليلا و إحتضن وجهه بين راحتيه و سأله بقلق :
_ أخبارك إيه يا إبنى إنت كويس .
أومأ برأسه و أجابه قائلا ليطمئنه :
_ أنا الحمد لله كويس .... أخبار صحتك إنت إيه يا راجل يا عجوز .
إبتسم صبرى بهدوء و سحب مقعدا و جلس أمامه وقد إختفى من صوته نبرة ذلك الأب الحنون و عاد لتلك النبرة الرخيمة و الثابته وقال بضيق رافعا حاجبه :
_ لولا إنك إبنى و أخاف من زن أمك .... كنت قطعتلك لسانك اللى قال عليا عجوز دلوقتى .
ضحك حمزة ضحكة عالية من قلبه مفلترة من أى حزن أو سخرية و قال بمداعبة :
_ خلاص يا سيد المعلمين آسف ... قولى بقا صحتك عاملة إيه ؟!
ربت على كفه و أجابه بجدية :
_ نحمده على كل حال ..... قولى إنت إيه الشُقة الغريبة دى .
جلس رامى بجواره و قال موضحا و هو يخفى تأثره بلقائهم :
_ أصل ميناس عند ستها فحمزة قال ييجى يطمن عليك و يقعد معانا فى الوكالة يغير جو شوية .
إبتسم صبرى بوجهه و قال له بسعادة :
_ منور الدنيا يا حبيبى ..... تشرب إيه ؟
أجابه و هو يمسح الوكالة بعينيه باحثا بتلهف حزين :
_ شكرا يا حاج ... هو ... هو العوو مش هنا و لا إيه ؟!
عاد صبرى بظهره مستندا على ظهر مقعده و قال و هو يزفر بوهن على قطيعتهما :
_ خلص شغله فى المستشفى و جاى فى الطريق .
إبتلع حمزة ريقه بصعوبة و شبك أنامله ببعضهما و قال بقلق :
_ ربنا يستر لما يشوفنى هيعمل إيه ... بقيت بخاف أشوفه .
كم تمنت كثيرا أن ترى فيهما البأس و القوة و الإعتماد على النفس و لكن لا حياة لمن تنادى إنساقت كل واحدة منهما وراء قلبها تلهث من التعب دون جدوى ... فالأكيد أن هذا الخنوع فى الحب سيذيقهم المرار أقداحا ...
و لكن الآن و فقط يمكنها أن ترتاح و لو قليلا فعودة غزل ستعيد أمورا كثيرة على نصابها الصحيح .... و ستتركهم بأمان معها ....
ضحكت رأفة ضحكة عالية و قالت بإعجاب :
_ جدعة يا غزل الواد ده يستاهل .... هى لو بس الهبلة ميناس تنشف كده قدامه مش هيقدر يلمسها .
عقدت غزل جبينها بضيق و قالت بحدة :
_ يلمس مين ..... المرة دى هيلاقينى فى وشه و وشها هى كمان لو لزم الأمر .
تطلعت رأفة بميناس المستلقية على صدرها مستمتعة بحنانها و دلالها التى إفتقدت و قالت بحدة :
_ شايفة يا هبلة إتعلمى منها ... ولما ييجى يضربك إجرى بعيد عنه و هو مش هيعرف يجيبك .
أومأت ميناس برأسها .... بينما جلست ليال أمامهما عل الفراش و قالت بحماس :
_ أمال يا تيتة لو شوفتيها و هى بتزعق لرامى و عماله تبصله و هى مش خايفة منه ..... أنا وقفت أتفرج عليها و أنا خايفة و هى ولا إتهزت .
وقفت غزل و قالت بتلقائية :
_ على فكرة اللى أنا عملته ده عادى جدا .... إنتوا اللى عبط جدا و سايبين نفسكم لإتنين أنانيين مش بيفكروا غير فى نفسهم و بس .
هزت رأفة رأسها بالإيجاب و قالت مؤكدة على كلمات غزل :
_ عندك حق يا حبيبتى .... يا ريت يبقوا زيك .. بس نقول إيه .
تطلعت ليال بميناس و سألتها بشغف :
_ قوليلى يا مينو بتقضى يومك إزاى فى الملل ده .
أجابتها ميناس ببساطة :
_ عادى ... بتفرج على التليفزيون .... و بصلى كتير و بقعد فى المطبخ مع البنات أغلب الوقت .
زمت غزل شفتيها وقالت بإمتعاض :
_ ما هو لو كنتى كملتى دراستك كان زمانك قاعدة تذاكرى و تضيعى وقتك فى حاجة مهمة .
تنهدت ميناس مطولا و قالت بأسى :
_ كل شئ نصيب ... الحمد لله .
ولج فارس للوكالة يتطلع ببعض الأوراق بيده موليهم كل إهتمامه ... حتى أصبح داخل غرفة والده فقال بشرود :
_ السلام عليكم .
أجابوه جميعا :
_ و عليكم السلام .
توقفت عيناه عن التحرك و تهدجت أنفاسه و هو يسأل عقله هل صاحب هذا الصوت موجود بالفعل ... رفع رأسه و تطلع ناحيتهم فوجده بالفعل .... رغم شوقه الجارف لرؤيته و ضمه و العودة به بالزمن لهذان الأخان بل الصديقان و التى كانت سعادتهما بقربهما تزيد و يستطيعون توزيع بعضها أيضا ....
طالت نظراتهما فى حديث صامت ... بين العتاب و الرجاء .... حتى قطع فارس تلك الحالة و قال بهدوء متمرس :
_ أخبارك إيه يا حمزة ؟!
إبتسم حمزة بهدوء و أجابه قائلا بفرحة :
_ كويس الحمد لله .
فسأله فارس مجددا بقوة :
_ و ميناس أخبارها إيه .
إمتعض وجه حمزة و أجابه بفتور :
_ كويسة .
تطلع فارس بصبرى و قال بعملية جامدة :
_ أنا هروح المخازن يا حاج ... بعد إذنكم .
ثم صاح قائلا بنبرة عالية :
_ واد يا بونجا .
أجابه بونجا مسرعا :
_ أيوة يا مريتة .... أؤمرنى .
أشار إليه بيده و قال بصرامة :
_ تعالى معايا .
_ وراك يا ريت .
إبتسم حمزة إبتسامة باهتة يخفى بها آلمه من مقابلة فارس الباردة و القاسية قائلا بسخرية :
_ مش عارف مستحملين الواد بونجا ده إزاى .
إستند رامى بظهره على مكتب صبرى وأجابه بتقدير :
_ ده واد رجولة و مجدع .... و ده عملة نادرة دلوقتى يا هندسة .
لم يستطع كبح زمام إنكساره و حزنه من لقائه بفارس فقال مسرعا :
_ رامى عاوز أروح كفاية كده .
فقال له صبرى لائما بحرص بعدما فطن لما يدور بخلده :_
_ إقعد شوية يا حمزة .
أجابه نافيا و هو يحرك كرسيه :
_معلش يا حاج سامحنى ... يالا يا رامى .
فى المساء عادا الإثنين للقصر أحدهما غاضب و يشعر بالإختناق و ... الخزى .... و الثانية تكاد تكون طائرة من السعادة و .... الراحة .....
دفعت ميناس الكرسى برفق حتى توسطا غرفة حمزة الصامت و المطأطأ رأسه عكس حالته اليومية من الصراخ و العصبية و الحدة .... تركته وفتحت خزانته و أخرجت منها منامة رياضية و وضعتها على فراشه و هو مازال صامتا لم يتذمر و يخبرها أن تغلق الخزانة بهدوء ... أو أن تضع المنامة برفق أكثر حتى لا تنجرح مثلا ... إنتابتها حالة من الذعر ... فوقفت أمامه و قالت بإبتسامة إمتنان :
_ شكرا إنك سمحتلى أزور تيتة .
لم تتحرك عضلة واحدة من وجهه و كأنه لم يسمعها من الأساس فآثرت السلامة و همت منصرفة فأوقفها قائلا بنبرة منهكة :
_ إستنى .
أغمضت عيناها و عضت شفتيها بخوف .... فما فعلته غزل و إعتقدته بطولة ستدفع ثمنه الآن .... هل سيعطيها صفعة مثلا أو سيلكمها بقبضته ... أم سيجتذبها من شعراتها و التى ما زالت تؤلمها حتى الآن ...تذكرت نصيحة جدتها بأن تركض فور شعورها بهجومه ويمكنها أيضا أن تختبئ بغرفتها ....
لاحظت أنها أطالت بإسترسالها فقالت بتوجس من ردة فعله و هى مازالت توليه ظهرها بخوف :
_ أيوة ؟!!!
ضمت قبضتا و وضعتها أمام فمها و هى تقبض وجهها منتظرة عاصفته الهوجاء و التى ستقتلعها من جذورها و تطيح بها ربما لآخر الغرفة .. ولكنه قال ببساطة :
_ إتعشى معايا و نامى هنا النهاردة .... عاوزك جنبى .
ألم أخبركم سابقا أنها تطير من الفرحة بعد لقاء جدتها .... هذه الفرحة لا تزن مثقال ذرة من فرحتها الآن ستنام بجواره ... هل قال هذا حقا ... ربما تتوهم أو عاودتها أحلام اليقظة من جديد ... هل هذا هو عقابه .... صرخت قائلة بداخلها " عظمة على عظمة يا غزل " ... و رغم جنون شعورها و عدم تصديقها إلا أنها إلتفتت بجسدها المتشنج و سارت نحوه و وقفت أمامه تطالعه بتعجب ... و سألته بصوت يكاد يكون مسموعا :
_ نعم ؟!!!!
يااالله ليس وقتك الآن زهرتى البيضاء ... فتلك البلاهة المرتسمة على وجهك تدفعنى للجنون و أنا الآن فى حالة لا تسمح لى بإحتمال ما فوق طاقتى .... تنفس حمزة مطولا و زفره على مهل و قال بهدوء يشعرها بالقلق أكثر :
_ زى ما سمعتى .
أومأت برأسها و قالت و هى تخفى إبتسامتها بقوة جعلت وجهها يحتقن بشدة و كاد أن ينفجر من شدة إحمراره :
_ حاضر ... أنا .... أنا هجيب العشا و هاجى .
ثم سارت قليلا و عادت إليه مجددا و قالت بعفوية :
_ مش هتأخر .
و إنصرفت ... إنفرجت شفتيه ببطء بإبتسامة خافتة على حالتها المضحكة و تحولها أمامه لثمرة بندورة حمراء .... تنهد بأسى و إلتف بكرسيه و حمل منامته وبدأ فى تبديل ملابسه ... بهدوء ....
دلفت لغرفتها من هنا و أطلقت مشاعرها المكبوتة من هنا ... أخذت تقفز و تصرخ بفرحة كالأطفال و هى تشدو بجنون :
_ و فيها إيه ... حياتى منى ليه .... مستغربنى ليه .... سنينى ليه .. و عمرى باللى فيه ... قليلين عليه ... تيجى زى ما تيجى حبيبى وياك ... و على الأيام ديا مأمناك ... و على اللى ما جاش و هايجى معاك ... و أنا مع حبيبى تيجى زى ما تيجى .... ده و أنا شايفاه ... أنا لاقية اللى ماكنتش لقياه .... و لا سمح الله ييجى يوم و أنساه .......
كانت تدور و تدور و شعراتها الطويلة تدور معها متناثرة بكل مكان تشاركها فرحتها ... و ما أن هدأت حتى وقفت أمام خزانتها ترتدى شيئا ملائما لتلك الليلة الخاصة ... إختارت عبائة وردية اللون بتطريز ذهبى على الصدر و طرفى الأكمام الطويلة ... واسعة لا تظهر منها شيئا كما يحثها حمزة دائما ... و مشطت شعراتها السوداء الناعمة بفرشاتها و عقدته كذيل حصان يهفو على ظهرها بنعومة ... و تعطرت و خرجت مسرعة ....
دلفت لداخل المطبخ و قالت بتوتر :
_ الأكل خلص يا نشوى .
رفعت نشوى عيناها عن الإناء أمامها و أجابتها بإعجاب من هيأتها البديعة و صفاء وجهها رغم أنه مازال محتفظا ببعض الكدمات ... و قالت بإبتسامة هادئة :
_ أيوة الأكل جاهز ... و شكلى كده هجهزه ليكم سوا مش كده .
إبتسمت ميناس إبتسامة متسعة و تعمقت غمازتيها و أجابتها قائلة بهيام :
_ أيوة ... بسرعة بقا جهزيه و خلى حد من البنات يجيبه على الأوضة عند حمزة .
_ حاضر دقيقتين بس و هيبقى وراكى يا قمر .
إجتذبت ميناس شعراتها و جمعتهم بجانب واحد و قالت بحزم :
_ دقيقتين بس مفهوم .
أومأت نشوى برأسها و قالت بهدوء :
_ حاضر يا فندم .
توجهت ميناس ناحية غرفة حمزة بحماس و قبل أن تدير مقبض الباب ... عدلت من شعراتها و قرصت وجنتيها لتزيد من توردهم الطبيعى و عضت شفتيها أيضا و سحبت نفسا طويلا و عميقا و أدارت المقبض و ولجت للداخل ...
وجدته يجلس شاردا بشرفته يدخن سيجارة ... فجهزت الطاولة الكبيرة بمنتصف غرفته و جاءت إليها إحدى الفتيات حاملة صينية العشاء ففتحت لها الباب و حملتها منها و وضعتها على الطاولة و توجهت ناحية الشرفة بحذر و قالت بصوت خفيض أشبه بالهمس :
_ العشا يا حمزة .... يالا علشان تاخد علاجك .
قذف السيجارة من يده ناحية الحديقة و قال بداخله بتنهيدة حزينة :
_ إنتى علاجى و وجعى ....
لم تغادر تلك الكلمات شفتيه بل إستدار بكرسيه فأصبح مواجها لها ... تأملها ببطء قاتل و كأنه يلامسها بعينيه .... مستمتعا بجمالها الهادئ .... أخفض بصره عنها و حرك كرسيه ناحية الطاولة و شرع فى تناول وجبته ...
جلست أمامه تتابعه بشغف ... و تتظاهر بالأكل ... حتى رفع عينيه نحوها فجأة ممسكا بها متلبسة بنظراتها الوقحة ... فأخفضت عينيها مسرعة و تناولت طعامها بخجل ... و ما زاد توترها و إرتباكها محاصرته لها بنظراته مكافحا و حشا هادرا يسكنه و يريد إلتهامها دفعة واحدة ربما تهدأ ثورته .....
بعدما إنتهيا من وجبتهما جلست ميناس تتابع مسلسلها التليفزيونى .... إنتبه حمزة لتحديقها ببطل المسلسل و هو يخرج من البحر عارى الصدر و الساقين و ... يسير .... بخيلا فاردا عضلات جسده بفخر ...إشتعلت عينيه و قضب حاجبيه و قال بعصبية :
_ عاجبك قوى .
إلتفتت برأسها ناحيته و سألته بتعجب :
_ هو إيه ده ؟!!!
أجابها و هو يشير لشاشة التلفاز بيده مشمئزا !
_ الممثل ده ..... شايفك يعنى مش بتشيلى عنيكى عنه .
إعتدلت فى جلستها و قالت بخوف :
_ لا و الله ... ده .. ده أنا متابعة المسلسل ده لأن قصته رومانسية و حلوة قوى .... بس .
ضحك بسخرية و قال بحنق :
_ رومانسية إيه و زفت إيه ... هتفضلى تافهه كده طول عمرك .
إبتلعت إهانتها بغصة مؤلمة ... و أغلقت التلفاز ... و حملت مصحفها و إرتدت حجابها و بدأت فى تلاوة آيات الله بصوت مسموع ...
أغلق حمزة عينيه مستمتعا بصوتها العذب فى القرائة حتى إنتهت ... شعر بثقل برأسه و عينيه فتوجه ناحية الفراش و تمسك بطرفه و بيده الأخرى تمسك بكرسيه و إرتفع بخصره حتى إرتمى بجسده عليه ... و تمسك بفراشه بكلتا يديه و إعتدل فى جلسته .. و مددت ميناس ساقيه و سحبت فوقه الوشاح الذى يغطيه ... و إلتفت حول الفراش و أخفضت قوة الإنارة و تمددت بجواره .....
مالت بجسدها ناحيته حتى أصبح و جهها مقابلا لوجهه و أنفاسهما تختلط بينهما .... طالت نظراتهم فإستسلمت هى أولا و غفت فى سكون ... كطفلة شعرت بالأمان لنومها بجوار والدها ....
تأملها بإبتسامة مشرقة و مرر أنامله على وجهها الصبوح و شعراتها الناعمة و قال بداخله :
_ كيف سأحتمل فراقك حبيبتى ... بل صغيرتى ... الجميلة .... التى تفتحت و فاح عطرها على يدى .... أعلم أنى إمتلكت قلبك من سنين .... و من وقتها إمتلكتينى دون أن تعلمى ... حتى إنتصرتى علي .... و أسرتنى بعشقك الأبيض ... و بعد هذا أنتظر الوقت لفراقك .... ففراقنا أمرا محتوما ... لمتى ستصمدين ؟!! .... و لكن حتى وقتها ... أنتى ملكى ......
و بهدوء إنسدل ستار عينيه ببطء و غفى و دمعة غادرة إنسابت من عينيه تشق طريقها فى صحراء وجهه القاحلة ......
فى صباح يوم الجمعة بحثت غزل عن ليال فوجدتها تعد الإفطار بالمطبخ ... فقبلتها بوجنتها و قالت بحب صافى :
_ يا صباح الشهد عليكى يا قمر .
إلتفتت ليال برأسها نصف إلتفافة و قبلتها قائلة بنعومة :
_ يا صباح الورد ... تعالى ساعدينى أهه تتعلميلك حاجة فى المطبخ .... قبل ما تتجوزى .
هزت رأسها نفيا و قالت بعبوس خفيف :
_ جواز .... لا يا أمى شكرا ... عوزانى أتجوز راجل .
رفعت ليال حاجبها و قالت بتعجب :
_ أمال المفروض تتجوزى إيه غير الراجل .
تطلعت غزل بما تقلبه ليال بالإناء و قالت بتلقائية :
_ شاوريلى على راجل بجد و مش مستغل و أنا هتجوزه ... هو إيه اللى بتطبخيه ده يا لولو .
أجابتها ليال بزهو :
_ دى شكشوكة ... و محدش بيعرف يعملها زيى .
ضيقت نظراتها و قالت بجهل تام :
_ شك إيه ؟!! .... ياى إسمها بشع .
مصمصت ليال شفتيها بضيق و قالت بحدة :
_ ما هو اللى ما يعرفش يقول عدس ... دلوقتى تدوقيها و تسحبى تريقتك دى .
مررت ليال عيناها على ملابس غزل المتحررة ... جدا ... بهذا الشورت القصير ... و تلك القماشة و التى لا تجد لها مسمى ملتفة حول صدرها حتى منتصف بطنها ... فقالت لها برجاء :
_ إبقى علمينى ألبس زيك يا غزل علشان لما أتجوز و كده .
أشارت غزل على عيناها و قالت بقوة :
_ من عيونى .... هبقى أنزل معاكى و نعمل شوبنج .... و أجيبلك كل اللى نفسك فيه يا عسلية .
إبتسمت ليال براحة و قالت بإمتنان :
_ شكرا يا زولا ... ما أتحرمش منك .. النهاردة بالليل رامى و عمى صبرى و العوو هيزرونا ... يا رب تيتة توافق المرة دى .
أخفت غزل توترها بعدما علمت بقدوم ذلك المغرور إليهم ... سأقول الحقيقة و أجرى على الله ... جزء صغير بداخلها إشتاق لنظراته الثاقبة ... و ملامحه الشرقية .. و صوته الرخيم .... و رجولته الطاغية ... نفضت رأسها مسرعة و ملست على ذراع ليال و قالت بإشفاق :
_ هتوافق إن شاء الله ... بعد صلاة الجمعة نخلص البيت و الغدا و هظبطك ... هخلى رامى مش يعرفك من جمالك .... أما تيتة بقا سبيها عليا و أنا هقنعها .. تمام .
إحتضنتها ليال بفرحة قائلة :
_ ربنا ما يحرمنى منك يا غزل .
أزالت غزل ذراعيها بتقزز و قالت ساخرة :
_ بس ... إبعدى إيديكى عنى اللى عليها الشكاشيك دى .
ضحكت ليال ضحكة عالية و قالت موضحة :
_ شكشوكة ... إسمها شكشوكة .
_ what ever ... أنا هروح أنضف أوضتى على ما تخلصى ... يع .
إرتدت سترة رياضية و وضعت قبعتها على شعراتها و فتحت نافذة غرفتها للتهوية ... إستنشقت نسائم الصباح بإبتسامة زادت و هى تطالع ذلك الصغير الذى يحدجها بشغف .....
لوحت له غزل بيدها ... فلوح لها قائلا بتعجب :
_ هى فين ليال ؟!
أجابته غزل بمداعبة :
_ قولى إنت مين أول .
أجابها و هو يتأمل جمالها مسحورا :
_ أنا مهاب .... و إنتى مين .
إستندت بمرفقيها على الشرفة و قالت بهدوء :
_ أنا غزل ... بنت خالة ليال ... ممكن نبقى أصحاب .
أومأ برأسه و قال بتلقائية :
_ sure .
تعجبت من رده بالإنجليزية ... و سألت نفسها بإندهاش .. هل يوجد بتلك الحارة من يتحدث بالإنجليزية ... فتابعت قائلة لإختباره :
_ do you speak English ؟
أجابها مسرعا :
_ ya ... Iam in English school .
فقالت له غزل بإعجاب :
_ wow ... خلاص إحنا بقينا friends .... تمام .
_ ok .
إلتفت مهاب برأسه داخل غرفته يستمع لأحدا و أومأ برأسه و عاد إليها قائلا :
_ هسيبك دلوقتى و هروح أصلى الجمعة ... سلام .
لوحت له بإبتسامة عذبة و قالت :
_ سلام .
عادت لغرفتها مجددا و نظفتها و خرجت لتناول فطورها ....
بعد إنتهاء صلاة الجمعة عادوا جميعا للمنزل ... و كانت السفرة قد أعدت بأشهى المأكولات ... و ما أن شرعوا فى تناول وجبتهم حتى جلس رامى بجوار صبرى و قال راجيا :
_ علشان خاطرى يا عمى ... كلم ستى رأفة النهاردة علشان تتمم موضوع جوازى أنا و ليال .... و حياة مهاب عندك .
ضحك صبرى بإتزان و قال بهدوء :
_ ماشى يا سى رامى ... بس يا رب توافق المرة دى .
ترك فارس شوكته بجوار طبقه و قال بحدة :
_ أنا لو مكان ستى .... و لا أديك أمان .
أجابه رامى بحنق:
_ سمعنا سكاتك .... أعوذ بالله من قرك يا أخى .
إبتسم فارس بخفوت و قال له بصدق :
_ ربنا يوفقك يا حبيبى وترضى عنك المرة دى .
إبتسم وهتف بفرحة :
_ أيوة بقا ....كده أنا أحبك يا عوو .
تطلع إليه بيأس و شرد قليلا فى تلك المجنونة التى لا تترك رأسه .... سابقا بصراخها و حاليا بجمالها...
إبتسم مهاب بمداعبة و قال :
_ أنا النهاردة يا عوو إتعرفت على بنت جميلة قوى و بقينا friends .
أجابه فارس غامزا بعينيه و قال ساخرا :
_ يا واد يا سيطره ... و عرفتها إمتى دى .
مسح مهاب فمه بمحرمة و أجابه :
_ شوفتها واقفة فى الشباك اللى قدامى فى شقة ليال ... بس إيه .. صاروووخ .
صفعه فارس على رأسه و قال بغضب :
_ صاروخ إيه ... إتلم ياض .
مضغ رامى ما فى فمه و قال ببرود زامما شفتيه :
_ دى أكيد غزل .
أجابه مهاب مسرعا :
_ أيوة إسمها غزل .
إنتفض قلب فارس و إتسعت عينيه و قال بلهفة :
_ إيه ده .... هى غزل رجعت من السفر
ترجلت غزل بصحبة ليال و ما أن خرجت حتى إنتبهت أن ليال مازالت واقفة مكانها فعادت إليها وسألتها بتعجب :
_ يالا نخرج يا بنتى ... إنتى مش قولتى إن رامى جه .
أومأت ليال برأسها و قالت بتلقائية :
_ مش هينفع أخرج غير لما رامى يدخل ياخدنى من هنا .
_ ليه بقى مش فاهمة .
طأطأت ليال رأسها وقالت بتوجس :
_ علشان ما ينفعش أخرج الشارع إلا معاه .
زمت غزل شفتيها و قالت بضيق رافعة عينيها للسماء :
_ ده إيه الجنان ده بس يا ربى ....... الصبر من عندك .
إبتسمت ليال عليها .... و وقفا فى إنتظار قدوم رامى حتى إنتبهت غزل لتغير ملامح ليال و كفها التى إرتفعت ولامست صدرها الذى نهج بصورة مرئية و أغمضت عيناها و قالت هامسة :
_ رامى جه .
عقدت غزل ذراعيها أمام صدرها و قالت بإستخفاف :
_ و سيادتك عرفتى منين إنه جه .
أجابتها بإقتضاب هائم :
_ بحس بيه .
و إتسعت إبتسامتها و هى تستمع لصوت خطواته الرزينة و عطره الذى سبقه حتى رأته أمامها .... بهيبته الآخذة و جماله الرجولى ... حاولت إيجاد ذرة من الأكسجين لتتنفس و لكنه سحبهم جميعهم بوجوده المهيب ....
تعلقت عيونهم فى عناق مخفى ظهر تأثيره على وجنتيها و التى صبغتا باللون الوردى ... خرج صوته الرجولى نافذا لقلبها و هو يقول بإبتسامة هادئة :
_ السلام عليكم .
ياااالله ... مجرد كلمتين و إبتسامة ... و حل الربيع فجأة و تفتحت الزهور و ملأ عطرها الأجواء و زقزقت العصافير بسعادة و إزدانت الأشجار بالثمار ..... و فجأة سقطت إحدى تلك الثمار على ذراعها التى وخزته غزل بالقوة لتعيدها لمدخل البناية القديم مجددا و هى تجيب رامى بعملية :
_ و عليكم السلام .
حتى وخزة غزل لم تستطع فك عيناهما عن بعضهما .... فتحركت قليلا و وقفت بينهما و وزعت أنظارها تارة على ليال الذائبة و تارة على رامى صاحب النظرات القوية الذى مد يده نحو ليال و قال بهدوء يحسد عليه فى تلك الأمواج العاتية من المشاعر المتدفقة من عيونهم :
_ أخبارك إيه يا عسلية .
مدت ليال يدها ناحية يده و صافحته قائلة بإبتسامة عذبة :
_ الحمد لله كويسة .
طالت نظراتهم و مصافحتهم ... فضربت غزل جبهتها بيدها و تنحنحت قائلة بإشمئزاز من ذلك العشق المنفر والزائد عن الحد :
_ إحم .... نحن هنا يا جماعة .
إنتبه إليها رامى أولا فقال وهو محرجا :
_ أأ .. حمد الله على السلامة يا آنسة غزل .
أجابته غزل بإبتسامة ودودة :
_ الله يسلمك يا رامى و ياريت تقولى غزل بلاش آنسة دى .
ضحك قليلا و هو يطالع جمالها الصارخ و هز رأسه بالإيجاب و قال :
_ تمام يا غزل .... يالا بينا .
و أشار لهما بذراعه كى يتقدموه فخرجوا سويا ... فتح رامى الباب لغزل أولا ... فإستقلت السيارة و قالت بتعجب من تصرفه المهذب :
_ Thanks .
ثم فتح الباب المجاور له لليال التى جلست بهدوء ... فإلتف حول السيارة و صعد مكانه خلف المقود و أدار السيارة و إنطلق ...
تطلع لغزل بمرآته الأمامية و سألها بإهتمام :
_ مصر عجبتك يا غزل .
أومأت غزل برأسها و قالت براحة :
_ مصر كانت و هتفضل أحلى بلد فى الدنيا .
فقال لها بتعجب و هو مازال يطالعها من مرآته :
_ يعنى لسه راجعة من أمريكا و بتقولى على مصر كده ده فى فوارق كبيرة بين البلدين .
إبتسمت بسخرية و طالعت الطريق بشرود و أجابته بضيق :
_ محدش هنا هيعرف قيمة مصر غير اللى إتغرب عمره زيى .
أومأ رامى برأسه و قال مؤكدا :
_ عندك حق فعلا .
لم يجفل عن نظرات القابعة بجواره تنحته داخل قلبها بنظراتها ... فسحب كفها دون أن يتطلع إليها و إحتضنه بين راحته و قاد السيارة بيد واحدة ......
زاد تورد وجنتيها حتى أنه تحول للون أحمر قانى .... إلتفت إليها و تعمقا فى نظراتهما مجددا فزفرت غزل بضيق من تلك الحالة المستفزة و التى ستجعلها تتقئ .....
خرجوا بالسيارة من الحارة للطريق الرئيسى فإلتف بها للطريق المقابل و إنحدر عن الطريق ليصبح فى مواجهة القصر ...
شعرت غزل بإنقباضة بقلبها و تسارع أنفاسها و هى تتطلع لتلك الأشجار المحيطة للطريق المؤدى للقصر فسألت رامى بتعجب قلق :
_ إنت رايح فين يا رامى .
أجابها بتلقائية بسيطة :
_ عند ميناس .. هى و حمزة ساكنين فى القصر ده ... و أنا و ليال لما هنتجوز هنسكن فيه إن شاء الله .
ترائت لها خيالات مزعجة و هى تطالع ذلك الممر الطويل حتى توقفت السيارة و ضغط رامى بوقها فإنفتحت البوابة الكبيرة و دلف بهما لداخل القصر ... تطلعت له غزل بإنبهار و صفرت قائلة بإندهاش :
_ wow ...... So beautifull .
فسألها رامى و هو يصف سيارته :
_ عجبك القصر ؟!
أجابته و هى مشدوهة من جماله و فخامته :
_ un believable .
ترجلوا من السيارة و غزل مازالت على حالتها من الإنبهار و هى تتأمل تلك التماثيل التى زينته من الخارج فقالت و كأنها مسحورة :
_ يجنن .... أموت و أعرف حكاية القصر ده إيه ؟!
أغلق رامى سيارته و تمسك بكف ليال و أجابها قائلا :
_ القصر ده كان بتاع باشا من البشوات صممهوله و نفذه مهندس فرنساوى .... و كانت المنطقة اللى حواليه دى كلها صحرا ... بس بعد ما إتبنى القصر هنا إتعمر المكان مع الوقت ... و الورثة بتوع الراجل ده عرضوه للبيع فاجدى إشتراه ... و عمى صبرى و أبويا و رثوه و بقا ليا أنا و ولاد عمى .
عدل من ياقته بغرور و أردف قائلا بمداعبب :
_ بس أنا ليا نصه لأنى وريث أبويا الوحيد ... يالا ندخل إتفضلوا .
صعدوا الدرجات الرخامية فقرع رامى الجرس .... ففتحت له نشوى التى قالت بإبتسامة مرحبة :
_ يا أهلا و سهلا .... إتفضلوا .
ولجوا للداخل و الذى لا يقل جمالا عن الخارج .... فإستقبلتهم ميناس بفرحة ... ركضت ليال ناحيتها و ضمتها إليها قائلة بشوق :
_ وحشتينى قوى يا مينو .... أخبارك إيه ؟!
تنهدت ميناس بإرتياح و قالت بهدوء :
_ كويسة يا عمرى و إنتى وحشتينى قوى .
إنتبهت ميناس لوقفة غزل و المتابعة للقائهم بضيق ... سائلة نفسها كيف لإنسان أن يحرم أختان من لقاء بعضهما دائما ... و الأسوء خنوع تلك الفتاتان لمصيرهما بإسم الحب .... الحب ... عن أى حب يتحدثون ... بُلهاء .....
إقتربت ميناس من غزل بإبتسامتها الملائكية و قالت لها مرحبة :
_ نورتى مصر يا غزل ... دى تيتة كانت بتحكيلنا عنك دايما .
تطلعت غزل لبرائتها و جمالها وبادلتها إبتسامتها و قالت بحب غمرها ناحية تلك الصغيرة و الرائعة الجمال :
_ مصر منورة بيكم ... ما كنتش أتخيل إنك جميلة كده .... فعلا زى الملايكة زى ما قالتلى ليال .
إحتضنتها ميناس و قبلتها قائلة بمرح تفتقده :
_ و لو أنا جميلة إنتى بقا إيه ...... إتفضلوا إقعدوا .
و إبتعدت عن غزل و أشارت لهم بيدها فجلسوا سويا بردهة القصر الواسعة .... تابعت ميناس حديثها و رحبت برامى قائلة :
_ أخبارك إيه يا رامى .
أجابها و هو شارد بحبيبته مستغلا كل ثانية لإشباع عينيه برؤيتها :
_ الحمد لله زى الفل و العسل .
أخفت ليال إبتسامتها بصعوبة ... بينما لفت إنتباههم جميعا إقتراب حمزة منهم و هو يحرك كرسيه ناحيتهم و على ثغره إبتسامة هادئة .... ضيقت غزل عينيه و هى تحدجه بتعجب من وسامته الشديدة بشعراته الطويلة و ملامح وجهه الحازمة و الجميلة ... هزت رأسها متفهمة سبب تضحية ميناس الكبيرة فهذا الوسيم يستحق .....
إقترب منهم أكثر و قال بنبرة عميقة تلائمه :
_ أهلا و سهلا نورتونا .
أجابه رامى مداعبا :
_ عامل إيه يا صاحبى .
تطلع نحوه و أجابه مازحا :
_ أنا كويس .... أنا سلامى لليال و غزل مش ليك مالحقتش توحشنى يعنى .
ضيق رامى عينيه و قال بحدة ساخرة :
_ أنا مش عايز أقولك كلام مقاسه و أشوطه فى وسط ناسه .
إرتسمت تعابير الدهشة و الغباء على ملامح الفتيات ... بينما لم تتغلب على فضولها و قالت :
_ إيه اللغة الجديدة دى ... هى الترجمة هتنزل إمتى .
ضحك الجميع فأجابها حمزة ساخرا :
_ معلش يا غزل أصل رامى بقا بيئة جدا .. الحارة كرفت عليه .
زم رامى شفتيه بحدة و قال متوعدا :
_ ماشى يا إبن القصور ... بس إنت تمامك قل عندى و إستحمل بقا .
أشاح حمزة بعينيه عنه و سأل غزل بود :
_ إنتى هتستقرى فى مصر يا غزل .
هزت رأسها بالإيجاب و قالت بإبتسامة هادئة :
_ أيوة إن شاء الله .
حرك حمزة رأسه قليلا و سأل ليال أيضا :
_ و أخبار ستى رأفة إيه يا ليال .
أجابته بإمتعاض و هى عابسة :
_ كويسة .
إنتبه رامى لنفورها من حمزة فإقترح قائلا بدهاء :
_ قوموا يا بنات إقعدوا مع بعض أكيد عندكم كلام كتير عاوزيين تقولوه لبعض .
وقفوا مرحبين بالفكرة .... فمالت ميناس ناحية حمزة و سألته برقة :
_ عاوز منى حاجة يا حمزة .
أجابها بسخط و هو عابس :
_ هعوز منك إيه يعنى .... إمشى يالا .
لم يدرك عواقب ما قاله و تلك الشرارات الفيروزية المشتعلة تكاد تحرقه حيا .... إقتربت منه غزل و قالت بحدة :
_ ما تكلمها كويس ..... مالك بتعاملها كده بقرف .
إتسعت العيون من حولهما بصدمة بينما هز حمزة رأسه مستفهما و قال بتعجب :
_ نعم !!
عقدت ذراعيها و قالت بقوة :
_ أظن سمعتنى كويس ... و لو عاملتها كده تانى هندمك مفهوم .
صك أسنانه بغضب فمن هى لتتجرأ و تناطحه فسألها ساخرا :
_ هتعملى إيه يعنى مش فاهم .
رفعت حاجبها بضيق و قالت محذرة :
_ بلاش تعرف دلوقتى هخليهالك مفاجأة .
ثم فكت ذراعيها و إقتربت منه و هى تحدجه بتحدى مشتعل :
_ إتقى ربنا فيها دى أمانة فى رقبتك .... و لا إنت مش قد الأمانة .
لم تمهله وقتا للرد و قالت بنبرة محتدة :
_ قدامى يا بنات .
أخفى رامى إبتسامته الشامتة حتى رآهم يدخلون غرفة ميناس و يغلقون ورائهم الباب فإنفجر ضاحكا ... و قال ساخرا :
_ و الله كنت ناويلك على نية سودا ... بس كفاية عليك اللى حصل ده .
طبق حمزة كفه بغضب حتى إنغرست أظافره به و قال بعصبية :
_ إيه البت دى هى فاكرة نفسها إيه .
جلس رامى بجواره و قال بتشفى فى حالته :
_ بصراحة يا زميلى تستاهل .... أفحمتك ..... حافظ بقا على الأمانة علشام ربنا يرضى عنك .
إبتسم حمزة بسخرية عن من يوصونه عن ملاكه البرئ .... لم يعلمون أنه يوصى نفسه كل يوم بها .... و لكن فكرة أنها ستتركه يوما وتلجأ لشخص مكتمل تمضى معه حياتها و يحظى بكل ذلك الجمال قلبا و جسدا تشتعل غيرته و ينقض عليها دون سبب ملموس .....
جلست الفتيات فى غرفة ميناس و غزل تقطع الغرفة ذهابا و إيابا و إيابا و ذهابا و ميناس و ليال جالستان على الفراش تتابعانها ... شعرت ليال بدوار يجتاح عقلها فنفضت رأسها قائلة بملل :
_ إقعدى بقا يا غزل دوخت يا بنتى .
وقفت غزل أمام ميناس و تمسكت بذقنها و حركت وجهها يمينا و يسارا تطالع زرقته و سألتها بغل :
_ إزاى تسمحيله يعمل فيكى كده .... لو عملها تانى تطلعى على الشرطة و تعملى فيه بلاغ فورا .
إجتذبتها ميناس من ذراعها و أجلستها بجوارها عنوة و قالت بإستعطاف :
_ إقعدى بس ربنا يهديكى .
وقفت غزل مرة أخرى و قالت و شرر عينيها يلتهم ميناس بغضب :
_ عاوزانى أهدا ... In your dreams .
إجتذبها ليال مجددا و قالت بتعب :
_ إقعدى بقا ... تعبتينا يا شيخة .
جلست تنقر بأناملها على ساقها ... فقالت لها ميناس لتهدئتها .... و هذا ما إعتقدته :
_ هو بس كان متعصب منى فضربنى غصب عنه .
إلتفت غزل بجسدها ناحيتها بتحفز و قالت بصوت عالى من شدة غضبها فتراجعت الفتاتان بظهرهما مبتعدتين عنها قليلا :
_ لا و الله ..... صدقتك أنا كده .... صح .
ربتت ليال على ذراع أختها و قالت مؤيدة وجهة نظر غزل :
_ غزل عندها حق يا مينو .... هتستحملى لغاية إمتى اللى بيعمله فيكى ده .
إبتسمت غزل بسخرية و قالت بسخط :
_ شوفوا مين اللى بتنصحها .
إبتسمت ميناس بهدوء و قالت مغيرة دفة الحوار :
_ غيروا الموضوع ده و قولولى تيتة عاملة إيه ؟!
أجابتها ليال بضيق :
_ كويسة و بتسلم عليكى و نفسها تشوفك .
تنهدت ميناس بشوق و قالت بحزن :
_ أنا كمان نفسى أشوفها أكتر ... هحاول أكلم حمزة علشان يوافق اجى أشوفها .
وقفت غزل بصرامة و قالت بقوة :
_ هاتيجى تشوفيها .... و دلوقتى .
و تركتهم و خرجت من الغرفة تطلعت ليال بميناس بذعر و وقفا مسرعتين للحاق بها ... و لكن فات الأوان و وقفت قبالته و قالت بجمود :
_ أنا هاخد ميناس تشوف تيتة و هترجعلك بالليل تمام .
ضرب حمزة ذراع كرسيه و أجابها قائلا ببرود :
_ لأ ... مش هتخرج من هنا.
حدجته غزل بتحدى و قالت بصوت متصلب :
_ لأ بقا هاتيجى معايا .. و بطل أنانية .
إستشاط حمزة من غضبه و قال لها بصوت عالى مهتاج :
_ جرى إيه يا آنسة إنتى نسيتى نفسك ... بتغلطى فيا فى بيتى .
إجتذبتها ميناس من ذراعها و قالت بخوف :
_بس بقا يا غزل خلاص .
تطلعت نحوها بحنق و قالت بحدة :
_ بطلى سلبية بقا ... و إدخلى غيرى هدومك دى علشان هاتيجى معايا .
تعالت صيحات حمزة قائلا بشراسة :
_ ده إنتى بتتحدينى بقا .
وقف رامى بينهما و قال ملطفا للأجواء :
_ خليها عليك المرة دى يا حمزة و سيبها تروح تشوف جدتها و إنت كمان تعالى معايا الوكالة .
أجابه مسرعا :
_ لأ .
تابع رامى رجائه قائلا :
_طب وحياة مهاب عندك لتوافق .
حدجه حمزة بغضب و قال بإنفعال :
_ بتمسكنى من دراعى اللى بيوجعنى يا رامى .
أجابه بإبتسامة أمل :
_ يبقى هتوافق صح ... يالا بقا علشان نعمل للحاج صبرى مفاجأة قولت إيه ؟!
زفر بضيق و قال بتغطرس و هو يطالع غزل بضيق :
_ علشان مهاب بس .....تعالى يا ميناس هانم علشان تجهزيلى هدومى .
إبتسمت ميناس بفرحة و دفعت كرسيه ناحية غرفته .... بينما قبلت ليال غزل و قالت لها بسعادة :
_ شكرا يا غزل بجد دى تيتة هتفرح قوى .
إقترب رامى من ليال و قال بمداعبة :
_ أنا اللى أقنعته على فكرة مش هى .
و أشار على وجنته فإبتسمت ليال بخجل ... تطلعت إليهم غزل بضيق و قالت :
_ لأ كده كتير أنا عندى المرارة خفوا شوية .
ضحك رامى وقال برجاء :
_ طب ما تكلمى ستك يا غزل خليها توافق على جوازنا .... أنا تعبت معاها .
جلست أمامه و قالت و هى تطالعه بشك :
_ اللى فهمته إن تيتة خايفة ليال تبقى نسخة من ميناس .... و إنت الصراحة كل يوم بتثبت إنها صح .
وضع يديه بجيبى بنطاله و قال و هو يرمقها من علو :
_ ده اللى هو إزاى .... أنا حاجة و حمزة حاجة ... أنا بحب ليال و عمرى ما هلمسها و لا أمد إيدى عليها .
ضحكت غزل بسخرية تزايد معها غضبه بينما قالت هى معللة :
_ و تحكمك فيها ... و شخصيتها اللى إنت لغيتها و خليتها لعبة فى إيدك تقول لها يمين يمين .... شمال شمال .... بزمتك فى واحد يحب واحدة ضعيفة كده .
إحتدت نظراته نحوها و قال بصوت قاتم :
_ أيوة بحبها كده .... و عاوزها كده .
وقفت أمامه و قالت بصرامة :
_ بتتكلم عن نفسك بس ... إنما هى عاوزة إيه مش مهم .... عمرى ما شوفت ناس أنانيين زيكم كده فى حياتى .
إقترب منها و هو يحدجها بقوة ترعد أقوى الرجال و قال محذرا :
_ دى أول وآخر مرة هسمحلك تغلطى تانى .... إنتى ما تعرفيش إنتى بتتعاملى مع مين .... فبلاش تختبرى صبرى أكتر .
إقتربت منه أيضا حتى أصبح وجهها مقابل لوجهه .... تطلعت مطولا داخل عينيه و قالت بإبتسامتها المثيرة :
_ صدقنى إنت اللى مش عارف بتتعامل مع مين ... و أحسنلك ما تعرفش .
طالت نظرات التحدى بينهم وليال تتابع حديثهم بإنبهار من شخصية غزل القوية .. خرجت ميناس من غرفتها و وقفت بجوار ليال تحدجهم بقلق و سألتهم قائلة بتوجس :
_ فى إيه تانى مالكم .
إبتعد رامى عن غزل كاظما غيظه قبل أن يمسك رأسها و يضرب به الحائط خلفهما حتى يظهر لها أصحاب .... وسحب ليال من يدها خلفه بقوة متوجها للخارج و قال بصرامة :
_ هستناكم بره .
إقتربت ميناس من غزل و قالت بفضول :
_ عملتيله إيه هو كمان .
أشاحت غزل بيدها و قالت بإستخفاف :
_ سيبك منه ... خلصتى .
أجابتها ميناس بفرحة قائلة :
_ أيوة ... أنا فرحانة قوى إنى هشوف تيتة .
حملت غزل حقيبة يدها و قالت بهدوء :
_ Let's go .
وقفت ميناس و تطلعت لغرفة حمزة و قالت بعجز :
_ لأ لما يخرج حمزة ... علشان أخرجه برة ...هو مش بيرضى حد يعمله حاجة غيرى .
زمت غزل شفتيها بضيق و جلست فى إنتظار خروج حمزة .....
إستقلت ليال السيارة بجوار تلك الجمرة المشتعلة و الذى ينفث نارا من أنفه ... إبتلعت ريقها بتوتر و قالت مسرعة :
_ أنا ماليش دعوة .
إلتف برأسه ناحيتها و قال بغضب :
_ لولا إنها بنت خالتك كنت ساوتها بالأرض .
ربتت ليال على كفه و قالت برقة لتهدأة إنفعاله :
_ طب إهدا بقا خلاص .
إحتضن كفها بقوة ... ثم قربه من شفتيه و لثمه برقة ذابت معها ليال و جذبت كفها بخجل .. إبتسم على خجلها المثير و الذى يشعل بداخله نيران لو طالتها لفتكت بها بين ذراعيه القويتين ... حاول جاهدا كبح جموح أفكاره الجريئة و قال فاقدا صبره :
_ أنا هاجى يوم الجمعة مع عمى و العوو و هنحدد ميعاد للفرح مع ستك و لو لرفضت قسما عظما لهخطفك و اللى يحصل يحصل .
صعدت غزل السيارة و هى تطالع رامى بتحفز و تطلعت ناحية حمزة و ميناس و مساعدة السائق لحمزة حتى إستقل بجواره و ميناس جلست خلفه ...
ما أن وصلوا للحارة حتى إلتف حمزة برأسه ناحية ميناس و قال بحزم :
_ لو رنيت عليكى و إتأخرتى فى النزول ثانية ... هخليكى تندمى ... سامعة .
أومأت برأسها و ترجلت من السيارة و إتجهت ناحية ليال و غزل و صعدوا سويا لشقة الجدة ... فتطلعت ميناس للدور العلوى و قالت هامسة بحذر :
_ هى مهجة مسافرة و لا إيه ؟!
فسألتها غزل بضيق :
_ مش عارفة بؤجة إيه دى اللى إنتوا خايفين منها ... قدامى إدخلوا هموت و أشوف تيتة هتعمل إيه .
ولجوا للداخل ... فصاحت رأفة قائلة :
_ إنتوا جيتوا يا بنات .
أجابتها ليال و هى تنزع حجابها :
_ أيوة يا تيتة رجعنا .
همست غزل لميناس قائلة بمرح :
_ ما تدخليش يا مينو غير لما نقولك تمام .
ضحكت بخفوت و هزت رأسها موافقة ... دلفت غزل و معها ليال لغرفة رأفة التى سألتهم بقلق :
_ إنتوا رجعتوا بدرى ليه ؟!
لم يجيباها فزاد قلقها و قالت مسرعة :
_ ميناس جرالها حاجة ... الواد حمزة ضربها تانى و لا زعلها و لا زعلكم و لا إيه اللى حصل إنطقوا .
هدأتها غزل قائلة :
_ إهدى يا حبيبتى مافيش حاجة خالص .. بس إحنا محضرين ليكى مفاجأة .
زمت شفتيها و قالت بتوجس :
_ إستر يا رب مفأجة إيه .
ضحكت ليال ضحكة عالية و قالت بمداعبة :
_ مفأجة .... بغض النظر يعنى مستعدة .
لوت رأفة ثغرها و قالت بضيق :
_ بتتريقى عليا يا بنت نغم ... و ماله .
فردت ليال ذراعيها بطريقة مسرحية و قالت بصوت جاهورى :
_ إظهر و بان عليك الأمان .
فولجت ميناس للداخل مسرعة و قد غلبها شوقها و قالت مسرعة :
_ وحشتينى يا أحلى تيتة فى الدنيا ... و الله وحشتينى .
إتسعت عينى رأفة و إمتلأت بالدموع و فتحت ذراعيها فركضت ميناس نحوها و إرتمت بداخل صدها فضمتها إليها بقوة و قالت بلوعة :
_ يا حبيبتى يا بنتى ... أنا دلوقتى قلبى إرتاح بشوفتك .
لفت غزل ذراعها حول كتفى ليال و وقفا يتابعا لقائهم المؤثر بضيق ....
رفعت ميناس رأسها ناحية رأفة و قالت :
_ و انا كمان يا حبيبتى .
فسألتها بعدما زمت شفتيها بسخرية :
_ و هو سى الأستاذ حمزة سمحلك تجينى إزاى إن شاء الله .
إلتفت ميناس برأسها ناحية غزل و قالت بإمتنان :
_ غزل هى اللى أقنعته .
إعتدلت رأفة فى جلستها و قالت بإهتمام :
_ لأ ... من الأول بقا و واحدة واحدة و بالتفصيل .
أحيانا نقع فى واقع مرير ليس منه مخرجا بسبب تلك الكتلة اللينة و القابعة داخل جمجمتنا و التى تسم مخاً فبسببها يقتنع كل شخص منا أنه الذكى المنتظر أذكى شخصا بأمور الحياة وأنه مسيطر و متحكم بعجلة القيادة لحياته ......
و لكن عذرا فأنت واهى .... لأن عقلك العنيد هذا قد دفعك فى النهاية إلا منطقة لو كانوا أخبروك سابقا أنها هى ما ستؤل إليه حياتك لكنت ضحكت بملئ فمك ساخرا و متأكدا أن هذا لن يحدث .... و لكنه حدث بالفعل و أصبحت سجين .... أسير ...... يصرخ بداخلك ذلك الشخص الواهى و الذى سخر سابقا من أن تقع فى الفخ و يضرب باب زنزانته بكلتا يديه ربما يسمعه أحد و يحرره و يخرج للنور و للحياة .......
ولكن يبقى صراخه بداخله وتبقى ملامحه جامدة و هو يطالع الطيور كل يوم من شرفة غرفته يحسدها على حريتها و المحروم هو منها أسيرا لذلك اللعين المتحرك ....
وصلت سيارتى رامى و حمزة أمام الوكالة ... ترجل سائق حمزة أولا و حمل كرسيه المتحرك و فتحه بجوار باب السيارة و إنحنى فلف حمزة ذراعه حول رقبته و إستند بذراعه الأخرى على مقعد السيارة و دفع جسده الذى إستقر كالعادة نصف ميتا على الكرسى .... إنحنى السائق مجددا و رفع قدميه واحدا تلو الأخرى ليستندا على حاملهما بالكرسى ....
تطلع إليه حمزة بإشفاق ... تريد أن تخرج منه كلمات الشكر له و لكن مساعدته تلك لا يشعر بها كما لا يشعر بنصف جسده السفلى ....
أشار رامى بيديه للسائق أن يكفى ما فعلته و أنا سأكمل ....و بالفعل إلتف و وقف خلفه و دفع كرسيه بحرص ... لم يرفع حمزة عينيه عن ساقيه متحاشى النظر لعيون المارة و هو لا يريد أن يرى عجزه بأعينهم أو نظرة شفقة أو ذلك السؤال البغيض " لماذا لم تستمع لأسرتك و بقيت على عنادك " .....
لم يعلمون أن ذلك الساخر بداخله يسأله نفس السؤال يوميا لو أنه إستمع فقط و ترك عقله على جانب و حكم قلبه قليلا لكان الآن فى مكان آخر .......
و كان سينعم بحياة زوجية مكتملة مع من كبلته بها و أخذت تسحبه ببطء ناحيتها حتى أصبح غارقا بها و بعشقها مستسلما لكل ما تقدمه له من إهتمام و رعاية و لمسات حارقة و أنفاس برائحة الورد و شعرات طالما رغب فى إفتراشها على وسادته و جسد يتمايل بنعومة مخفى وراء تلك العباءات الواسعة و الذى يجبرها على إرتدائها حتى لا تحترق عينيه برؤية حلاله محرما عليه ...
خرج حمزة من شروده على إهتزاز الكرسى نتيجة مروره على قطعة حديد صدأة ملقاه بإهمال على الأرض .. وبعد لحظات إبتسمت شفتيه و هو يطالع والده جالسا على مكتبه بترفع و إيباء و هيبة الرجل الأول لتلك الحارة الكبيرة ....
والذى إنتفض فور رؤيته له و إتسعت عينيه بفرحة و إستند بكلتا يديه على عكازه و وقف ببطء مصدوما يجبر عقله على تصديق ما يراه فالأسير بداخل القصر قد خرج للنور أخيرا .... لم يشعر بنفسه و هو يلتف حول مكتبه و يسير ناحيته بصمت موجع و إنحنى بعد أن أضحى قبالته و ضمه لصدره بقوة مخبرا عقله الغير مصدق أنه أمامه فعلا ......
خرج صوته متحشرجا و هو يقول بحنان أبوى :
_ وحشتنى يا حمزة يا إبنى ..... الوكالة نورت .
آآآآه .... كم يعشق تلك الرائحة الذكية و التى تشعره بالأمان و تعيده صغيرا كلما سرق من فارس أو رامى شيئا ركض لذلك الصدر الواسع مختبئا بداخله ....
تمسك حمزة بجلباب والده و أجابه بإبتسامة رائقة :
_ الوكالة كانت و هتفضل منورة بيك إنت يا حاج .
إبتعد صبرى عنه قليلا و إحتضن وجهه بين راحتيه و سأله بقلق :
_ أخبارك إيه يا إبنى إنت كويس .
أومأ برأسه و أجابه قائلا ليطمئنه :
_ أنا الحمد لله كويس .... أخبار صحتك إنت إيه يا راجل يا عجوز .
إبتسم صبرى بهدوء و سحب مقعدا و جلس أمامه وقد إختفى من صوته نبرة ذلك الأب الحنون و عاد لتلك النبرة الرخيمة و الثابته وقال بضيق رافعا حاجبه :
_ لولا إنك إبنى و أخاف من زن أمك .... كنت قطعتلك لسانك اللى قال عليا عجوز دلوقتى .
ضحك حمزة ضحكة عالية من قلبه مفلترة من أى حزن أو سخرية و قال بمداعبة :
_ خلاص يا سيد المعلمين آسف ... قولى بقا صحتك عاملة إيه ؟!
ربت على كفه و أجابه بجدية :
_ نحمده على كل حال ..... قولى إنت إيه الشُقة الغريبة دى .
جلس رامى بجواره و قال موضحا و هو يخفى تأثره بلقائهم :
_ أصل ميناس عند ستها فحمزة قال ييجى يطمن عليك و يقعد معانا فى الوكالة يغير جو شوية .
إبتسم صبرى بوجهه و قال له بسعادة :
_ منور الدنيا يا حبيبى ..... تشرب إيه ؟
أجابه و هو يمسح الوكالة بعينيه باحثا بتلهف حزين :
_ شكرا يا حاج ... هو ... هو العوو مش هنا و لا إيه ؟!
عاد صبرى بظهره مستندا على ظهر مقعده و قال و هو يزفر بوهن على قطيعتهما :
_ خلص شغله فى المستشفى و جاى فى الطريق .
إبتلع حمزة ريقه بصعوبة و شبك أنامله ببعضهما و قال بقلق :
_ ربنا يستر لما يشوفنى هيعمل إيه ... بقيت بخاف أشوفه .
كم تمنت كثيرا أن ترى فيهما البأس و القوة و الإعتماد على النفس و لكن لا حياة لمن تنادى إنساقت كل واحدة منهما وراء قلبها تلهث من التعب دون جدوى ... فالأكيد أن هذا الخنوع فى الحب سيذيقهم المرار أقداحا ...
و لكن الآن و فقط يمكنها أن ترتاح و لو قليلا فعودة غزل ستعيد أمورا كثيرة على نصابها الصحيح .... و ستتركهم بأمان معها ....
ضحكت رأفة ضحكة عالية و قالت بإعجاب :
_ جدعة يا غزل الواد ده يستاهل .... هى لو بس الهبلة ميناس تنشف كده قدامه مش هيقدر يلمسها .
عقدت غزل جبينها بضيق و قالت بحدة :
_ يلمس مين ..... المرة دى هيلاقينى فى وشه و وشها هى كمان لو لزم الأمر .
تطلعت رأفة بميناس المستلقية على صدرها مستمتعة بحنانها و دلالها التى إفتقدت و قالت بحدة :
_ شايفة يا هبلة إتعلمى منها ... ولما ييجى يضربك إجرى بعيد عنه و هو مش هيعرف يجيبك .
أومأت ميناس برأسها .... بينما جلست ليال أمامهما عل الفراش و قالت بحماس :
_ أمال يا تيتة لو شوفتيها و هى بتزعق لرامى و عماله تبصله و هى مش خايفة منه ..... أنا وقفت أتفرج عليها و أنا خايفة و هى ولا إتهزت .
وقفت غزل و قالت بتلقائية :
_ على فكرة اللى أنا عملته ده عادى جدا .... إنتوا اللى عبط جدا و سايبين نفسكم لإتنين أنانيين مش بيفكروا غير فى نفسهم و بس .
هزت رأفة رأسها بالإيجاب و قالت مؤكدة على كلمات غزل :
_ عندك حق يا حبيبتى .... يا ريت يبقوا زيك .. بس نقول إيه .
تطلعت ليال بميناس و سألتها بشغف :
_ قوليلى يا مينو بتقضى يومك إزاى فى الملل ده .
أجابتها ميناس ببساطة :
_ عادى ... بتفرج على التليفزيون .... و بصلى كتير و بقعد فى المطبخ مع البنات أغلب الوقت .
زمت غزل شفتيها وقالت بإمتعاض :
_ ما هو لو كنتى كملتى دراستك كان زمانك قاعدة تذاكرى و تضيعى وقتك فى حاجة مهمة .
تنهدت ميناس مطولا و قالت بأسى :
_ كل شئ نصيب ... الحمد لله .
ولج فارس للوكالة يتطلع ببعض الأوراق بيده موليهم كل إهتمامه ... حتى أصبح داخل غرفة والده فقال بشرود :
_ السلام عليكم .
أجابوه جميعا :
_ و عليكم السلام .
توقفت عيناه عن التحرك و تهدجت أنفاسه و هو يسأل عقله هل صاحب هذا الصوت موجود بالفعل ... رفع رأسه و تطلع ناحيتهم فوجده بالفعل .... رغم شوقه الجارف لرؤيته و ضمه و العودة به بالزمن لهذان الأخان بل الصديقان و التى كانت سعادتهما بقربهما تزيد و يستطيعون توزيع بعضها أيضا ....
طالت نظراتهما فى حديث صامت ... بين العتاب و الرجاء .... حتى قطع فارس تلك الحالة و قال بهدوء متمرس :
_ أخبارك إيه يا حمزة ؟!
إبتسم حمزة بهدوء و أجابه قائلا بفرحة :
_ كويس الحمد لله .
فسأله فارس مجددا بقوة :
_ و ميناس أخبارها إيه .
إمتعض وجه حمزة و أجابه بفتور :
_ كويسة .
تطلع فارس بصبرى و قال بعملية جامدة :
_ أنا هروح المخازن يا حاج ... بعد إذنكم .
ثم صاح قائلا بنبرة عالية :
_ واد يا بونجا .
أجابه بونجا مسرعا :
_ أيوة يا مريتة .... أؤمرنى .
أشار إليه بيده و قال بصرامة :
_ تعالى معايا .
_ وراك يا ريت .
إبتسم حمزة إبتسامة باهتة يخفى بها آلمه من مقابلة فارس الباردة و القاسية قائلا بسخرية :
_ مش عارف مستحملين الواد بونجا ده إزاى .
إستند رامى بظهره على مكتب صبرى وأجابه بتقدير :
_ ده واد رجولة و مجدع .... و ده عملة نادرة دلوقتى يا هندسة .
لم يستطع كبح زمام إنكساره و حزنه من لقائه بفارس فقال مسرعا :
_ رامى عاوز أروح كفاية كده .
فقال له صبرى لائما بحرص بعدما فطن لما يدور بخلده :_
_ إقعد شوية يا حمزة .
أجابه نافيا و هو يحرك كرسيه :
_معلش يا حاج سامحنى ... يالا يا رامى .
فى المساء عادا الإثنين للقصر أحدهما غاضب و يشعر بالإختناق و ... الخزى .... و الثانية تكاد تكون طائرة من السعادة و .... الراحة .....
دفعت ميناس الكرسى برفق حتى توسطا غرفة حمزة الصامت و المطأطأ رأسه عكس حالته اليومية من الصراخ و العصبية و الحدة .... تركته وفتحت خزانته و أخرجت منها منامة رياضية و وضعتها على فراشه و هو مازال صامتا لم يتذمر و يخبرها أن تغلق الخزانة بهدوء ... أو أن تضع المنامة برفق أكثر حتى لا تنجرح مثلا ... إنتابتها حالة من الذعر ... فوقفت أمامه و قالت بإبتسامة إمتنان :
_ شكرا إنك سمحتلى أزور تيتة .
لم تتحرك عضلة واحدة من وجهه و كأنه لم يسمعها من الأساس فآثرت السلامة و همت منصرفة فأوقفها قائلا بنبرة منهكة :
_ إستنى .
أغمضت عيناها و عضت شفتيها بخوف .... فما فعلته غزل و إعتقدته بطولة ستدفع ثمنه الآن .... هل سيعطيها صفعة مثلا أو سيلكمها بقبضته ... أم سيجتذبها من شعراتها و التى ما زالت تؤلمها حتى الآن ...تذكرت نصيحة جدتها بأن تركض فور شعورها بهجومه ويمكنها أيضا أن تختبئ بغرفتها ....
لاحظت أنها أطالت بإسترسالها فقالت بتوجس من ردة فعله و هى مازالت توليه ظهرها بخوف :
_ أيوة ؟!!!
ضمت قبضتا و وضعتها أمام فمها و هى تقبض وجهها منتظرة عاصفته الهوجاء و التى ستقتلعها من جذورها و تطيح بها ربما لآخر الغرفة .. ولكنه قال ببساطة :
_ إتعشى معايا و نامى هنا النهاردة .... عاوزك جنبى .
ألم أخبركم سابقا أنها تطير من الفرحة بعد لقاء جدتها .... هذه الفرحة لا تزن مثقال ذرة من فرحتها الآن ستنام بجواره ... هل قال هذا حقا ... ربما تتوهم أو عاودتها أحلام اليقظة من جديد ... هل هذا هو عقابه .... صرخت قائلة بداخلها " عظمة على عظمة يا غزل " ... و رغم جنون شعورها و عدم تصديقها إلا أنها إلتفتت بجسدها المتشنج و سارت نحوه و وقفت أمامه تطالعه بتعجب ... و سألته بصوت يكاد يكون مسموعا :
_ نعم ؟!!!!
يااالله ليس وقتك الآن زهرتى البيضاء ... فتلك البلاهة المرتسمة على وجهك تدفعنى للجنون و أنا الآن فى حالة لا تسمح لى بإحتمال ما فوق طاقتى .... تنفس حمزة مطولا و زفره على مهل و قال بهدوء يشعرها بالقلق أكثر :
_ زى ما سمعتى .
أومأت برأسها و قالت و هى تخفى إبتسامتها بقوة جعلت وجهها يحتقن بشدة و كاد أن ينفجر من شدة إحمراره :
_ حاضر ... أنا .... أنا هجيب العشا و هاجى .
ثم سارت قليلا و عادت إليه مجددا و قالت بعفوية :
_ مش هتأخر .
و إنصرفت ... إنفرجت شفتيه ببطء بإبتسامة خافتة على حالتها المضحكة و تحولها أمامه لثمرة بندورة حمراء .... تنهد بأسى و إلتف بكرسيه و حمل منامته وبدأ فى تبديل ملابسه ... بهدوء ....
دلفت لغرفتها من هنا و أطلقت مشاعرها المكبوتة من هنا ... أخذت تقفز و تصرخ بفرحة كالأطفال و هى تشدو بجنون :
_ و فيها إيه ... حياتى منى ليه .... مستغربنى ليه .... سنينى ليه .. و عمرى باللى فيه ... قليلين عليه ... تيجى زى ما تيجى حبيبى وياك ... و على الأيام ديا مأمناك ... و على اللى ما جاش و هايجى معاك ... و أنا مع حبيبى تيجى زى ما تيجى .... ده و أنا شايفاه ... أنا لاقية اللى ماكنتش لقياه .... و لا سمح الله ييجى يوم و أنساه .......
كانت تدور و تدور و شعراتها الطويلة تدور معها متناثرة بكل مكان تشاركها فرحتها ... و ما أن هدأت حتى وقفت أمام خزانتها ترتدى شيئا ملائما لتلك الليلة الخاصة ... إختارت عبائة وردية اللون بتطريز ذهبى على الصدر و طرفى الأكمام الطويلة ... واسعة لا تظهر منها شيئا كما يحثها حمزة دائما ... و مشطت شعراتها السوداء الناعمة بفرشاتها و عقدته كذيل حصان يهفو على ظهرها بنعومة ... و تعطرت و خرجت مسرعة ....
دلفت لداخل المطبخ و قالت بتوتر :
_ الأكل خلص يا نشوى .
رفعت نشوى عيناها عن الإناء أمامها و أجابتها بإعجاب من هيأتها البديعة و صفاء وجهها رغم أنه مازال محتفظا ببعض الكدمات ... و قالت بإبتسامة هادئة :
_ أيوة الأكل جاهز ... و شكلى كده هجهزه ليكم سوا مش كده .
إبتسمت ميناس إبتسامة متسعة و تعمقت غمازتيها و أجابتها قائلة بهيام :
_ أيوة ... بسرعة بقا جهزيه و خلى حد من البنات يجيبه على الأوضة عند حمزة .
_ حاضر دقيقتين بس و هيبقى وراكى يا قمر .
إجتذبت ميناس شعراتها و جمعتهم بجانب واحد و قالت بحزم :
_ دقيقتين بس مفهوم .
أومأت نشوى برأسها و قالت بهدوء :
_ حاضر يا فندم .
توجهت ميناس ناحية غرفة حمزة بحماس و قبل أن تدير مقبض الباب ... عدلت من شعراتها و قرصت وجنتيها لتزيد من توردهم الطبيعى و عضت شفتيها أيضا و سحبت نفسا طويلا و عميقا و أدارت المقبض و ولجت للداخل ...
وجدته يجلس شاردا بشرفته يدخن سيجارة ... فجهزت الطاولة الكبيرة بمنتصف غرفته و جاءت إليها إحدى الفتيات حاملة صينية العشاء ففتحت لها الباب و حملتها منها و وضعتها على الطاولة و توجهت ناحية الشرفة بحذر و قالت بصوت خفيض أشبه بالهمس :
_ العشا يا حمزة .... يالا علشان تاخد علاجك .
قذف السيجارة من يده ناحية الحديقة و قال بداخله بتنهيدة حزينة :
_ إنتى علاجى و وجعى ....
لم تغادر تلك الكلمات شفتيه بل إستدار بكرسيه فأصبح مواجها لها ... تأملها ببطء قاتل و كأنه يلامسها بعينيه .... مستمتعا بجمالها الهادئ .... أخفض بصره عنها و حرك كرسيه ناحية الطاولة و شرع فى تناول وجبته ...
جلست أمامه تتابعه بشغف ... و تتظاهر بالأكل ... حتى رفع عينيه نحوها فجأة ممسكا بها متلبسة بنظراتها الوقحة ... فأخفضت عينيها مسرعة و تناولت طعامها بخجل ... و ما زاد توترها و إرتباكها محاصرته لها بنظراته مكافحا و حشا هادرا يسكنه و يريد إلتهامها دفعة واحدة ربما تهدأ ثورته .....
بعدما إنتهيا من وجبتهما جلست ميناس تتابع مسلسلها التليفزيونى .... إنتبه حمزة لتحديقها ببطل المسلسل و هو يخرج من البحر عارى الصدر و الساقين و ... يسير .... بخيلا فاردا عضلات جسده بفخر ...إشتعلت عينيه و قضب حاجبيه و قال بعصبية :
_ عاجبك قوى .
إلتفتت برأسها ناحيته و سألته بتعجب :
_ هو إيه ده ؟!!!
أجابها و هو يشير لشاشة التلفاز بيده مشمئزا !
_ الممثل ده ..... شايفك يعنى مش بتشيلى عنيكى عنه .
إعتدلت فى جلستها و قالت بخوف :
_ لا و الله ... ده .. ده أنا متابعة المسلسل ده لأن قصته رومانسية و حلوة قوى .... بس .
ضحك بسخرية و قال بحنق :
_ رومانسية إيه و زفت إيه ... هتفضلى تافهه كده طول عمرك .
إبتلعت إهانتها بغصة مؤلمة ... و أغلقت التلفاز ... و حملت مصحفها و إرتدت حجابها و بدأت فى تلاوة آيات الله بصوت مسموع ...
أغلق حمزة عينيه مستمتعا بصوتها العذب فى القرائة حتى إنتهت ... شعر بثقل برأسه و عينيه فتوجه ناحية الفراش و تمسك بطرفه و بيده الأخرى تمسك بكرسيه و إرتفع بخصره حتى إرتمى بجسده عليه ... و تمسك بفراشه بكلتا يديه و إعتدل فى جلسته .. و مددت ميناس ساقيه و سحبت فوقه الوشاح الذى يغطيه ... و إلتفت حول الفراش و أخفضت قوة الإنارة و تمددت بجواره .....
مالت بجسدها ناحيته حتى أصبح و جهها مقابلا لوجهه و أنفاسهما تختلط بينهما .... طالت نظراتهم فإستسلمت هى أولا و غفت فى سكون ... كطفلة شعرت بالأمان لنومها بجوار والدها ....
تأملها بإبتسامة مشرقة و مرر أنامله على وجهها الصبوح و شعراتها الناعمة و قال بداخله :
_ كيف سأحتمل فراقك حبيبتى ... بل صغيرتى ... الجميلة .... التى تفتحت و فاح عطرها على يدى .... أعلم أنى إمتلكت قلبك من سنين .... و من وقتها إمتلكتينى دون أن تعلمى ... حتى إنتصرتى علي .... و أسرتنى بعشقك الأبيض ... و بعد هذا أنتظر الوقت لفراقك .... ففراقنا أمرا محتوما ... لمتى ستصمدين ؟!! .... و لكن حتى وقتها ... أنتى ملكى ......
و بهدوء إنسدل ستار عينيه ببطء و غفى و دمعة غادرة إنسابت من عينيه تشق طريقها فى صحراء وجهه القاحلة ......
فى صباح يوم الجمعة بحثت غزل عن ليال فوجدتها تعد الإفطار بالمطبخ ... فقبلتها بوجنتها و قالت بحب صافى :
_ يا صباح الشهد عليكى يا قمر .
إلتفتت ليال برأسها نصف إلتفافة و قبلتها قائلة بنعومة :
_ يا صباح الورد ... تعالى ساعدينى أهه تتعلميلك حاجة فى المطبخ .... قبل ما تتجوزى .
هزت رأسها نفيا و قالت بعبوس خفيف :
_ جواز .... لا يا أمى شكرا ... عوزانى أتجوز راجل .
رفعت ليال حاجبها و قالت بتعجب :
_ أمال المفروض تتجوزى إيه غير الراجل .
تطلعت غزل بما تقلبه ليال بالإناء و قالت بتلقائية :
_ شاوريلى على راجل بجد و مش مستغل و أنا هتجوزه ... هو إيه اللى بتطبخيه ده يا لولو .
أجابتها ليال بزهو :
_ دى شكشوكة ... و محدش بيعرف يعملها زيى .
ضيقت نظراتها و قالت بجهل تام :
_ شك إيه ؟!! .... ياى إسمها بشع .
مصمصت ليال شفتيها بضيق و قالت بحدة :
_ ما هو اللى ما يعرفش يقول عدس ... دلوقتى تدوقيها و تسحبى تريقتك دى .
مررت ليال عيناها على ملابس غزل المتحررة ... جدا ... بهذا الشورت القصير ... و تلك القماشة و التى لا تجد لها مسمى ملتفة حول صدرها حتى منتصف بطنها ... فقالت لها برجاء :
_ إبقى علمينى ألبس زيك يا غزل علشان لما أتجوز و كده .
أشارت غزل على عيناها و قالت بقوة :
_ من عيونى .... هبقى أنزل معاكى و نعمل شوبنج .... و أجيبلك كل اللى نفسك فيه يا عسلية .
إبتسمت ليال براحة و قالت بإمتنان :
_ شكرا يا زولا ... ما أتحرمش منك .. النهاردة بالليل رامى و عمى صبرى و العوو هيزرونا ... يا رب تيتة توافق المرة دى .
أخفت غزل توترها بعدما علمت بقدوم ذلك المغرور إليهم ... سأقول الحقيقة و أجرى على الله ... جزء صغير بداخلها إشتاق لنظراته الثاقبة ... و ملامحه الشرقية .. و صوته الرخيم .... و رجولته الطاغية ... نفضت رأسها مسرعة و ملست على ذراع ليال و قالت بإشفاق :
_ هتوافق إن شاء الله ... بعد صلاة الجمعة نخلص البيت و الغدا و هظبطك ... هخلى رامى مش يعرفك من جمالك .... أما تيتة بقا سبيها عليا و أنا هقنعها .. تمام .
إحتضنتها ليال بفرحة قائلة :
_ ربنا ما يحرمنى منك يا غزل .
أزالت غزل ذراعيها بتقزز و قالت ساخرة :
_ بس ... إبعدى إيديكى عنى اللى عليها الشكاشيك دى .
ضحكت ليال ضحكة عالية و قالت موضحة :
_ شكشوكة ... إسمها شكشوكة .
_ what ever ... أنا هروح أنضف أوضتى على ما تخلصى ... يع .
إرتدت سترة رياضية و وضعت قبعتها على شعراتها و فتحت نافذة غرفتها للتهوية ... إستنشقت نسائم الصباح بإبتسامة زادت و هى تطالع ذلك الصغير الذى يحدجها بشغف .....
لوحت له غزل بيدها ... فلوح لها قائلا بتعجب :
_ هى فين ليال ؟!
أجابته غزل بمداعبة :
_ قولى إنت مين أول .
أجابها و هو يتأمل جمالها مسحورا :
_ أنا مهاب .... و إنتى مين .
إستندت بمرفقيها على الشرفة و قالت بهدوء :
_ أنا غزل ... بنت خالة ليال ... ممكن نبقى أصحاب .
أومأ برأسه و قال بتلقائية :
_ sure .
تعجبت من رده بالإنجليزية ... و سألت نفسها بإندهاش .. هل يوجد بتلك الحارة من يتحدث بالإنجليزية ... فتابعت قائلة لإختباره :
_ do you speak English ؟
أجابها مسرعا :
_ ya ... Iam in English school .
فقالت له غزل بإعجاب :
_ wow ... خلاص إحنا بقينا friends .... تمام .
_ ok .
إلتفت مهاب برأسه داخل غرفته يستمع لأحدا و أومأ برأسه و عاد إليها قائلا :
_ هسيبك دلوقتى و هروح أصلى الجمعة ... سلام .
لوحت له بإبتسامة عذبة و قالت :
_ سلام .
عادت لغرفتها مجددا و نظفتها و خرجت لتناول فطورها ....
بعد إنتهاء صلاة الجمعة عادوا جميعا للمنزل ... و كانت السفرة قد أعدت بأشهى المأكولات ... و ما أن شرعوا فى تناول وجبتهم حتى جلس رامى بجوار صبرى و قال راجيا :
_ علشان خاطرى يا عمى ... كلم ستى رأفة النهاردة علشان تتمم موضوع جوازى أنا و ليال .... و حياة مهاب عندك .
ضحك صبرى بإتزان و قال بهدوء :
_ ماشى يا سى رامى ... بس يا رب توافق المرة دى .
ترك فارس شوكته بجوار طبقه و قال بحدة :
_ أنا لو مكان ستى .... و لا أديك أمان .
أجابه رامى بحنق:
_ سمعنا سكاتك .... أعوذ بالله من قرك يا أخى .
إبتسم فارس بخفوت و قال له بصدق :
_ ربنا يوفقك يا حبيبى وترضى عنك المرة دى .
إبتسم وهتف بفرحة :
_ أيوة بقا ....كده أنا أحبك يا عوو .
تطلع إليه بيأس و شرد قليلا فى تلك المجنونة التى لا تترك رأسه .... سابقا بصراخها و حاليا بجمالها...
إبتسم مهاب بمداعبة و قال :
_ أنا النهاردة يا عوو إتعرفت على بنت جميلة قوى و بقينا friends .
أجابه فارس غامزا بعينيه و قال ساخرا :
_ يا واد يا سيطره ... و عرفتها إمتى دى .
مسح مهاب فمه بمحرمة و أجابه :
_ شوفتها واقفة فى الشباك اللى قدامى فى شقة ليال ... بس إيه .. صاروووخ .
صفعه فارس على رأسه و قال بغضب :
_ صاروخ إيه ... إتلم ياض .
مضغ رامى ما فى فمه و قال ببرود زامما شفتيه :
_ دى أكيد غزل .
أجابه مهاب مسرعا :
_ أيوة إسمها غزل .
إنتفض قلب فارس و إتسعت عينيه و قال بلهفة :
_ إيه ده .... هى غزل رجعت من السفر