رواية ست قوارير الفصل الخامس 5 بقلم امينة محمد
الفصل الخامس
ست قوارير
|على باب العداوة|
تؤلمني فكرة أن يكون لي عدو -قريب-
ومن أين تأتي العداوة إلا إن لم تكن من حبيبٍ!
انطلق تميم بسرعة جنونية، يهرول ركضا نحو المكان الذي حددته نور، كانت ضربات قلبه تشير لخوف يرفض ان يهدأ، وصل الى ركن منعزل من الحديقة التي أخبرته أنها بها، ولسوء الحظ أنها كانت منعزلة نوعًا ما عن الطريق العام.
رأى نور محاصرة؛ كان بدر واقفًا أمامها بتهديد، يحيط به ثلاثة من اصدقائه، وكانت رفقتهم صديقتها صاحبة عيد الميلاد تقف بعيدة قليلًا تراقب الوضع بفتورٍ غير طبيعي
تقدم ركضًا نحوهم
"سيبوها"
قال تميم بصوت اجش انطلق كشرارة حامية، حينها التفتت المجموعة، ونظر بدر إلى تميم بسخرية المنتصر الذي ظن ان خصمه سيتراجع.
"أهلًا بالبطل، كنا مستنيين حضرتك تيجي عشان ننهي الموضوع بشكل ودي"
قال بدر ببطء وهو يبتسم بخبث.
لم ينتظر تميم الكلمات بل دفع صدره نحوهم ولمحه البصر يرى انهم كانوا على وشك مهاجمته.
اندفع اثنان من رفاق بدر للإمساك به.
وفي تلك اللحظة اخترق الشجار الذي كان على وشك الحدوث إلى صوت سيارة فارهة توقفت بعنف.
نزل فيصل من السيارة
خطى بعيدًا بخطوات متأنية!
لم يسرع في المشي، بل تحرك بخطوات مهيبة يليق برجل سيطرة؛ كان يرتدي بذلته الداكنة الذي اعتاد على ارتدائها فقط
رفع فيصل نظره الى المجموعة، ولم يحمل في نظرته أي ملامح للغضب، إنما كانت نظرة تحليل باردة ترى النتيجة سلفًا قبل أن يفعل ما برأسه
"ايه اللي بيحصل هنا؟"
سأل فيصل بصوت هادئ، لكن النبرة كانت سلطة نافذة، قوية!
شعر تميم بضغط غريب؛ ضغط الخطر الذي يحيط بنور، وضغط وجود أخيه الأكبر الذي يبغضه.
وجوده هنا ينافي تمامًا حرارة الغضب التي يملكها تميم، فكان فيصل يملك قوة برود لم يعهدوها في شخصٍ من قبل
"ملكش دعوة أنت كمان، دي مشكلة شخصية!"
قال بدر بـ تردد واضح لكنه حاول أن يتماسك ببعض القوة أمام الغريب الذي ظهر أمامهم للتو، غير مدركين أنه أخ للذان أمامه الآن.
لم يرفع فيصل صوته، بل اخرج هاتفه بهدوء:
"دلوقتي هتصل بالبوليس وهقول إن فيه محاولة تحرش واعتداء، ولو حد فيكم أتحرك من مكانه، هعتبرها جريمة مكتملة الأركان!"
لم يجد الشباب مفرًا حينها ابتلع بدر ريقه وسأل:
"امشي أنت ياجدع ولا مين أنت؟"
_" فيصل عزيز السعدون، أخوها وأخوه، تخيل!"
حينها نظر الشباب لبعضهم وحتى تلك المسكينة التي ورطت نفسها وخسرت صديقتها نور للأبد بعدما أتت مع هؤلاء الشباب لهنا، ياللخسارة الصداقة!
بدأوا ينسحبون بسرعة، يجرون خلفهم بدر الذي كان يتوعد بنظراته.
بينما نور اسرعت نحو تميم ترتجف
"تميم أنا خفت أوي، أنا آسفة!"
احتضن تميم اخته بقوة، يهمس بكلمات طمأنة لم يسمعها فيصل ثم رفعت نور رأسها، واطلقت على فيصل نظرة شكر صامتة.
وحينها هو نطق بنبرة استفزازية:
"بعد كدا لما تحتاجي حاجة أبقي كلميني، هتكلمي واحد عصبي هيجي يضربلك العيال هيجولك بعد كدا تاني يتعرضولك!"
تقدم نحوهه تميم بنفس الغضب والبغض الذي احتله نابسًا بينما يضغط على فكه بقوة:
"أنت مجنون! بتقول إيه أنت، احترم نفسك ولم لسانك ده محدش داسلك على طرف عشان تلقح بكلمتين وترميهم!"
وضع فيصل يديه في جيب بنطاله بلامبالاة تكاد تفجر خبايا تميم المتماسكة أمامه:
" محدش جه جنبك برضو، أنا بكلم أختي زي ما هي اختك!"
تقدمت نور نحوهمها ووقفت بينهما تنبس بتنهيدة:
" اهدوا بالله عليكم مرة، أنا اتصلت بيكم انتو الاتنين سوا عشان اللي يكون قريب فيكم يجي يلحقني، مبنعملش هنا سباق مين فيكم البطل الخارق اللي ساعدني دلوقتي المهم انكم الاتنين اتصدرتوا ليهم وميقدروش يعملولي حاجة تانية، كفاية أرجوكم خناق نفسي نكون كلنا سوا بنحب بعض، نفسي نكون في مرة قاعدين في قعدة مجمعاني بيكم!"
أنهت حديثها بنبرة مغلفة بالحرقة والقهر مما هم به هي وإخوتها، ياللأسف!
نظرا لها بصمت يتابعان حديثها حتى صدر رنين هاتف تميم فأخرجه يجيب:
"أيوا في إيه.... إيـــه؟"
حينها فقط نظرا له كلًا من نور وفيصل بتوجس لصدمته تلك، يحاولان تخمين ما قد يكون تلقاه أخيهما هكذا لتتوسع حدقتيه بتلك الطريقة!
ـــــــــــــــــ
نتحرك في اتجاهين معاكسين
لكن يجذبنا مغناطيس غريب
لا نعرف كيف تواجد!
سار ماجد وتسبيح جنبًا الى جنب نحو الهيكل الخرساني الوليد، يتفقدان تفاصيل العمل النهائية قبل المغادرة، كانت خطواتهما متزنة، لكن المسافة بين كتفيهما كانت دقيقة، كلًا منهما ينظران أمامهما.
"الصبة اخدت وقتها مظبوط، والسطح متساوي"
قال ماجد وهو يشير بقلمه نحو القواعد، عيناه تفحصان الزوايا بدقة؛ لا يقبل العيوب:
"بس بكرة أهم مرحلة، المعالجة بالمياه لازم تبدأ من الفجر"
اومأت تسبيح برأسها، وهي تدون ملاحظة سريعة في دفترها تجيبه:
"أنا اتفقت مع ريس العمال، في وردية هتبدأ الساعة خمسة الصبح مخصوص عشان المعالجة، وأنا مش هسمح بأي تشققات تحصل بسبب الحرارة لأننا هنبدأ بدري أوي ان شاء الله!"
نظر اليها ماجد نظرة جانبية سريعة، أعجبه هذا الاستباق في التفكير، هي لا تنتظر التوجيهات، بل تسبقها كما اعتادت في أعمالها مع المهندسين السابقين أيضًا.
"ممتاز"
قال ماجد بهدوء وأكمل:
"أنا هاجي على الضهر اراجع التقارير المعملية للعينات اللي اتاخدت النهاردة، ياريت تكون جاهزة على مكتبي"
"هتكون جاهزة"
ردت تسبيح باقتضاب عملي.
ثم واصلا السير نحو المخرج الخلفي للموقع، كان الطريق في هذا الجزء وعرًا، مليئًا بالحصى الكبير وبقايا مخلفات البناء الصخرية التي لم ترفع بعد، أرضية غير مستوية تتطلب حذرًا شديدًا
في منتصف الطريق، تعثرت قدم تسبيح قليلًا بحجر ناتئ، لكنها لم تسقط بل توازنها اختل للحظة قصيرة.
وبغريزة الرجل وسرعة رد الفعل، امتدت يد ماجد فورًا نحوها، لم يلمسها لكن كفه كانت مفتوحة وممدودة في الهواء، جاهزة لاسنادها، تعرض مساعدة دون لمسه لها حتى لا تعترض.
"حاسبي"
قالها ماجد بنبرة قلق عفوي، نبرة خرجت من خلف قناع الصارمة التي فرضها، حينها تجمدت تسبيح للحظة، نظرت الى يده الممدودة، تلك اليد التي تعرض المساعدة لها ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه.
لأول مرة حتى -إن كان الموقف بسيطًا- ترى يدًا تساعدها، وهي التي اعتادت ان تكون الكتف الذي يستند عليه الجميع، نسيت كيف تستند هي على أحد، رأت في كف ماجد اغراء للضعف الذي لا تملكه، واختبارا لصلابتها التي صنعتها الايام.
هي التي لا تعرف كيف اغرتها تلك اليد هكذا فجأة، لكن ذلك الممنوع من كل تلك المشاعر إن وجدها فجأة سيكون مثل المحروم منها يود أن يتذوقها بكثرة
هي التي كانت صلبة جامدة أمام الجميع، لا ترى في الجميع كتف أو مرسى تقف عندها وتستند، لكنها الآن وجدت لربما إهتمام بسيط بالكاد لا يُذكر ولكنه جعلها تقف وتراجع كل حساباتها هكذا
مسكين ذلك الذي لا يتلقى أي إهتمام، وحين يتلقى منه ذرة يهرول نحوه بلا هوادة
ابتعدت للخلف قليلًا دون أن تلمس يده وهمست بصوتٍ بالكاد خرج من فِيهها وهي تبادله نظراته القلقة بنظراتها الضائعة:
"شكرًا، أنا كويسة متقلقش!"
ثم أبعدت عينيها عنه تتهرب من نظراته، بعينيها البنية تلك المتحاوطة بالكحل الذي يرسمها من الجفن السفلي والعلوي ليجعلها كأنها ملفوفة بوشاح الليل حولها..
حمحم بابتسامة خفيفة ثم اعتدل في وقفته وسحب يده التي عادت لجانبه دون لمس حتى، ثم تقدما يتابعان المسير حتى استقرا على المكان الذي يريدان الوقوف عنده.
_"كدا يعتبر كل المراجعة خلصت يا بشمهندسة تسبيح، مبسوط من البداية بالشغل معاكِ واوعدك تخرجي بخبرة كبيرة جدًا من التجربة دي معايا"
أومأت تؤكد على حديثه ونبست تشكره:
"شكرًا لحضرتك، أكيد إن شاء الله هكتسب خبرة"
ألقت نظرة أخيرة منه ثم استأذنت:
" يلا عن اذنك، ان شاء الله نتقابل بكرا"
ثم اولته ظهرها وغادرت المكان تحت نظراته حتى أبعدها هو نحو الأفق أمامه يخرج تنهيدة قوية من فمه، كيف ذلك؟
كيف يمكن للمرء أن يتذكر تفاصيل خلال رحلته الجديدة من رحلته القديمة التي يجب أن ينساها؟
لماذا لا يوجد ما يُسمى بالنسيان لتلك المشاعر القاسية على القلب، الهالكة للروح!
غُدر به وبقلبه على غفلة بعدما أفرط في الاعطاء، في الحب، في الحياة نفسها.
وكيف ذاق طعم الغدر؟
ذاقه بأبشع طريقة؛ بالخيانة!
ـــــــــــــــــــــ
يخسر المرء أحلامه على حين غفلة
إن لم يكن قويًا فسينتهي
وإن عافر سيُكمل ويعيد تحقيق أحلامه بكل صدر رحب حتى وإن كانت الخسائر فادحة.
يقف أمام المقهى خاصته الذي بناه بكل حبٍ وشغفٍ، بناه بكل قوته، وعافر ليكون في مكانته هذه وليكون ذا سمعة جيدة وسط الجميع
الآن يراه
مدمر، منهي!
الآن يراه لا شيء أبدًا
هل سيُكتب له بداية جديدة أم أنه سيتوقف عند هذا الحد، لا يعلم، فقط يشعر بالضياع، يشعر بضياع لا يعرف كيف سيجد بعده الطريق مجددًا.
أتاه أحد العاملين مع مقهاه ومن ضمن رفاقه يقول بتنهيدة:
"أنا جبت الكاميرات كلها يا تميم، بس للأسف كلهم كانوا مغطيين وشهم بس جبت رقم العربيات بتاعتهم عشان لما نعمل محضر"
لم يكن في هذا العالم في الحقيقة
ولكنه عاد عند كلمة "محضر" التي قالها صديقه ونظر لها ثم همس بصوتٍ متلعثم خافت:
"مافيش محاضر هتتعمل، أنا هتصرف بطريقتي يا علي، روّح أنت دلوقتي، والكافية هتصل بالصنايعية يجوا يشوفوا هيحتاج إيه ويظبطوا الدنيا"
تنهد علي ثم غادر المكان بأسفٍ على صديقه، يعرف أنه لا يحتاج لكلمات الآن ولا أي شيء في الحياة يمكنه مواساته
تحرك تميم هو الآخر كمن لذعه ثعبان سام، متوجهًا نحو مكانٍ واحد لا غيره؛ المنــزل!
وحينما وصل إلى هناك وولج كمهب ريح للمكان، كإعصار لن يوقفه أحد لأنهم لن يستطيعوا بالأساس..
كانت أنفاسه تتلاحق، وعيناه تحملان نيرانًا لو لمست الجدران لأحالتها رمادًا.
في الصالة الواسعة كان فيصل يجلس بهدوء مستفز، يراجع بعض الأوراق..
وكأن العالم في الخارج لم يحترق للتو.
هذا الهدوء
هذا الثبات الذي لا يهتز
كان هو الوقود الذي احتاجه تميم ليُفجر غضبه.
وقف تميم أمامه، صدره يعلو ويهبط، وصوته خرج متهدجًا، ولم يكن من التعب، بل من فرط القهر:
"أنت مرتاح دلوقتي؟ ضميرك والبرود اللي أنت عايش فيه ده مرتاحين؟"
رفع فيصل رأسه ببطء، نظرة عينيه العسليتين كانت خالية من أي انفعال، وكانت تلك الطريقة التي دومًا ما يتعامل بها مع تميم، وكأنه ينظر إلى طفل غاضب لا إلى رجل محطم.
"بتتكلم عن إيه؟ وطريقتك دي تتعدل وأنت بتكلمني"
رد فيصل ببرود قاتل ثم وضع الأوراق جانبًا بتمهل زاد من اشتعال تميم.
"بتكلم عن الكافية اللي اتدمر! بتكلم عن حياتي اللي أنت وأسلوبك السبب في خرابها!"
صرخ تميم، صوته ارتد عن جدران الڤيلا الكبيرة:
"هي حاجة من الاتنين ملهمش تالت لأني مليش أعداء يافيصل، لو مكنتش أنت اللي مسلط البلطجية دي يكسروا الكافية عشان تخليني مكسور واجيلك أقولك هشتغل معاك فالشركة، فتدخلك النهاردة وطريقتك في التهديد هي اللي خلت الكلاب دول يروحوا ينتقموا في شغلي! أنت مأنقذتنيش يا فيصل، أنت ورطتني بكبريائك!"
وقف فيصل، وقف بتمهلٍ ولم تكن وقفته إلا فرض هيبة تلقائية، واجه غضب أخيه بمنطق قاسٍ كالسيف:
"أنا أنقذتك من تهورك، لو مكنتش تدخلت، كنت زمانك أنت اللي متكسر في المستشفى بدل الكراسي والترابيزات بتاعتك، أنا حاميتك من نفسك!"
"أنا مطلبتش حمايتك!"
قاطعه تميم بحدة، يقترب منه حتى كادت أنفاسهما تتلاقى في تحدٍ صارخ:
"أنا كنت كفيل بيهم، لكن أنت لازم تتدخل عشان تثبت إنك الكبير، إنك المسيطر، والنتيجة إيه؟ شقايا كله راح في الأرض!"
في تلك اللحظة صدح صوت جهوري من أعلى الدرج:
"تمـــيم!"
نزل عزيز الدرج بخطوات ثقيلة، ملامحه تحمل غضبًا لا يقل عن غضب ابنه، لكنه غضب السلطة لا غضب القهر:
"إيه الصوت العالي ده؟ أنت فاكر نفسك في الشارع؟"
التفت تميم لوالده، ضحكة ساخرة مؤلمة خرجت من بين شفتيه، ضحكة من يرى عالمه ينهار وأهله يحاسبونه على هذا الانهيار.
_"الشارع أرحم من هنا يا بابا، الشارع اللي بتعايروني بيه هو اللي كنت باني فيه حلمي، ودلوقتي أخويا الكبير خلاه بقى تراب!"
وقف عزيز أمام ابنه الأصغر، نظرته كانت تحمل خيبة أمل قاسية، أقسى من أي توبيخ وأكمل توبيخه بكلماتٍ سامة:
"أخوك أنقذ سمعة العيلة اللي أنت كنت بتمرمغها في الطين بخناقاتك، الكافية اللي أنت زعلان عليه ده كان مجرد لعب عيال، وكان مسيره يقع"
اتسعت عينا تميم بصدمة، الكلمات نزلت على قلبه كالمطارق..
"لعب عيال؟"
همس تميم، صوته انكسر فجأة:
"مجهودي، سهري، تعبي، وفلوسي.. كل ده بالنسبالك لعب عيال؟ عشان مش على مزاجك؟ عشان مش تحت طوعك في الشركة؟"
"عشان هش!"
صرخ عزيز بصرامة، يضرب بعصاه الأرض:
"أي عمل يتهد بشوية بلطجية يبقى أساسه غلط، لو كنت معانا، في حمايتنا، في شركتنا، مكنش مخلوق يقدر يقربلك، لكن أنت اخترت تمشي لوحدك، ودلوقتي بتدفع تمن اختيارك، لا تلوم فيصل، ولا تلوم الدنيا.. لوم نفسك إنك ضعيف!"
تراجع تميم خطوة للخلف، وكأن والده صفعه، لم يكن الألم في خسارة المقهى فحسب، بل في خسارة اعترافهم اللاذع.
أدرك في تلك اللحظة
وسط هذا القصر الفاخر
أنه أفقر إنسان في الوجود.
نظر إلى فيصل الذي عاد لبروده، وإلى والده الذي ينظر إليه باستعلاء، وشعر بغربة موحشة.
"تمام.."
قالها تميم بصوت خافت، لكنه يحمل قرارًا نهائيًا:
"أنا ضعيف، وشغلي لعب عيال... بس وحياة تعبي اللي راح على الأرض ده، لأقومه تاني، وهنجحه، وهخليكم تندموا على كل كلمة كسرتوني بيها النهاردة"
استدار تميم وغادر الصالة، ليس كإعصار هذه المرة، بل كجدار تصدع لكنه يأبى السقوط، صعد إلى غرفته، وترك خلفه صمتًا ثقيلًا، صمت العائلة التي تملك كل شيء، لكنها لا تملك لغة التفاهم.
أحيانًا لا يكون الوجع في السقوط، بل في الأيدي التي لم تمتدَّ لتلتقطكَ، بل امتدت لتشير إليك وأنت تنزف قائلة
ألم نُحذرك؟
وحدكَ الآن، ووحدكَ غدًا..
فامضِ يا ابنَ العاصفة، فلا عزاءَ في قلاعِ الجليد!
ــــــــــــــــ
صعد فيصل الدرجات المؤدية الى غرفته الخاصة بخطوات ثابتة، لم تتغير وتيرتها رغم العاصفة التي ضربت الطابق السفلي للتو.
كان صوت تميم المكسور لا يزال يتردد في اذنيه، ليس كتأنيب، بل كشرخ اصاب جدار العائلة الذي يحاول فيصل ترميمه وحده.. بدون أن يراه أي شخص!
دخل غرفته، واغلق الباب خلفه بهدوء.
في اللحظة التي انفصل فيها عن انظار والده واخيه، سقط القناع قليلًا، نزع رابطة عنقه بحركة عنيفة، وألقاها على الفراش وكأنها كانت تخنقه.
زفر بقوة، زفرة حارة حملت كل الغضب الذي كبته في صدره امام تميم.
مشى نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة، كانت عيناه العسليتان تلمعان في الظلام بوميض مخيف، يتخيل شكل الكافية المحطم، شكل أخيه، ويرى التطاول الذي تجرأ عليه هؤلاء الصبية إن كانوا هم!
أن يخطئ تميم، هذا شأن عائلي يحل خلف الابواب المغلقة، لكن أن تمتد يد غريبة لتكسر شيئًا يخص آل السعدون؟
هذا ليس خطأ..
هذا إعلان حرب.
وفيصل لا يترك الحرب تمر دون ان يترك فيها توقيعه.
اخرج هاتفه، وضغط على رقم مسجل باسم "عثمان" (مسؤول الأمن الخاص به).
لم ينتظر الترحيب بل رمى بكلماته في نفسٍ واحد:
"عايز اعرف مين اللي عمل كده في كافية تميم، معاك عشر دقايق، وتكون الأسماء وتاريخ حياتهم عندي!"
تفوه فيصل بنبرة جليدية، نبرة لا تقبل الاعتذار او التأخير ثم أغلق الخط، ووقف ينتظر.
لم يجلس حتى الآن بل ظل واقفًا، قبضته تشتد وتترخى بجوار جنبه، كان الألم يعتصر قلبه على خيبة أمل أخيه، لكن عقله كان يترجم هذا الألم إلى خطط للانتقام.
هو يعلم أن تميم يراه "الشرير"، يراه عدوًا لنجاحه، ولا يعلم أنه الدرع الخفي الذي يتلقى الضربات بدلًا منه، ثم يردها أضعافًا..
مرت الدقائق ثقيلة
كأنها ساعات، ثم صدح رنين الهاتف الذي قطع الصمت.
_"قول"
رد فيصل بسرعة.
جاءه الصوت من الطرف الآخر:
"ياباشا، الولد اللي اسمه بدر وشلته هما اللي راحوا، الكاميرات جابت عربياتهم، وسألنا وعرفنا انهم بيحتفلوا دلوقتي في شقة بدر في الزمالك"
ضاقت عينا فيصل، وارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الجانبية المرعبة، ابتسامة من وجد فريسته.
"بيحتفلوا؟"
كرر فيصل الكلمة بسخرية سوداء.
"نبلغ الشرطة ياباشا؟"
_"لا"
قال فيصل بـ حزم قاطع:
"الشرطة هتاخد وقت، وهتعمل شوشرة واسم تميم هيجي في محاضر، أنا مش عايز حوارات، أنا عايز تأديب"
صمت للحظة، يرتب الأمر في رأسه، ثم أصدر الحكم ببرود لا يتناسب مع عنف الكلمات:
"خد الرجالة وروح لهم، عايزهم يتروق عليهم؛ كسرهم، بس مش عايز عاهات مستديمة تودينا في داهية، عايزهم لما يبصوا في المراية لشهر قدام، يفتكروا إن عيلة السعدون خط أحمر"
"أوامرك ياباشا"
"وصورهم"
أضاف فيصل قبل أن يغلق:
"عايز أشوفهم وهما مكسورين، عشان اتأكد إن الرسالة وصلت!"
اغلق الهاتف والقاه على الطاولة باهمال، ثم عاد ينظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج، رأى ملامحه الصارمة، القاسية.
تساءل للحظة؛ هل سيأتي يوم يفهم فيه تميم أن هذه القسوة هي شكل الحب الوحيد الذي يجيده فيصل؟
تنهد بعمق، وعاد يزر لياقة قميصه، الليلة لم تنته بعد، وعليه أن يكون مستعدا لتنظيف الفوضى، كعادته، في صمت، ودون أن ينتظر شكرًا من أحد.
ـــــــــــــــــــــــــ
وقف امام المرآة الطويلة، نظر الى انعكاسه، لم يكن يرى وجهه من تيه وضياعه، بل كان يرى الكلمات التي قذفت في وجهه منذ قليل.
"لعب عيال.. ضعيف.. هش"
ترددت الأصداء في رأسه كطلقات الرصاص، ضغط بكفيه على صدغيه بقوة، يحاول اسكات صوت والده، لكن الصوت كان ينبع من الداخل، من جرح قديم لم يلتئم ابدا.
أقسى انواع الوحدة هي أن تكون غريبًا في بيتك، أن يُنظر إليك كنسخة مشوهة من نموذج مثالي قرروه هم.
تميم لم يكن يكره فيصل، لكنه كان يكره المكانة الذي يلقيه فيصل عليه، مكانة تبتلع الوانه، ويجعل كل انجازاته تبدو باهتة وتافهة.
اغمض عينيه
وفجأة.. سحبته الذاكرة الى مشهد عمره خمسة عشر سنة، مشهد محفور في قاع روحه كالوشم.
|||
كان يومًا مشمسًا في حديقة الفيلا، كان تميم الصغير يركض وفي يده لوحة رسمها طوال الليل، لوحة لحصان يركض بحرية، كان فخورًا بها، قلبه يرفرف بانتظار كلمة تشجيع.
وصل إلى والده الذي كان يجلس مع فيصل -المراهق وقتها-، كان فيصل يحمل شهادة تقدير مدرسية في الرياضيات.
"بابا، شوف انا رسمت ايه!"
هتف تميم بحماس، نظر عزيز الى اللوحة نظرة خاطفة، نظرة خالية من أي اهتمام، ثم عاد ينظر إلى شهادة فيصل بابتسامة عريضة.
"سيبك من الشخبطة دي يا تميم، شوف أخوك.. شوف فيصل جاب الدرجات النهائية إزاي، ده اللي يبني مستقبل، مش الرسم والخيال"
ثم وجه كلامه لفيصل وهو يربت على كتفه:
"أنت راجل.. أنت اللي هتشيل اسمي!"
وقف تميم الصغير، واللوحة في يده ترتجف، في تلك اللحظة، سقط هو من حسابات والده، ادرك انه مهما فعل، سيظل مجرد "شخبطة" بجوار "شهادة" فيصل الموثقة.
فتح تميم عينيه في حاضره المظلم، الغضب كان يغلي في عروقه كالحمم، صرخ صرخة مكتومة، وضرب بقبضته على سطح المكتب الزجاجي، صوت الارتطام كان تنفيسًا ضئيلًا عن بركان يثور بداخله.
"أنا مش هو.. ومش هكون هو!"
همس تميم لنفسه، صوته يرتجف بقهر السنين:
"أنا بنيت نفسي من الصفر، وهبنيه تاني.. غصب عنكم"
شعر باختناق، كأن هواء الغرفة قد نفد.
كان يحتاج أن يغسل هذا الثقل، ان يطفئ النار التي تأكل جلده، توجه الى الحمام الملحق بغرفته، خلع ملابسه والقاه أرضًا باهمال، وفتح الصنبور على المياه الباردة.
انهمرت المياه فوق رأسه وجسده كالشلال، شهق من برودة الماء، لكنه لم يبتعد.
ترك الماء ينساب على وجهه، يختلط بـ دمعة واحدة ساخنة فرت من عينه رغما عن كبريائه.
الماء يغسل الجسد، لكنه يعجز عن غسل الذاكرة..
كان تميم يقف تحت الماء يحاول ان يستعيد صورة نفسه التي كسرها أبوه في الأسفل، كان يحاول أن يذكر نفسه أنه فنان، أنه مبدع، وليس مجرد ابن عاق.
لكن صوت الارتطام في صدره كان يخبره ان الطريق للتعافي سيكون طويلًا، ووحيدًا
أغلق الماء، ثم خرج من الحمام يقطر ماء ووحدة، لم يجفف نفسه بعناية، ارتدى ملابس خروج سريعة؛ بنطال جينز وتيشيرت اسود، ملابس لا تشبه بذلات هذا القصر.
التقط مفاتيح سيارته ومحفظته، نظر الى الغرفة نظرة اخيرة، نظرة مودع لمكان لا ينتمي اليه.
ثم خرج تمامًا من المكان بأكمله، واستقبله هواء الليل البارد، ركب سيارته، وأدار المحرك بصوت هادر، وانطلق مبتعدًا عن قصر القواعد، هربًا الى شوارع المدينة التي لا تحكم عليه، والتي تقبله كما هو.. مكسورًا وحرًا.
ـــــــــــــــــــ
في صالة منزل آل الخطاب
كان الهواء قد تخفف أخيرًا من ثقل مشاحنات اليوم، تجمعت العائلة في دائرة، مكتملة الشعور، مكتملة الحب والمودة.
في تلك الجلسة الأرضية التي لا تحدث الا نادرًا حين يتعب الجميع من الركض ويقررون الاستسلام لسكينة البيت.
جلس يوسف في المنتصف، وامامه طبق فاكهة كبير.
كانت يده الخشنة التي ارهقتها سنوات العمل في ورشة النجارة، تمسك بالسكين برفق لتقشير البرتقال وتوزيعه على بناته.
لم يكن يوزع فاكهة بل يوزع قطعًا من قلبه لهن، يقدم لهن كل ما يشائن إن رغبن في ذلك
كانت أفنان تمد ساقها المصابة بتدلل واضح، تستغل اصابتها لتنال النصيب الاكبر من الاهتمام.
"يا بابا، تسبيح ط بتعاملني كأني عسكري في الجيش، مش مريضة"
قالت أفنان وهي تقضم قطعة البرتقال، تنظر لأختها الكبرى بمشاغبة، ابتسمت تسبيح، ابتسامة هادئة تخلت فيها عن درع القيادة للحظات قائلة:
"عشان لو دلعتك، مش هتخفي، هتفضلي قاعدة كده تستغلينا العمر كله."
ضحكت سجى وقد ذاب جليد الخلاف بينها وبين تسبيح بفعل دفء اللمة:
"تلاقيكِ اكتر واحدة مبسوطة بالاجازة من الجامعة!"
هزت أفنان رأسها بايجاب وحماس شديد مؤيدة الفكرة بقوة
"وانا عملت شاي بالنعناع يروق اعصابنا كلنا"
قالت سجود وهي تضع الصينية وسطهم، رائحة النعناع انتشرت في المكان لتغلفهم بهالة من الراحة.
كانت هذه اللحظات هي الهدنة التي تسرقها العائلة من قسوة الزمن؛ لحظات يتلاشى فيها صوت تسبيح الآمر، ويخفت فيها تمرد سجى، وتختفي فيها هواجس يوسف.
لا يبقى الا ضحكات صافية تخرج من قلوب اتعبها الركض في مسارات مختلفة، قلوب تجتمع الآن لتتدفأ بجمر المحبة الذي لم ينطفئ رغم رياح الفقد
نظر يوسف إلى بناته الست حوله، رأى ترتيل ترسم خطوطا وهمية باصبعها على الوسادة، ورأى سلسبيل تجلس بهدوء غير معتاد.
شعر بامتلاء لذيذ في روحه، شعور أن تعبه لم يذهب سدى، وأن هؤلاء الفتيات هن حصاده الحقيقي.
"ربنا يخليكوا ليا، وميحرمنيش من لمتكم دي ابدا"
قال يوسف بصوت دافئ، صوته كان غطاء أمان للجميع.
عم الهدوء المريح، هدوء الالفة والاسترخاء.
وفي وسط هذا السكون الدافئ، تحركت سلسبيل في مكانها، كانت تنظر الى هذه الجلسة؛ الاب الحنون، والأخوات المتالافات، والبيت الدافئ.
تنهدت سلسبيل بعمق، تنهيدة خرجت من قاع حرمانها، وقالت بصوت خافت، لكنه كان كافيًا لشق سكون الغرفة:
"يا ريت ماما كانت معانا"
سقطت الجملة في منتصف الغرفة كحجر في بئر عميق، احدثت دوائر من الصمت الموجع.
تجمدت يد يوسف وهي تمسك بقطعة فاكهة لم تصل لفمه، واختفت الابتسامة عن وجه تسبيح فورًا، وعادت ملامح المسؤولية تكسوها، بينما سجى التي كانت تضحك قبل ثانية، انطفأت عيناها ونظرت إلى الارض.
تحول الدفء فجأة الى برد قارس، برد يأتي من ذكرى الغائب الذي لا يعود.