📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الخامس 5 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الخامس 5 بقلم آية احمد عرفة

5
ـــ"نصيب لا مهرب"


بما إني عمالة اضيع وقت من ساعة ما نهيت الموروث، وده ليه عشان مش عارفة أمُوّف أون منها بجد، بس معلش… كتير طلبوا أكمل ظل البراء وأنا اللي جبته لنفسي. لما علمت الترويج، مكنتش أعرف إن الشغف هيضيع كده بعد ما انهيت الموروث. بس يلا، خلونا نستعيد الشغف يا سكاكر مع عائلة الزيني
وسكن علوان.
أهلاً بكم في ظل البراء، ولو حد عنده أي كومنت أو نقد على الأربع فصول اللي فاتوا، يقول.
1

ــــــــــــــــــ

داخل المشفى كانت تؤدي عملها على أكمل وجه، تتابع الحالات وتتحدث معهم. فهي دخلت التخصص النفسي عن حب، لأنها تحب الغوص داخل نفسية الشخص الذى أمامها، تحت دراسة علم النفس وأي شيء يتعلق بالطب النفسي، وتحاول جاهدة أن تثبت نفسها فيه.

لكن أوقفها شاب وقال:
— إزيك يا سكن.

نظرت له بضيق وزفرت قائلة:
— افندم، عاوز إيه يا دكتور وليد؟

لكنه قال بفظاظة:
ـــ نفس الموضوع، أنا عاوز اطلبك للجواز يا سكن و

قالت بحدّة وهي تقاطعه:
— اسمي الدكتورة سكن، وبلاش ترفع التكليف بينا. دا أولاً. ثانيًا، مش من حقك نهائيًا توقفني عشان تتكلم معايا دا مش مسموح. ثالثًا طلبك دا أنا رفضته قبل كده تلات مرات، وبرضه مصر توقفني عشان تفتح نفس الموضوع. صدقني، لو دا اتكرر مرة تانية هقول لأخويا وهو يتصرف معاك بقى

تركته واكملت سيرها، كان ينظر إليها، وعلامات الغضب بادية على وجهه، متقبل فظاظة حديثها بصمت. فكل مرة يحاول أن يحصل على موافقتها، توقفه وتوبخه على حديثه، لكنه هو لا بكل ولا يمل.

تنهد بضيق وقال وهو يتوعد:
ــ  ماشي يا ست سكن… مبقاش وليد الشيمي إلا ما خليتك توافقي يا بنت خالي، وبدام الفترة اللي فاتت مش نافع الذوق، يبقى تيجي بقي للعافية… اللي هتجيب مناخيرك الأرض.

قالها وانصرف ليباشر عمله، ونيته الداخلية تبشرها بالكثير من القادم.
1

ـــــــــــــ

داخل محل العطارة، كان يجلس براء يتابع بعض الحسابات، وتجلس فريدة على رجله. أما مهاب، فكان  يتابع طلبات الزبائن لينتهي بعد قليل، ثم جلس على الكرسي بجوار المكتب الذي يجلس أمامه أخوه، قائلا بهدوء:
ــ براء، أنا هروح أشوف أدهم.

رفع براء نظره من على الأوراق ونظر إليه:
— دلوقتي؟

هز رأسه موافقًا:
— اللي حصل امبارح كان صعب أوي… وأدهم أساسًا زهقان من الدنيا كلها.

استرسل بحزن:
— شاف كتير أوي… من ناحية كل حاجة… دراسة، فقدان قريبه والشغل…أنا مش عارف الدنيا جايا علينا كده ليه

نظر براء إليه:
— مفيش حاجة اسمها "زهقان من الدنيا"، دا ابتلاء يا مهاب. واللي حصل ليكم امبارح برضه ابتلاء ربنا بيشوف صبركم إيه، وبيختبركم. ساعات بيكون الاختبار صعب


ليسترسل حديثه وهو ينظر إلى مهاب:
— اسمع يا مهاب… اللي بيحصل ده كله ليه حكمة. ساعات ربنا بيحطك في صعوبات مش عشان يضرك، لكن عشان يعرف صبرك وصل لفين، ويقويك. الدنيا مش دايمًا سهلة، واللي بيتعلم يصبر ويثبت، ده اللي يخرج منها أقوى.
1

ابتسم براء قليلًا وأضاف:
— خليك فاكر دايمًا… كل ضيق مهما كان، هو درس. اللي يقدر يشوفه صح، يلاقي نفسه قدام فرصة جديدة، أقوى وأحسن… بس لازم تصبر وتستحمل قبل ما تشوفها.

مهاب تنفس بعمق، وشعر ببعض الهدوء بداخله بعد هذا الحديث، ليقول بصوت منخفض:
— صح… يمكن كنت محتاج أسمع الكلام دا منك.

براء اكتفى بابتسامة هادئة ونظر إلى فريدة اللي كانت جالسة على رجله، ثم عاد لمتابعة أوراقه، تاركًا أثر حكمة ولو بسيطة في قلب مهاب، لعلها تغير شيئا.

قال مهاب:
– إيه رأيك تيجي معايا وتتكلمي مع أدهم؟

نظر له قائلاً في نفسه: هقوله إيه؟

ابتسم مهاب وقال:
– نفس اللي قولتوا ليا بصراحة… كلامك دا بيلمس الجرح من جوه، هتقولي إزاي؟
هقولك معرفش… عشان كده تعالى معايا واتكلم مع أدهم برضه.
– ولو على المحل الناس بتشتغل.

نظر إليه لبضع ثوانٍ، ثم هز رأسه بالموافقة، فهو بالأساس يعرف أدهم منذ زمن، لكن علاقته به ليست وطيدة مثل علاقة مهاب بأدهم.

نظر إلى فريدة قائلاً:
– بقولك يا حبيبتي، أنا هروح مع خالك مشوار… يلا اطلعي عند ماما، وأنا جاي هجيب ليكي حاجات حلوة كتير.

لتنظر إليه وتفتح يديها بتلقائية قائلة:
– كتير قوي يا خالوا!

ابتسم قائلاً:
– آه يا عيون خالوا… يلا اطلعي.

قبلت وجنته ونزلت وقامت، كادت أن تذهب، لكن مهاب أوقفها بمزاح:
– طب فين بوستي؟ هو مش أنا خالك برضه؟
1

هزت رأسها بالموافقة، قبلت وجنته ثانيةً، ثم انطلقت، ليظل مهاب متابعها حتى دخلت العمارة، ليطمئن عليها.

حينها خرج براء من المحل قائلاً:
– يلا.

هز مهاب رأسه بالموافقة، فذهبوا معًا. وقد اتفق مهاب مع أدهم أن يتقابلا في مقهى قريب من بيت أدهم، فقد حُرموا من الجلوس مرة أخرى في ذلك المقهى الذي جلب لهم المشاكل في الماضي.

ــــــــــ

أحيانًا تكون الدنيا أقسى من قلبك، وأثقل من صدرك… لكن كل ابتلاء يمر بنا، يحمل معه درسًا. الصبر ليس مجرد احتمال للمعاناة، بل هو قدرة على اكتشاف قوتك الخفية وسط العواصف. ربنا يختبرنا، لا ليكسرنا، بل ليعلّمنا كيف ننهض بعد كل سقوط، وكيف نحمل ضوءنا الداخلي رغم الظلام من حولنا. وكل من يعرف كيف يصبر، يعرف كيف يعيش بسلام مع نفسه.


ــــــــــــــ

داخل عمارة الزيني، وداخل شقة شوقي، كانت هند تجلس مع والدتها، ليأتي والدها ويجلس أيضًا قائلاً:
— عجبك اللي جوزك بيعمله؟

نظرت له قائلة باستنكار:
— مش تنسى يا بابا إنه ابن أخوك برضه.

زم شفتيه قائلاً باستهزاء:
— يا فرحتي بيه…

ليسترسل بضيق:
— كفاية! انك لغايه دلوقتي مش عارفة تليني دماغه وتخليه يكتبلك محل من محلاته.

بادئ الضيق على قسمات وجهها قائلاً بحنق:
— يا بابا، براء مش بالسهولة دي أبدًا، أنا عشرته سبع سنين، هو عقله يوزن بلد، وأنا مش هقدر أطلب منه طلب زي دا دلوقتي… بس قدام بوعدك هيحصل، عارف ليه؟

لتسترسل حديثها:
— عشان أنا الزوجة الأصيلة اللي مستحملها، فغصب عنه هيكون عاوز يرد ليا تمن صبري معاه كل دا.

ولكن ردت والدتها بازدراء:
— هو مين اللي صابر على مين؟ يا خوفي لبراء يعرف الله أعلم، ساعتها هيعمل فيكي أيه يا بنت بطني أصل دا مش سنة ولا اتنين اللي ضاعوا من عمره، انتي ضيعتي سبع سنين بحالهم.

ابتسمت بتشفي ونظرت إلى والدتها:
— يا ماما، بقي قولتلك عمره كله هيضيع معايا كده؟ هيفضل عايش مخدوع أحسن ما أطلق…

لتنظر إلى والدها:
— ومش تقلق، قريب أوي هخليه يكتبلي محل… أنا أساسًا أستاهل أكتر من كده بكتير أوي.
4

ضحك والدها قائلاً بتؤكد:
— طبعا! مش بنت شوقي الزيني دي، انتي تتقالي بالدهب.

ليسترسل باستهزاء:
— عملي فيها أبو العريف زمان، وجيه يقف في وشي، وهو عيل ١٥ سنة قال إيه؟ أصل أنا بسرقهم.

ليبتسم بارتياح وهو يتابع:
— بس اللي أنا مش عرفت أعمله زمان معاه، انتي اللي هتعمليه يا بنت أبوكي.

قال هكذا بإصرار، غافلاً عن جريمة ابنتهما في حقه، من هي حتى تمنع رجلاً من أن يصير أبًا تحت مسمى الخداع.

"في غفلة القلوب تكمن خيوط الخداع، ولا ندرك إلا بعد حين كم أضاعنا، وكم فاتنا من الحق… كما قال الله عز وجل: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ}

ــــــــ

كانت تجلس داخل مكتبها بعد أن انتهت من آخر حالة، ثم أمسكت هاتفها الذي تضعه على وضع الصامت. لكنها تفاجأت بكمٍّ هائل من الإشعارات، إضافةً إلى منشنات عديدة من أصدقائها. دخلت على أحدها لتعرف ما الذي يحدث.

وما إن فتحت الرابط حتى جحظت عيناها من الصدمة؛ حالة من عدم التصديق جمّدتها تمامًا، كأن عقلها توقف عن الاستيعاب. وكيف تستوعب، وتلك… صور لها بملابس منزلية؟!
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل يظهر معها في الصورة شابٌ بلا ملامح واضحة.

انهمرت دموعها على وجنتيها، وما زالت مشدوهة أمام هول ما ترى. خرجت سريعًا من المنشور، لتفتح منشنًا آخر… فقط لتجد صورة أخرى.
أفلت الهاتف من يدها ليسقط فوق الطاولة، ووضعت كفّها على فمها تكتم شهقاتها.

هي الآن… حديث الناس.
كيف سترفع وجهها في وجوههم؟
أيّ ناس؟ وكيف ستواجه أخاها؟ والدها؟ عائلتها؟ كيف ستجتاز هذه الفضيحة التي اجتاحت حياتها كالإعصار؟

انتفضت من مكانها فجأة، حملت الهاتف وحقيبتها وخرجت من المكتب، لكنها توقفت في منتصف خطوتها حين وجدَت بعض الأطباء والممرضات واقفين أمام باب غرفتها، يحدّقون بها بملامح تمتلئ سخطًا واستنكارًا.
خفضت بصرها هاربةً من نظراتهم التي كانت كالسكاكين تُغرس في صدرها، ثم تابعت سيرها وهي تحتضن حقيبتها كمن يخشى السقوط في أي لحظة.
1

أوقفت تاكسي سريعًا، وما إن جلست داخله حتى قالت بصوت خانق يرتجف:

– " السّيدة زينب."

ثم صمتت.
أسئلة كثيرة راحت تضرب رأسها بلا رحمة.
من فعل هذا بها؟
كيف وصل إلى صورها الشخصية التي كانت على هاتفها؟
نعم… هي التقطت هذه الصور لنفسها، بيديْها، لكنها لم تتخيل يومًا أن يجرؤ أحد على اقتحام هاتفها، سرقة صورها، العبث بها، وإضافة شاب بجوارها!

كانت لا تعرف ماذا تفعل، ولا ما سيكون رد فعل والدها… أو أدهم.
وأدهم تحديدًا… كان أكبر مخاوفها الآن.
لا تعرف ماذا سيفعل حين تقع عيناه على تلك الصور.

وأيّ شيء سيفعله… يبدو مرعبًا بقدر ما تشعر هي الآن بالانهيار.

توقف التاكسي بعد قليل، أعطته الأجرة وترجلت منه. دلفت إلى العمارة مسرعة، تصعد الدرجات أشبه بالراكضة، حتى توقفت أمام الباب. أخرجت المفتاح بيد مرتجفة لتفتح الباب دلفت إلى الداخل وأوصدته خلفها، لتقابلها أختها بصوت يملأه الفزع:
ــ سكن! إيه دا؟ صورك موجودة على السوشيال ميديا… ردي عليا… فهميني!

أما سكن، فكانت دموعها تهبط على وجنتيها، لا تعرف ماذا تقول ولا ماذا تبرر. هزت رأسها بلا وهي تبكي. تعانقها أختها، محاولة تهدئتها وأخذتها إلى غرفتها. جلست على الفراش، ومازال جسدها ينتفض، تبكي لتقول بارتجاف:
ــ فين بابا؟

لترد سندس:
ــ في أوضته… خد الدواء ونام.

لتتابع بخوف:
ــ سكن… هتعملي إيه في المصيبة دي؟

نظرت إليها سكن مثل التيه، قائلة:
ــ معرفش معرفش أعمل إيه… أنا مش عارفة ده كله حصل إزاي مش فاهمة حاجة خالص

لتتابع مسرعة والخوف منمكن منها:
ــ سندس صدقيني أنا مليش علاقة بالصور دي أنا مش عارفة إزاي صوري الشخصية اتخدت من على الموبايل....او إمتى وإزاي بس أنا مش فاكرة حاجة.

امسكت سندس يدها، محاولة تهدئتها:
ــ اهدي

لتقول سكن من بين شهقاتها:
ــ اهدي إيه؟ إنتِ عارفة ادهم ممكن يعمل فيا إيه زمانه أكيد شاف الصور.

استمعت بعد ذلك إلى طرقات قوية على الباب. لتهرول سندس إلى الخارج لتفتحه، وإذا بعمتهم فاطمة تدلف إلى الداخل بغضب:
ــ فين سكن؟ ردي عليا شوفتي الفضيحة اللي اختك عملتها لينا؟ إحنا بقينا لبانة في بوق الناس!

لتتابع بصوت أعلى:
ــ يا عيني عليك يا اخويا حظك مايل في البنتين واحدة قاعدة زي البيت الواقف وعنست، والتانية رافعة مناخيرها في السما ورفضت ابني لما أتقدم دلوقتي جبتلك الفضيحة!

أما سكن، فأول ما استمعت إلي صوت عمتها، ركضت وأغلقت الباب عليها من الداخل.

أما سندس فنظرت إليها بضيق:
ــ سكن مش كده أكيد في حاجة غلط ولو سمحتي وطي صوتك بابا نايم إنتِ عارفة لو سمع الكلام دا هيحصل له إيه.

لتجيب عليها بازدراء:
ــ واختك المصونة الشريفة مش فكرت في أبوها ليه قبل ما تجيب لينا الفضيحة؟

ـــــــــــ

البلاءُ حين يأتي صاحبه لا يُمهله إنذارًا؛
يهبط على القلب كما تهبط الصواعق،
ويترك الروح تتلمّس طريقها بين الدهشة والانهيار.

ما أقسى أن يُفاجَأ المرء بما لم يخطر له ببال،
أن يُبتلى في موضعٍ ظنّه حصنه،
لكنّ البلاء، مهما اشتدّ..
فاصبر…
فما من بلاءٍ إلا ويحمل في طيّاته لحظة نجاة،
تنتظر قلبًا لا يزال قادرًا على النهوض.

ـــــــــــ

كانوا يجلسون داخل المقهى، ليقول أدهم بترحاب:
ــ بجد وحشتني من زمان، مش شوفتك

ليتابع بضيق:
ــ حتى إمبارح لما اتقابلنا، كان الوضع مش أحسن حاجة.

هز براء رأسه بتفهم قائلًا:
ــ عادي، أساسًا وضعك إنت ومهاب كان وحش أوي، بس الحمد لله على كل شيء. انتوا خرجتوا، انسوا بقي.

ابتسم بألم ليجيب بنبرة ساخرة:
ــ ننسى عادي كده، كأن مفيش حاجة ياريت دا الواحد لو في إيده يفقد الذاكرة عشان ينسي، هعمل كده من غير تردد.

تنهد براء من عمق حديثه وقلة شغفه اتجاه الحياة، أردف بهدوء:
ــ الدنيا دي يا أدهم فيها الحلو وفيها الوحش، بس الإنسان هو اللي في إيده يغير حياته

ثم تابع بهدوء:
ــ  خدها نصيحة من حد أكبر منك، طول ما انت بتلوم الحياة والظروف، مش هتاخد ولا خطوة لقدام. بلاش تحط الحق على المواقف ممكن يحصل كده ليك عشان تفوق من كل اللي انت فيه وتركز في نفسك أكتر.

ليسترسل بمزاح:
ــ بقى هو دا أدهم اللي كان بيجي يذاكر مع أخويا والحيوية بتنط من وشه أنت بقيت كئيب ليه كده يا دومي؟ فك بقي، محدش واخد منها حاجة.

قال ذلك وهو ينغزه بخفة، ابتسم أدهم على حديثه، ليدوي صوت هاتفه بالإشعارات. وفي نفس الأثناء، كان مهاب يتفحص هاتفه وقد شاهد صور سكن، والتي على وشك أن تصبح تريند، فصدم لدرجة ظل فاه مفتوحًا من هول الصدمة، ولا يعرف ماذا يفعل.

ولكن لفت انتباهه إلى هاتف أدهم الذي يصله الكثير من الإشعارات، أمسكه أدهم وفتحه، وكان مهاب يتابع بانتباه منتظر رد فعله، والتي بالتأكيد لا تبشر بالخير.

كان قسمات الزهول تعلو وجهه، لا يصدق هذه أخته! تدقق بالصورة، لكنها بالفعل كانت أخته، وكان يقول هذا لنفسه، ليستمع إلى الموجودين في المقهى، حين قال رجل يجلس خلفه بفظاظة:
ـــ شايفين البت اللي في الصورة دي؟ شبه الدكتورة سكن… بنت عم علوان.

قال هكذا غافلًا على أن أدهم يجلس لكنه معطي له ظهره، ليظل الباقون يؤكدون حديث الرجل إنها بالفعل سكن علوان نفسها.

انتفض من مكانه وجذب الرجل ونهال عليه باللكمات، ليحاول براء ومهاب تخليص الرجل من بين يديه، بالمعافرة معه حتى يخرج حيا من تحت يده.

ليقول مهاب مسرعًا:
ــ أدهم، اسمعني أكيد في حاجة غلط و

لكنه لم ينتظر، وقد تركهم وذهب إلى البيت الذي يبعد عن المقهى بــ شارعَين فقط.

لينظر مهاب إلى براء:
ــ هنعمل إيه؟

لينظر إليه براء قائلًا:
ــ معرفش

ليتابع بزهول:
ــ مش قادر أصدق اللي حصل أنا قابلتها، هي محترمة جدًا إزاي بس يكون في صور زي دي ليها؟

ليقول مهاب بقلق:
ــ أنا لازم أروح لأدهم دا مجنون وممكن يقتلها صاحبي وعارفه طاقة منه خالص.

انتفض قلبه خوفًا عليها ولا يعرف سببًا لذلك، ليهز رأسه بموافقة وذهب معه.

توقف أدهم بعد قليل أمام الباب، وطرق الباب بعنف. فتحت سندس على عجل لتقابل وجه أخوها، الذي لم يبشر بالخير، قائلاً بغضب:
ــ سكن فين؟

توقفت أمامه، وتمسكت بذراعه قائلة برجاء:
ــ  أدهم، عشان خاطري، اهدا... صدقني، أكيد في حاجة غلط.

لكن عمتها ردت بسخط:
ــ غلط إيه دا؟ الي أعمي يعرف ويشوف إنها هي!

دفع سندس واقترب من الغرفة ليفتحها، لكنه وجدها مقفلة من الداخل. فبدأ يضرب الباب بقبضة يده بقوة، ثم أضاف بصوت عالٍ:
— افتحي الزفت دا يلاااااااا!

أما في الداخل، كانت تجلس على الفراش، تضمّ نفسها، تضع يدها فوق أذنها، وجسدها يرتجف خوفًا منه.

ليأتي صوت والده من خلفه، قائلًا بتساؤل:
ــ في إيه يا أدهم؟ بتزعّق ليه؟

التفت أدهم إلى والده وصمت بخزي، لا يعرف ماذا يقول. لكن عمّته اقتربت وتوقّفت أمام أخيها قائلة بسخط:
ــ شوفت يا علوان شوفت بنتك عملت فينا إيه؟ خلّت فضيحتنا على كل لسان في السيدة زينب وبراها!

نظر إليها والدهم بعدم فهم، لتسارع سندس قائلة وهي تحاول ـ ولو قليلًا ـ تهدئة الموقف:
ــ بابا… سِكَن عمرها ما تعمل حاجة غلط. أكيد في سبب ومحدش فاهمه.

ليضرب أدهم الباب بقبضة يده صارخًا:
ــ قُلت افتحي الزفت دا!… إنتِ فاكرة إن الباب هيحوشِك مني؟!

فتحت الباب، لكنه دفعها بقوة إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه.
أقتربت سندي تطرق الباب بهلع، قائلة بخوف على أختها من بطشه:
ــ أدهم! افتح الباب! أدهم صدّقني… أكيد في حاجة غلط، أرجوك ماتتسرّعش!

في الداخل، نظر إليها بغضب قاتم:
ــ انطقي! مين اللي كان معاكي في الصور؟! فضحتي نفسك وفضحتينا معاكي!

قال ذلك ثم صفعها بقسوة على وجهها، فصرخت ببكاء:
ــ معرفش حد! انت اتجننت؟! مش عارف أختك على إيه؟!

لكنّه صفعها مرة أخرى ساخرًا:
ــ أمال صورِك وصلت إزاي؟! انتي عاوزة تجنّنيني؟!

قالها ثم انهال عليها بالضرب دون أن يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها.

أما في الخارج، كان والدهم يطرق الباب بقوة وغضب:
ــ أدهم! افتح الباب! بقولك افتح!… اختك هتموت في إيدك!

وضع يده على موضع قلبه بألم، واستمر يطرق.
ليستمعه الي طرق الباب أيضا هرعت فاطمة لتفتح، ودلفت سندس وقد ارتدت إسدالًا على عَجَل، وخرجت تُسند والدها.
كان مهاب وبراء …
نظر علوان إلى مهاب قائلًا بصوت متعب:
ــ تعال… خرّجه من الأوضة، هيموّت البِت في إيده.

أومأ مهاب، بينما أسند براء علوان وساعده على الجلوس. ناولته سندس كوب ماء.

طرق مهاب الباب بصوت مرتفع:
ــ أدْهَــــم! افتح! بُطّل جنان… اختك هتموت في إيدك! كل حاجة ليها حل… بس مش بالطريقة دي! افتــــح بقى!

صرخ في آخر كلماته، فانفتح الباب بعنف، وخرج أدهم يلهث بغضبٍ شديد.
اندفعت سندس إلى أختها بسرعة… كانت سِكَن مُلقاة على الأرض تبكي وتئنّ بألم، فاحتضنتها وهي تبكي معها، عاجزة تمامًا عن فعل أي شيء.

جلس أدهم على الأريكة، والقهر بادٍ على وجهه، لتقول فاطمة بحدّة:
ــ هتعمل إيه في اللي حصل يا أدهم؟ فضيحة أختك بقت على كل لسان!

نظر إليها بغضب:
ــ أقوم أقتلها؟! عشان ترتاحي؟!

قال والده بعتاب موجوع:
ــ اتجننت؟! تضرب أختك؟!… فهموني حصل إيه لكل دا!
ثم أكمل بضعف:
ــ رد عليّا… سِكَن عملت إيه عشان تمد إيدك عليها؟! أنا لسه عايش… ممُتش عشان تعمل كده!

كاد أدهم أن يرد عليه:
ــ صورها بقت…

لكنه فوجئ ببراء يضع يده على رجله محاولة لتهدئته ومنعه من متابعة الحديث، قبل أن يلتفت إلى علوان بابتسامة هادئة:
ــ ولا أي حاجة يا عم الحاج… بس حصل مشكلة صغيرة. أدهم شافها واقفة مع شاب تحت، وفهِم الوضع غلط، مش أكتر فالموضوع كبر.

طرق الباب قاطع حديثهم، فقامت فاطمة لتفتح…
دخل ابنها وليد بوجه متهجم:
ــ صحيح اللي بيحصل دا يا أدهم؟!

ردّ أدهم بحدّة:
ــ وليد… مش عاوز أسمع صوتك! فاااااهم ولا لأ؟!

تدخّلت فاطمة بضيق ممزوج بالاستهزاء:
ــ بتتعصّب على ابني ليه؟! هو دا جزاته؟ جاي يقف جنبك في المحنة دي!

نظر لها بغضب حارق… كان يعرف أنها تنتظر هذه اللحظة لتشمت بهم بعد رفض سِكَن لابنها.
أما وليد، فقد بدا واضحًا أنه وجد فرصته؛ لو طلب يدها الآن سيوافق أدهم بلا تردد…
فمن سيرضى بها بعد ما حدث؟
هذا ما كان يدور في رأسه.
1

قال وليد متصنعًا الحرص:
ــ يا أدهم… أنا بحطك في الصورة. مين هيقبل بأختك دلوقتي بعد ما

قاطعه مهاب بضيق:
ــ خلاص بقى! أنا لما صدّقت إنه هدي!

لكن براء قال دون تردد:
ــ أنا هقبل.
2

تجمّد الجميع في أماكنهم، وتطلّعوا إليه بدهشة.
التفت براء إلى علوان ليكمل بثبات:
ــ أنا بطلب منك إيد سِكَن.
3

اتسعت عينا وليد غضبًا… لقد انهار كل ما خطّط له للتوّ.
1

قال علوان بارتباك:
ــ بس… أنا معرفكش؟

قاطعه براء وهو ينظر إلى أدهم:
ــ ابنك عارفني… وكمان هو صاحب أخويا من زمان أوي.

نظر أدهم إليه بذهول… لماذا يقبل بوضع كهذا ؟!
أما مهاب، فكان صدمته تفوق الجميع..

قال أدهم مؤيدًا:
— فعلاً يا بابا، أنا أعرفه من زمان، هو شخص كويس جدًا.

نظر علوان إليه مستغربًا، وكأن هناك سرًا يخفونه، ثم قال بضيق:
— سكن عملت إيه يا أدهم؟ رد عليا، بنتي عملت إيه؟

أخرج أدهم هاتفه وفتح البوست، وناوله لوالده، الذي جحظت عينيه بدهشة لا تصدق، فوجد بالفعل ابنته في الصورة، ومعها شاب. ترك الهاتف من يده، حائرًا وكأن التيه استولى عليه، ثم نظر إلى براء أخيرًا وقال:
— أنا موافق…
ثم تابع بنبرة تحمل الانكسار:
— وياريت يكون جوازك منها في أسرع وقت.

قال ذلك وتركهم، وتوجه إلى غرفته، بينما كانت قسمات وجهوا تحمل القهر والخذلان.

نظر براء إلى أدهم وقال:
— بكرة نكتب الكتاب.
4

هز أدهم رأسه على مضض، دون تعليق، كل ذلك تحت نظرات زهول وليد ووالدته ومهاب.

ثم تابع براء:
— عاوزين نشوف حد يشيل لينا الصور من على الفيس ويُلغيها تمامًا.

قال مهاب هذه المرة:
— أنا أعرف حد.

نظر إليه براء:
— طيب، كلمه خلينا نروح نُقابله.

هز مهاب رأسه بالموافقة، فقال براء:
— يلا، خلينا ننزل نكمل كلامنا تحت، وبعد كده نشوف هنعمل إيه.

نظر إليه أدهم بضيق:
— هنزل أقول للناس إيه؟

رد براء بحزم:
— سيب الناس عليا، ملكش دعوة. يلا.

قاموا معًا وخرجوا بعد قليل من العمارة، وكان البعض يتهامس وينظر إلى أدهم، والبعض الآخر يتشفّى، وبعضهم ينظر بشفقة.

توقف براء وقال بصوت حاد، لكن بنبرة حاسمة:
— اسمعوا الكلام اللي هقوله دلوقتي، البنت اللي في الصورة دي مش اللي في دماغكم، وعادي يشبه من الشبه أربعين. كبروا عقلكم وبلاش تمشوا ورا أي حاجة على النت تصدقوها.
— وهاقول تاني، سيرة الدكتورة سكن علوان مش عاوز أسمعها على لسان حد منكم. اكترية الموجدين  هنا يعرفني ويعرف مين براء الزيني، صاحب محلات العطارة، وأنا عمري ما قفلت بابي في وش حد أبدا.
بس لو سمحتم احترموا جيرانكم واحترموني
— عشان اللي بتتكلموا عليه دي خطيبتي، وبإذن الله بكرة هتكون مراتي.

استمع الجميع إلى حديثه، ثم تبع ذلك سيل من المباركات، تلاها اعتذار عما بدر منهم.

القريب أحيانا يجرح ويخذل بلا قصد، والغريب يكون هو الظل الذي سيقويك… والأيام وحدها تكشف من يستحق قلبك ومن لا يستحق.

"كان هو اليد التي امتدت لها دون أن تطلب، وهو لا يعرف كيف طوعه ثغره واقترح هذا وأيضا قد قال هكذا أمام الجميع دون تردد ل حتى يخرس الألسنة… لكنهم لا يعرفون أنّ منذ هذه اللحظة كتب عليهم شيئًا جديدًا مختلفاً: سيصبح هو الرفيق الذي لا يخذل، وهي ستكون له السكن الذي لا يزول."


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات