📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الخامس 5 بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الخامس 5 بقلم وسام اسامة 


تحسبين الحب لعبة
الفصل الخامس
لا مفر من الاختيار...
...................................
كانت المشفى تضج بالقبيلة.. كل من وصله خبر مقتل فـراس على يد سيف الدين بن عمه، سارع بالذهاب للمشفى لتبين صدق ما يسمعونه.
وانتشرت اخبار القبض على سيف أل غانم وانقلبت الدنيا رأس على عقب..وخلال ساعات كان اخوة سيف الدين قسموا انفسهم ما بين قسم الشرطة والمشفى.
وكان نصير واخيه حمزة ذهبوا لقسم الشرطة فورا، أما هارون فذهب للمشفى ليتفاجأ بوجود الكثير من رجال القبيلة، ودُنيا المتشحة بسواد لباسها المغبر تجلس جانبًا وجسدها ينتفض في شهقات مرعوبة
كان هارون يقف وسط الزحام، وصوت الهمهمات حوله لا ينقطع، الكل يتساءل كيف وصل الحال بسيف وفراس لهذه النقطة. تقدم بخطوات سريعة نحو دُنيا، التي كانت في حالة لا تسمح حتى بالكلام؛ منكمشة على نفسها، وارتجاف جسدها يظهر مدى الرعب الذي عاشته في تلك اللحظات.
انحنى هارون بجانبها، وضع يده على كتفها بهدوء وحاول يسيطر على نبرة صوته: "دُنيا.. ارفعي رأسك، انظري إليّ.. قولي لي ماذا حدث بالضبط؟ هل كنتِ معه؟"
لم تجب، بل زادت شهقاتها وهي تغطي وجهها بكفيها المرتجفتين، وكأنها تحاول مسح صورة الدماء التي طبعت في مخيلتها. لم يكن الغبار الذي يغطي ثيابها إلا دليلاً على أنها كانت في قلب المعركة، وأنها ربما حاولت منعهما لكن فوات الأوان كان أسرع منها.
في تلك اللحظة، اقترب منهما عدنان ولد عمهم، ووضع يده على كتف هارون وهو يهمس بوجوم:
"يا هارون، خذ اختك وعد بها للقرية.. لا يجوز وجودها هنا"
حرك هارون رأسه بإيجاب وهو يرى كل هؤلاء الرجال يحاوطونه بفضول كاد يخنقه.. فقطع صمته سؤال عدنان:
" هل تواصلتم مع احد في القسم؟ الوضع مشتعل، وسيف يرفض التحدث مع أي شخص."
زفر هارون بضيق وهو ينظر لحال أخته، ثم وقف والتفت للرجل:
"نُصير هناك، وأنا سأبقى هنا مع دُنيا حتى نعرف حالة فراس.. المهم الآن أن نمنع أي تصادم جديد بين الشباب في الخارج، القبيلة بدأت تنقسم، وهذا ما كان ينقصنا!"
التفتت دُنيا فجأة حين سمعت اسم فراس، وقالت بصوت متقطع ومنهار: "هارون.. فراس كان ينزف كثيراً.. سيف لم يرحمه.. لم يرحم توسلاتي."
أطبق هارون على أسنانه بغضب مكتوم، وهو يرى الانهيار الذي وصلت إليه أخته، بسبب عناد فـراس وتهور سيفُ الدين..!
حاول هارون أن يتمالك أعصابه وهو يرى نظرات الرجال تنهش انكسار شقيقته، فدُنيا لم تعد مجرد ابنة "آل غانم" الآن، بل أصبحت زوجة الخصم الذي قُتل على يد شقيقها. انحنى نحوها وأمسك بذراعها بقوة محاولاً إيقاف انتفاضة جسدها:
"انهضي يا دُنيا.. هيا بنا إلى المنزل."
رفعت رأسها إليه، وتوسعت عيناها بفزع وهي تتشبث بالمقعد الذي تجلس عليه كأنها تتشبث بالحياة:
"لا.. لن أتحرك من هنا! فراس بالداخل.. زوجي بين الحياة والموت يا هارون، كيف تريدني أن أتركه وأرحل؟"
اشتدت قبضة هارون على ذراعها، واقترب من أذنها ليتحدث بنبرة حاسمة ومنخفضة لا تقبل النقاش:
"دُنيا.. افهمي ما أقول جيداً. وجودكِ هنا وسط رجال القبيلة بهذا المنظر لا يجوز، والعيون كلها تراقبنا. لقد فعل سيف ما فعل، وانتهى الأمر.. والآن عليكِ أن تتبعي أمري."
انفجرت في بكاء مرير وهي تحاول نزع ذراعها من قببضته:
"أرجوك يا هارون.. اتركوني بجانبه، هو ليس له ذنب فيما حدث، سيف هو من غدر به.. لن أتركه وحيداً، ليس له أحد غيري الان.. ارجوك أخي اتركني!"
لم يمنحها فرصة لمزيد من التوسل، بل سحبها من يدها ووقف بها بحزم، متجاهلاً دموعها التي بللت خمارها المغبر:
"قلتُ ستأتين معي حالاً.. نُصير وحمزة هناك، وأنا هنا، ولن يهدأ بالي وأنتِ وسط هذا الهرج. هيا أمامي دون كلمة واحدة."
تحت ضغط يده التي سحبتها مرغمة، ومع تدافع رجال القبيلة ومراقبتهم للموقف، وجدت دُنيا نفسها تُقاد نحو السيارة واليأس ينهش قلبها.
كانت تلتفت خلفها نحو باب المشفى بصرخات مكتومة ودموع لا تتوقف، بينما انطلق بها هارون متجهاً إلى بيتهم في القرية، واضعاً نهاية قسرية لوجودها بجانب فراس في أصعب لحظاته دون أن تكون جواره.
سارع هارون بها نحو منزل أسرته وهو يراها تهذي وتبكِ في انهيار وقد فشل في تهدئتها او حتى زجرها... كانت في حالة عجيبة وكأنها لازالت مسجونة في صعوبة اللحظة.
وحالما وصلوا دلف بها للمنزل لتتلقفها فاطمة بين ضلوعها تعانقها في جزع وهي تشاهدها في حالة من الهذيان المجنون.
كانت دُنيا تبكِ وتهذي بكلمات غير مترابطة وتتمسك بملابس والدتها ترجوها تعيدها لزوجها... ولم تستطع فاطمة سوى البكاء على حال أولادها، ومَـرام تشاركهم البكاء وهي ترى حالة العائلة تنهار من جديد...ولكن هذه المره بشكل أسوء.
***
في قسم الشرطة وتحديدًا في مكتب رئيس المباحث، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. رائحة السجائر العالقة في المكان وضجيج المروحة المعلقة في السقف زادوا من حدة التوتر. جلس سيف الدين على مقعد خشبي صلب، مغلول اليدين، وعيناه مسمرتان في بقعة دماء جافة على طرف كمه حينما اقترب من فراس يرى اصابته، بينما وقف نُصير وحمزة أمام مكتب الضابط الذي تركهم لبضع دقائق ليتشاوروا، تقديراً لمكانة عائلتهم.
كسر حمزة الصمت وهو ينحني نحو سيف، يهمس بصوت مخنوق بالغيظ:
"أهذا هو آخر طموحك يا سيف؟ أن نراك بـ 'الكلابشات' في مكتب التحقيق؟ قتلت ابن عمك وصهرنا في وضح النهار وأمام أعين الناس.. كيف سننظر في وجوه آل غانم .. كيف تتهور هكذا؟
لم يرفع سيف رأسه، بل ظل على وضعيته الجامدة، وأجاب بنبرة هامدة خالية من أي انفعال:
"آل غانم لا يعرفون ما فعل.. فراس لم يترك لي خياراً آخر. لقد داس على كل الأعراف، وحاول كسر أنوفنا جميعاً."
اندفع نُصير نحوه، وضرب بيده على سطح المكتب بقوة جعلت أقلام الضابط تتناثر، وهتف بوجهه بصوت مكتوم:
"أي أعراف يا سيف؟ أنت قتلت زوج أختك أمام عينها! .. هل التزمت أنت بالأعراف؟.. ألا تدري بفعلتك تلك ما سيحل بدُنيا.. وسمعتها التي ستضرر بسبب تهورك؟
هنا رفع سيف نظره، وكانت عيناه مشتعلتين ببرود مخيف، وقال ببطء:
"دُنيا كانت ستدمر لو بقيت معه. أنا أنقذتها من ذلٍّ لم تكونوا ترونه. فراس كان يسحبنا جميعاً للهاوية"
أمسك حمزة برأسه بين يديه، وراح يذرع المكتب جيئة وذهاباً:
"أنقذتها؟ أنت حكمت عليها بالظنون السيئة والمهانة! هل تدرك أن العائلة لن تصمت؟ وأننا الآن لا نعرف كيف نحميك من حبل المشنقة ؟"
كان حمزة يحرق أعصابه سُدى أمام سيف الدين الصامت ببرود عجيب.. ونُصير يحاول استجماع نفسه والتفكير مليًا في المصيبة التي وقعت فوق رؤسهم
لحظات ودخل الضابط من جديد وخلفه أحد عناصر الأمن يأخذ سيف الدين لمحبسه من جديد.. وقبل أن يغادر المكتب، قبض نُصير على مرفقة قائلا في غضب مكتوم:
" لتدعوا الله ألا يموت فـراس، فحينها حتى أنا لن استطيع انقاذ رقبتك"
لم تتبدل نظرات سيف الدين الذي كان يتمسك بصمته وعناده في موقفه
أما حمزة فتحدث مع الضابط يسأله في ضيق:
"والان ماذا سيحدث؟"
تحدث الضابط في هدوء:
"سيتم استجواب السائق، وكذلك زوجة المجني عليه، وننتظر حالة المريض
ومن الخير ان يستعيد صحته ونأخذ أقواله ونطابقها بأقوال الشاهد"
لم يكن بيدهم ما يفعلوه سوى الدعاء أن يعبر فراس منطقة الخطر، فخيط حياته هو الوحيد الذي يفصل بين سيف وبين حبل المشنقة.
خرج نُصير وحمزة من مكتب الضابط بخطواتٍ مثقلة، كان ممر القسم يبدو أطول من المعتاد، والعيون تلاحقهما بهمسٍ لا ينقطع. التفت حمزة نحو أخيه الأكبر وقال بصوتٍ قلق:
"دُنيا.. كيف سيسألها الضابط؟ هارون يقول أنها في حالة لا تسمح لها بنطق اسمها، ناهيكِ عن أن شهادتها قد تُدين سيف الدين بلا شك!"
أطبق نُصير على جفنيه بقوة وهو يتجه نحو سيارته، وأجاب بمرارة:
"هذا ما كان يخشاه سيف، وما أوقعه بجهله.. لقد جعل دُنيا الخصم والحكم في آنٍ واحد. سآخذك الآن للمشفى، ابقَ بجانب هارون وأخبروني بحالة فـراس .. الساعات القادمة هي الأخطر، وإذا حدث له شيء سيء، لن تنام القرية الليلة على خير."
ركب حمزة بجانبه وهو يتساءل بضيق:
"وأنت.. إلى أين ستذهب؟"
شغل نُصير محرك السيارة وهو ينظر للأفق بوجوم:
"سأذهب لعمي.. يجب أن أحتوي الأمر قبل أن تبدأ فتنة أخرى في القبيلة.. سيف فعل فعلته ، ولم يدرِ أنه وضع رقابنا جميعاً تحت سكين الثأر."
انطلق نُصير بالسيارة، تاركاً خلفه جدران القسم الباردة التي تضم أخاهما العنيد، بينما كان الصمت في السيارة يعكس حجم الفجيعة؛ فبين حياة فراس وموت سيف، وبين دمع دُنيا ودم القبيلة، خيطٌ رفيع لا يملك أحدٌ منهم قطعه أو وصله.. بانتظار معجزة تأتي من غرف العمليات لتوقف شلال الدم الذي بدأه "سيف الدين" ببرود.
***
"يابُني، خالك اتصل للمره الثانية يخبرنا عن موافقة مها.. وأنت إلى الان لم تتحدث لا بالقبول أو بالرفض؟"
كانت نعمات تتحدث في هدوء ينافي القلق في نفسها.. كانت تخشى رفض دُريد فيدخل الحرج قلب شقيقها، ولكنها لا تستطيع نزع موافقة دُريد رغمًا عنه
ولكن بدى دُريد واجمًا وهو يتمتم في هدوء:
" لمَ العجلة يا أمي.. لم يمر سوى يومان منذ الرؤية الشرعية"
ردت نعمات في هدوء:
"الأمر لا يحتاج كل هذا يا دُريد، إما تريد الفتاة أو لا.. معك حتى صلاة المغرب، وبعدها تعطيني قرارك الذي سأقوله لخالك"
خرجت نعمات وتركته في غرفته، رفع معصمه ينظر في الساعة ليجدها تشير إلى الخامسة عصرًا.. كاد يضحك من عجلة أمه ولكنه يراعي موقفها من هذه الزيجة.. فلو رفض الزواج من ابنة خاله ستكون والدته في موقف سيء أمام شقيقها الذي أعلن بكل صراحة أنه تمنى زواج دُريد من مها.
مسح على وجهه يستعيذ الله من الشيطان الرجيم، ثم وقف يحضر ملابسه ليستحم بعد يوم طويل في العمل.. اغلق غرفته واتجه نحو حمامه الخاص الملحق بغرفته وشرع في الاستحمام والوضوء.
وفي ذلك الحين كانت رقية تجلس في المطبخ تقضم تفاحتها الخضراء وتتابع والدتها المتوترة بعيون حذرة وهي تزرع المطبخ ذهابًا إياب متشاغلة بإعداد الطعام لتخفي توتر افكارها.. تنحنحت رقية وهي تتحدث في رفق:
" لمَ كل هذا التوتر يا نعوم، لو كان سيرفض لكان فعلها من اليوم الأول.. ومعنى صمته الطويل انه يفكر."
كان حديث رقية منطقياً جداً، لكنه لم يفلح في تهدئة عاصفة القلق التي كانت تعصف بداخل نعمات. توقفت الأم عن تقليب القدر، والتفتت إلى ابنتها وهي تمسح كفيها بطرف مئزرها في حركةٍ عصبية، وقالت بصوتٍ هامس:
"يا رقية، الصمت في مثل هذه الأمور قد يكون أشد من الرفض. أخاف أن يكون دُريد يحاول إيجاد مخرجٍ لا يحرجني أمام خاله، أو أنه يغالب نفسه ليوافق فقط من أجل خاطري، وأنا لا أريد له زواجاً بلا قناعة."
قضمت رقية قطعةً أخرى من تفاحتها، وأصدرت صوتاً يوحي بالتفكير قبل أن تقول بمرحٍ خفف من وطأة الموقف:
"يا ست الكل، دُريد ليس الشخص الذي يُجبر على شيء، ثم إن مها فتاة جميلة وهادئة، ولا أعتقد أن رجلاً بذكاء دُريد قد يفرط في مثل هذا الاختيار بسهولة."
ارتسمت نصف ابتسامة على وجه نعمات، وكأن كلمات ابنتها لامست وتراً من الطمأنينة كانت تبحث عنه، لكنها سرعان ما عادت لتنظر نحو باب غرفته الذي ظل مغلقاً، وقالت بتنهيدة:
"الخيرة فيما اختاره الله.. لقد أعطيته موعداً حتى صلاة المغرب، والوقت يمر كما لو كان يركض."
في تلك اللحظة، قطع حديثهما صوت انهمار الماء من خلف باب الحمام الملحق بغرفته، فتبادلت رقية ونعمات نظرةً سريعة. لمعت عينا رقية بخبثٍ محبب وقالت وهي تنهض لتغسل يدها:
"حدسي يخبرني أن قلقكِ لا داعي له..ابدئي بتجهيز الشربات يا أمي، فإحساسي يخبرني أننا سنبارك لخالي الليلة."
وفي ذلك الحين، وبينما كان الماء ينساب فوق جسده المرهق، كانت صور "مها" تتراقص في مخيلته من تلك الرؤية الشرعية ملامحها الهادئة، خجلها المصبوغ بالحياء، وكلماتها القليلة التي لم تخرج عن حدود الأدب. لم يجد فيها عيباً يُذكر، لكنَّ قلبه كان في وادٍ آخر، يبحث عن تلك "الرجفة" التي لم يشعر بها، أو ربما هو الخوف من ذكرى قديمة كان شاهدًا عليها.. ولكن شخصيتها الجديدة كانت مختلفة كليًا عما في ذاكرته.. وهذا ما خفف رفضه وزاد حيرته.
خرج من حمامه، يلف جسده بمنشفته البيضاء، وجفف شعره في شرود وهو يراقب تسلل أشعة الشمس نحو المغيب من وراء زجاج النافذة. كانت الدقائق تمر ثقيلة، وصوت أذان المغرب يقترب ليقطع حبل حيرته.
ارتدى ملابسه، وسرح شعره بعناية، ثم وقف أمام مرآته يطالع انعكاس صورته. كان يتساءل:
"هل أظلمها معي إن تزوجتها لإرضاء خالي وأمي؟ هل فعلا تغيرت عن الماضي؟".
قطع حبل تفكيره صوت الأذان وهو يرتفع من المسجد المجاور،
"الله أكبر.. الله أكبر". تنهد دُريد بعمق، وشعر فجأة بسكينةٍ عجيبة غسلت اضطرابه. تجهز للذهاب لاداء الصلاة في المسجد.
خرج من غرفته بخطواتٍ واثقة، ليجد والدته "نعمات" تجلس في الصالة، تسبح في صمت وعيناها تراقب باب غرفته بترقبٍ لم تستطع إخفاءه. انتبهت لوجوده فكفت عن التسبيح، وظلت صامتة تنتظر مبادرته.
اقترب دُريد منها، وقبل رأسها في حنو، ثم جلس بجانبها وقال بهدوءٍ أثلج صدرها:
"توكلنا على الله يا أمي.. أخبري خالي أنني موافق، ونسأل الله أن يجعلها قدم الخير عليّ وعليكم."
اتسعت أسارير نعمات، ولهج لسانها بالدعاء وهي تضمه إليها:
"بارك الله لك يا بُني، وأقر عيني برؤية ذريتك.. لقد أزحت هماً ثقيلاً عن صدري، وخالك سيسعد بهذا الخبر كما لم يسعد من قبل."
ابتسم دُريد ابتسامةً باهتة تحمل في طياتها تسليماً للقدر، وبينما كانت والدته تهرع للهاتف لتزف الخبر لشقيقها، كان هو ينظر نحو الأفق، مدركاً أن فصلاً جديداً من حياته قد بدأ للتو، فتوكل على الله وذهب لاداء الفريضة.
***
كانت مها تجلس في ركن غرفتها، تتظاهر بالقراءة بينما كانت عيناها تائهتين بين السطور، وأذنها معلقة بصوت رنين هاتف والدها الذي لم ينقطع منذ صلاة المغرب. كانت تشعر بنبضات قلبها تتسارع مع كل ضحكة تصدر من والدها في الردهة، وكأنها تتنبأ بالخبر قبل وصوله.
دقائق وفتح الباب بهدوء، وأطل وجه والدها الذي كانت تعلوه ابتسامة عريضة لم تستطع التجاعيد حول عينيه إخفاء سعادتها. تجمدت مها في مكانها، وأنزلت الكتاب ببطء وهي تشعر بحمرة الخجل تغزو وجنتيها قبل أن ينطق بكلمة.
اقترب منها والدها، وجلس على حافة الفراش بجانبها، ثم ربت على يدها بحنو أبوي غامر وقال بنبرة تفيض فخراً:
"لقد اتصلت عمتكِ نعمات للتو يا مها.. دُريد وافق، وأعطى كلمته بالقبول."
سكتت مها تماماً، ونكست رأسها تنظر إلى أناملها المرتجفة، بينما أكمل والدها بصوت متهدج من التأثر:
"لا تعلمين مدى سعادتي بهذا الخبر يا ابنتي.. دُريد رجل ندر وجوده في هذا الزمان، وأنا لم أتمنَّ غيره زوجاً لكِ. لقد كنتِ دائماً قرة عيني، واليوم أطمئن أنني سأسلمكِ لمن يصونكِ ويقدر قيمتكِ."
خرجت منها همهمة خافتة مشوبة بالحياء:
"الخيرة فيما اختاره الله يا أبي.. بارك الله لك في عمرك."
نهض والدها وقبل جبينها قائلاً:
" سأذهب لأصلي المغرب وبعدها سأهاتف خالتكِ وأعمامكِ لنرتب موعد لعقد القران."
بمجرد أن أغلق الباب خلفه، أطلقت مها زفيراً طويلاً كانت تحبسه في صدرها. ارتمت فوق وسادتها، وسمحت لابتسامة رقيقة وادعة أن ترتسم على ثغرها.
لم تكن موافقة دُريد مجرد "زيجة صالحة" في نظرها، بل كانت إجابة لدعواتٍ خفية ناجت بها ربها في سجودهامنذ سنوات.. منذ موقفه الشهم تجاهها وبسالته التي غيرت افكارها بل وكانت سبب لهدايتها فيما مضى.
تذكرت وقاره وجفاءه العذب، وهدوء صوته الذي لامس قلبها، وشعرت برهبة جميلة تكتسح كيانها وهي تدرك أن اسم "دُريد" صار منذ هذه اللحظة مقترناً بمصيرها، وأن "الرؤية الشرعية" التي كانت تخشاها، أصبحت الآن أجمل ذكرى تؤرخ لبداية حلمها الصغير مع شيخها وحبيبها..وزوجها مستقبلا.
خلال الأيام التالية تم تحديد عقد قران مها ودُريد بعد أسبوع من الموافقة.
وسيتم زواجهم خلال الشهر حينما ينهي دُريد ما تبقى في منزل الزوجية الذي يجهزه من سنوات.
وكانت نعمات أكثرهم سعادة بهذه الزيجة الغالية على قلبها.. فلم تتوقف عن التجهيز لليوم الموعود رغم تحذيرات دُريد الحاسمة:
"عقد القرآن سيكون هادئ، العائلة فقط.. لا معازف ولا جلسات نميمة وتحدثي مع مها وأخبريها بهذا"
نقلت نعمات الكلمات لابنة أخيها بحذر، لكن رد فعل مها كان هادئاً كعادتها، بل ومبشراً؛ فقد كانت تدرك أن طريقها مع دُريد لن يكون مرصوفاً بمظاهر البذخ الجوفاء، بل بوقار الالتزام الذي جذبها إليه منذ البداية.
وفي يوم عقد القران، كان منزل العائلة يعبق بالسرور، وسط حضورٍ ضيق اقتصر على "العائلة" كما طلب دُريد. وبينما كان الرجال يجلسون في ردهة المنزل، كانت مها في غرفتها ترتدي ثوباً حريرياً باللون الأبيض العاجي، يخلو من أي زينة مبالغ فيها، لكن ملامحها المشرقة كانت تفيض بجمالٍ مُبهر.
دلف والدها إلى الغرفة ليأخذ توقيعها، وعيناه تلمعان بدموع الفرح التي لم تجف منذ الصباح. أمسكت مها بالقلم ويدها ترتجف قليلاً، ليس خوفاً، بل رهبةً من عظم الميثاق الذي ستبرمه الآن. وقعت باسمها، وشعرت حينها أن كل سنوات الانتظار والدعاء قد اختُصرت في هذه اللحظة.
خارج الغرفة، كان صوت المأذون يتردد بكلمات
"بارك الله لكما وبارك عليكما"، فتعالت الزغاريد الخافتة من النساء داخل الغرف، بينما كان دُريد يجلس بهدوئه المعهود، يصافح خاله بود، وإن كانت نظرات عينه تنطق براحةٍ لم يعتد إظهارها.
دخل دُريد إلى الغرفة حيث تجلس مها لتلبيسها الخاتم وسط زغاريد نساء العائلة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى صمت للحظات.. وصوت في نفسه يقول معجبًا
لقد نالت مها نصيبها من الجمال.. كانت تقف أمامه في خجل رقيق تسبل جفنيها أرضًا تخفي خلفهما سعادة تكاد تقفز منهما
اقترب منها بهدوء ووضع يده على رأسها متمتماً بدعاءٍ خفي، ثم نظر في عينيها وقال بصوتٍ رخيم يحمل دفء المودة:
"لقد أصبحتِ في ذمتي الآن يا مها.. أسأل الله أن أكون لكِ نِعم السكن، وأن تعينيني على طاعته."
رفعت مها عينيها إليه، وبصوتٍ يكاد يُسمع من شدة الحياء أجابت:
"بإذن الله يا دُريد.. الخيرة دائماً فيما اختاره الله لي بك."
انفضَّ الجمعُ الصغير، وانسحبت نعمات ورقية بذكاء، تاركتين دُريد ومها بمفردهما في شرفة المنزل المطلة على الحديقة الساكنة. كان الليل قد أسدل ستاره، ولم يكن يسمع سوى حفيف الأشجار وصوت دقات قلبيهما المتسارعة.
وقفت مها تتشبث بطرف خمارها العاجي، تنظر إلى الأرض، بينما كان عقلها يضج بمشاعر متضاربة؛ فبين فرحة تحقق الحلم، ورهبة الوقوف أمام "الشيخ" الذي صار زوجها، تاهت الكلمات منها.
أما دُريد، فقد وقف على بُعد خطوتين منها، يداه متشابكتان خلف ظهره بهدوئه المعتاد، لكن عينيه كانتا تحملان نظرةً دافئة، غريبة عليه، لم تعهدها مها فيه من قبل.
تطلع إليها طويلاً، كأنه يستوعب حقيقة أن هذه الفتاة الهادئة، التي رفضها لسنوات، قد أصبحت الآن شريكة دربه بكامل رضاه.
كسر دُريد الصمت بصوته الرخيم، الذي بدا أكثر هدوءاً ونعومة هذه المرة:
"مها.. ارفعي رأسكِ."
رفعت مها عينيها ببطء، وتلاقت نظرتهما في لحظةٍ بدت كأنها دهر. احمر وجهها خجلاً، وحاولت جاهدة أن تحافظ على ثباتها أمام نظراته التي كانت تخترق روحها.
ابتسم دُريد ابتسامةً خفيفة، لكنها صادقة، وتقدم خطوة نحوها قائلاً:
"أعلم أن هذا اليوم كان ثقيلاً عليكِ، وأن الالتزام بشروطي في عقد القران قد يكون حرمكِ من بعض مظاهر الفرح التي تتمناها أي فتاة.. لكنني أردت أن نبدأ حياتنا ببركةٍ لا تشوبها شائبة."
هزت مها رأسها نفياً، وأجابت بصوتٍ خافت يقطر صدقاً:
"لا تقل ذلك يا دُريد.. فرحتي اليوم لا تُقاس بمظاهر، بل بوجودك معي.. وبأن الله قد استجاب دعائي."
صمتت مها فجأة، مدركةً أنها أفصحت عن مشاعرها بأكثر مما ينبغي، فنكست رأسها مجدداً. فاجأها دُريد حين مد يده ببطء وأمسك بطرف كفها المرتجف، لم يضغط عليه، بل تركه يستقر في يده كعصفورٍ صغير يحتاج للأمان.
قال دُريد بنبرةٍ تحمل حزماً مدموجاً بالحنو:
"أمامنا شهرٌ واحد يا مها.. شهرٌ سأبذل فيه قصارى جهدي لأُنهي تجهيز بيتنا،. أريدكِ أن تعينيني على ذلك.. في الغد سأصحبكِ أنتِ ورقية لتشاهديه وتخبريني لو تريدين شيء معين.. كنت أجهزه لفترة طويلة ولا أدري إن كان سيعجبك"
نظرت مها إلى يده التي تحتضن يدها، وشعرت برعشة جميلة تسري في جسدها، ثم رفعت عينيها إليه وقالت في رقة ذوبت بقايا جموده: "سيعجبني إن شاء الله، لا داعي لتغيير شيء.. أمامنا العمر بأكمله لنفعل فيه ما نريد."
كانت نبرتها الخافتة حلوة كالعسل، لم تضبط فيها نفسها ولم تخفِ سعادتها الأنثوية بوجوده جوارها..فبدت لـ دُريد في تلك اللحظة أنعم من بتلات الورود، خاصة وهي ترمقه بتلك النظرة التي تمزج بين العاطفة الجياشة وإجلال التلميذة لشيخها.. نظرة جعلت قلبه، الذي اعتاد الثبات، يضطرب لأول مرة.
شد دُريد على يدها برفق، شعور غريب بالمسؤولية والرغبة في حمايتها اجتاحه، وهو يمنع نفسه الضعيفة من استغلال ما حلّ له في بداية الطريق، فالعاطفة التي ينشدها.. تكون عاطفة حرة، بين جدران بيته، وليست مسروقة مضطربة في شرفة منزل والدها.
أشاح بنظره عنها قليلاً نحو السماء، والابتسامة لا تزال عالقة في صوته وهو يتمتم في نفسه بيقين:
"اللهم بارك لنا.. واجمع بيننا في خير."
كان صمت المكان حولهما شاهداً على ولادة مشاعر غريبة ومفاجأة لدى دُريد، مشاعر جعلته يدرك أن بيته الذي يجهزه منذ سنوات، لم يكن ينقصه سوى "رقة" هذه الفتاة التي كان يرفض زواجه منها بكل قوة ..!
***
اذكروا الله
سبحان الله، الحمدلله، لا اله الا الله ، والله أكبر، وتبارك الله


تعليقات