رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الرابع 4 بقلم لبني دراز
ليست كلُّ الخيباتِ تُوجِع لأنها قاسية.. بل لأنها جاءت من حيث كان القلبُ مُطمئنًّا.
وفي لحظةِ انكسارٍ واحدة، يتعلّم الإنسان أنّ النجاة لا تكون في الهروب من الألم.. بل في وجودِ مَن يُهوّن وطأته، ويُعيد للقلب بعضًا من طمأنينته المفقودة.
تقى والمجهول بقلمي
طنطا_ بيت كريم
كريم بعد ما شاف تقى وهي بتترمي فـ حضن عبدالرحمن، حس فجأة بحاجة تقيلة ع صدره.. حاجة مش مفهومة بس وجعته، من غير ما يفكر لف وخرج جري من الشقة، وكأن المكان بيخنقه، نزل السلم بسرعة وهو بينط درجاته اتنين اتنين، ونَفَسه متلخبط، وعقله مش مستوعب هو زعلان ليه بالشكل ده،
دخل بيته، وطلع ع السطوح ع طول، فتح الباب بعنف وخبطه وراه، لدرجة ان الباب رد تاني وما اتقفلش، وابتدى يلف حوالين نفسه بخطوات سريعة متوترة، إيده فـ شعره بيشده بعصبية، وصوته طالع مخنوق:
ايه مالك؟ اتضايقت اوى كدا ليه؟ تعرف ايه انت عنها عشان تتشد لها بالشكل ده؟ أعقل يا كريم وركز فـ حياتك ومستقبلك وبس.
وقف لحظة، حط إيده ع السور، وغمض عينيه جامد بيحاول يطرد صورة تقى من دماغه وهي بتستخبى فـ حضن غيره، بس الصورة مش عايزة تختفي بالعكس دى بتزيد وبتوضح أكتر، فتح عينيه بسرعة واتنفس بعنف، وصدره بيطلع وينزل، وكل ما يحاول يهدى، حاجة جواه كانت بتو*لّع أكتر، عدّى وقت طويل وهو ع نفس الحال، لحد ما لمح عمر وحمزة طالعين السلم، خطواتهم تقيلة ووشوشهم متكهربة، وقف مكانه فجأة، وعيونه اتعلقت بيهم بلهفة وخوف:
مالكم في ايه؟ تقى جرالها حاجة؟
الاتنين بصوا لبعض وبعدين بصوا له، رفعوا حواجبهم باستغراب، وهزوا راسهم ومطّوا شفايفهم من غير ما يتكلموا.
كريم اتحرك ناحيتهم بسرعة، ووقف قدامهم، وصوته طلع حاد بعصبية: ما تنطقوا.. في ايييييه؟ تقى جرالها اييييه؟
عمر قرب خطوة من كريم، ووقف قدامه ثابت وهو باصص له بنظرة اندهاش ممزوجة بعتاب، حاطط إيديه فـ جيوبه، وخرجت منه تنهيدة خفيفة بيكتم بيها غضبه، وبنبرة صوت واطية لكن قاسية ومليانة لوم:
من أمتى يا دكتور بتسيب المريض بتاعك وهو محتاجلك وتمشي؟ هى دي أخلاق الدكاترة؟ هو ده القَسم اللي انت أقسمته؟.
سكت لحظة، أخد نفس قوي يجّمع كلامه، وخرّجه بسرعة، وبعدين كمل بنفس النبرة الحادة:
مشيت ليه يا كريم وسِبت تقى وهي محتاجالك؟
كريم غمض عينيه بقوة، وملامح وشه بان عليها الوجع، وشفايفه ارتعشت قبل ما يتكلم، ورد بصوت مكسور طالع بالعافية:
ما قدرتش يا عمر.. ما قدرتش اشوفها بتترمي فـ حضن واحد تاني يطمنها، وانا قاعد جنبها.. انا اللي كنت أولى بالحضن ده، انا اللي أطمنها مش هو.
حمزة اتصدم وعينه وسعت فجأة، وقرب منه بسرعة، ومد إيده شدّه من هدومه بعنف، وانـfـجر فيه زى البر*كان :
انت جراااالك اييييييه؟ من أمتى وانت بتفكر بالطريقة ديييي؟ من أمتى وانت بتتخلى عن واجبك يا دكتووور؟ وعشان مييييين، عشان واحدة حبيتها من غير ما تعرف عنها حاجة؟ أعقل بقى، وارجع كريم اللى كلنا نعرفه.. كريم اللى بيضحي بوقته وراحته عشان المرضى بتوعه مهما كان اللى بينهم.
كريم كان واقف ساكت وسايب نفسه فـ إيد حمزة، ومستسلم لهجومه عليه.
عمر دخل بينهم بسرعة، مسك إيد حمزة وفكها عن كريم بهدوء، وبص له بنظرة أهدى، وصوته بقى ألين:
يا كريم يا حبيبي.. واضح ان البنت عندها مشاكل فـ حياتها، وأكيد هتحتاج اللي من دمها هو اللي يطمنها، مش أي حد تاني.. فطبيعي جدا لما تلاقي حد من أهلها موجود فـ وقت إحتياجها، انها تترمى فـ حضنه عشان تطمن، ده غير بقى انك أصلا ما تعرفهاش كويس ولا تعرف عنها حاجة، ولا هي حتى تعرفك عشان تترمي فـ حضنك انت.
وبص لـ حمزة بنظرة سريعة عشان يأكد ع كلامه:
ولا انا بتكلم غلط يا حمزة؟
حمزة سحب نفس طويل، بيهدّي نفسه بالعافية، وحط إيده ع كتف كريم وضغط عليه بخفة:
رغم اني ما ارتاحتش للواد ده من أول ما دخل.. بس عمر بيتكلم صح يا كيمو، انت مشيت وما شوفتش اللى حصل بعد كدا.
كريم فتح عينيه بسرعة، وبص لهم بقلق واضح:
ايه اللي حصل؟ والواد ده يقرب لها ايه اصلا؟
عمر رد بهدوء وهو ثابت فـ مكانه: ابن عمها.
الكلمة نزلت ع كريم تقيلة.. كأنها حجر نزل ع راسه مرة واحدة، رمش بعينه ببطء، ونَفَسه اتقطع لحظة، وملامحه اتبدّلت بسرعة، لكن سكت، لا علّق ولا اتحرك، بس عينه فضلت متعلقة بـ عمر مستنيه يكمل.
عمر لف وشه ناحية حمزة لحظة، ورفع حاجبه باستغراب خفيف، وكمل:
غريبة.. وانا برضو ما ارتحتلهوش.. بس من الواضح انهم قريبين من بعض جدًا.
كريم فضل باصص لـ عمر بتركيز وقلق باين فـ نبرته:
طب ايه اللي حصل؟.
عمر أتنهد تنهيدة خفيفة، وبص له لحظة قبل ما يكمل، وحرّك إيده حركة بسيطة وهو بيحكي له، وبنبرة صوت هادية بس فيها جدية:
اللي حصل، ان الواد ده جاتله مكالمة بعد ما سيادتك هربت، من واحد اسمه شريف، ظابط، والواضح من الكلام انه قريبهم برضو، تقريبا كدا ابن عمتها، ومن خلال المكالمة اتقال اسم سليم.
كريم ملامحه اتوترت وهو بيسمع، وضيّق عينه بتركيز بيحاول يفهم.
عمر لاحظ توتر كريم، فكمل وهو مركز معاه:
ده غالبا الشخص اللى كان بيكلمها قبل ما تقع من طولها، لأنها اول ما سمعت اسمه انهارت أكتر واستخبت جوة حضن ابن عمها أكتر، وما هديتش الا لما قالها انه هيفضل جنبها ومش هيسيبها.
كريم قاطع عمر بعصبية، وصوته خرج من بين أسنانه بضيق مكتوم:
يعني ايييه؟ يعنى هو معاها دلوقتى لوحدهم؟
رد حمزة من غير تردد، وهو واقف مكانه:
ايوا يا كريم.. قاعدين لوحدهم.
الكلمة كانت كفيلة انها تشـ*ـعلل غيرة كريم، فاتحرك فجأة ناحية سور السطح، خطواته سريعة وعصبية، صدره طالع نازل، ونَفَسه متلخبط كأنه بيحاول يهرب من حاجة جواه مش قادر يسيطر عليها، وضغط بإيده ع السور بقوة وهو بيميل شوية لـ قدام، عينه اتعلّقت ناحية بلكونتها، وفجأة جسمه كله اتجمد مكانه، شافها خارجة من البيت وماشية جنب ابن عمها وهو ماسك إيدها لحد ما وصلوا للعربية، شافه وهو بيفتح لها الباب يدخّلها، وقفله بهدوء، وبعدها لفّ وركب جنبها من الناحية التانية والعربية بتتحرك وتبعد عن البيت، كريم اتنفس بصعوبة، ووشه ولـ*ـع من الغيظ، ولف بجسمه بعصبية، وبص لـ عمر وحمزة وبنبرة غضب:
اتفضلوا شوفوا؟! الهااانم اللى كان مغمى عليها وهى خارجة مع البيه ابن عمها وهى لسة تعبانة.
عمر ما قدرش يمسك نفسه.. ضحك بعلو صوته، وهو بيهز راسه بيأس من صاحبه:
وربنا انت ما طبيعي.. يا بني آدم!
وارد انه يكون واخدها عند دكتور عشان يطمن عليها.. لان حضرتك مشيت قبل ما تطمنه.
حمزة ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها استغراب من عصبية كريم، وهو بيحاول يهدّي الجو بنبرة هادية:
وارد جدا.. ووارد كمان انه يكون قاصد يخرج معاها عشان يتكلموا براحتهم من غير ما حد يزعجهم.
كريم بص لـ حمزة بعصبية، حاجبه اترفع بحدة، وعينيه لمعت بنفاد صبر، وبنبرة صوته كلها نرفزة:
ومين اللي هيزعجهم بقى ان شاء الله يا أستاذ حمزة؟!
عمر ضحك أكتر:
مش بقولك انت ما تعرفش حاجة.
كريم بضيق:
فاضل ايه تاني يا زفت لسة ما قولتهوش؟
حمزة ضحك وهو بيقرب من كريم وبيشاور ع عمر ومن بين ضحكه:
امه وحماته.. قرروا يا عيني انهم يفضلوا طالعين نازلين يبدّلوا عليهم عشان ما يقعدوش لوحدهم، فتلاقي الواد يا ضنايا اتخنق قال ياخدها من قصيرها ويخرجوا لحد ما الناس دي تنام ويرجعوا.
الشباب سكتوا فجأة، وساد سكون خفيف بعد الضحك اللى ضحكوه سوا، لكن جوة كريم كان فيه عاصفة مش بتهدى، وقف مكانه، ولفّ تاني بجسمه ناحية الشارع وعينيه اتعلّقت بـ الطريق اللي اختفوا فيه، ضربات قلبه بتزيد بشكل رهيب، أنفاسه مش مظبوطة، وفيه حاجة خانقاه مش قادر يفهمها، إيده اتحركت بعصبية ومسح ع شعره، ولف وشه الناحية التانية، بيهرب من فكرة مسيطرة عليه، بس رجع يبص تاني غصب عنه.. مش عارف هو زعلان ولا متضايق ولا دي غيرة،
كل اللي عارفه وحاسس بيه إن قلبه مش سايب له فرصة يفكر بعقله.
__________________________
القاهرة_ بيت منصور الراوي
شقة محمود نفس الوقت
بعد ما نزل محمود من عند زيدان هو وزينب، دخل شقته ويا دوب لسة بيقفل الباب وراه، اتفاجئ بسليم قاعد ع الكنبة اللي فـ الصالة، ممدد رجليه براحة، لابس الترينج، وعينه فـ التلفزيون مش شايل هم حاجة، وقف لحظة مكانه، رمش بعينه باستغراب، وبص لـ سليم بنظرة فيها تساؤل:
الله؟! انت مش نازل المكتب ولا ايه؟
سليم لف وشه لـ ابوه ببطء، حاجبه اترفع، وبص له بنظرة اندهاش خفيفة، وبنبرة استغراب:
جرا ايه يا حاج؟! انت ناسي ان النهاردة الخميس ومافيش مكتب؟
محمود خبط بكف إيده ع جبهته بخفة:
أخ، تصدق نسيت! من كتر ما هي الأيام بقت شبه بعضها، بقيت ما اخدش بالي منها.
سليم ابتسم ابتسامة جانبية، وهو بيميل بجسمه لـ قدام شوية، وبص لـ أبوه بنظرة فيها مكر خفيف:
قصدك من وقت ما سبت وظيفتك يا حاج محمود وقعدت قصاد محلات عمي منصور، الله يرحمه.
زينب دخلت ورا محمود، وقعدت جنب سليم ع الكنبة، بإرتياح واضح، ومدت إيدها تطبطب ع رجله بحنية، وعينيها بتلمع بخبث وهي بتتكلم:
خدنا منها ايه الوظيفة يا قلب امك؟! ده لولا الشهرية اللي كان عمك منصور الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللى تحت راااسه، عاملها لـ ابوك، ما كناش عرفنا نأكلكم ولا كنت عرفت انت واخواتك تكملوا تعليمكم.
سليم بص لها باستغراب واضح وميّل راسه شوية ناحية اليمين ورفع حاجبه الشمال، وهو بيبتسم ابتسامة سخرية:
الله؟! بقيتي تترحمي ع منصور يعني يا زينبو.
زينب جزّت ع أسنانها، وبصت له بغيظ، وردت بعصبية:
وما اترحمش عليه ليه يا ابن بطني؟ مش سلفي، اللى عشنا فـ خيره وهو عايش، وهنعيش ونتنعم بالخير اللى سابه وورثناه إحنا بعد موته؟
سليم رجع بضهره للكنبة، وهز راسه بسخرية وهو بيتمطع شوية:
هأ، من أمتى يا زينب؟ مش هو ده اللي كان فاكرنا شحاتين وكل شهر يرمي لنا قرشين، والعز كله لـ جليلة وتقى؟
زينب وقفت فجأة، ووشها احمر من الغيظ، ومشيت ناحية المطبخ بخطوات سريعة وهي بتطوح إيديها بعصبية:
وبعدهالك يا واد انت؟ هتمسك لي ع الواحدة ولا ايه؟ ما كانتش كلمة قولتها ساعة غضب.
سليم رجع بضهره لورا، وهو متابعها بعينه، وابتسامة تريقة اترسمت ع ملامحه، وبنبرة خبث:
هى اتقالت فـ ساعة غضب برضو يا ست الكل؟ ولا ساعة حقد ع جليلة وبنتها؟
محمود قرب وقعد ع الكنبة التانية قدام سليم، رفع رجل فوق الكنبة، وساب التانية ع الارض، بنبرة كلها نشوة:
مش مهم اتقالت امتى يا سليم، المهم انهم كلهم غاروا خلاص واحنا اللي خدنا كل حاجة فـ الأخر وهنعيش ونتمتع باللي اتحرمنا منه طول عمرنا.
سليم بص له بنص عين، وابتسامة خفيفة مليانة استهزاء اترسمت ع وشه:
ده انت اتاريك شايل ومعبي يا ابو سليم.
وبعدين انتبه ان الاتنين كانوا داخلين من باب الشقة وهما بهدوم البيت، اتعدل فـ قعدته شوية، وضيّق عينه وهو بيبص لهم باستغراب:
انتوا خدتوني فـ دوكة، كنتوا فين كدا انتوا الاتنين؟
محمود رد وهو بيعدل قعدته:
كنا فوق عند عمك.
سليم حط رجل ع رجل وسند كوعه ع ركبته وهو بيهرش فـ دقنه بصوابعه وبيبص لهم بتركيز وبنبرة استفسار:
خير؟ في حاجة جديدة حصلت ولا ايه؟
زينب رجعت بضهرها لورا وميّلت راسها من المطبخ، وردت بسرعة كأنها مستنية السؤال ده:
طلعنا عشان نشوف حل لـ مشكلة الفلوس اللي في البنك.
سليم بص لـ أمه وابتسم ابتسامة باردة وبنبرة استهزاء:
ولاقيتوا حل بقى ان شاء الله؟!
محمود اتكلم بثقة واضحة:
اه، هنقول لـ سيد جوز عمتك يجيب صورة بطاقتها وكل الورق اللي عايزينه، ونرميله مبلغ يحل بيه عننا.
سليم ضحك باستهانة، وهز راسه ببطء وهو بيرمي عليهم نظرة تقليل جارحة، وصوته خرج قاطع ومليان غرور وتكبر:
طب ما انا عارف، وهو ده اللي كنت هعمله.
قام وقف مرة واحدة، وبصّ لـ أبوه بنظرة ثابتة فيها سيطرة واضحة، وبعدها لفّ ومشي ناحية أوضته بخطوات واثقة، وصوته خرج بنبرة أمر من غير نقاش:
انا هدخل أجيب غيار وادخل الحمام أخد دش، وع ما اطلع تكون اتصلت بعمي وجوز عمتي، خلّيهم ينزلوا.
بالفعل مسافة ما سليم خلص الشاور وخرج وهو لسه بيعدل هدومه، سمع جرس الباب بيرن، وقف لحظة مرر إيده فـ شعره المبلول وبعدها اتحرك ناحية الباب وهو حاطط الفوطة ع كتافه وبينشف شعره بطرفها بعشوائية، فتح الباب بأهمال وأول ما عينه وقعت عليها سكت لحظة بس ملامحه ما اتغيرتش، ساب الباب مفتوح ولف ضهره ودخل من غير ما يستناها حتى تعدي.
فدوى وقفت ثانية مكانها، عينيها اتعلقت بيه بتتابع تفاصيله، قطرات المية اللي بتنزل من شعره ع رقبته وكتفه، طريقته وخطواته الهادية والواثقة، ابتسمت بإعجاب واضح، ودخلت وراه وهي بتقول بنعومة:
ازيك يا سليم.
سليم وقف لحظة، لف لها وشه ببطء وعينه عدت عليها من فوق لتحت بنظرة استعلاء، ورد ببرود:
أهلا.
بصت له بغيظ وسرّعت خطوتها وراه، قربت منه وهمست بعصبية:
ايه اهلا دي؟ هى دي مقابلة برضو تقابل بيها عروستك المستقبلية يا سليم؟ ده بدل ما تقول وحشتيني يا روح قلب.....
قبل ما تكمل إيده اتحركت فجأة، مسك دراعها وشدّها عليه بقوة لحد ما بقت قريبة منه جدًا، ووشه بقى قدام وشها مباشرة وصوته خرج واطي، طالع من بين أسنانه:
بت انتي، فكك من حوار وحشتيني ده، إحنا الاتنين عارفين كويس اوي انها جوازة مصلحة، عشان طمع أهالينا فـ التركة اللى ورثناها، فبلاش نعملهم ع بعض، مفهوم يا قطة؟
سابها فجأة لدرجة انها كانت هتقع ولفّ مشي ناحية الكنبة وقعد عليها، فرد رجله وسند دراعه ورا راسه، مستني عمه وجوز عمته وكأنها لا تعنيه بالمرة.
فدوى بصت له لحظة، الغيظ والخبث باينين فـ عينيها بس حاولت تداريهم بسرعة، عدلت نفسها وقربت منه تاني وقعدت ع الكرسي اللي جنبه بدلع مصطنع ومالت ناحيته حطت إيدها ع إيده:
هو انا يعني يا سولي ماليش نفس اتدلع شوية واحس اني مخطوبة؟ ولا ما اشبهش يعني اللى ما تتسمى، خطيبتك الأولانية؟
سليم بص لـ كف إيدها اللي فوق إيده وشالها بإيده التانية بهدوء، وبعدين رفع عينه لها ببطء وبنظرة باردة ونبرة واطية بس حادة:
لأ، ما تشبهيش يا فدوى.
الكلمة كانت قاسية ع فدوى، بس رفعت راسها بسرعة وعينيها لمعت بحدة، وبحاجب مرفوع ونبرة غيظ:
وما اشبهش ليه ان شاء الله يا سليم؟ ناقصني إيد ولا ناقصني رجل؟.
سليم مال بجسمه لـ قدام شوية، وهو بيحط كوعه ع ركبته وصوته خرج هادي بس قاطع:
ناقصك عقل يا فدوى.
فدوى بصت له بنظرة Nـارية، عينيها ضاقت وملامحها اتشدت، رفعت دقنها لفوق بتحدي وصوتها عِلي فجأة بنبرة مليانة غيظ:
ليه؟ شايفني بشد فـ شعري ولا بقطع فـ هدومي يا سليم؟
سليم اتعدل فـ قعدته بهدوء متعمد، رجع لورا وسند ضهره ع الكنبة براحة مستفزة ولف وشه ناحية التليفزيون مش مهتم بعصبيتها، عينه ثابتة ع الشاشة ورد ببرود:
تقى ما كانتش تعرف نيتنا من ورا الخطوبة، عشان كدا كانت لازم تدلع وتسمع أحلى كلام يخليها تبقى زي الخاتم فـ صباعي، انما انتي..
لفّ وشه ناحيتها ببطء وعينه لمعت بنظرة استفزاز واضحة، رفع حاجبه بخفة وهو بيكمل بنبرة واطية كلها استهزاء:
سمّوية زينا وعارفة اللى فيها، فـ مالوش داعي المحن والنحنحة ياااا بنت عمي، سوري.. قصدي يا زوجتي المستقبلية.
لفّ وشه ناحية التليفزيون مرة تانية وابتسامة مكر جانبية ظهرت ع شفايفه، وهو بيبص لها بطرف عينه من غير ما يلف وشه ناحيتها، عدّت لحظات قصيرة وبعدها سمعوا صوت حركة ع السلم وباب الشقة اتفتح، دخل زيدان وفوزية وسيد جوز حنان، سليم اتعدل فـ قعدته وبص لهم ببرود، وبعد ما قعدوا ومعاهم محمود وزينب، بدأوا يتكلموا مع بعض عشان ينفذوا خطتهم اللى هياخدوا بيها الفلوس من البنك.
_________________________
طنطا_بيت تقى
بعد ما نزلت أم عمر والشباب، واتقفل الباب وراهم، سكتت الدنيا فجأة، تقى ما قدرتش تتمالك نفسها وانهارت أكتر، فضلت فـ حضن عبدالرحمن كأنها بتدور ع الأمان اللي ضاع منها، عياطها خرج مكتوم الأول وبعدين انـfـجرت مرة واحدة، دموعها السخنة وشهقاتها المتقطعة خلّت جسمها كله بيتهز بين إيديه.
عبدالرحمن حاوط عليها بدراعه أكتر، حضنها بقوة كأنه بيحاول يلمّ شتاتها بين إيديه ويحميها من العالم اللي حواليها، سابها تعيط من غير ما يقاطعها، إيده بتتحرك ع ضهرها ببطء بيحاول يهون عليها من غير كلام وعينه مليانة وجع مش أقل من وجعها ومع كل شهقة منها، قلبه كان بيتقطع، عجز غريب مسكه وغضب مكتوم بيغلي جواه، قرب وشه منها شوية وصوته خرج مبحوح وحنون فـ نفس الوقت:
خلاص يا قلبي، اهدي بقى وبطلي عياط، انا هنا جنبك ما تخافيش وصدقيني هجيبلك حقك منهم كلهم.
تقى بدأت تهدى واحدة واحدة، أنفاسها متقطعة كأنها بتهرب من كابوس تقيل، شهقاتها بتطلع من صدرها بالعافية، رفعت وشها له ببطء وعيونها مليانة وجع ما يتوصفش وبنبرة صوت مخنوق ومكسور:
قلبي واجعني اوي يا عبده.. ليه عملوا فيا كدا؟ كسروني ليييه؟ انا كنت همشي والله من نفسي.. واسيب لهم كل حاجة.. ما كنتش هستحمل اقعد فـ البيت لوحدي من غير بابا وماما.. ما صبروش عليا ليه يا عبدالرحمن؟ لييه؟ عملت لهم ايه عشان يعملوا فيا كدا؟ يرمولي هدومي وحاجتي من البلكونة بالشكل ده ليييه؟
كل كلمة كانت بتخرج منها كأنها خنا*جر بتقطع فيه، إيديها كانت بترتعش وهي ماسكة فيه خايفة يختفي لو سابته لحظة ودموعها نازلة من غير ما تقف، وفجأة جسمها كله اتنفض بين إيديه وصوتها عِلي مرة واحدة، وانـfـجرت وهي بتصرخ جوة حضنه:
كل ده عشان ايييييه؟ الفلوووس؟! المحلاااااات؟! البييييييت؟! ما هم كدا كدا هياخدوا كل حااااجة.. خلاااااااص الطمع والجشع عمى قلوبهم لدرجة تخليهم ما يصبروش حتى النهار يطلع، ما يصبروش عليا أخد عزا ابويا وأمي اللى راحوا ورا بعض فـ نفس الساعة وسابوني لوحدي فـ دنيا ما بترححححمش.
عبدالرحمن غمّض عينيه لحظة، يحبس الغضب جواه، دفن وشها فـ صدره وحاوطها بدراعاته بقوة أكبر،
اتنهد تنهيدة تقيلة وخرجها من حضنه، مسك وشها بين إيديه بلين، بص لها بنظرة عين مليانة وجع ونبرة صوته كلها غيظ وغضب:
صدقيني هحاسبهم كلهم ع اللى عملوه فيكي يا نور عيني.
تقى بصت له وعينيها وارمة وبتلمع بالدموع، وشفايفها بترتعش وهي بتسأله بصوت مهزوز:
هتقف قصاد أهلك عشاني يا عبدالرحمن؟
عبدالرحمن ما اترددش لحظة، ابتسم ابتسامة حزينة ورجع شدها لـ حضنه وباس جبينها بحنان:
وأقف قصاد الدنيا بحالها عشانك، وأضحي بروحي كمان يا تقى ولا إني اشوف دمعة واحدة تنزل من عيونك الحلوين دول يا حبيبتي.
تقى غمضت عينيها، واتنهدت بوجع، صوتها خرج مكسور ومرهق:
انا مش عايزاك تقف قصادهم، ولا تحاسبهم، وصدقني مش عايزة منهم حاجة، بس عشان خاطري ما تسبنيش لوحدي زيهم، انا ماليش غيرك دلوقتي يا عبدالرحمن.
عبدالرحمن هز راسه بالنفي بسرعة، وعينه فيها وعد واضح رغم الحزن اللي مغطيها:
عمري ما هسيبك تاني ابدا يا غالية.
وبحركة هادية، قام وقف ومسك إيدها يساعدها تقوم وحاول يخلي صوته أهدى شوية عشان يطلعها من الحالة اللي هي فيها:
يلا قومي غيري هدومك عشان اخدك افسحك أحلى فسحة زى زمان، بس قبلها هنروح لدكتور عشان نطمن ع الجميل اللي وقع من طوله ده، قولتي ايه؟
تقى هزت راسها ببطء وسابت إيده ودخلت أوضتها بخطوات تقيلة، كل خطوة فيها تعب ووجع.
أما هو فضل واقف مكانه، عينه متعلّقة بباب الأوضة بعد ما اتقفل، ملامحه اتغيرت فجأة.. الحنان اللي كان مالي عينه من لحظات، انسحب وساب مكانه قسوة مكتومة، وفكه اتشدّ بقوة لدرجة إن عضلات وشه برزت، إيده انقبضت من غير ما يحس وصوابعه اتقفلت كأنها بتكتم حاجة جواه هتنـfـجر، نفسه بقى تقيل وبياخده بالعافية، اللى جواه ماكانش مجرد غضب.. ده بر*كان بيتكوّن من الظلم والقهر اللي اتعرضت له تقى، غضب من ناس بدل ما يكونوا ظهر وسند ليها، كانوا أول إيد اتمدت عليها وأول حد كسرها من غير رحمة، غمض عينه لحظة.. بيحاول يلم نفسه فيها قبل ما ينـfـجر، بس الهدوء اللي بان عليه ماكانش غير ستار وراه نا*ر لو خرجت هتحـ*ـرق الكل.
خرجت تقى من الأوضة بخطوات تقيلة ووشها لسة عليه أثر العياط والتعب وقفت قدامه لحظة، بصت له بنظرة موجوعة ومرهقة وصوتها خرج واطي ومكسور:
أنا جاهزة يا عبده.
عبدالرحمن رفع لها عينه وملامحه لانت فورًا وابتسامة هادية طلعت ع وشه وهو بيقرب خطوة منها، ومد لها إيده بحنان وبخفة دم متعمدة:
قلب عبده من جوة، تسمح مولاتي إنها تتعطف وتتكرم وتخرج مع العبد الفقير فـ نزهة صغنونة قد كدهو؟
تقى بصت لـ إيده شوية وبعدين بصت له، واترددت بين وجعها ومحاولتها انها تسايره، وفـ الآخر ابتسامة خفيفة طلعت بالعافية ع شفايفها، هزت راسها وهي بتحاول ترد عليه بنفس الأسلوب:
موافقون.. لقد تعطفنا وتكرمنا وأنعمنا عليك بتلك النزهة أيها العبد.
ضحك عبدالرحمن بصوت عالي، ضحكة طالعة من قلبه، وقرب منها أكتر وبلطف حط دراعها فـ دراعه وسندها وهو بيتمشى بيها ناحية باب الشقة:
الله أكبر.. يا سعدي يا هنايا، مولاتي الأميرة تقى قبلت تخرج معايا.. يا بركة دعاكي يا فوزية.
تقى وقفت فجأة ورفعت حاجبها بغيظ مصطنع، ولفّت وشها كأنها راجعة:
لاااا.. طالما فيها فوزية يبقى مافيش خروج.
وقبل ما تاخد خطوة، عبدالرحمن كان شدها بخفة وهو بيضحك، ونبرته فيها دلع وهزار:
لا يا بطة مافيش رجوع.. الحكم صدر والفسحة واجبة التنفيذ وع المتضرر التجول فـ الفضاء.. يلا ياختي قدامي، قال مافيش خروج قال.
ومسك إيدها بثبات أكتر، بيشدّها ناحيته مش بس جسم لكن روح كمان، يطمنها من غير كلام ويأكد لها إنها مش لوحدها حتى لو الدنيا كلها سابت إيدها.. هو ماسكها كويس، هيفضل سندها طول عمره، ومش هيسيبها لحظة لحد ما ترجع تقف تاني ع رجلها.
________________________
فـ اسكندرية_ مكتب شريف
بعد ما قفل شريف المكالمة مع عبدالرحمن، فضل ماسك الموبايل فـ إيده ثواني زيادة وهو بيبص ع شاشته، كأنه مستني حاجة تانية تتقال وما اتقالتش، نزّل إيده ببطء وسند ضهره ع الكرسي، وشرد فـ تقى، وكل تفكيره رايح لها: يا ترى هي فين؟ وحصل لها ايه؟
مرر إيده ع شعره بتوتر خفيف، واتنهد بهدوء بس القلق كان واضح فـ ملامحه.
باب الأوضة اتفتح، ودخل رشاد بخطوات عادية، وقف قدامه شوية وهو بيتكلم، لكنه سكت لما لاحظ شرود شريف، قرب منه وشاور بإيده قدام عينه:
هيييي، رُحت فين كدا يا قائد؟
شريف انتبه فجأة، رفع عينه بسرعة كأنه خرج من دوامة، وبص له باستغراب:
رشاد؟! انت هنا من أمتى؟
رشاد ضحك باستغراب، وقعد قدامه:
هنا من امتى!! لااا، ده انت مش هنا خاااالص، انا بقالي نص ساعة يا باشا بتكلم مع سيادتك وانت ولا انت هنا، مالك؟
شريف سكت لحظة، بص بعيد، وبعدين غمّض عينه واتنهد تنهيدة تقيلة، حاول يخفف بيها اللي جواه.
رشاد لاحظ، ومال عليه شوية بنبرة فيها قلق:
يا ستار! ايه يا ابني التنهيدة دي؟ فيك ايه؟ احكيلي.
شريف فتح عينه، وصوته خرج هادي وكله شجن:
تقى يا رشاد، من يوم موت خالي منصور ومش عارف عنها اي حاجة.
رشاد اتعدل فـ قعدته وبقى مركز:
مين تقى دي بقى؟ وايه علاقتها بخالك؟
شريف بلع ريقه، وبص له بنظرة فيها وجع مكبوت:
تقى تبقى بنته، ومن يوم موته هو ومراته، أخوالي محمود وزيدان طردوها فـ نفس اليوم عشان الفلوس والمحلات والمصنع اللى سايبه.
رشاد اتفاجئ، وعينه وسعت:
يا ستار، هو في ناس كدا؟! يطردوا بنت أخوهم عشان الفلوس؟!"
شريف هز راسه ببطء، ونفسه بقى تقيل ونبرة صوته كلها وجع:
ومش بس كدا يا اخي، دول طردوها فـ عز الليل والبرد ما استنوش عليها حتى للصبح، واللى هيجنني اني مش عارف عملوا كدا ليه!
رشاد باستفسار:
طب انت ما سألتهمش او سألت والدتك ليه؟
شريف رد بسرعة، بنبرة فيها ضيق:
فكرك يعني ما سألتش أمي؟!
رشاد:
طيب ردها كان ايه؟
شريف بص فـ الأرض لحظة، وبعدين كمل بهدوء:
قالتلي الطمع فـ مال اليتيم يعمل أكتر من كدا.
رشاد اتنهد بضيق:
لا حول ولا قوة إلا بالله، بقى يرموا لحمهم فـ الشارع عشان الفلوس؟! يا اخي ملعونة الفلوس اللى تخلي الضفر يطلع من اللحم بالشكل ده.
وبعدين هرش فـ شعره بتفكير:
طب انت ليه ما حاولتش تمنعهم؟
شريف هز راسه ببطء وعينه لمعت بضيق مكتوم، وهو بيحاول يتحكم فـ صوته من القهر والعجز اللى ماليه:
امنع مين؟ أخوالي؟ دول ما يقدرش عليهم غير صاحب القدرة، وبعدين أصلا ع ما عرفت بخبر وفاة خالي ومراته وعرفت اعمل أجازة وانزل من الوحدة، كانت خلاص كل حاجة خلصت، ووصلت متأخر وهى بتلم حاجتها وماشية.
رشاد:
طب ليه ما بتنزلش تدور عليها بدل ما انت قاعد تندب حظك هنا؟
شريف سكت، وبص للفراغ قدامه وصوته خرج أهدى:
مش قادر يا رشاد انزل وهي مش فـ البيت، مش متخيل هدخل ازاى وهي مش فيه، ولا صوت ضحكتها وغناها اللى بيملاه من اوله لأخره حياة، ولا استقبالها ليا وهى مستنياني فـ المدخل بابتسامتها واغنيتها العجيبة اجمل من فـ البيت مييين الظبوطة شرييف وهى بتجري عليا تاخدني بالحضن.
رشاد بص له شوية بتركيز وسأله:
انت بتحبها أوي كدا؟
شريف ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة:
الكلمة دي ما تجيش حاجة من اللي فـ قلبي يا رشاد، رغم اني عارف انها بتعاملني زي اخوها وبتحب سليم ابن خالي محمود وكانت مخطوبة له.
رشاد باستغراب:
لأ افهم بقى، يعني ايه بتحبه وكانت مخطوبة له؟
ملامح شريف اتغيرت فجأة، وصوته خرج مليان غضب وغل مكبوت:
البيه وقف مع ابوه وعمه ووافقهم فـ اللى عملوه وساعدهم يطردوها بعد ما فسخ الخطوبة، رغم انها كانت سبب سعده ونجاحه وكانت سبب نقلته من مكتبه الحقير اللى كان فـ الحارة للمكتب اللى هو فيه دلوقتى.
سكت لحظة، وبعدين اتنهد بحزن:
حاسس بالعجز يا رشاد ومش عارف اعمل ايه، لا انا قادر انزل وهى مش فـ البيت، ولا عارف اقعد هنا من غير ما اعرف طريقها، وحتى لو نزلت عشان أدور عليها مش عارف أدور فين، ده حتى عبدالرحمن مش عارف يوصلها وهي كأنها فص ملح وداب، وقفلت كل حاجة ممكن توصلّنا بيها.
رشاد هز راسه بتفهم:
بصراحة حقها يا شريف، بعد اللى عملوه فيها أعمامها وخطيبها طبيعي انها تقطع عليكم اى طريق يوصلكم ليها.
سكت شوية، وبعدين كمل:
لازم تنزل أجازة يا شريف تغير جو الكتيبة ده، انت قربت ع الشهر ما بتنزلش، يا أخي ع الأقل تشوف والدتك وتطمن عليها وتطمنها عليك.
شريف لف وشه بعيد، وغمض عينه يحبس دموعه، وهز راسه بالرفض:
لأ مش نازل يا رشاد، وأمي انا بكلمها كل يوم اطمن عليها.
رشاد هزّ راسه ببطء ملامحه كلها قلق ويأس، وبص لـ شريف نظرة طويلة فيها عجز عن إنه يخفف عنه، اتنهد بهدوء ولفّ ومشي ناحية باب المكتب فتحه وخرج من غير ما يقول كلمة، وسابه غرقان فـ أفكاره اللي باين إنها بتسحبه لبعيد.
________________________
طنطا_ فـ المول
بعد ما خرجت تقى مع عبدالرحمن، أخدها فـ عربيته وساق بيها بهدوء، عينه بتروح لها كل شوية يطمن عليها، وهي ساكتة، ملامحها مرهقة وعينيها لسة فيها أثر العياط، راحوا للدكتور، وقضوا وقت قليل هناك ولما خرجوا كانت خطواتها أهدى شوية، لكن التعب لسة باين عليها
وهما نازلين عبدالرحمن وقف قدامها، ابتسم ابتسامة صافية ومد لها إيده بنعومة وبنبرة هادية:
تعالي بقى نروح نعمل شوية شوبينج.. سمعت ان في مول هنا انما ايييه طلللقة، كل الحبّيبة بيروحوه، ايه رأيك؟
تقى بصت له برفعة حاجب، وبنبرة استغراب:
والله، وده عرفته ازاي بقى يا سي عبده؟
عبدالرحمن ضحك بخفة وهو بيقرب يفتح لها باب العربية، ونبرة صوته فيها هزار بيحاول يخفف عنها:
لا ما انا أصلا صايع قديم، وعارف زخانيق طنطا، زخنوق زخنوق.
تقى ركبت العربية، ورغم وجعها ضحكت غصب عنها ع تعبيرات وشه، وبصت له بدهشة:
يا راااجل؟! زخنوق زخنوق؟!
عبدالرحمن قفل الباب، ولف ركب مكانه وساق وهو بيكمل بنفس الحماس، ورافع دقنه بفخر مصطنع، وعينه فيها لمعة هزار:
زخنوق زخنوق.. وكل يوم هوديكي زخنوق من الزخانيق لحد ما تقولي حقي برقبتي مش عايزة اتزخنق تاني.
ضحكتها المرة دي خرجت من قلبها، فيها حياة بدأت ترجع من تاني:
يا عم انا من دلوقتي بقولك روحني مش عايزة اتزخنق.
عبدالرحمن رد بسرعة، وهو بيبص لها بطرف عينه، بعد ما وصل عند المول:
لااااا يمكن، لااااازم نتزخنق كل يوم، ويلا بقى وصلنا، انزلي خلينا نلحق الزخانيق قصدي المحلات قبل ما تقفل.
فضلت قعدة مكانها وهي بتبص له بنفاذ صبر:
محلات ايه يا ابني اللى عايز تلحقها؟ هو انت ما جبتش هدوم معاك ولا ايه؟
عبدالرحمن ابتسم بمشاكسة وهو بيميل عليها شوية:
ومين قال يا قمر اني هشتري هدوم لنفسي.
تقى ضيقت عينها وبدأ الفضول يظهر ع ملامحها وبنبرة تساؤل: أومال هتشتري ايه؟
عبدالرحمن نزل من العربية، لف فتح لها الباب ومد إيده يمسك إيدها، ساعدها تنزل، وصوته طلع دافي:
هشتري هدوم لـ حبيبتي، انتي مالك انتي، انزلي بقى وبطلي رغي، يا ستير عليكي، بت رغاية.
تقى هزت راسها بيأس خفيف منه، لكنها حطت إيدها فـ دراعه ومشت معاه، دخلوا المول ولفّوا كتير بين المحلات.
عبدالرحمن بيتحرك بثقة وعينه عليها طول الوقت، بيحاول يشغلها بأي حاجة تبعدها عن اللي جواها، وكل شوية يشاور لها ع محل عشان تدخل تختار منه هدوم.
هي ترفض وبنبرة اعتراض واضحة: يا ابني يا حبيبي مين قالك اني عايزة هدوم بس؟!
عبدالرحمن رد بنبرة فيها حسم:
انا قولت.. وطالما قولت، يبقى تنفذي وانتي ساكتة، يلا يلا يلا.
تقى اتنهدت، وملامحها فجأة انكسرت، ودموعها لمعت فـ عينيها: يا عبده يا حبيبي صدقني مش عايزة، بابا الله يرحمه جابلي هدوم كتير.
عبدالرحمن وقف مكانه ولف لها، قرب منها بهدوء ورفع إيده مسك وشها بين كفوفه، بص لها شوية ونظراته كلها حنية:
عارف يا حبيبة قلبي ان عمي جايب لك كتير، بس ما يمنعش ان حبيبك الغلبان اللى قدامك ده، يجيبلك هو كمان.
سكت لحظة، وعينه نزلت ع لبسها الأسود، وبنبرة أهدى:
مش كفاية لبس اسود بقى يا حبيبتي؟.
تقى دموعها زادت، وصوتها اتخنق:
مش هقدر يا عبده صدقني.
عبدالرحمن قرب منها أكتر باس جبينها بحنان واتنهد تنهيدة خفيفة:
يا حبيبتي الحزن فـ القلب، ومالوش علاقة باللبس وأكيد عمرنا ما هننساهم مهما طال بينا العمر، فـ عشان خاطري ادي لنفسك فرصة، وتعالي نشتري هدوم جديدة ملونة.
وفجأة ملامحه اتغيرت ونبرته رجع فيها الهزار عشان يخفف الجو:
ويلا بقى عشان اييه، هنروح شارع المعتصم، بيقولوا هناك في مطعم برجر يا بت يا تؤتؤة، انما ايه ما يتاكلش، ههههههههههه.
وبالفعل مسك إيدها ودخلوا المحل، هو داخل بحماس كأنه داخل معركة، وهي داخلة وراه بخطوات بطيئة بين اعتراض واستسلام، ابتدى يختار لها الهدوم الملونة، وكل مرة يمسك طقم يبص عليها ويلف لها بابتسامة مستني الموافقة، كانت تبص له وتسكت ثانية، وبعدين تميل ناحية رف تاني وتمسك طقم أسود وتوريه له بعناد.
وهو فورًا يهز راسه ويعترض:
لأ!
ترجع تبص له بنفاذ صبر:
في ايه يعني؟!
يرد وهو بيشاور ع الطقم:
في، إنه أسود!
تلف تدور ع غيره، أسود برضو.
وهو وراها يرفض، وهي تعاند.
لحد ما كل اللى فـ المحل ضحكوا عليهم بسبب حركاتهم وتعبيرات وشهم المضحكة، من كتر ما هو بيسحبها ناحية الألوان، وهي ترجعه تاني للأسود، وفجأة.. وقف مكانه، وبص لها بصدمة تمثيلية وبعدين نزل قعد ربّع رجليه ع الأرض، وحط إيديه ع وشه وهو بيبرطم بغيظ:
البت دي هتجنني، هتجنني
تقى اتفاجئت بالحركة اللى عملها، سكتت لحظة وهي بتبص له، وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة خرجت منها بعفوية.
عبد الرحمن رفع وشه لها بسرعة أول ما سمع ضحكتها، وعينه لمعت بفرحة كأنه كسب حاجة كبيرة.
وبعد وقت طويل من الشد والجذب، والمناقشات اللي ما بتخلصش، خرجوا أخيرًا من المحل، وهو شايل أكياس فيها 3 أطقم اختارهم بنفسه، ألوانهم هادية، تناسب سنها.
وهي ماشية جنبه حاطة إيدها فـ دراعه وبتبرطم باعتراض خفيف.
خرجوا بعدها من المول بعد وقت كبير، خطواتهم كانت تقيلة شوية من كتر اللف، وعبدالرحمن شايل الأكياس بإيده، وبالإيد التانية ماسك إيد تقى، ركبوا العربية وراحوا شارع المعتصم، طول الطريق كان فيه سكون بسيط بينهم، وصلوا الشارع، نزلوا من العربية ودخلوا المطعم، اختاروا ترابيزة قعدوا عليها، تقى سحبت الكرسي وقعدت بتنهيدة تعب خفيفة.
عبدالرحمن قعد قدامها، حط مفاتيحه وفونه ع الترابيزة وحط الأكياس جنبه، مسكوا المنيو وطلبوا العشا، ووسط الهدوء ده بص لها بنظرة دافية وبنبرة جدية:
ها، قوليلي بقى، ايه اللي حصلك وخلاكي وقعتي من طولك؟
تقى قعدة قدامه، إيديها متشبكة فوق الترابيزة وعينيها مليانة وجع بصت له بحزن وابتسمت ابتسامة باهتة، وبنبرة استفسار هادية:
قولي انت الأول، عرفت مكاني منين؟
عبدالرحمن سكت لحظة، سحب نفس طويل وخرّجه ببطء ورفع إيديه ع الترابيزة، شبّك صوابعه فـ بعض، بص لها بحزن واتنهد وابتدى يحكي بتأثر:
من عمي منصور.
تقى هزت راسها بسرعة، عينيها وسعت باستغراب:
ازاى؟ إذا كان هو نفسه طلب مني ما اقولش لـ أى مخلوق عن البيت اللى هنا.
عبدالرحمن غمّض عينه لحظة، وذكرى اليوم ده عدت جواه بكل تفاصيلها، فتح عينه وبص لها بهدوء: قبل ما يموت عمي بـ 3 أيام، أتصل بيا وطلب اني اروح له المصنع ضروري، ولما رُحت قالي ع البيت هنا وطلب مني اسافر معاه تاني يوم طنطا.
تقى قاطعته بسرعة، جسمها مال لقدام شوية:
ليه؟
عبدالرحمن بلع ريقه ورد بهدوء: عمي للأسف كان عارف ومتأكد، ان بابا وعمي محمود هيعملوا اللي عملوه بعد وفاته، وقتها وصاني عليكي وقال انه لازم يأمنلك مستقبلك من غير ما حد من اخواته يعرف، ولا حتى انتي اجيبلك سيرة إلا فـ الوقت المناسب.
تقى ابتسمت ابتسامة موجوعة وهي بتهز راسها:
واهو جه الوقت المناسب، مش كدا؟!.
عبدالرحمن هز راسه بتأكيد:
بالظبط.
تقى بصت له بثبات رغم الدموع اللي بتلمع فـ عينيها:
كمل، حصل ايه بعد كدا؟
عبدالرحمن عدل قعدته شوية وصوته بقى أهدى:
اتفقنا اننا تاني يوم هنخرج عادي فـ مواعيد الشغل ونيجي ع هنا ولما وصلنا طلب مني أروح بالتوكيل اللى عملهولي واسحب من البنك اللى بيتعامل معاه 5 مليون جنيه واحطهم فـ حسابك، ده غير انه إداني رقم خزنة خاصة فـ البنك اللى انتي بتتعاملي معاه، واداني مفاتيحها وكمان 4 سبايك دهب وزن الواحدة 25 جرام، ومعاهم اوراق تسجيل شاليه المعمورة اللى محدش من العيلة يعرف عنه حاجة وكمان شاليه الغردقة وورق البيت باسمك وطلب مني أحط الاوراق دي والسبايك فـ خزنة البنك، ده غير ان كان فيها 11 سبيكة تانية غير الاربعة، وهو أخد اليوم كله بيجهز لك البيت من مجاميعه وكمان وصى عليكي واحدة اسمها ام عمر.
كل كلمة كانت بتشق قلب تقى، كأنها طعنة ممزوجة بحنية دموعها نزلت بصمت وشفايفها ارتعشت:
بابا عمل كل ده عشاني؟! يا حبيبي يا بابا.
عبدالرحمن بص لها بعين فيها حزن وبنبرة حنونة:
عمي كان مخطط لكل حاجة وكان بيتحرك بسرعة ترعب، ولما سألته ليه الاستعجال، قالي مافيش وقت.
تقى رفعت له عينيها، وفيهم عتاب واضح:
ولما انت كنت عارف مكاني يا عبدالرحمن، سبتني ليه المدة دي كلها لوحدي؟
عبدالرحمن هز راسه بسرعة، صوته طلع بحنية:
ومين قال يا حبيبتي اني كنت سايبك؟ عيني كانت عليكي من وقت ما خرجتي من البيت هناك، وكنت بطمن عليكي كل يوم من بعيد لبعيد، بس كان لازم انفذ خطة ابوكي، واعمل نفسي ما اعرفش حاجة وطبعا قدام العيلة كنت لازم اتظاهر اني بدور عليكي واني مش عارف اوصلك عشان ماحدش منهم يعرف طريقك.
تقى اتنهدت بوجع وافتكرت أخر مرة قعدت فيها مع منصور قبل وفاته بيومين.
"فلاش باك"
كانت قاعدة فـ أوضتها ع المكتب، بتراجع ملف قضية وتركيزها كله فـ الورق اللي قدامها، صوت خبطة خفيفة ع الباب وبعدها الباب اتفتح بهدوء، رفعت راسها وابتسمت أول ما شافته:
بابا! تعالى يا حبيبي.
وقامت بسرعة جريت عليه
منصور من غير كلام شدها لـ حضنه، حضنها بقوة وباس جبينها، دموعه نزلت من غير ما يحس.
تقى بعدت شوية، بصت له بقلق: انت بتعيط يا بابا؟
منصور ابتسم وهو بيمسح دموعه: ابدا يا حبيبتي، دي دموع الاشتياق، اصلك هتوحشيني اوي يا توتا.
تقى ضحكت بخفة، وباسته من خده:
هوحشك ازاى يعني؟ هو انت مسافر ولا ايه؟ قر واعترف يا منصور رايح فييين؟
منصور فضل باصص لها فترة طويلة، نظرة مليانة حب وخوف فـ نفس الوقت، وبنبرة هادية:
اسمعي يا قلب أبوكي، عايزك تاخدي بالك من نفسك وما تسمحيش لـ أي حاجة ولا أي حد يكسرك ومهما حصل لازم تبقي قوية، عايزك لما اموت تاخدي عزايا بنفسك وبعد ما يخلصوا الـ 3 أيام سيبي كل حاجة هنا وسافري طنطا عيشي فيها.
"عودة للوقت الحالي"
تقى دموعها زادت، وأنفاسها اتلخبطت وإيدها شدت ع بعضها فوق الترابيزة:
وصاني أخد عزاه 3 أيام، وما كانش يعرف ان اخواته مش هيصبروا عليا حتى النهار يطلع واخد عزاه يوم واحد، يا دوب رجعنا من الدفن وقالوا ما فيش عزا، عشان يستفردوا بيا ويبهدلوني ويطردوني ويحرموني اخد العزا فـ ابويا وامي.
صوتها اتكسر فجأة وخرجت منها آهة موجوعة:
آااااااه.
وسكتت بعدها لكن وجعها ما سكتش، فضل ظاهر فـ عينيها وفـ رعشة إيديها اللي مش بتهدى.
عبدالرحمن قام فجأة قرّب منها وضمّها لـ حضنه، باس جبينها بحنان بيحاول يحتوي كل الكسر اللي جواها وهو غافل تمامًا إن في عيون ما غفلتش عنهم لحظة من أول ما دخلوا المكان، عيون ساكتة بتراقب فـ هدوء وبتستنى اللحظة المناسبة.
برد الرحيل بقلمي
&: انت بتقول اييييه؟ جووووز مييين؟ وديت أختك فين يا ابن أنصااااااف؟
يتبـــــــــع