رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الخامس 5 بقلم لبني دراز
حين يفيض الوجع عن حدّه، لا تعود الكلمات قادرة على الستر.. فينهار الصمت، وتتكلم الدموع، وتُقال الحقيقة التي ظلّ القلب يخفيها طويلًا، مهما حاول صاحبها الهروب منها.
تقى والمجهول
طنطا بعد مرور يومين
بيت جابر الفرماوي
اوضة هناء
رجع حسين من شغله ملامحه شايلة تعب يوم طويل، لكن أول ما دخل البيت ما وقفش عند أوضته زي كل يوم، خطواته اتحولت تلقائي ناحية أوضة أخته الوحيدة، وقف لحظة قدام الباب خبط خبطه خفيفة وفتح ودخل ع طول، أول ما عينه وقعت عليها اتجمد مكانه، شاف هناء قاعدة ع السرير جسمها بيتهز من كتر العياط ودموعها مغرقة وشها، جري عليها بسرعة قعد قدامها وقلبه مقبوض وبنبرة كلها خوف ولهفة:
مالك يا قلب اخوكي؟ بتعيطي ليه؟
هناء ما استحملتش، رمت نفسها فـ حضنه، إيديها كلبشت فيه بقوة وشهقاتها مكتومة، وصوتها متقطع:
حمدي جه تاني يا حسين كرر طلبه، وبابا شتمه وبهدله وطرده.
حسين غمّض عينه لحظة، واتنهد تنهيدة تقيلة بتوتر:
هو ابوكي ده مافيش فايدة فيه ابدا؟
هناء بعدت عنه شوية، بصت له بعين مليانة رجاء، وصوتها بيرتعش وهي بتترجاه:
ابوس ايدك يا حسين والنبي، خلّي بابا يوافق ع حمدي، انا روحي فيه وما اقدرش اعيش من غيره، عشان خاطري يا اخويا والنبي اقنع بابا يوافق.
حسين مد إيده بحنان، مررها ع شعرها وهو بيحاول يهدّيها، بس صوته كان شايل عجز واضح:
ابوكي صعب حد يقنعه بحاجة هو رافضها ده ان ما كانش مستحيل، خصوصا انه رابط جوازك من حمدي بمشاكله مع عمك غريب، لكن هقول ايه، منهم لله اللى وقعوا الاخوات فـ بعض.
فجأة هناء وقفت مرة واحدة وكأن في حاجة انـfـجرت جواها، مسكت علبة أقراص منومة بإيد بترتعش، وصوتها عِلي بانهيار:
انا ماليش دعوة بمشاكلهم، لو متجوزتش حمدي هنتـ*ـحر، وطالما كدا موتة وكدا موتة، يبقى الموت أهون من أني أعيش من غيييييره.
حسين اتنفض من مكانه، قام بسرعة وخطف العلبة من إيدها وحطها فـ جيب جلابيته، وبعدها شدها لحضنه تاني قعد بيها ع السرير وهو بيحاول يحتويها:
اهدي يا حبيبة اخوكي وما تعمليش فـ نفسك وفيا كدا، إهدي واطمني.
سكت لحظة، مستني شهقاتها تهدى وبعدين همس بنبرة واطية قريبة من قلبها:
عايزة تتجوزي انتي وحمدي؟! انا هجوزكم.
هناء رفعت وشها فجأة، عيونها حمرا ووارمة، فيها صدمة ممزوجة بأمل:
بجد يا حسين؟
حسين باس جبينها بحنان، وابتسم ابتسامة صافية يطمنها وهو بيحكي لها:
بجد يا قلب يا حسين من جوة،
حمدي كلمني بعد ما طلع من هنا وجالي الشغل، وحكالي اللى حصل من ابوكي، وعمل نفس عمايلك دي بالظبط.
سكت شوية ياخد نفسه، وبعدين كمل كلامه بضحك خفيف:
انا هخـtـفها ونهرب ولا اموتها واموت نفسي عشان ابوك يرتااااح، هو بيعمل فينا كدا ليييه؟! بيعجّزنا ليييه؟ وقال كلام كتير وفضل يزعق ويهلل زى الطور الهايج ماحدش عارف يوقفه.
وبص لها بابتسامة هادية:
وربنا انتوا اتنين مجانين وتستاهلوا بعض.
ابتسمت هناء وسط دموعها، وبصت له بتوتر خفيف:
هو عمل كدا؟
حسين ضحك ضحكة خفيفة وبنبرة هادية:
آه عمل كدا.
هناء بصت له بنظرة كلها قلق ممزوج بأمل، وبنبرة صوت مهزوز:
وانت قولتله ايه لما قال كدا؟
حسين اتعدل فـ قعدته، مسك إيديها بين كفوفه ورفعهم باسهم بحب:
قولتله يا ستي، اني مش هلاقى احسن منه أجوزه أختي وانام وانا مطمن انه هيحافظ عليها، واتفقت معاه اني هكتب كتابكم أخر الأسبوع ده بعيد عن ابوكي وعمك، وهياخدك يسافر بيكي اى حتة بعيد عن الغربية خالص، وانا كفيل باللي هنا.
هناء كانت بتبص له وعينيها بتتبدل قدامه.. من وجع لـ فرحة، من خوف لـ راحة، وبنبرة سعادة طالعة من قلبها:
بجد يا حسين؟! انا بحبك اوي يا أحن أخ فـ الدنيا.
حسين بسرعة حط إيده ع بقها، وبنبرة قلق وهو بيبص حواليه:
بس يا مجنونة اسكتي هتودينا فـ داهية، إهدي لحد ما تتجوزي وتمشي من هنا، وما تجبيش سيرة لـ أى مخلوق، فهماني يا هناء؟
هناء هزت راسها بسرعة، وعينيها لسه فيها دموع.. بس المرة دي ممزوجة بفرحة.
حسين قام وقف ببطء وباس راسها بحنية، وبعدين خرج من الأوضة.. قفل الباب وراه بهدوء ووقف برة لحظة، أخد نفس طويل وخرجه ببطء وعقله بدأ يلف فـ دوامة التفكير فـ اللي جاي، وفـ المواجهة اللي مستنياه مع أبوه.
مرّ الأسبوع فـ غمضة عين، لكن جوة حسين كل يوم كان بيعدّي وهو شايل حمل تقيل فوق صدره بسبب قراره ومسؤوليته اللي حطها ع كتافه بإيديه، بس رغم ده كله ما رجعش خطوة واحدة لورا، خطّط لـ رحلة بمناسبة شم النسيم وكانت كل حاجة محسوبة بدقة، وكأنه بيجري فـ سباق مع الزمن قبل ما ابوه يعرف والدنيا تقف قصاده، أتقابل هو ومراته وهناء فـ محطة القطر، مع حمدي وشكرية وإبراهيم ومراته، ولاد عمه غريب، ومعاهم أصحابهم من شباب وبنات العيلة سافروا القاهرة والجو حواليهم مليان ضحك وهزار، وأول ما وصلوا راحوا مشيخة الأزهر، خطواته كانت سريعة لكن جواه توتر بيشد أعصابه، عينه بتروح لـ هناء كل شوية، شايفها فرحانة وبتضحك من قلبها، وده كان كفيل يخليه مكمل فـ قراره، كتب الكتاب تم وحسين كان واقف وكأنه بيحارب الدنيا كلها عشان اللحظة دي تعدّي ع خير، إيده كانت بترتعش وهو ماسك القلم بيمضي وكيلها، وبعد ما خلصوا خرجوا من الأزهر، والفرحة عرفت طريقها أخيرًا لعيون هناء وحمدي، وصلوا مطعم ع النيل وعملوا حفلة صغيرة يفرحوا بجوازهم، ويداووا بيها كل الوجع اللي فات.
اتنهد حسين تنهيدة طويلة وقرب من حمدي بحب وبجدية:
أنا وقفت قدام أبويا وسلمتك أختي بنفسي لأني عارف أنك راجل وهتحافظ عليها يا ابن عمي، فـ ياريت ما تخلنيش أندم يا حمدي اني أخدت الخطوة دي.
ابتسم حمدي وعينه كانت متعلقة بهناء، ورد بثقة صادقة:
عمرك ما هتندم يا ابن عمي ع اللى عملته، وعهد عليا طول ما انا عايش اختك هتبقى تاج فوق راسي.
حسين حط إيده ع كتفه، وضغط عليها بثقة:
عارف يا حمدي ومتأكد كمان، بس كل اللى عايزه منك، انكم ما ترجعوش البلد دلوقتي خالص، لحد ما الدنيا تهدى بين ابويا وابوك، سنة، اتنين، تلاتة، عشرة، المهم انكم ما ترجعوش، لأنكم لو رجعتوا قبل ما احل انا وابراهيم الموضوع هيفرّقوكم عن بعض ويطلّقوكم، فاهمني يا حمدي؟
حمدي بص له بنظرة امتنان:
انا مش عارف اشكرك ازاي يا حسين ع اللى انت عملته واللى لسة هتعمله، وما تقلقش مش هنرجع إلا لما تتصل انت وابراهيم وتقولولنا نرجع، بس بالله عليك قول لـ عمي يسامحني.
ولف وشه لإبراهيم اخوه:
ابقى خلّي ابويا يسامحني يا ابراهيم، كان نفسي نتجوز فـ البلد ونعمل فرح كبير ونفرحهم معانا، بس والله الاتنين ما سابولناش أختيار.
إبراهيم ابتسم بهدوء وهو بيغمز له:
خد عروستك انت بس وامشي واتبسطوا سوا وما تشغلش بالك بـ ابوك، انا واختك هنتكلم معاه وحسين هيتعامل مع عمك، المهم انكم تاخدوا بالكم من بعض واسمعوا كلامنا، ما تحاولوش تتصلوا بينا ولا ترجعوا البلد لغاية ما نكلمكم احنا عشان لا حد يعرف طريقكم ولا يجبروكم تطلقوا وتبعدوا عن بعض.
خلصت الحفلة ومشي حمدي هو وهناء وساب اخواته وابن عمه بعد ما ودعهم، مرّ الوقت بسرعة رهيبة، ورجع حسين طنطا بس المرة دي مش راجع نفس الشخص اللي سافر، راجع وهو شايل نتيجة قراره ومستعد يدفع تمنه.
أول ما دخل البيت هو ومراته، لمح أبوه وأمه قاعدين مستنيينهم.
الجو كان هادي هدوء غريب، هدوء ما قبل العاصفة، حسين شاور لـ صفية بطرف عينيه تاخد ابنه وتطلع اوضتهم ووقف هو مكانه..
سحب نفس قوي وخرجه ببطء، بيجمع شجاعته وبيجهّز نفسه للحظة الحاسمة.
جابر لاحظ شرود حسين وغياب هناء، فبص له بحدة:
مالك داخل مبوز كدا ليه؟ من غير سلام ولا كلام كأنك عامل مصيبة، وبعدين أختك فين مش شايفها داخلة معاك ليه؟
حسين رد بسرعة من غير تردد، ورمى الحقيقة مرة واحدة، كأنه بيـfـجر قـnـبلة فـ وش الكل:
اختى مع جوزها يا ابا.
الدنيا اتقلبت فـ لحظة.. جابر وقف فجأة، وخبط الكرسي اللى وراه برجله وصوته عِلي:
انت بتقول اييييه؟ جووووز مييين؟ وديت أختك فين يا ابن أنصااااااف؟
حسين واقف ثابت قدام ابوه رغم الـnـار اللي شايفها فـ عينه:
حمدي يا ابا، ابن عمي.
جابر قرب بسرعة، مسكه من ياقة قميصه بعنف:
جوزت اختك من وراياااااا يا حسييين، بتضحك عليا وتقولي هاخدها افسحها هى وصفية عشان شم النسيييم وانت رايح تجوزها لـ ابن عدوّي.
حسين حاول يفك إيده بهدوء، بس صوته كان مليان احتقان:
عمي غريب أخوك مش عدوّك يا ابا، أخوك من لحمك ودمك، وآه جوزتها من وراك ع سنة الله ورسوله، وانت اللى أجبرتني اعمل كدا.
إيد جابر اتحركت بسرعة، صوت القلم سمّع فـ المكان وصوته طلع بغضب:
بقى انا اللى أجبرتك يا ابن جااااابر؟!
حسين لف وشه مع الضربة، سكت لحظة وحط إيده ع خده اللى أحمر من أثر القلم ورجع بص لـ أبوه تاني
وبنبرة صوت حزين وعصبي بس صادق:
أيوا يا ابا انت اللى أجبرتني ع كدا، لما لقيت اختي كانت هتضيع ودبلت من كتر العياط والحزن بعد ما كانت زي الوردة المفتحة وكانت هتمووت، ده غير ان حمدي جالك بدل المرة ألف وقالك انه شاريها، وانا قولتلك مليييون مرة اركن مشاكلك انت وعمي ع جنب وريح قلب هناء وجوزها الراجل اللى بتحبه وأنت اللى عاندت ورفضت.
جابر صوته كان مو*لع من الغضب:
انت بتعصاااااااني؟! رايح تجوزها لـ حمدي ابن غرييييب بعد ما رفضته، عايز تفضحنا فـ البلد وتشمّت عمك فيّا.
حسين رد بثبات ونبرة أقوى:
لا عشت ولا كنت يا ابا لو كنت افضحك وأشمّت حد فيك، بس انت وعمي السبب من البداية لما علقتوهم ببعض وقريتوا فاتحتهم من زمان.. جايين دلوقتي بسبب خلافاتكم سوا تفرّقوهم وتبعدوهم عن بعض، لييه؟ ما فكرتش انها كانت ممكن تهرب معاااه او تنتـ*ـحر من يأسها منك؟! اللى عملته ده الصح، أنا عملت اللى كان المفروض تعمله أنت يا ابا، جوزتهم بشرع الله وأشهرت جوازهم فـ العيلة كلها وبكرة الصبح هيتقال فـ البلد انها اتجوزت حمدي وسافرت معاه برة مصر، وبكدا مافيش فضيحة وهتمشي رافع راسك والناس كلها هتيجي تهنّيك بجواز بنتك الوحيدة، وما تنساش ان انا أخوها الكبير وأدرا بمصلحتها طالما انت يا ابا مش عارفها.
أوضة حسين.
فاق حسين من شروده ع إيد صفية وهي بتحطها ع كتفه بحنية، لمسة خفيفة بس رجّعته من سنين طويلة، رفع عينه لها ببطء شاف ابتسامتها الهادية، لكن جواه كان لسه تايه بين الذكريات، بصت له بابتسامة وبصوت دافي:
ابو حمزة برة فـ الصالة مستنيك يا حسين.
حسين اتنهد تنهيدة طالعة من بين ضلوعه بوجع وهز راسه وهو بيعدل قعدته بالعافية، كأن جسمه تقيل من اللي شايله جواه، وبنبرة فيها حنين:
اطلعي قدّمي له حاجة يشربها وانا طالع وراكي، وشوفي عمر فين.
صفية ردت بهدوء وهي بتبص له بحنية:
عمر لسة ما رجعش من برة يا خويا.
حسين سند بإيده ع طرف السرير وقام ببطء، كل حركة منه فيها تعب ظاهر، مشي معاها ناحية باب الأوضة فتح الباب وخرج، أول ما شاف إبراهيم وشه نور بابتسامة ودودة رغم التعب، قرب منه وهو بيتسند ع عصايته ومد إيده يسلم عليه:
يا أهلا يا أهلا، نورت بيت أخوك يا غالي.
إبراهيم ابتسم وهو بيقوم يقابله، وضغط ع إيده بمحبة:
البيت منور باصحابه يا حبيب أخوك، وحشتني قولت أجي اشوفك مش باين ليه واطمن عليك، واشوف عامل ايه.
حسين رد بابتسامة صافية، وهو بيطبطب ع رجله كأنه بيواسي نفسه قبل أي حد:
بيتك ومطرحك يا حبيبي، تأنس وتشرف أى وقت.
وسكت لحظة، وبعدين اتنهد تنهيدة خفيفة:
الحمدلله يا ابراهيم، أهو ماشي الحال هعمل ايه يعني، أديني من البيت للشغل ومن الشغل للبيت
إبراهيم ضيّق عينه شوية وهو بيبص له بتركيز، ملامحه كلها قلق:
مالك يا حسين؟ شكلك مش عاجبني
فيك ايه يا صاحبي؟
حسين سكت لحظة، سرح بعينه بعيد، وبعدين خرج صوته بنبرة مليانة اشتياق موجوع:
هناء وحشتني اوي يا ابراهيم، من يوم ما انقطعت أخبارهم هى وحمدي وانا هتجنن وبأنب نفسي.
إبراهيم هز راسه بتفهم، لكن بنبرة فيها حزم خفيف:
مش كفاية بقى يا حسين؟ بقالك 27 سنة عايش فـ تأنيب الضمير، هون ع نفسك يا ابن عمي.
حسين بص له، وعينه شايلة حزن سنين طويلة:
تفتكر كنا غلط لما جوزناهم لبعض؟
إبراهيم هز راسه بالنفي بثقة:
لا يا حسين ما كناش غلط، إحنا الاتنين اكتر ناس عارفين يعني ايه حب، وجربناه واتجوزنا اللى حبيناهم وما كانش ينفع نشوف حمدي وهناء بيتعذبوا بسبب ابوك ورفضه ونقف نتفرج عليهم، خصوصا ان ابويا لان ووافق، بس عمي بقى الله يرحمه ويسامحه هو اللي مخلاش قدمنا حل تاني.
حسين سحب نفس تقيل، وصوته طلع أهدى بس موجوع:
عارف يا ابراهيم والله، بس اللى واجعني انهم مشيوا وما رجعوش ومش عارفين لهم طريق، طول السنين دي.
إبراهيم اتنهد هو كمان، وبص له بنظرة فيها أمل بيحاول يتمسك بيه:
مسير الحى يتلاقى يا ابو عمر، وقريب هنلاقيهم داخلين علينا بولادهم ان شاء الله.
سكتوا الاتنين فجأة، وكل واحد فيهم تايه جوة سنين فاتت ما عرفوش يتخطوها، وبرغم طول الغياب، في إحساس خفي جواهم ان اخواتهم هيرجعوا مهما طال البعاد.
_______________________
بيت تقى_ نفس الوقت
طلعت تقى ع السطوح بخطوات هادية، ماسكة صينية فـ إيديها بحرص عليها سندوتشات وكوبايتين عصير، والكوبايات بتتهز مع كل خطوة منها، الهوا كان بيلعب فـ شعرها وملامحها هادية لأول مرة من فترة، أول ما قربت شافت عبدالرحمن قاعد ع المرجيحة بتاعتها فاتح اللاب، ملامحه مركزة فـ الشاشة وصوابعه بتتحرك بسرعة ع الكيبورد، وقفت قدامه شوية تبص له، ما حسش بيها من كتر ما هو غرقان فـ شغله، حطت الصينية ع الترابيزة اللي جنبه بخفة وبنبرة غيظ مصطنع:
قوم يا شحط انت من ع المرجيحة بتاعتي، حملك دي عشان تقعد عليها؟
عبدالرحمن رفع عينه ببطء من ع الشاشة وبص لها بحاجب مرفوع من غير ما يحرك راسه، ملامحه اتحولت لـ جدية مصطنعة وشاور ع نفسه:
انا شحط؟! الكلام ده عليا انا؟!
تقى لفّت راسها يمين وشمال وحطت إيديها فـ وسطها بثقة، ورفعت دقنها بتحدي لطيف:
أعتقد مافيش حد هنا غيرك يا بيبي، وآه شحط، بالذمة مش مكسوف من نفسك وانت ضرفة باب كدا وتعمل مني 5 وقاعد ع المرجيحة؟
عبدالرحمن قفل اللاب بهدوء وقام وقف، خطوة واحدة قربها منها وهو بيميل يحط الجهاز ع الترابيزة ومد إيده ياخد سندوتش وابتدى ياكل وهو عامل نفسه متضايق وكل كلمة بيقولها بياخد قطمة من السندوتش:
انا ضرفة باب انا؟ اممممممم، شكلك كدا نسيتي عُلق زمان يا بت انتي.
تقى بصت له وما قدرتش تمسك نفسها من الضحك ع شكله وهو بيتكلم وبياكل فـ نفس الوقت:
يا اخي اتلهي، وآه، انت ضرفة باب وبغل استرالي كمان، ليك شوق فـ حاجة؟!
عبدالرحمن وقف الأكل فجأة، ساب السندوتش من إيده، وبص لها ثواني وضيّق عينه بخبث وقرب منها أكتر، وبحركة سريعة مد إيده شدها من دراعها بهزار:
بقى انا بغل استرالي يا دزمة؟ عايزة تتعلقي انتي، صح؟.
تقى مالت مع شدة إيده، وضحكة خفيفة هربت منها غصب عنها، وبصت له بدلع مصطنع، وصوتها بقى ناعم زيادة:
أخص عليك يا بودي وجعتني.
عبدالرحمن سابها ورجع خطوة ورا، وحط إيديه الاتنين ع راسه وضحك، وبنبرة صوت واطية:
يا لهووييي، يا بنتي ارحميني ابوس ايد امك وبلاش بودي دي.
تقى ضحكت ع ملامح عبدالرحمن وتعبيراته.. ضحكة خفيفة لكنها خرجت من قلبها وكانت كفيلة انها تغيّر ملامح وشها، ومدّت إيدها بهدوء مسكت كوباية العصير وناولتها لـ عبدالرحمن وبعدين أخدت الكوباية التانية واتحركت بخطوات بطيئة ناحية السور من غير ولا كلمة، وقفت عنده وسندت بإيديها عليه وعينيها تاهت فـ الشارع وذكرياتها مع ابوها.. صوته، ضحكته، وزيارتهم كل شهرين لـ طنطا.
عبدالرحمن قرب منها بهدوء، وقف جنبها من غير ما يضغط عليها فـ الكلام وعينه نزلت لـ الشارع:
تعرفي ان دي اول مرة أشوف الشارع بتاعكوا من فوق من يوم ما جيت؟
ابتسمت تقى ابتسامة خفيفة وعينيها رايحة جاية ع الشارع وبنبرة شاردة:
حلو مش كدا؟
عبدالرحمن لف وشه ناحيتها، سند كوعه ع السور وبص لها بنظرة حنونة مليانة قلق وبنبرة جدية:
هو انا ليه كل ما اسألك عن اللى حصل وخلّاكي تقعى من طولك تتهربي؟
تقى اتنهدت تنهيدة تقيلة كأنها بتسحب معاها كل الوجع اللي جواها ودموعها لمعت فـ عيونها اللي بلون غيم الشتا، لفّت وشها تبص له وبان ع ملامحها الكسرة اللي بتحاول تخبيها وبنبرة حزينة:
ارجوك يا عبده مش عايزة افتكر اليوم ده.
عبدالرحمن مد إيده بحنية، مسح دموعها اللي نزلت غصب عنها وبنبرة هادية:
يا حبيبتي لازم تطلعي كل اللى جواكي، احكيلي يا تقى وريحيني.
أخد نفس وخرجه ببطء وبعدين كمل:
تقى.. انتي طول عمرك قوية، ايه اللي حصل يوصلك للإنهيار بالشكل ده؟!.
وبنبرة هزار خفيفة، بيحاول يخفف عنها:
وبعدين يا هانم، عايز أعرف من الشباب اللي كانوا واقفين حواليكي وانتي متمددة ع الكنبة؟ هااا!! مين؟
تقى بصت له باستغراب، رمشت كذا مرة بتحاول تفهم هو بيقول إيه وبنبرة اندهاش:
شباب؟! عندي انا؟! انا ما شوفتش أى شباب خالص غيرك يومها.
عبدالرحمن رفع حاجبه باستغراب، وقرب شوية منها وبنبرة عدم تصديق:
نععععم يااااختي؟! دول كانوا 3 جتت الباب ما يعديهمش، وفيهم واحد نحنوح كان قاعد جنبك اول ما شافني اختفى، مين دول يا بت؟ قرّي واعترفي حالا يلا.
تقى هزت راسها بنفي:
صدقني ما شوفتش حد ولا اعرف أصلا انا نزلت من السطح للشقة ازاى، ولا فاكرة حاجة من الأساس.
عبدالرحمن بص لها بدهشة واضحة:
ازاى يعني؟!
تقى غمضت عينيها بقوة بتحاول تحبس دموعها عشان ما تنزلش، ذكرى اليوم عدّت عليها كأنها موجة تقيلة وصوتها خرج مهزوز:
كل اللى فاكراه، اني كنت بكلم سليم فـ الفون.
فتحت عينيها وبصت له والدموع سبقت كلامها:
سليم بيتهمني اني بسرقه يا عبدالرحمن، تخيل؟! بيتصل يهددني ابعد عن زباين مكتبه اللى انا كنت السبب انهم يعرفوه ويوكلوه فـ اعمالهم.
عبدالرحمن اتجمد مكانه، عينيه وسعت بصدمة وغضب وصوته طلع حاد:
اتجنن ده ولا ايه؟! هو نسي نفسه؟ أيام ما كان بيقعد بالشهر والاتنين مافيش زبون واحد بيدخل يعبره؟ وما بقاش سليم الراوي اللى اسمه بيرن فـ كل قاعات المحاكم إلا لما اشتغلتي انتي معاه من قبل حتى ما تتخرجي؟.
تقى سحبت نفس متقطع وصدرها كان بيطلع وينزل وبنبرة مقهورة طالعة من قلبها:
تعرف؟ اللى قاهرني فعلا ان عملاء كتير من المكتب كلموني يا عبدالرحمن وطلبوا يلغوا توكيلاتهم ويسحبوا ملفاتهم وقضاياهم من عنده ويبعتوهالي، وانا رفضت.
دموعها زادت وصوتها كان بيتكسر مع كل كلمة:
عرضوا عليا مبالغ فلكية عشان اوافق وبرضو رفضت، قولت مهما حصل بيني وبينه هيفضل ابن عمي، وما ينفعش اقابل الإساءة بالإساءة، وقولت مش هشتغل فـ المحاماة رغم ان بابا مجهز لي مكتب عمري ما كنت احلم بيه يا عبده.
عبدالرحمن قاطعها بنظرة غيظ ونبرته كلها عصبية:
وما تشتغليش ليه يا هانم؟
تقى اتنهدت وابتسمت ابتسامة ثقة رغم حزنها:
عشان واثقة انه يوم ما يقف قصادي فـ المحاكم هيعرف طعم الخسارة ومش هيشوف مكسب تاني.
عبدالرحمن ابتسم ابتسامة هادية وغمز لها بطرف عينه بمرح:
اموت فيك وانت واثق من نفسك كدا يا قلبي.
سكت لحظة استعاد فيه جديته وكمل:
طب ودلوقتي؟! انتي ناوية ع ايه؟
تقى لفّت وشها بهدوء ومشيت لحد الترابيزة حطت الكوباية من إيدها ورفعت راسها ببطء، ملامحها اتبدلت فجأة واتكست بطبقة صلبة من الكبرياء ممزوجة بالوجع وصوتها طلع حازم:
ناوية أخليه يندم ع كل حاجة عملها وكل حرف قاله فـ حقي.
بصت له بعيون حادة مليانة غضب وكسرة فـ نفس الوقت:
هاخد منه كل زباينه، هسرقهم منه زي ما قال ومن غير مقابل.
جزت ع أسنانها والغضب بان فـ كل تفصيلة فيها، نظرات عينيها، ملامح وشها، حركة جسمها، حتى نبرة صوتها:
هرجعه يشحت تاني القضايا من زمايله، او يقعد ع باب المحكمة زى العرضحالجي يصطاد الزباين الكسر والقضايا إياها، هعرفه مين هى تقى، وزى ما قهرني وكسرني، هقهره واكسره وارد له الصاع صاعين يا عبدالرحمن.
عبدالرحمن اتنهد بقلق وقرب منها بسرعة ضمها لـ حضنه عشان يحتويها ويطمنها وبنبرة هادية مليانة دعم:
أيوا بقى، هي دي تقى حبيبتي اللى طول عمرها قوية ومافيش حاجة تكسرها، اعملي اللي انتي عايزاه وانا فـ ضهرك يا قلب اخوكي، وخليه بس يتجرأ يقرب منك تاني، مش هيلاقي غيري واقف له.
تقى سكنت بين دراعاته وهزت راسها بخفة من غير ما تتكلم، بس لأول مرة من وقت ما مات ابوها تحس انها مطمنة وانها مش لوحدها.
_____________________
القاهرة_بيت منصور الراوي
شقة حنان
حنان قاعدة فـ شقتها قافلة ع نفسها بقالها كام يوم من وقت سفر عبدالرحمن، كأنها انسحبت من الدنيا كلها ومافيش غير ركن الصلاة وخلوتها مع ربنا ع سجادتها ومصحفها بين إيديها، كل وقتها بين ذكر ودعاء وكل دعوة فيها اسم تقى بيتردد قبل أي حاجة، قلبها دايما متوتر وقلقها بيزيد مع كل يوم بيعدّي من غير أى خبر.
فجأة الموبايل رن، قلبها دق بسرعة قبل ما إيدها تتمد له وأول ما شافت اسم عبدالرحمن فتحت بسرعة ولهفة:
لقيت تقى يا عبده؟
ع الناحية التانية، عبدالرحمن ابتسم بهدوء ورد بنبرة تطمن:
أيوا يا حبيبتي لقيتها، وبخيـ.....
لكن حنان ما استنتش، قاطعته بسرعة ودموعها نازلة:
بجد يا عبدالرحمن؟! لقيتها بجد؟ يا واد اتكلم وطمن قلبي، لقيت تقى بجد؟
عبدالرحمن ضحك بصوت عالي شوية:
طب إديني فرصة أرد عليكي طيب! أيوا يا ستي لقيتها والله وكويسة وزي الفل كمان.
حنان أخدت نفسها بس قلبها لسة قلقان:
اديهالي أكلمها واسمع صوتها طيب واطمن عليها.
عبدالرحمن:
هى مش جنبي دلوقتي، بس بقى يا ست الكل لو عايزة تشوفيها وتطمني عليها بنفسك، اسمعي اللي هقولك عليه ونفذيه بالحرف، ماشي يا نونة؟
حنان اتعدلت فـ قعدتها بسرعة:
ماشي ماشي، قول بس بسرعة عايزني أعمل ايه.
عبدالرحمن بنبرة توتر:
الأول قبل ما أتكلم، عم سيد فين؟
حنان اتنهدت بقلق:
حاطط راسه فـ راس حزب سليم تحت عند عمك، ربنا يستر، مش مرتاحالهم.
عبدالرحمن بسرعة:
أحسن، سيبك منهم، ولاد حلال ويستاهلوا بعض.
اتنهد براحة وكمل كلامه:
طب اسمعيني بقى، انزلي حالًا ع محطة القطر واركبي القطر اللي رايح طنطا ولما توصلي كلميني وأنا هاجي آخدك بالعربية.
حنان اتفاجئت وبنبرة اندهاش:
طنطا؟! طب هقول لعمك سيد ايه؟
عبدالرحمن:
قوليله أى حاجة يا حنون، اقولك؟ قوليله شريف وحشني وهسافر له إسكندرية اقعد معاه كام يوم، وبالمناسبة يا قمر انتى كدا مش هتكدبي، لانك فعلا هتركبي قطر إسكندرية وكمان شريف زمانه فـ الطريق ع وصول يعني فعليًا هتشوفيه، ويلا بقى انجزي وتعالي بس أوعي من فرحتك تقولي لحد رايحة فين.
حنان هزت راسها بسرعة كأنه شايفها:
لا يا حبيبي ما تخافش، حاضر حالًا هلبس وأنزل، مع السلامة.
قفلت المكالمة وهي قلبها بيدق من الفرحة، قامت بسرعة وصلت ركعتين شكر ودموعها بتنزل وهي بتحمد ربنا إنها أخيرًا هتشوف تقى.
دخلت اوضتها غيرت هدومها بسرعة ولمّت شوية حاجات فـ شنطة صغيرة وكل حركة منها فيها استعجال ولهفة وخايفة الوقت يسرقها، وهي خارجة من الأوضة لقت سيد داخل من باب الشقة، وقف قصادها وبص للشنطة وبعدين بص لها:
واخدة شنطة هدومك ورايحة ع فين كدا يا ولية؟
حنان حاولت تبان طبيعية:
ابني وحشني يا سيد، وطالما هو مش عايز ينزل، هروح أنا أطمن عليه.
سيد ضيّق عينه شوية:
وإيه اللي فكرك بيه فجأة كدا؟ ما هو بقاله أكتر من شهر ما بينزلش.
حنان ردت بسرعة وفيها شوية غيظ:
أديك قولتها، بقاله شهر ما بينزلش، طبيعي أقلق عليه وأروح أشوفه، يمكن تعبان، ولا يمكن فيه حاجة مضايقاه، لازم يلاقيني جنبه مش اقعد استنى لما هو ينزل؟
سيد سكت لحظة وبص لها نظرة غريبة وهمس لنفسه بصوت واطي: يا محاسن الصدف، دي كدا الفرصة جت لحد عندي ع طبق من دهب عشان ادوّر ع الورق براحتي.
حنان لاحظت إن شفايفه بتتحرك بس مش سامعاه:
بتقول حاجة يا سيد؟
سيد ابتسم ابتسامة خفيفة وبنبرة خبث:
لا يا حبيبتي، بقول روحي اطمني ع الواد وخليكي معاه براحتك، أسبوع، اتنين، ان شالله شهر لحد ما تطمني عليه.
حنان بصت له باستغراب بس ما علّقتش ولفّت وشها وخرجت بسرعة وجواها إحساس غريب بعدم الراحة من طريقته لكن فرحتها إنها أخيرًا هتشوف تقى، كانت أقوى من أي إحساس تاني وخلّتها تجري ع محطة القطر من غير ما تبص وراها.
______________________
طنطا_ بيت غريب الفرماوي
عمر راح يطمن ع جده ومعاه كريم وقعدوا شوية مع حمزة فـ جنينة البيت، وقاعدين يتسايروا ويتكلموا عن مستقبلهم، كل واحد فيهم شايل همّ بكرة بطريقته.
حمزة مال بجسمه لقدام شوية وبص لـ عمر بهدوء ونبرة فيها فضول:
ها يا استاذ عمر؟ عملت ايه فـ موضوع المكتب؟
عمر اتنهد بضيق ورجع ضهره لورا وهو بيمسح وشه بإيده وبص له بملل، صوته طالع تقيل:
مش لاقي شقة تنفع يا حمزة، تعبت وملّيت من كتر ما بنزل الف اتفرج ع شقق عشان اعملها مكتب، وكلهم إما ضيقة، يا إما فـ مكان ماينفعش او جوة حارة لو قعدت عمري كله فيها ماحدش هيعرف ان ده مكتب محاسبة اصلا.
حمزة هز راسه بهدوء، وسند دراعه ع الكرسي وهو بيقترح عليه شغل:
طب ما تيجي يا ابن الناس اشتغل مع عمك فـ الشركة وابقى دور براحتك ع شقة كويسة وجهزها ع مهلك.
كريم شاور لـ حمزة بإيده علامة إعجاب تأكيد ع كلامه، وبص لـ عمر بنظرة هادية:
حمزة بيتكلم صح يا عمر، عمك طلبها منك من يوم ما رجعت من السفر وانت رافض، ياعم جرب مش هتندم.
عمر ضيّق عينه شوية، وبص لهم وهو بيفكر وبيوازن القرار جواه:
يعني انتوا شايفين كدا؟
حمزة ضحك بخفة ورجع بجسمه لورا وبنبرة هزار:
أيوا يا خويا شايفين كدا، مش احسن من قعدتك عالة ع عمي!
عمر عوج بُقه وهو بيهرش فـ شعره بتردد وبنبرة استسلام:
تيب، أمري لله، وانا مروح أبقى اعدي عليه اقوله.
الدقايق اللي بعد كدا عدّت خفيفة، ضحك وهزار مالي المكان لحد ما قطع قعدتهم دخول كادي من باب البيت راجعة من كُليتها، جاية بخطوات سريعة وحيوية وأول ما شافتهم قربت منهم بابتسامة:
سلام عليكم ع يا قوم الفرماوي.
عمر رفع عينه لها بابتسامة صافية:
وعليكم السلام ورحمة الله يا زئردة هانم.
كادي حطت إيدها ع صدرها بشهقة مبالغ فيها وعينيها وسعت بدهشة:
هيييييي، انا زئردة يا أبيه؟! اخص عليك، طب اسمع دي بقى عقابًا ليك.
خـtـفت نظرة سريعة ع حمزة، ورجعت لـ عمر:
بيقولك مرة صحفي اتجوز صحفية خلفوا ولد سموه مانشيت.
كريم ضحك ع طريقتها وهز راسه بيأس مصطنع:
شكلك هتتعلقي يا كادي الليلة.
قربت منه بخطوة ورفعت حاجبها بتحدي:
بلاش انت يا أبيه كيمو، ليييه بقى؟
عشان بيقولك مرة دكتور بيطري اتجوز دكتورة بيطرية كلاب الشارع زفوهم.
حمزة كان متابعها بنظرة ضيق وبنبرة عصبية:
أدخلي جوة يا كادي.
كادي رمشت بسرعة وبصت له ببراءة مصطنعة وقربت شوية بصوت ناعم:
طب سؤال واحد بس صغنون يا موزة والنبي.
حمزة سند كوعه ع الترابيزة وحط كفه ع خده وهو بيتنهد بنفاذ صبر:
اممممم، سؤال ايه؟
كادي بصت لـ كريم كأنها بتستأذن، وبصوت فيه تردد مصطنع:
أبيه كيمو باعتبار انك دكتور، السمكة بتعمل ببي منين؟.
حمزة خبط بإيده ع الترابيزة بعصبية، صوته عِلي فجأة:
كاااااااادي، غوري جوة وياريت ما اشوفش وشك طول اليوم عشان ما اتهورش عليكي، اتفضلي.
كادي اتخضت من صوته ووشها اتبدل فـ لحظة ومن غير ما تتكلم جريت من مكانها بسرعة دخلت البيت وطلعت ع أوضتها قفلت الباب عليها لأنها عارفة كويس إن حمزة وقت عصبيته ما بيتفاهمش.
الهدوء رجع سيطر مرة تانية ع الجنينة، كريم بص لـ حمزة بنظرة عتاب هادية:
ليه احرجتها يا حمزة قدامنا بالشكل ده؟
حمزة حكّ رقبته بغيظ ورد بنفاد صبر:
يا أخي انا مش عارف اعمل فيها ايه بس، بابا وجدي مدلعينها اوى وهى ساقت فيها ع الآخر.
عمر بص له بهدوء وبنبرة عاقلة:
برضو ما كنتش تحرجها قدامنا كدا، وبعدين يعني هى بتهزر مع حد غريب يا عم انت؟! دي متربية ع إيدينا.
كريم قام من مكانه وهو بيعدل هدومه واستعد عشان يمشي:
بلاش تقسى عليها يا حمزة، اختك لو ما اتدلعتش عليك وشافت منك حنيتك وحبك هتدور برة، وبعدين هى بتتعامل معانا زي ما بتتعامل معاك بالظبط عشان كدا بتهزر براحتها وهي عارفة اننا مش هنفهمها غلط.
سكت لحظة، بلع ريقه وكمل بهدوء:
قوم اطلع راضيها وطيب خاطرها ما تخليهاش تحبس نفسها فـ اوضتها.
وبعدين ابتسم بخفة وهو بيفتكر اخته:
وفيها ايه يعني يا أخى لو سمعتلك نكتتين بايخين منها وضحكت عليهم؟ اعمل زي صاحبك، ما انا عندي كارما نفس النسخة.
حمزة ضحك غصب عنه، وهز راسه بيأس:
يا ابني والله تعبت منها، مش عايزة تعقل وتكبر ابدا.
كريم ضحك وهو ماشي:
ميسرها تعقل احتويها انت بس، يلا سلام يا بهوات.
سابهم ومشي وقبل ما يرجع بيته عدى اشترى هدية لـ اخته يفرحها بيها، حتى لو من غير مناسبة.
_________________________
بيت تقى
مرّ أسبوع ع وجود عبدالرحمن فـ طنطا، أسبوع عدى تقيل وخفيف فـ نفس الوقت، تقيل بالوجع اللي جوا تقى، وخفيف بالمحاولات اللي ما كانتش بتقف منه عشان يسرق لها لحظة راحة من أول ما وصل وهو بيقضي النهار كله معاها فوق السطوح، أو ياخدها ويخرجوا يتمشّوا بعيد عن أي حاجة تفكرها بوجعها وبمجرد ما يرجعوا يدخل الشقة التانية يكمل باقي يومه، سايب لها المساحة بس مش سايبها هي.
وفـ يوم كانت تقى قاعدة فـ شقتها، بتخبز شوية بسكويت بتحاول تشغل نفسها فـ أي حاجة تلهيها ومعاها صفية بتساعدها، والجو بينهم هادي بشكل غريب.
فجأة صوت عبدالرحمن قطع السكون، وهو بينادي من ع باب الشقة عشان تطلع له:
تقى، تؤتؤة، انتى يا زفتة فينك؟
ردّت تقى من المطبخ، وإيديها لسة غرقانة فـ العجين ومن غير ما ترفع عينها أو تتحرك من مكانها وبنبرة هادية فيها شوية إرهاق:
أدخل يا عبده تعالى، انا فـ المطبخ.
عبدالرحمن وقف عند باب الشقة، إيده ع المقبض ومستعجل ينزل، وبنبرة صوت هادي وهو بينادي عليها من غير ما يدخل:
لأ، انا نازل رايح مشوار كدا ساعة وجاى، عايزة حاجة أجيبها معايا وانا راجع؟
تقى ما استنتش لحظة ردّت بسرعة وهي لسه مكملة عجن وبنبرة مستعجلة:
آه، ادخل خد الفيزا من الشنطة وهات شوية جبن وعلبة مربى وهات لحمة وفراخ للفريزر.
عبدالرحمن هز راسه بيأس منها واتنهد تنهيدة غيظ:
انا ماشي يا تقى عشان ما اهزقكيش.
تقى رفعت صوتها تنادي عليه من جوه المطبخ وهي لسه واقفة مكانها، فمالت بجسمها ناحية الباب بتحاول توصّل له صوتها قبل ما يبعد، ونبرة فيها نفاد صبر:
انت يا زفت يا عبده.
سكتت شوية مستنية رده، لكن مافيش صوت، بصت لـ أم عمر وابتسمت ابتسامة خفيفة فيها حنية:
مشي الجزمة كالعادة من غير ما يعبرني.
رجعت تكمل اللي بتعمله، سحبت نفس هادي ورجّعت تركيزها فـ البسكويت، الوقت عدى من غير ما تحس، ساعتين كاملين وهي ما بين الفرن والعجين، تطلع صاج وتدخل التاني لحد ما خلصت خبز البسكويت كله، والريحة الحلوة ملت الشقة، أم عمر بصت لها بابتسامة هادية وطبطبت ع ايدها وبعد شوية نزلت شقتها وسابت تقى لوحدها فـ هدوء المكان اللي رجع تاني يلف حوالين قلبها.
دقايق قليلة عدت ورن عبدالرحمن جرس الشقة قبل ما يفتح بالمفتاح اللى إدتهوله تقى، دخل بسرعة ع المطبخ وساب الباب وراه مفتوح، لاقها واقفة بتعمل شاى فوقف لحظة يتأملها وبنظرة اندهاش ونبرة غيظ مصطنعة:
خلاااص مافيش صبر؟! ايه قولتي رايح مش راجع؟ بتشربي شاى لوحدك؟
لفّت جسمها ناحيته نص لفة وهي ماسكة المعلقة بترفعها فـ وشه وبصّت له بحاجب مرفوع من فوق لتحت وبنبرة غيظ:
ما هو لو لسانك الفالت ده يتلم شوية وعينك الواسعة دي تشوف كويس، كنت شوفت اني عاملة كوبايتين، لكن لأ، لازم اللسان يطول.
وهو بيحط الطلبات اللي جابها فـ التلاجة، عينه بتروح وتيجي عليها وبنبرة فيها غيظ متداري:
وعرفتي منين ان انا جاي يا ام لسانين ونص انتي؟.
ضحكت وهي بتصب الشاي وهزّت راسها بهدوء بتستمتع بالمشاكسة، وإيديها ثابتة وهي بتملا الكوبايات، وبنبرة فيها خفة دم:
قلب الأم يا ضنايا، يلا شيل الصينية دي وتعالى ورايا.
شال عبدالرحمن الصينية وطلع وراها ع السلم بخطوات هادية وميل وشه ناحية الصينية يشم ريحة البسكويت، وابتسامة رضا خفيفة ظهرت ع ملامحه وهو بيفتكر لما كان بيقعد هو وتقى حوالين جليلة وهي بتعملهم البسكويت اللى بيحبوه وبنبرة حنين:
الله، يا روايحك يا تؤتؤة والله زمان يا قلبي.
تقى رفعت راسها بفخر وابتسامة خفيفة ظهرت ع شفايفها وبنبرة فيها دلال:
أى خدمة يا باشـ.....
قطعت كلامها فجأة لما شافت شريف واقف قدامها ع السطوح، وقفت متسمّرة مكانها عيونها بترتعش وهي بتبص له بعدم تصديق، وفـ لحظة واحدة دموعها انـfـجرت من عينيها زي السيل، المفاجأة كانت أقوى من إنها تستحملها.
شريف اندفع ناحيتها بسرعة ومن غير ما يفكر شدها لحضنه كأنه لقى روحه بعد ضياع وابتدى يبوس وشها كله بجنون، وصوته طالع مبحوح وهو بيقربها أكتر منه:
وحشتيني يا تقى، وحشتيني اوي اوي، انا كنت هتجنن وانتي بعيد عني ومش عارف عنك حاجة.
تقى جسمها ارتعش فجأة، إحساس غريب خنقها، فـ خرجت من حضنه بسرعة وزقّته بقوة تبعده عنها، ووشها اتغيّر وبنبرة عصبية وحادة:
ايه اللي بتعمله ده يا شريف؟
شريف بص لها بندم وقلقه باين فـ كل تفصيلة من وشه حاول يلمّ نفسه بصعوبة وبنبرة متوترة:
سامحيني يا حبيبتي غصب عني، اشتياقي ليكي هو اللي دفعني لـ كدا.
عبدالرحمن حطّ الصينية من إيده بهدوء ع الترابيزة، عينه اتعلّقت بشريف وفيها شرارة غيظ مستخبية، ضغط ع أسنانه بصوت واطي:
حمدالله ع السلامة يا شرييف، كدا بوظت المفاجأة؟
شريف لمح نظرة عبدالرحمن وفهمها، بس قلبه سبق عقله واتكلم من غير ما يقدر يسيطر ع نفسه، وصوته طلع ملهوف:
ما قدرتش يا أخي استنى، أعمل ايه يعني؟ اعمل ايه فـ قلبي الملهوف عليها؟ جاى سايق بأقصى سرعتي عشان بس أملّي عيني منها ويرتاح فؤادي المشتاق.
تقى بصّت له باستغراب، وحاجبها اتعقد شوية وجواها إحساس غريب بيتحرك رافضة تعترف بيه ورافضة تصدق اللى شايفاه فـ عينيه، هزّت راسها بقوة، مرة ورا مرة بتحاول تطرد الإحساس ده.
شريف بصّ لها بنظرة مليانة عشق، عينه ثابتة عليها، مش شايف غيرها وهزّ راسه بخفّة وهو بيقرب منها خطوة، وبحركة حنينة مسك دراعاتها بهدوء وصوته طلع مبحوح مليان شوق:
صدقي إحساسك يا تقى.. انا بحبك، لأ، انا بعشق تراب رجليكي.
تقى بصّت له بذهول، مش مستوعبة اللي بتسمعه، وعينيها بتتنقل بينه وبين عبدالرحمن فـ صمت تقيل، بتدور ع تفسير أو مخرج من اللي هي فيه.. لحد ما فجأة ضحكت ضحكة هيستيرية ودموعها بتنزل فـ نفس الوقت، وصوتها طالع مكسور:
الكاميرا الخفية صح؟ عامل فيا مقلب يا شريف، مش كدا؟
شريف هزّ راسه بالنفي، حاول يتمالك نفسه بس دموعه خانته، وهو ماسك دراعها بإيد والتانية حاططها ع صدره، بيأكد إن الكلام جاي من قلبه، وصوته خرج مهزوز:
لأ يا تقى، كل كلمة خارجة من هنا، انا بجد بحبك، بحبك اوي، بحبك لدرجة ما تتخيلهاش.
تقى زقّته بكل قوتها، ورجعت خطوة بضهرها وهي بتتنفس بسرعة، ووشها متلخبط بين ذهول وصدمة، وبصوت متقطع:
انت أكيد اتجننت، انت مش طبيعي، صح؟ انت عيّان؟
وفجأة صرخت فيه، صوتها خرج عالي ومكسور من جوة:
ايه اللى انت بتقوله ده؟.
بصت لـ عبدالرحمن بذهول ودموعها مغرقة وشها وبنبرة غضب:
انت هتفضل واقف ساااااكت كدااااا؟ عقله، قوله حاااااااااجة.
عبدالرحمن بصّ لشريف بغيظ، بس جواه قلق واضح ع تقى خايف عليها ترجع تتعب تاني وبنبرة متوترة:
هقول ايييه، ده واحد غبي، غبيييي.
شريف بصّ له للحظة، عينه فيها توتر وإصرار وبصوت مبحوح:
لأ يا عبده، انا مش غبي وما عملتش حاجة غلط، انا بعشقها وعارف انها لسة ما نسيتش سليم.
وقرب منها حاول يمسك إيدها، لكنها بعدت عنه بسرعة:
صدقيني يا تقى، انا بحبك وقادر أداوي جروحك واخليكي تنسيه.
تقى انـfـجرت فيه بغضب وصوتها خرج عالي ومليان وجع:
انت واعي للي بتقووووله ده؟
شريف صرخ، صوته خرج عالي وموجوع:
أيوا واااااعي يا تقى، واعي وعااارف انا بقول ايه وقاصد كل حرف.. انا بعشقك يا تقى.. غصب عني صدقيني.
تقى حطّت إيديها الاتنين ع ودانها بسرعة وبتضغط بقوة وهي بتهز راسها بعنف ودموعها نازلة مغرقة وشها، ملامحها كلها خوف ووجع ورفض، صرخت بصوت عالي ومكسور:
اسسكت، اسسكت، انت مش فااااهم حااااااجة، خليييه يسسكت يا عبده، قوله يسسسكت.
عبدالرحمن قرب بسرعة من شريف وشدّه من قدام تقى بعنف، بيبعده عنها وهو بيضغط ع اسنانه ونبرته طالعة حادة:
بطل جنانك ده يا شريف واسكت، انت ما تعرفش حاجة.
شريف زقّ عبدالرحمن بقوة وقرب من تقى بسرعة وهو بيصرخ فيها بصوت عالي ومهزوز:
لأ مش هسكت يا تقى وهطلّع كل اللى مخبيه فـ قلبي ناحيتك، ولازم تسمعيني، ولا انتي لسة عندك أمل فـ سليييم يرجعلك.
تقى قعدت ع ركبتها وانكمشت فـ نفسها وإيديها لسة ضاغطة ع ودانها بقوة، وصراخها بيزيد وهي بترتعش ودموعها مغرّقة وشها، مش قادرة تستحمل ولا كلمة زيادة:
قولتلك اسسسكت، انت مش فاهم حاجة، أنا ما انفعكش، أنا متحرّمة عليييك.
انفعل شريف بغضب، وملامح وشه اتغيرت، عينه لمعت بحدة وهو بيرد بعصبية:
عاااااااارف انك متحرّمة عليااااا، بس أعمل ايه؟ مش بـ إيدي، قلبي من كل بنات الدنيا اختارك انتي.
عبدالرحمن قرب منه وشدّه من هدومه بعنف وهو بيبص له بعيون غضبانة ونبرة حادة:
فووووق بقى وبطل التخاريف اللى انت بتقولها دي، تقى أختنا يا بني أدم ومتحرّمة علينا أنا وأنت، ما ينفعش تفكر فيها كدا، انت فاهم؟
شريف استسلم بين إيدين عبدالرحمن، جسمه ارتخى خلاص مش قادر يقاوم وكتافه نزلت بتعب ودموعه نازلة سيل ع خده وصدره بيطلع وينزل بصعوبة، عيونه مليانة وجع وكسرة وبتنهيدة خرجت منه مكسورة:
عارف يا عبدالرحمن اننا اخوات من الرضاعة، بس غصب عني يا أخي.. حبيتها قبل ما اعرف انها اختي، وحبها اتمكن مني وكنت كل ما بشوفها مع سليم كنت بتجنن، ولما جريت ع عمتك اقولها انى عايز اخطب تقى، صدمتني بالحقيقة المُرة.
صرخ بانهيار، وصوته خرج مكسور ومبحوح، مليان وجع وخيبة:
الغلط مش منيييي، الغلط من أهالينا اللي رضعونا مع بعض وما قالولناش، سابونا نتخبط ونحب ونعشق واحنا متحرّمين ع بععععض.
تقى مازالت قاعدة منكمشة فـ نفسها وإيديها ع ودانها وهي بتهز راسها برفض، ودموعها نازلة وهي بتصرخ بانكسار:
اسكت.. اسكت انت ما تعرفش حاجة.. ما تعرفش حاجة.
وفجأة، خرجت من حالتها وقامت اندفعت ناحية شريف وشدّته من إيد عبدالرحمن بعنف وصوتها طالع منهار ومخنوق:
أنا ما انفعكش ولا أنفع غييييرك، أنت مش فاهم حاااااااجة، انت ما تعرفش انا مييين........
برد الرحيل بقلمي
يتبــــــــع
السادس من هنا