رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الرابع 4 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل الرابع:
دفعه بقوة فتعثر إسلام قليلا و منع نفسه من السقوط بينما تابع فارس حديثه و هو يفرد جسده ليرهبه قائلا بشراسة :
_ و إلا .... هعمل معاك الغلط .
إزدرد إسلام ريقه بصعوبة و عدل من ملابسه و تطلع ناحية غزل و قال لها بحدة :
_ مش هسيبك ... و هخليكى تندمى ندم عمرك .
أشاحت غزل بذراعها و قالت بإستخفاف من تهديده و هى تحتمى بذلك العملاق الواقف أمامها :
_ يا عم إجرى ... أنا ندمانة إنى شوفتكم أصلا .
عض إسلام على شفته و قال بصوت محتقن :
_ مش هسيبك صدقينى و هرجعك ليا .
إمتعض وجهها و قالت بحدة :
_ لو راجل بجد إبقى قربلى تانى .
إبتعد إسلام بضيق و هو يتوعدها و عينى فارس تتابعه حتى إختفى ... ثم وضع يديه بجيبى بنطاله و إلتفت إليها ببطء شديد متفرسا لملامحها ... فها هى صاحبة الصوت و الذى طالما لازمه بصراخه المستنجد ...
لم ينجذب من قبل ناحية إمرأة مهما كانت على قدر من الجمال و الجاذبية . و لكنه الآن يطالع حورية ...
حورية من حوريات الجنة و التى وُعد بها المؤمنون ... جمالها فريد و قاتل و محطم لقوة أى رجل مهما كانت صلابته ... و من الواضح أنها تعلم جيدا قيمة السلاح التى تمتلكه ...
لأول مرة ترتبك من نظرات شخص ناحيتها ... لقد إعتادت على نظرات الإعجاب و لكن نظراته هو لامست شيئا ثمين تخبئه بداخلها ....
تصنعت الصلابة و القوة كعادتها و تنفست بهدوء و خرج صوتها ناعما و هى تقول بإمتنان :
_ متشكرة جدا ..... بعد إذنك .
وصل لأذنيه همس الحوريات الناعم .. فإرتبكت فرائصه مخلفة ورائها ضيق و عبوس من تلك الأمور الدخيلة و التى يشعر بها لأول مرة بحياته ...
جذبت غزل حقيبتها و إبتعدت عنه و هو يتابعها بعينيه ... حتى إختفت داخل سيارة أجرة أقلتها و إنطلقت .... وقف مكانه و أغلق عينيه مستنشقا تلك النسائم الساحرة التى خلفتها ورائها ......
فتح عينيه و هو يعتصر عقله أين رأى تلك الملامح من قبل ... و العجيب أنه رأى تلك العيون من قبل أيضا ... حاول جاهدا فلم يتوصل لشئ ... نفض تلك الأفكار من رأسه و عاد لسيارته مرة أخرى ....
وقفت غزل مرة أخرى تتابع ذلك القصر بضيق ... ففى كل مرة تراه به تتذكر شيئا ... فها هى تتذكر نفسها و هى صغيرة و ضفيرتها تهفو خلفها مع ركضها حاملة لدميتها و صوت ضحكاتها المرحة يعلو و يعلو و هى تطالع تلك الكف الحانية الصغيرة و هى تجتذبها ...
و فجأة كسى الخوف ملامحها و هى تتذكر دميتها التى تلطخت بدماء كثيرة ... حاولت تذكر دماء من كانت و لكن دون جدوى ......
إلتفت و عبرت الطريق مسرعة حتى وقفت أمام الطريق المؤدى إلى الحارة و هى تسأل نفسها بقلق :
_ يا ترى إيه اللى مستنينى هنا ... يا رب خليك معايا .
تنفست مطولا و إنطلقت سيراً تجذب حقيبتها ... إقترب منها ذلك الصغير مجددا و قال بإبتسامة متسعة :
_ إيه ده رجعتى بسرعة أهه .
إبتسمت غزل و قالت بمداعبة و قد نسيت مع إبتسامته البريئة كل ما مر بها فى هذا اليوم و أجابته بتلقائية باتت تفتقدها مع المحيطين بها :
_ مش قولتلك إنى مش هتأخر ... أنا بقى هعيش فى الحارة دى زيك و هنبقى جيران .
تهللت أساريره بفرحة و قال و هو يقفز من السعادة :
_ هو ده الكلام ..... إنتى هتروحى عند ستى رأفة تانى .
أومأت غزل برأسها و أجابته قائلة بهدوء :
_ أيوة يا .... إنت إسمك إيه ؟!
عدل من ياقة قميصه و قال بغرور مازحا :
_ إسمى أحمد يا مُزة .
صفعته غزل على رأسه و قالت مازحة :
_ مُزة فى عينك .
وضع يده على عينه و سبل الأخرى قائلا بوله :
_ آه يا عينى ... و آه يا قلبى كمان ..... إنتى قمر هو فى حلاوة كده .
ضحكت غزل ضحكة عالية ... فتلفت أحمد حوله بتوجس و قال لها بضيق :
_ وطى ضحكتك دى مش كفاية لبسك الشمال ده .
بعثرت شعراته بأناملها و قالت بلوم :
_ أنا لبسى شمال يا أحمد .
_ بصراحة بقا لو هتعيشى هنا لازم تلبسى طويل شوية و واسع شويتين تلاتة .... ده أنا من ساعة ما مشيت معاكى و عيون الشباب هتخرج من وشهم .... لولايا ربك كان عالم هيتعمل معاكى إيه .
وقفت أمام بيت جدتها و قالت بإبتسامتها الساحرة :
_ حاضر يا سيدى هفكر فى اللى قولته ..... و إنت معايا برضه علشان تحمينى صح .
ذاب مع إبتسامتها و غمز لها بعينه قائلا :
_ ده أنا أحميكى بعنيا ... هو ممكن أبقى أزورك .
_ أكيد .... سلام .
و لوحت له بيدها و دلفت لمدخل البناية حاملة حقيبتها الثقيلة ... حتى وصلت لباب شقة جدتها ... إلتقطت أنفاسها و طرقت الباب ....
فتحت لها ليال التى قابلتها بعبوس قائلة بتذمر :
_ إتأخرتى ليه يا غزل .... قلقنا عليكى .
زفرت غزل بضيق و قالت بإرهاق :
_ هنتكلم على السلم يا ليال ... أنا يومى كان طويل و متعب جدا دخلينى أول .
أتاهم صوت أنثوى غليظ يقول بسخرية :
_ مين السحلية دى يا ليال ....... دى قريبتكم .
إلتفتت غزل خلفها و قالت بضيق و هى تتطلع نحوها :
_ هو يوم باين من أوله .
وقفت كلا من ليال و غزل تطالعا تلك المتطفلة عليهما بضيق ..... فإبتلعت ليال ريقها بتوتر و أجابتها بتلعثم :
_ دى .... دى غزل بنت خالتى حور .
و فجأة ضحك ذلك الكائن الأنثوى ذو الوزن الزائد و الطول الفاره و المرتدى عبائه ضيقة ضحكة رنانة طويلة ... رفعت غزل حاجبيها و هى تتطلع إليها بتعجب من ضحكتها و التى سمعتها من قبل فى فيلم كانت بطلته راقصة ... أرادت و بشدة أن تصفق لها و تقول بإعجاب " عاش النفس " و لكنها إلتفتت ناحية ليال المذعورة و سألتها بريبة :
_ مين دى يا ليال .
أجابتها ليال و هى تحتمى بباب شقتها من خوفها قائلة :
_ دى الآنسة مهجة جارتنا .
ضحكت غزل بسخرية و إلتفتت ناحية مهجة و قالت بقوة :
_ أهلا يا جارتنا ....فى بقا سبب لسؤالك و لا فضول منك و خلاص .
رفعت مهجة حاجبها الرفيع بضيق و هبطت درجتين من الدرج و قالت و هى تحرك عنقها يمينا و يسارا ببراعة كتلك الراقصة بالفيلم :
_ لأ بنتعرف يا عنيا .. قولتيلى بقا إسمك غوزل ... و لا غزالة ... ولا إيه .
إبتسمت غزل ساخرة و قالت بثقة و هى تقترب منها ببطء :
_ إسمى غزل ... غزل يا ااااا .
حاولت تذكر إسمها و التى قالته ليال منذ لحظات .. فقالت بتلقائية بريئة :
_ يا اااا ..... يا بؤجة .
دخلت ليال فى نوبة ضحك عالية حد الدموع .... و قالت بلهاث :
_ بؤجة .... ده إنتى جبارة يا غزل .
لم تفهم غزل مقصدها و لكنها إقتربت أكثر من مهجة و مالت برأسها يمينا و يسارا تطالع ضخامة إمكانياتها و طولها قائلة بمزاح :
_ و إنتى بقا يا آنسة معاكى تصريح بالإرتفاعات الزيادة و البروز الأوفر دى و لا .... شكلى كده هطلعلك طلب إزالة .
زادت ضحكات ليال بصوت عالى و قد إنحنت قليلا و صفعت ركبتيها .... بينما صكت مهجة أسنانها و قالت بغضب :
_ لعبتى فى عداد عمرك يا سحلية إنتى .
و هبطت الدرجات الفاصلة بينها و بين غزل بسرعة ... فواجهتها ليال قائلة بتحذير قوى :
_ هكلم رامى و إنتى عارفاه و مجرباه قبل كده .... لو فكرتى تلمسى غزل أو بس تبصيلها بعنيكى .
وقفت مهجة أمام غزل و حدجتها بغضب و قالت من بين أسنانها :
_ مسيرك هتقعى تحت إيدى يا سحلية إنتى و ساعتها هتندمى ندم عمرك .
و تركتهم و صعدت لشقتها و شحمها ينتفض مع حركتها الغاضبة .... زفرت غزل بإرهاق و قالت بوهن :
_ لأ بجد ده يوم عمرى ما هنساه .... يالا ندخل يا ليال لتحصل حاجة تانية .
ولجا للشقة فإرتمت غزل بجسدها على أقرب أريكة ... أتاهما صوت رأفة قائلة :
_ غزل جت يا ليال .
ردت عليها مسرعة :
_ أيوة يا تيتة ... هترتاح من السلم و تجيلك .
أسندت غزل رأسها على الأريكة و قالت بتعب :
_ محتاجة شاور سخن أريح بيه أعصابى و بعد كده عاوزة أكل خروف جعانة جدا .
إبتسمت ليال برقة و قالت و هى تحدجها بإشفاق :
_ فعلا قومى خدى شاور و أنا محضرالك أكل كتير جدا ... ملوخية ... و فراخ مشوية ... و طاجن لسان عصفور ... و مكرونة بشاميل .
إبتلعت ريقها الذى إنطلق مع وصف ليال و تحسست معدتها قائلة بجوع :
_ أنا بقول أكل الأول و بعد كده أبقى آخد شاور .... حضرى الأكل يا لولو على ما أصلى .
فى المساء جلست غزل و معها ليال بالشرفة الواسعة و تحيطهم بعض النباتات العطرية و التى أضافت لجلستهم عطرا مريح للأعصاب .... إرتشفت غزل من قهوتها .... بينما تنفست ليال مطولا و زفرته على مهل قائلة بإبتسامتها الهادئة :
_ الجو النهاردة حلو جدا .
إحتضنت غزل كوبها بين راحتيها و غمزت لليال بعينها قائلة بعبث :
_ قوليلى يا لولو مين رامى اللى إنتى خوفتى بيه بؤجة ده .
ضحكت ليال بخجل و رفعت كفها أمام وجهها متطلعة بخاتم خطبتها الذهبى بشوق و قالت برقة :
_ خطيبى .
رفعت غزل حاجبيها بتعجب و قالت :
_ مبروك ........ بتحبيه بقا .
تنهدت ليال تنهيدة حارة وأجابتها بإقتضاب :
_ لأ .
ضيقت غزل عيناها و وضعت كوبها على الطاولة و إلتفتت إليها قائلة بدهشة :
_ نعم !!! مش بتحبيه ........ أمال مخطوبين إزاى .
هدأتها ليال قائلة بسرعة :
_ إهدى يا ماما ..... أنا بحبه طبعا بس كلمة بحبه دى قليلة قوى على اللى حساه ... إنتى عارفة يا غزل أنا فتحت عنيا على الدنيا ما شوفتش غيره .
إرتاحت ملامح غزل و حملت كوبها مجددا ترتشف منه بينما أردفت ليال قائلة ببساطة :
_ هتصدقى لو قولتلك إنه خطبنى و أنا عندى 14 سنة .
بصقت غزل القهوة من فمها بعدما توقفت بحلقها و أخذت تسعل بقوة فاقدة القدرة على التنفس ... وقفت ليال مسرعة و ضربتها بضهرها بالقوة حتى إستطاعت أخذ نفسها بصعوبة ... بعدما إنتهت و إنتظمت أنفاسها حدجتها بدهشة و قالت بصوت عالى :
_ نعم !!!! are you crazy .... إنتى مجنونة يا بنتى 14 سنة !!!
جلست ليال مجددا بجوارها وقالت بإبتسامة حالمة :
_ مش هتفهمينى لأنك مش عارفة أنا و رامى عاملين إزاى ... و بنحب بعض إزاى .
أشاحت لها بيدها و قالت بضجر :
_ بناقص مش عاوزة أعرف .... طب و أختك إتجوزت إزاى ؟!
عدلت ليال من حجابها بقلق و قالت بتلعثم :
_ ب .. بلاش تعرفى أحسن .
وضعت غزل كوبها على الطاولة و وقفت و كتفت ذراعيها و إستندت على سور الشرفة تطالع الطريق من أسفلهم و قالت بضيق :
_ إصدمينى ......... واضح كده إنه إحنا التلاتة مالناش حظ .
وقفت ليال و تقدمت نحوها و وقفت بجوارها و قالت بأسى :
_ ميناس بقا حكايتها حكاية ... بعد مرض ماما و بعد بابا ما هرب و سابنا لواحدنا الحاج صبرى إهتم بينا و إتكفل بمصاريف علاج ماما و مصاريفنا ... و ده خلى ميناس تتعلق بيه هو طنط زينب مراته و ده اللى إحنا كنا فاكرينه .
إلتفت غزل برأسها ناحيتها تتابع سردها بشغف ... بنما تابعت ليال قائلة :
_ بعد موت ماما بقت تزورهم أكتر قولنا يمكن طنط زينب علشان حنينة عليها فا هى بتحب تقعد معاها ... لغاية حادثة حمزة ما حصلت لقيناها مهتمية بيه جدا و بتعمله كل اللى بيحتاجه .... و فجأة عمى صبرى طلبها لحمزة و قولنا كلنا إنها هترفض بس صدمتنا و وافقت .
سألتها غزل بفضول :
_ و كنتم متوقعين رفضها ليه ؟!
تنهدت ليال بأسى و قالت بحزن :
_ لأن حمزة مشلول و قاعد على كرسى بعجل .
شهقت غزل بقوة و إتسعت عيناها بذعر كادا أن يخرجا من محجريهما و صاحت بها قائلة بغضب :
_ مشلول .... ده... دى أكيد لسه آنسة صح .
أومأت ليال برأسها و أجابتها قائلة بألم :
_ أيوة آنسة .
ضربت غزل بقبضتها سور الشرفة و قالت بغضب :
_ و إزاى الحاج صبرى ده يعمل فيها كده هو علشان مافيش حد معاكم يظلم ميناس بالشكل ده .
ربتت ليال على كفها برقة و قالت بهدوء :
_ ما تظلميش عمى صبرى يا غزل ... إنتى مش عارفة هو عمل و بيعمل إيه علشانا .... ميناس هى اللى عملت كده و حسست حمزة إنه رغم إصابته إنه أحسن واحد فى الدنيا ... و هو عوض النقص اللى فيه بنظراتها و كلامها ... فا حب يثبت رجولته و إنه لسه مرغوب فيه و طلب يتجوزها و عمى صبرى و طنط زينب رفضوا و كلنا رفضنا .
توقفت قليلا لإلتقاط أنفاسها و تهدئة دقات قلبها و تابعت قائلة بألم :
_ بس ميناس وافقت و ضغطت علينا و قعدت بالأيام ماتاكلش ... لغاية ما تيتة خافت عليها و وافقت يتجوزها ... ما حدش كان يعرف إنها راحت لعذابها برجليها .
قطبت غزل جبينها بتوجس و سألتها بقلق :
_ قصدك إيه بإنها راحت لعذابها برجليها ؟!
إحتقن وجه ليال وقد خانتها دموعها و سقطت على وجنتيها و قالت بصوت مختنق :
_ لأن الأستاذ حمزة كل يوم يصبحها بعلقة و يمسيها بعلقة .
مررت غزل كفها على وجهها فاقدة صبرها و هتفت بعبوس :
_ و إنتوا ساكتين إزاى ... مستنين لما فى مرة يتهور و يموتها .... أنا حاسة إن مخى هينفجر .. اللى إنتى قولتيه ده حقيقى .
كتفت ليال ذراعيها أمام صدرها و قالت بمرارة :
_ قولتلك بتحبه يا غزل و حاولنا أكتر من مرة نطلقها منه بس هى رفضت و متمسكة بيه جدا .... دى حتى سابت الكلية بتاعتها علشان تفضل جنبه زى ما هو أمرها طبعا .
ضغطت غزل شفتيها و قالت من بين أسنانها من شدة حنقها :
_ حب إيه و زفت إيه ... دى مجنونة .
أجابتها ليال من بين دموعها بشرود :
_ ربنا يهديها للطريق الصح .
كففت غزل دموعها الهادئةو قالت بإبتسامة باهتة لتغير الموضوع :
_ و إنتى بقا فى كلية إيه و سنة كام .
تنحنحت ليال بقلق من ردة فعل غزل و قالت بخوف :
_ أنا آخر سنة كلية تجارة و الحمد لله بنجح بتقدير جيد جدا كل سنة ... بس ..... مش بروح الجامعة و بذاكر فى البيت .
لوت غزل ثغرها و سألتها بريبة :
_ و الله خايفة أسألك ليه .
مسحت ليال أنفها الذى تورم من بكائها بكم عبائتها و قالت بإرتباك :
_ أصل .... رامى مانعنى أنزل الشارع و أيام الإمتحان هو بيودينى و بيجبنى ... و طلبات البيت هو اللى بيجيبها .... و كل حاجة ليها علاقة بيا هو المسئول عنها .
رفعت غزل كفيها و لوحت بهما بفقدان صبر و قالت بضيق :
_ لا كده كتير أنا أدخل أقعد مع تيتة أحسن ما أرميكى من البلكونة و أخلص منك و أريحك و أرتاح .
ضحكت ليال عليها و فجأة تصلبت ملامحها و قالت بتنهيدة طويلة :
_ رامى .
و إلتفتت مسرعة تطالع الطريق .... و قفت غزل بجوارها تطالع ما بدل حالها فرأتها تتطلع ناحية سيارة چيب عالية ... ترجل منها شابا طويل يرتدى چاكيت بدلة إسود و تي شيرت أبيض و بنطال چينزى ضيق و يبدو عليه الهيبة و الجلالة رغم وسامته الهادئة ... زمت غزل شفتيها و قالت بسخرية :
_ هو ده بقى روميو .
أومأت ليال برأسها و قالت بلهفة :
_ أيوة .
ضيقت غزل عينيها و هى تتابع لهفتها و تنهيداتها المشتعلة ... و عندما إكتفت قالت بضيق :
_ لأ أنا ماليش فى السهوكة دى ...... أنا هروح أقعد مع تيتة أحسن .
و تركتها و دلفت للداخل ... أغلق رامى سيارته و رفع عينيه صوب شرفة حبيبته فتكحلت عينيه برؤيتها تبتسم إليه بهدوء .... بادلها إبتسامتها و دلف لبنايتهم المقابلة لبناية رأفة ...إلتفت ليال و إستندت بظهرها على سور الشرفة و رفعت كفها ناحية قلبها المنتفض بقوة ... ثم رفعته تتحسس حرارتها العالية و سخونة و جنتيها من مجرد رؤيته .....
حملت الأكواب و دلفت للشقة ..... بينما تمددت غزل بجوار رأفة فى فراشها و قالت بكسل :
_ أنا هنام فى حضنك النهاردة يا تيتة .
إجتذبتها الجدة لحضنها و قالت و هى تحدجها بحنان :
_ رغم إنك شبهى و أنا فى سنك ... بس شايفة فيكى حور بنتى .... تعرفى يا غزل لما وصلنى خبر موتها وقعت من طولى و من ساعتها و أنا راقدة فى السرير بقالى خمس سنين .... الله يرحمها .
إبتلعت غزل تلك الغصة المؤلمة و التى تصيبها كلما تذكرت والدتها و تذكرت ما حدث معها و لكنها قالت بأسى :
_ كانت هتموت و ترجع مصر مافرحتش ثانية واحدة هناك .... و كانت بتشتغل و تصرف على نفسها و رفضت تاكل من فلوس بابا الحرام ... وقتها ما كنتش فاهمة هى بتعمل كده ليه ... بس باعدين فهمت .
توقفت عند هذا الحد و لم تكمل ما حدث مع والدتها و حادثة موتها و هذا ما حولها و جعلها تكره الرجال جميعا و أولهم والدها ...... حاولت تغيير الموضوع فبحثت حولها قائلة بمداعبة :
_ هى ليال راحت فين إختفت يعنى .
إمتعض وجه رأفه و زمت شفتيها بضيق و قالت بحدة :
_ أكيد رامى جه و بتكلمه .
إنتبهت غزل لتبدل ملامح جدتها فسألتها بقلق :
_ مالك يا تيتة .... إتغيرتى لما جت سيرة اللى إسمه رامى ده .
أجابتها بصوت قاتم و قالت بأسى :
_ أنا عارفة إنه بيحبها و بيحبها قوى ..... بس تحكمه فيها و سيطرته عليها مخوفنى لتبقى زى أختها حياتها كلها ضرب و إهانة ... و هى هبلة ماشية وراه لو قالها إرمى نفسك فى النار مش هتتأخر .
رفعت غزل عينيها ناحية رأفة و قالت بحزم :
_ ما تقلقيش يا تيتة موضوع ميناس أنا اللى هحله إن شاء الله ... لازم اللى إسمه حمزة ده يعرف إن ليها ضهر .... أما بقا الهيمانة هانم ليال فأنا وراها لغاية ما يبقى ليها شخصيتها و تبقى قوية .... و لو اللى إسمه رامى ده فكر يزعلها هيلاقينى قدامه .
إحتضنتها الجدة بشدة و قالت بحنو :
_ رجعتى فى وقتك يا حبيبتى .... لو جرالى حاجة يا غزل ليال و ميناس فى رقبتك يا بنتى دول غلابة قوى .
دفنت رأسها بصدر جدتها الرحب و قالت بعزم :
_ ما تقلقيش يا تيتة عليهم و ربنا يديكى الصحة و يخليكى لينا .
ملست الجدة على شعراتها السوداء الناعمة و قالت بضيق :
_ قوليلى يا بنتى الواد إبن عمك ده زرق دراعك كده إزاى .
دلفت ليال الغرفة و على ثغرها إبتسامة بلهاء و وجنتيها متوردتين بشدة .... تطلعا الإثنان ببعضهما و دخلا فى نوبة ضحك على هيأتها الملتاعة ... تطلعت ليال نحوهم و قالت بغضب :
_ بتضحكوا على إيه ؟!
أشاحت غزل بيدها و قالت بسخط :
_ سيبك منها يا تيتة الهيمانة هانم دى .... المهم إسلام جرى و رايا و حاول يرجعنى معاه بالقوة ... فحاولت أبعد عنه و صرخت فيه .... فا جه شاب كده طول بعرض و أسمرانى و كيوت و قام ماسك إيده و شدنى و وقفنى وراه و قعد يخوف إسلام و يزعقله ... خلاه واقف قدامه زى الكتكوت المبلول .
ضربت ليال كفيها ببعضهما و قالت بتعجب :
_ عشرين سنة فى أمريكا و اللى يسمعك يقول ما فارقتيش مصر ثانية .
أجابتها غزل مسرعة :
_ لأنى كنت وقت فراغى قاعدة قدام النايل سات و بشوف كل البرامج و بعرف مصر ماشية إزاى خصوصا بعد الثورة .... ده غير إنى كنت بتفرج على الأفلام على النت و بسمع أجدد الأغانى حتى المهرجانات .... و إحنا فى البيت كنا بتكلم بالمصرى .
إبتعدت غزل عن صدر جدتها و إعتدلت فى نومتها و قالت بتثائب :
_ يالا على أوضتك يا ليال هانم ... و إطفى النور هقوم بدرى أدور على شغل .
فسألتها ليال بفضول :
_ صحيح إنتى بتشتغلى إيه ؟!
أجابتها غزل و هى مغمضة عينيها :
_ دكتورة باطنة قسم جراحة و مش عاوزة أى سؤال تانى بكرة نبقى نكمل .... يالا برة .
إبتسمت ليال و إتجهت ناحية جدتها قبلتها بوجنتها و إلتفت حول الفراش و مالت ناحية غزل و قبلتها بوجنتها و قالت برقتها الناعمة :
_ تصبحوا على خير .
و أغلقت الإضاءة و خرجت .... إبتسمت غزل و رفعت كفها ولامست مكان قبلة ليال الحنونة و قالت بداخلها :
_ أوعدك يا ليال هحميكى إنتى و ميناس من أى حد و من نفسكم و لو لزم الأمر .
و تركت النوم يتسللها ببطء و يغزوها حتى راحت فى سبات عميق ..... جدا ......
فى الصباح وقفت غزل بين يدى الله و أدت صلاة الضحى و أطالت سجودها و هى تدعوا الله أن يوفقها فى العثور على عمل مناسب .... أنهت صلاتها و بدلت ملابسها و خرجت من غرفتها .... جلست مع ليال بغرفة جدتها تتناول فطورها ... هزت ليال رأسها و هى تطالع ملابس غزل و قالت لها بمداعبة :
_ طريقة لبسك دى يا غزل ماتنفعش هنا .... إحنا فى حارة مش فى المعادى .... أنا مش مصدقة أصلا إنك خرجتى إمبارح من الحارة .
وقفت غزل و هى تمضغ أخر قطعة خبز بفمها و قالت ببساطة :
_ عادى يعنى يا لولو و باعدين أنا معايا بودى جارد و إسمه أحمد .
قطبت رأفة حاجبيها و سألتها بتعجب :
_ مين أحمد ده يا غزل .
حملت غزل حقيبتها و قالت بإبتسامة متسعة :
_ ولد صغير عنده تقريبا 8 سنين بس إيه عسل .... إدعيلى يا تيتة ربنا يوفقنى و ألاقى شغل .
مصمصت رأفة شفتيها و قالت بزهو :
_ و هما هيلاقوا دكتورة و أمريكانية و زى القمر و حفيدتى فين ..... إن شاء الله يا حبيبتى ربنا هيجبر بخاطرك و هتلاقى شغل .
أرسلت إليها غزل قبلة بالهواء و إلتفت ناحية ليال و قالت لها بقوة :
_ أنا هجيب الطلبات اللى كنتى كتباها و لو عوزتى أى حاجة كلمينى ... تمام .
أومأت ليال برأسها موافقة ... فإتجهت غزل ناحية باب الغرفة للخروج ولكنها توقفت و إستدارت ناحيتهم و قالت متذكرة :
_ صحيح كلمى ميناس و قوليلها إننا هنروح نزورها النهاردة .
إبتسمت إليها ليال إبتسامتها الهادئة و قالت :
_ حاضر يا حبيبتى ... توكلى على الله و هو هيوفقك .
لوحت لهم غزل و خرجت ... هبطت الدرج بحماس و على ثغرها إبتسامة مشرقة ... خرجت إلى الطريق بحثت بعينيها عن أحمد فلم تجده ... فهزت كتفيها بتسليم و مضت فى طريقها ...
خرج فارس و رامى من بنايتهم .. لوح فارس لرامى بيده و قال بجدية :
_ سلام يا صاحبى .
و توجه لسيارته و فجأة وصل لأنفه عطر مميز سحره بالأمس فأغمض عينيه مستمتعا بتلك النسائم الناعمة ... إنتبه رامى لحالته فإقترب منه و سأله بقلق :
_ مالك يا عوو .... إنت كويس .
أجابه فارس مسرعا :
_ إنت شامم البرفان ده .
شم رامى الهواء من حوله و هز رأسه قائلا بنفى :
_ لأ مش شامم حاجة ... برفان إيه اللى بتتكلم عنه .
هز فارس رأسه نافضا تلك الهلاوس المسيطرة عليه و أجابه بتلقائية :
_ أنا شامم برفان البنت اللى حكيت لك عنها إمبارح .
غمز له رامى بعينه و قال ساخرا :
_ الله ... هى علقتك و لا إيه يا مريسة .
سحب فارس نظارته الشمسية من فتحة قميصه و قال بضيق و هو يبتعد عنه :
_ صحيح إنت إمتياز فى الإستفزاز و أنا مش عاوز أحط عليك عالصبح ... سلام .
تابعه رامى بعينيه و هو يبتسم بمشاغبة و قال بمكر :
_ عليا النعمة علقتك .
ثم رفع عينيه ناحية شرفة ليال عله يبدأ يومه برؤيتها فلم يجدها ... تنهد بشوق و إتجه لسيارته إستقلها و إنطلق بهدوء .
بدأ الإرهاق و التعب يتملكان منها .... لم تعد قدميها قادرة على حملها بعد فناشدها جسدها أن تمنحه و لو دقائق من الراحة .... بالرغم من إعتيادها على العمل لفترات طويلة و لكنها الآن تستسلم .... مسحت بعينيها المكان من حولها فوجدت ضالتها ......
سحبت غزل مقعدا على تلك الطاولة المنزوية و تركت الحقائب البلاستيكية و الممتلئة بالبقالة و إرتمت بجسدها ناشدة الراحة و إرتخاء عضلاتها ....
كلما تذكرت ردود الأفعال أثناء إجرائها مقابلات العمل يرتاح ذهنها أيضا ....... فدراستها بأميريكا و العمل بها أيضا زود فرص حصولها على وظيفة بأسرع مما تخيلت .... ستبقى فى الإنتظار و بالغد ستعاود البحث مجددا .... إبتسمت بخفوت و هى تتذكر رحلتها متنقلة بين سيارات الأجرة و كل سائق بإقتراح جديد لمشفى أكبر ...." شكرا لسائقى التاكسى على مجهودهم " ....
وقف النادل بجوارها و سألها عن طلبها و دونه بمفكرة بيده و تركها و إبتعد .... بعد قليل إقتربت منها فتاة و وضعت طلبها أمامها بإبتسامة ودودة .... بادلتها غزل إبتسامتها و لكن بوهن و حيتها برأسها لا على تقديمها للمشروب فقط و لكن إحتراما لفرصة عملها و الذى يتعالى عليها الكثير من الشباب و يتطلعون نحوها بإزدراء و يطول إنتظارهم للمكتب الذين يطمحون به دائما مضيفين عبئا جديدا على أسرهم ........
و الأكثر إيلاما و إضحاكا أن تلك الوظيفة و التى يتعالون عليها هنا هم على أتم الإستعداد للعمل بها بدولة أخرى مهما كانت و لو على حساب عمرهم ... لماذا إذا الغربة ... فها هى أمامكم و أقلها أنك ستعود لمنزلك و تحظى بدفء أسرتك ......
دفء الأسرة ... عبارة إستوقفها عقل غزل قليلا فحملت حقيبتها على ساقها و أخرجت منه هاتفها و هاتفت ليال التى أجابتها قائلة بقلق للمرة الخامسة أو السادسة ربما :
_ أخبارك إيه يا غزل إوعى تكونى توهتى .... إسألى أى حد حواليكى و هو هيعرفك تتصرفى إزاى ... و قبل ما تركبى التاكسى إتأكدى إن السواق شكله طيب كده وإبن حلال ... و لو حد عاكسك و لا زودها معاكى بس زعقيله بصوت عالى الناس هتتلم حواليكى و لو......... .
أثناء إسترسال ليال بالحديث كانا حاجى غزل يرتفعان ببطء مع كل نصيحة حتى أنهما قاربا على ملامسة طرف حجابها .. لم تقوى على الإستماع للمزيد فهزت رأسها بقوة و قاطعت ليال قائلة بقوة :
_ بس .... إيه لوك لوك كتير ليه .... صدعتينى يا بنتى .
زمت ليال شفتيها بضيق و قالت بعتاب رقيق مثلها :
_ آسفة ... بس أنا خايفة عليكى على فكرة ... و مش قصدى أضايقك ... تقومى تزعقيلى فى الآخر .
إبتسمت غزل رغما عنها و قالت بمداعبة لتلك القطة الناعمة و البريئة :
_ أى لوك لوك تانى همنع عنك التليفون و الشباك ليوم كامل ... فهمانى طبعا .
وصل لأذنيها ضحكة ليال الجميلة و صوتها أيضا و هى تجيبها برجاء :
_ لأ كله إلا كده .... آسفة يا فندم .
وضعت غزل ساقا فوق الأخرى و إرتشفت القليل من عصير البرتقال الذى طلبته و قالت لها بجدية :
_ أنا جبت كل طلبات البيت اللى إنتى كنتى كتباها ... و بعد كده أى طلبات للبيت أنا اللى هجيبها ... و خلاص إنتوا مش محتاجين لحد ... فهمانى يا لولو .
أجابتها مسرعة بتأكيد :
_ حاضر يا حبيبتى ... المهم دلوقتى خلصتى مشاويرك .
حركت غزل عظام عنقها بإرهاق و أجابتها قائلة بالإيجاب :
_ أيوة .. خلصت النهاردة ... شوية بس و هرجع على البيت على طول ... يالا سلام دلوقتى .
_ خلى بالك من نفسك .. سلام .
أغلقت غزل الهاتف و وضعته أمامها و عادت لكوب العصير البارد و إرتشفت منه مجددا ... و بعد قليل رن هاتفها فتطلعت بشاشته ليتجهم وجهها ..... متى سيتركوها تنعم ببعض من الراحة ... رحلت عنهم و تركتهم لأطماعهم فليتركوها و لو قليلا ... تجاهلت إتصال هناء زوجة عمها للمرة المائة تقريبا و إرتشفت ما تبقى من عصيرها و وقفت و حملت أشيائها و تركت مبلغا ماليا و خرجت للطريق ....
تنفست براحة عند وصولها للحارة ... ترجلت من السيارة و تحاشت النظر ناحية القصر مجددا .... فمجرد رؤيته ينقبض قلبها ... و هذا ما حدث مع أنها لم تتطلع إليه .... جاهدت كثيرا أن تتذكر شيئا جديدا و لكن لا فائدة ....
شرودها و تفكيرها بذلك القصر جعلاها تخطئ الطريق ... تطلعت حولها بقلق فلم تتعرف على المكان المحيط بها ... تابعت سيرها فوجدت نفسها بمكان واسع و مهجور قليلا فإنقبض قلبها و شعرت بالخوف و إلتفت مسرعة للعودة و لسؤال أحدهم ... و ما أن إلتفت حتى إصطدمت بجسد رجولى ضخم قليلا منفر الرائحة ... تعلم تلك الرائحة جيدا و إحمرار عينيه أخبراها أن ما إعتقدته صحيح .... فهذا الواقف أمامها و الذى يلتهمها بعينيه شرب قدرا كافيا من الخمور جعلها تبتلع ريقها بتوجس ....
تصنعت الصلابة و القوة كالعادة طبعا و قالت له بحزم :
_ ممكن تعدينى لو سمحت .
إبتسم و هو يغوص داخل بحر عينيها الساحرة و ملامحها الجذابة و جسدها المثير .. ثم قال بجرأة :
_ هو دخول الحمام زى خروجه يا قطة .
هابته قليلا ... لا بل هابته كثيرا فقالت وهى تحاول الإبتعاد عنه و عن مرمى عينيه القبيحتين :
_ بعد إذنك عدينى .
منع تقدمها بجسده و وقف أمامها قائلا بعزم :
_ مش هتمشى ...... بصراحة إنتى دخلتى دماغى ... و أنا عاوزك .
إتسعت عيناها بذعر و إنتفض قلبها بشدة بعدما تذكرت نفسها فى موقف كهذا سابقا .... فقالت بخوف بعدما شحب لون وجهها و قد علا صراخها :
_إنت قليل الأدب .. إلحقونى .
جذبها ناحيته من ذراعها و قال هامسا :
_ ليه كده بس يا قمر ... عموما إشتمى براحتك .. على قلبى زى العسل
حاولت تخليص ذراعها قائلة بتذمر :
_ إتفضل سيب دراعى و خلينى أمشى من هنا .
قربها منه بالقوة ضاغطا على ذراعها أكثر و أغمض عينيه مستنشقا عطرها و فتح عينيه يطالع ذعرها فهمس أمام وجهها بأنفاسه الكريهة قائلا بإستثارة :
_ ريحتك جننتنى أكتر .... فتعالى معايا بالراحة بدل ما تزعلى منى .
سقط قلبها من الخوف و ضربت ذراعه التى تكبلها و قالت بصراخ عله يسمعها أحد :
_ سيب إيدى يا حيوان .
وقف مستمتعا بضرباتها و تململها بين يده ... فأتاهم صوتا جافا من الغضب يقول بقوة :
_ سيبها يا مسعد .
إخترق الصوت أذنها و لكنها لم تصدق ... فحركت رأسها قليلا فتأكد حدسها و هى تراه أمامها مجددا بهيبته و ..... وسامته ... نهرت عقلها بشدة عن أى وسامة يفكر فى حالتها تلك .... أفاقت على ضحكة منفرة من ذلك المسعد الذى قال ساخرا :
_ عاوز إيه يا إبن السعيد ....... مالك و مالى إنت .
إقترب منهما فارس بخطوات رزينة و ثقيلة و واثقة ... و خلصها من ذراعه مجددا و أوقفها ورائه مجددا أيضا و قال له ببرود واثق :
_ مش هتبطل ****** بقا .
قست نظرات مسعد ناحيته و جال بخاطره أن يستغل الفرصة و يسحب مديته و يغرزها بأحشائه و يستمتع بمنظر موته و سيل دمائه أمام عينيه و ربما يحتسى منه القليل لتهدأ نيرانه من ذلك المغرور المتعجرف و لكنه تحكم فى أعصابه و قال ببرود ليثير حنق فارس :
_ هدى أعضائك شوية ..... مالك هاجم علينا بزعابيبك أنا و القطة كده .
حدجه فارس بإحتقار و قال له مهددا بضيق :
_ إتكل على الله و زق عجلك ... أنا طافح الكوتة منك و بستنالك على غلطة .
أصدر مسعد صوتا نابيا و قال بإزدراء :
_ المفروض أنا أكش دلوقتى مش كده .
ثم مال بجسده قليلا يطالع غزل المحتمية بظهر فارس و ترتعد بخوف .... حدجها بقوة و قال بمكر عابث :
_ مستخبية ليه يا قطة ... ده أنا معجب و الله و عايزك فى كلمتين على إنفراد .
ثم إعتدل فى وقفته و طالع فارس بتحدى و أردف قائلا بصوت هازئ :
_ مش حلو نتكلم قصاد الواغش .
فإنقض عليه فارس ممسكا إياه من تلابيبه و هو يصيح بإنفعال ساخر :
_ قالك إيه بقا ...... الكلبة عضت رجلها يبقى هى اللى جابته لنفسها .
و لم يمهله وقتا و نافست سرعة قبضته التى لكمت وجهه سرعة الضوء .... ترنح مسعد قليلا فجذبه فارس مجددا و ثنى ركبته و ضربه بها أسفل معدته ... فصرخ مسعد متألما .... فدفعه فارس بقوة فسقط على الأرض ضاما بطنه بألم ... و ما أن هدأ حتى رفع عينيه ناحية فارس الواقف يطالعه بعلو و كبرياء و قال له بغضب إسود سيدفع الجميع ثمنه :
_ و حياة أغلى حاجة عندك لهتندم يا إبن السعيد .
إلتوى ثغر فارس جانبا و إبتسم مستخفا تهديده الواهى و إنحنى قليلا ليواجهه قائلا بقوة :
_ انا هربط حبل الكلام اللى هيوجعك منى ... و لينا مجال تانى نتكلم فيه يا ..... يا إبن ال .... العجوز .
كل هذا و غزل تتابع ما يحدث بإستمتاع كأنها تشاهد التلفاز و ينقصها الآن طبق فشار و مقعد و خف الفأر خاصتها و تكتمل المتعة .... أخرجها فارس من حالتها المنتشية و هو يجذبها من يدها خلفه تكاد تتعثر من وسع خطوته ..... بعدما إبتعدا قليلا سحبت يدها منه و قالت بضيق :
_ سيب إيدى إنت كمان .
إلتفت فارس ناحيتها يطالعها بتعجب و عقله يكاد يصرخ ويسأله من هذه الفتاة و لماذا تحتله و يشعر بها كلما وقعت فى مأزق ... و لكنه قال ببرود عكس ما بداخله :
_ سبتها .
رفعت سبابتها أمام وجهه فإبتعد بوجهه قليلا و هو يتابع إنفعالاتها بينما سألته هى بتعجب :
_ إنت مين بالظبط و حكايتك إيه .... بتطلعلى منين ... هو إنت بتراقبنى و لا حاجة .
لم يحيد بعينيه عن عينيها و أجابها ببرود رغم قوة نظراته :
_ هو أنا اللى براقبك برضه .
كتفت ذراعيها أمام صدرها و فى إحداهما حقيبة يدها وفى الأخرى أكياس البقالةو قالت ساخرة :
_ لأ أنا اللى براقبك مش كده .
إبتسمت عيناه بخفوت على هيأتها بينما لم تصل لشفتيه القاسية ... ضاعت هى مع إبتسامة عينيه الغريبة و الجميلة .. و لكنه مجددا يقطع حالة تأملها قائلا بجمود :
_ إنتى بتطلعيلى فى كل مكان بروحه ... أكيد مش صدفه يعنى .
رفعت عيناها بملل و ضجر و قالت بنبرة مسرحية :
_ لأ بجرى وراك من جمالك .... ده إنت متواضع قوى .
ضيق عينيه قليلا و سألها بفضول :
_ إنتى ساكنة هنا و لا إيه ؟!
أجابته و هى تحرك تلك الحقائب التى تحملها لا ذراعيها و قالت بضيق :
_ أيوة .... أنا جديدة هنا و أنا و ماشية توهت ... لقيت نفسى فى المكان الغريب ده .... و لقيت الحيوان اللى إنت ضربته ده قدامى .
إستغل فرصة إسترسالها فى الحديث و تأملها بعمق سابحا فى بحر عينيها لغزه المرهق و حركة ذراعيها القوية و تصلب ملامحها الناعمة و إرتجافة جسدها و التى تخفيها ببراعة راسمة تلك الشخصية القوية ... الواهية ... ما أن إنتهت حتى سألها بجمود :
_ إنتى من بيت مين ؟!
قطبت حاجبيها فى محاولة منها لفهم مقصده و لم تتمكن فقالت ببلاهه :
_ مش عارفة هو بيت مين .... بس تيتة عايشة فيه .
لم يستطع كبح زمام إبتسامته أكثر فخرجت للنور على شفتيه مما إستفز غزل فسألته بحدة :
_ بتضحك ليه ... أنا قولت حاجة تضحك .
أخفى إبتسامته مسرعا و إرتدى ذلك الوجه الصلد البارد و سألها موضحا أكثر :
_ طب جدتك بيتها ده فين ؟!
تقلبات وجهه جعلتها تتأمله دون خجل ... كم تتمنى الآن أن يتوقف الزمن و كل شئ حولها لتتأمله بأريحية و تستنشق عطره كاملا ... طرق عقلها جمجمتها ينبهها أنها تمادت مع شخص غريب بنظراتها فتصنعت القوة مجددا طبعا و أجابته محركة عنقها كمهجة قائلة بسخرية :
_ مالكش فيه ... سلام يا ..... .
مال نحوها قليلا و قال هامسا بصوته الرجولى .. الدافئ :
_ العوو ... أنا ... العوو
للمرة الثانية يطرق عقلها جمجمتها بقوة أكبر لتعود لرشدها بعدما ذابت مع سخونة أنفاسه التى لفحت وجهها و عادت لجمودها اللعين مجددا و رفعت سبابتها و الوسطى و لامست بهما جبهتها و قالت بضحكة عالية :
_ حصلنا الرعب ... يا .... يا عوو .
و عدلت من حقائبها و حدجته مطولا و أشاحت بعينيها بغرور و تركته و إبتعدت ...
وقف يطالعها بغضب من طريقتها الطفولية .. و المستفزة ... و ملابسها الرقيقة ... و المثيرة حد النفور ....و ملامحها الآخذة ...و المغرية بتقزز .....
وكل هذا بكفة و عينيها بكفة أخرى ... عقله يقسم بكل ثقة أنه رآها سابقا و لكن أين .... إنتبه لوقفته الطويلة فدس كفه بجيب بنطاله و أخرج علبة سجائره و إلتقط إحداهن و دسها بين شفتيه وأشعلها وسحب نفسا طويلا و زفره بشرود ثم تحرك ناحية الوكالة .
بعد سؤالها لأغلب المارة وصلت أخيرا لمنزل جدتها .. .. كانت على وشك السجود و تقبيل الأرض لأنها وصلت أخيرا ....
طرقت الباب ففتحت لها ليال بإبتسامتها المشرقة و التى تلاشت و هى تتطلع لشحوب وجهها ... ولجت غزل مسرعة و وضعت عنها الحقائب و إلتفتت لليال و قالت بوهن :
_ السلام عليكم .
أجابتها ليال بعدما إستعادت إبتسامتها :
_ و عليكم السلام .
تطلعت غزل ناحية غرفة جدتها فوجدتها مغلقة ... فإلتفتت لليال و سألتها بتعجب :
_ هى تيتة نايمة يا لولو .
أومأت ليال برأسها و قالت بهدوء :
_ أيوة يا حبيبتى ... أصلها بتاخد علاج بيخليها تنام دلوقتى .
إرتمت غزل بجسدها على الاريكة .. فسألتها ليال بقلق :
_ مالك يا غزل إنتى كويسة .
هزت غزل رأسها نافية و قالت بضيق :
_ لأ ... ده أنا حصلى حتت موقف مرعب و غريب فى نفس الوقت .
قطبت ليال جبينها و قالت بخوف :
_ موقف إيه ... حد عملك حاجة ؟!
خلعت غزل حجابها و زفرت بحدة قائلة :
_ الحمد لله على كل حال .
جلست بجوارها و ملست على ذراعها قائلة بحنو :
_ إحكيلى يا غزل إيه اللى حصل .
إنتزعت غزل رابطة شعراتها و نثرته ليتنفس و أجابتها بإرتباك :
_ و أنا جاية على هنا توهت ... و لقيت نفسى فى مكان غريب مافيش فيه حد و لاقيت واحد ضخم كده وقف قدامى و قعد يقولى يا قطة و عاوزك و تعالى معايا .
ثم رفعت ركبتها و ثنتها و جلست فوقها و تابعت حديثها بإهتمام :
_ مين بقى أنا موت من خوفى ... و حاولت أبعد عنه فمسك إيدى قمت صرخت بصوت عالى ... تتوقعى إيه اللى حصل بعد كده .
وضعت ليال كفيه أسفل وجنتيها و إستندت بذراعيها على ساقيها و سألتها بتلهف :
_ إيه اللى حصل إحكى بسرعة ؟!
لملمت غزل شعراتها على جانب واحد و تابعت قائلة بإبتسامة هادئة:
_ فاكرة الشاب اللى خلصنى من إسلام .
أومأت ليال برأسها فأردفت غزل قائلة :
_ لقيته واقف قدامنا وهدده و شد إيدى منه و وقفنى وراه تانى و ضربه وعلم عليه و باعدين شدنى من إيدى لغاية ما بعدنا عن الحيوان ده ... و إيه بقا لما سألته إسمك إيه .
إبتسمت بسخرية و قالت :
_ يقولى العوو .
إعتدلت ليال بجلستها و مررت أناملها بشعراتها و قالت بتعجب :
_ يعنى اللى قصدك عليه ده يبقى العوو .... مش معقول الصدفة دى .
عقدت غزل حاجبيها و قالت مضيقة عينيها فى محاولة منها للفهم :
_ قصدك إيه و مين العوو ده ؟!
ضحكت ليال بسخرية و قالت موضحة :
_ العوو يبقى إبن عم رامى خطيبى ... و أخو حمزة جوز ميناس .
رفعت غزل حاجبيها بدهشة و قالت و هى لم تستوعب بعد :
_ فعلا غريبة !!!
ثم نفضت رأسها و قالت بإرهاق :
_ هتغدينى يالا علشان جعانة جدا .... و جهزى نفسك علشان بعد الغدا هنروح لميناس .
صفقت ليال بفرحة طفولية باتت غزل تعشقها و قالت بسعادة :
_ أنا مبسوطة قوى أخيرا هشوفها دى وحشتنى جدا.
ثم تلاشت فرحتها ببطء و قالت بقلق :
_ بس لسه هكلم رامى أول أسأله يمكن ما يوافقش .
زمت غزل شفتيها و قالت بضيق :
_ يادى النيلة عليا ... قومى من قدامى يا بت إنتى ... Stupid .
تقوس فم ليال بحزن و قالت بعتاب ناعم مثلها :
_ أنا غبية يا غزل .. هخاصمك و مش هأكلك بقا .
ضحكت غزل على طريقتها الطفولية و إجتذبتها لصدرها و ضمتها قائلة بمداعبة :
_ طب أهون عليكى ما أكلش يا أحلى غبية فى الدنيا .
لفتها ليال بذراعيها و إبتسمت قائلة :
_ لأما تهونيش ... إدخلى أوضتك صلى و غيرى هدومك و أنا هحضر الأكل و أصحى تيتة .
قبلتها غزل بوجنتها و تركتها و وقفت و توجهت لغرفتها ... حملت ليال أكياس البقالة و توجهت ناحية المطبخ و بدأت برصهم ...
بعدما إنتهت من تحضير الغداء ... جففت كفيها بمنشفة المطبخ و حملت هاتفها و هاتفت رامى و إنتظرت رده حتى أجابها قائلا بصوته الرجولى الذى يدغدغ قلبها :
_ ألو .
ضربت ليال جبهتها بعدما إخترق صوته قلبها لا أذنيها و توترت أنفاسها و رامى مستمتع بتأثيره عليها و إنتظر حتى هدأت و أجابته قائلة بصوت يكاد يكون مسموعا :
_ أيوة .
إبتسم بخفوت و سألها بلهفة :
_ أخبارك إيه يا عسلية .
أجابته برقة :
_ الحمد لله كويسة ... كنت عاوزة أطلب منك طلب .
أجابها بجدية أرعبتها :
_ طلب إيه .... قولى .
أجابته بتوتر ظهر بتلعثمها و هى تقول :
_ أصل .... أصل غزل عاوزة تروح تزور ميناس و ... و عوزانى معاها .
و أغمضت عينيها بتوجس من ردة فعله ... ساد الصمت لثوانى قبل أن يجيبها بهدوء :
_ حمد الله على سلامتها .
لم تكن تتوقع هذا الرد و لكنها أعادت سؤالها مجددا بصيغة أخرى :
_ الله يسلمك .... هاه قلت إيه ؟!
أجابها على الفور :
_ جهزوا نفسكم و أنا هوديكم عندها كمان ساعة .... كويس .
إبتسمت ليال بفرحة و قالت :
_ أيوة كويس جدا ... شكرا بجد .... أول ما نجهز هتصل بيك .
إبتسمت شفتيه و هو يتخيلها أمامه و تبتسم له إبتسامتها الخلابة و التى تفقده ترشده فقال بهمس ناعم :
_ هستناكى ... هتوحشينى قوى ... سلام .
تنهدت مطولا و قالت بهيام :
_ سلام .
و أغلقت الهاتف و ضمته لصدرها بجوار قلبها و الذى ينبض فقط لأنه يعشقه بجنون ... وصلها صراخ غزل الذى أخرجها من حالة الهيام إلى أرض الواقع و هى تقول بغضب :
_ جعاااانة ... إخلصى يا ليال بقا .
هزت ليال رأسها بإستنكار و قالت بصوت عالى :
_ ثوانى و هيبقى قدامك ... صحى تيتة إنتى .
_ حاضر .
فى منزل صبرى السعيد جلس الجميع حول مائدة الطعام ..... إنتبهت زينب لسرعة رامى فى تناول وجبته فسألته بتعجب :
_ ما تاكل زى الناس يا رامى متسربع على إيه ؟!
أجابها و هو يقف مسرعا :
_ معلش يا ست الكل مستعجل ... أصلى هوصل ليال و بنت خالتها عند ميناس .
رفعت زينب حاجبها بتعجب و قالت بتلهف :
_ هى غزل رجعت من بلاد بره .
قال لها رامى و هو يتوجه لغرفته :
_ أيوة ... هدخل أغير هدومى ... بعد إذنكم .
إبتلع صبرى ما فى فمه و أجابه بهدوء :
_ إذنك معاك يا إبنى .
بينما تطلعت زينب ناحية فارس لتستشف ردة فعله من خبر عودة غزل فوجدته بعالم آخر شاردا بالبعيد ... فوخزته بكفه و قالت بقلق :
_ فى إيه مالك يا فارس ... سرحان و مش بتاكل يعنى !!
إنتبه فارس من شروده بتلك المجنونة و التى تظهر له من العدم بصراخها المزعج و اجاب والدته مستفهما :
_ هاه .... بتقولى حاجة يا حاجة .
مصمصت شفتيها و قالت بسخرية :
_ لأ يا أخويا سلامتك ... كمل أكلك .
تطلع فارس بمهاب و الذى يجاهد فى قطع قطعة لحم بسكينته ... فإبتسم بهدوء و إحتضن كفيه بين راحتيه و عاونه فى قطعها قائلا بحدة :
_ بقالك ساعة بتحاول ... يا صبرك ... كنت قولى و أنا أقطعهالك .
هز مهاب رأسه رافضا و قال بقوة :
_ لأ لازم أتعود أنا ... الميس علمتنا إزاى نقطعها فى حصة الإتيكيت .
زمت زينب شفتيها و حركتهما يمينا و يسار بسرعة فى حركة تعلمها أغلب الأمهات المصريات و قالت بحدة :
_ النبى عربى و مالها المعلقة و صوابعك ... منظرة فارغة .
إبتسم صبرى عليهم و قال بهدوء :
_ سبيهم براحتهم يا زينب .
إلتفتت إليه و وضعت أمامه قطعة لحم بيدها و قالت بتذمر :
_ ما كانتش سنة دى اللى عاشها فارس فى القصر مع مراته الله يرحمها خليته بياكل بالشوكة و السكينة و يربى الواد على أكل الفرافير ده .. الواد كده ما يشبعش .
مضغ مهاب قطعة اللحم بتلذذ و سأل جده قائلا بتعجب :
_ هو إنتوا ليه يا جدو مش عايشين مع عمو حمزة فى القصر و عايشين هنا فى الحارة .
مسح صبرى كفيه بمحرمة بجواره و أجابه بتمهل :
_ دى قصة طويلة يا حبيبى .
ترك مهاب مقعده و ركض ناحية جده و جلس على ساقيه قائلا برجاء مصاحب بزن الأطفال المهلك :
_ إحكيلى يا جدو علشان خاطرى ... علشان خاطرى .
أجابه صبرى قائلا بملل :
_ حاضر يا سيدى هقولك .
حمل صبرى مهاب على ذراعه و إتجه ناحية إحدى الأرائك و أجلسه أمامه ... فإعتدل الصغير فى جلسته و عقد ساقيه و طالعه بإهتمام و شغف .... إبتسم صبرى على حالته و هو يذكره بفارس و هو صغير كلما قص له إحدى قصصه قبل النوم ....
إبتلع صبرى ريقه و قال بادئا سرده :
_ بص يا سيدى ... أبويا ورث القصر ده عن جدى و سكناه أنا و أبويا و أمى و عبد الله أخويا أبو رامى ... و بعد أمى ما ماتت أبويا إتجوز .... و إتجوز بنت فى سنى أنا و جدك عبد الله ... فإضطرينا نسيب القصر و جينا هنا فى البيت ده و سكنا لوحدنا .
لم يكن مهاب الوحيد الجالس يتابع قصته ... بل جلس فارس أيضا يستمع إليه بإنصات ... أردف صبرى قائلا بهدوء :
_ و أنا يا سيدى إتجوزت ستك زينب فى الشقة دى .... و جدك عبد الله إتجوز فى الشقة اللى فوق ... و خلاص إتعودنا على الحارة و على العيشة فيها .. و لما جه أبوك يتجوز أمك إتجوزها فى القصر و لما ماتت الله يرحمها رجع زى إحنا ما رجعنا .
فسأله مهاب بتلقائية :
_ و لما بابا يتجوز تانى هنروح نعيش فى القصر .
إتسعت عينى فارس بذهول من حديثه ... بينما أجابه صبرى و هو يحدج فارس بنظرات ذات مغزى :
_ و الله لما يقابل بنت الحلال اللى إستناها عمره كله إنها ترجع .... ساعتها هتروحوا تعيشوا فى القصر .
تعمق فارس بنظرته ناحية والده فى محاولة منه لفهم مقصده .. حتى أخرجه من تفكيره المتعمق صوت رامى قائلا و هو ينصرف :
_ سلامو عليكو يا جماعة .
و أغلق ورائه الباب ... إلتفت ناحية والده مجددا فوجده يداعب الصغير بحماس .... لم تغب كلمات والده عن عقله و هو يتسائل بفضول عن من تحدث والده و من هى تلك العائدة .
دفعه بقوة فتعثر إسلام قليلا و منع نفسه من السقوط بينما تابع فارس حديثه و هو يفرد جسده ليرهبه قائلا بشراسة :
_ و إلا .... هعمل معاك الغلط .
إزدرد إسلام ريقه بصعوبة و عدل من ملابسه و تطلع ناحية غزل و قال لها بحدة :
_ مش هسيبك ... و هخليكى تندمى ندم عمرك .
أشاحت غزل بذراعها و قالت بإستخفاف من تهديده و هى تحتمى بذلك العملاق الواقف أمامها :
_ يا عم إجرى ... أنا ندمانة إنى شوفتكم أصلا .
عض إسلام على شفته و قال بصوت محتقن :
_ مش هسيبك صدقينى و هرجعك ليا .
إمتعض وجهها و قالت بحدة :
_ لو راجل بجد إبقى قربلى تانى .
إبتعد إسلام بضيق و هو يتوعدها و عينى فارس تتابعه حتى إختفى ... ثم وضع يديه بجيبى بنطاله و إلتفت إليها ببطء شديد متفرسا لملامحها ... فها هى صاحبة الصوت و الذى طالما لازمه بصراخه المستنجد ...
لم ينجذب من قبل ناحية إمرأة مهما كانت على قدر من الجمال و الجاذبية . و لكنه الآن يطالع حورية ...
حورية من حوريات الجنة و التى وُعد بها المؤمنون ... جمالها فريد و قاتل و محطم لقوة أى رجل مهما كانت صلابته ... و من الواضح أنها تعلم جيدا قيمة السلاح التى تمتلكه ...
لأول مرة ترتبك من نظرات شخص ناحيتها ... لقد إعتادت على نظرات الإعجاب و لكن نظراته هو لامست شيئا ثمين تخبئه بداخلها ....
تصنعت الصلابة و القوة كعادتها و تنفست بهدوء و خرج صوتها ناعما و هى تقول بإمتنان :
_ متشكرة جدا ..... بعد إذنك .
وصل لأذنيه همس الحوريات الناعم .. فإرتبكت فرائصه مخلفة ورائها ضيق و عبوس من تلك الأمور الدخيلة و التى يشعر بها لأول مرة بحياته ...
جذبت غزل حقيبتها و إبتعدت عنه و هو يتابعها بعينيه ... حتى إختفت داخل سيارة أجرة أقلتها و إنطلقت .... وقف مكانه و أغلق عينيه مستنشقا تلك النسائم الساحرة التى خلفتها ورائها ......
فتح عينيه و هو يعتصر عقله أين رأى تلك الملامح من قبل ... و العجيب أنه رأى تلك العيون من قبل أيضا ... حاول جاهدا فلم يتوصل لشئ ... نفض تلك الأفكار من رأسه و عاد لسيارته مرة أخرى ....
وقفت غزل مرة أخرى تتابع ذلك القصر بضيق ... ففى كل مرة تراه به تتذكر شيئا ... فها هى تتذكر نفسها و هى صغيرة و ضفيرتها تهفو خلفها مع ركضها حاملة لدميتها و صوت ضحكاتها المرحة يعلو و يعلو و هى تطالع تلك الكف الحانية الصغيرة و هى تجتذبها ...
و فجأة كسى الخوف ملامحها و هى تتذكر دميتها التى تلطخت بدماء كثيرة ... حاولت تذكر دماء من كانت و لكن دون جدوى ......
إلتفت و عبرت الطريق مسرعة حتى وقفت أمام الطريق المؤدى إلى الحارة و هى تسأل نفسها بقلق :
_ يا ترى إيه اللى مستنينى هنا ... يا رب خليك معايا .
تنفست مطولا و إنطلقت سيراً تجذب حقيبتها ... إقترب منها ذلك الصغير مجددا و قال بإبتسامة متسعة :
_ إيه ده رجعتى بسرعة أهه .
إبتسمت غزل و قالت بمداعبة و قد نسيت مع إبتسامته البريئة كل ما مر بها فى هذا اليوم و أجابته بتلقائية باتت تفتقدها مع المحيطين بها :
_ مش قولتلك إنى مش هتأخر ... أنا بقى هعيش فى الحارة دى زيك و هنبقى جيران .
تهللت أساريره بفرحة و قال و هو يقفز من السعادة :
_ هو ده الكلام ..... إنتى هتروحى عند ستى رأفة تانى .
أومأت غزل برأسها و أجابته قائلة بهدوء :
_ أيوة يا .... إنت إسمك إيه ؟!
عدل من ياقة قميصه و قال بغرور مازحا :
_ إسمى أحمد يا مُزة .
صفعته غزل على رأسه و قالت مازحة :
_ مُزة فى عينك .
وضع يده على عينه و سبل الأخرى قائلا بوله :
_ آه يا عينى ... و آه يا قلبى كمان ..... إنتى قمر هو فى حلاوة كده .
ضحكت غزل ضحكة عالية ... فتلفت أحمد حوله بتوجس و قال لها بضيق :
_ وطى ضحكتك دى مش كفاية لبسك الشمال ده .
بعثرت شعراته بأناملها و قالت بلوم :
_ أنا لبسى شمال يا أحمد .
_ بصراحة بقا لو هتعيشى هنا لازم تلبسى طويل شوية و واسع شويتين تلاتة .... ده أنا من ساعة ما مشيت معاكى و عيون الشباب هتخرج من وشهم .... لولايا ربك كان عالم هيتعمل معاكى إيه .
وقفت أمام بيت جدتها و قالت بإبتسامتها الساحرة :
_ حاضر يا سيدى هفكر فى اللى قولته ..... و إنت معايا برضه علشان تحمينى صح .
ذاب مع إبتسامتها و غمز لها بعينه قائلا :
_ ده أنا أحميكى بعنيا ... هو ممكن أبقى أزورك .
_ أكيد .... سلام .
و لوحت له بيدها و دلفت لمدخل البناية حاملة حقيبتها الثقيلة ... حتى وصلت لباب شقة جدتها ... إلتقطت أنفاسها و طرقت الباب ....
فتحت لها ليال التى قابلتها بعبوس قائلة بتذمر :
_ إتأخرتى ليه يا غزل .... قلقنا عليكى .
زفرت غزل بضيق و قالت بإرهاق :
_ هنتكلم على السلم يا ليال ... أنا يومى كان طويل و متعب جدا دخلينى أول .
أتاهم صوت أنثوى غليظ يقول بسخرية :
_ مين السحلية دى يا ليال ....... دى قريبتكم .
إلتفتت غزل خلفها و قالت بضيق و هى تتطلع نحوها :
_ هو يوم باين من أوله .
وقفت كلا من ليال و غزل تطالعا تلك المتطفلة عليهما بضيق ..... فإبتلعت ليال ريقها بتوتر و أجابتها بتلعثم :
_ دى .... دى غزل بنت خالتى حور .
و فجأة ضحك ذلك الكائن الأنثوى ذو الوزن الزائد و الطول الفاره و المرتدى عبائه ضيقة ضحكة رنانة طويلة ... رفعت غزل حاجبيها و هى تتطلع إليها بتعجب من ضحكتها و التى سمعتها من قبل فى فيلم كانت بطلته راقصة ... أرادت و بشدة أن تصفق لها و تقول بإعجاب " عاش النفس " و لكنها إلتفتت ناحية ليال المذعورة و سألتها بريبة :
_ مين دى يا ليال .
أجابتها ليال و هى تحتمى بباب شقتها من خوفها قائلة :
_ دى الآنسة مهجة جارتنا .
ضحكت غزل بسخرية و إلتفتت ناحية مهجة و قالت بقوة :
_ أهلا يا جارتنا ....فى بقا سبب لسؤالك و لا فضول منك و خلاص .
رفعت مهجة حاجبها الرفيع بضيق و هبطت درجتين من الدرج و قالت و هى تحرك عنقها يمينا و يسارا ببراعة كتلك الراقصة بالفيلم :
_ لأ بنتعرف يا عنيا .. قولتيلى بقا إسمك غوزل ... و لا غزالة ... ولا إيه .
إبتسمت غزل ساخرة و قالت بثقة و هى تقترب منها ببطء :
_ إسمى غزل ... غزل يا ااااا .
حاولت تذكر إسمها و التى قالته ليال منذ لحظات .. فقالت بتلقائية بريئة :
_ يا اااا ..... يا بؤجة .
دخلت ليال فى نوبة ضحك عالية حد الدموع .... و قالت بلهاث :
_ بؤجة .... ده إنتى جبارة يا غزل .
لم تفهم غزل مقصدها و لكنها إقتربت أكثر من مهجة و مالت برأسها يمينا و يسارا تطالع ضخامة إمكانياتها و طولها قائلة بمزاح :
_ و إنتى بقا يا آنسة معاكى تصريح بالإرتفاعات الزيادة و البروز الأوفر دى و لا .... شكلى كده هطلعلك طلب إزالة .
زادت ضحكات ليال بصوت عالى و قد إنحنت قليلا و صفعت ركبتيها .... بينما صكت مهجة أسنانها و قالت بغضب :
_ لعبتى فى عداد عمرك يا سحلية إنتى .
و هبطت الدرجات الفاصلة بينها و بين غزل بسرعة ... فواجهتها ليال قائلة بتحذير قوى :
_ هكلم رامى و إنتى عارفاه و مجرباه قبل كده .... لو فكرتى تلمسى غزل أو بس تبصيلها بعنيكى .
وقفت مهجة أمام غزل و حدجتها بغضب و قالت من بين أسنانها :
_ مسيرك هتقعى تحت إيدى يا سحلية إنتى و ساعتها هتندمى ندم عمرك .
و تركتهم و صعدت لشقتها و شحمها ينتفض مع حركتها الغاضبة .... زفرت غزل بإرهاق و قالت بوهن :
_ لأ بجد ده يوم عمرى ما هنساه .... يالا ندخل يا ليال لتحصل حاجة تانية .
ولجا للشقة فإرتمت غزل بجسدها على أقرب أريكة ... أتاهما صوت رأفة قائلة :
_ غزل جت يا ليال .
ردت عليها مسرعة :
_ أيوة يا تيتة ... هترتاح من السلم و تجيلك .
أسندت غزل رأسها على الأريكة و قالت بتعب :
_ محتاجة شاور سخن أريح بيه أعصابى و بعد كده عاوزة أكل خروف جعانة جدا .
إبتسمت ليال برقة و قالت و هى تحدجها بإشفاق :
_ فعلا قومى خدى شاور و أنا محضرالك أكل كتير جدا ... ملوخية ... و فراخ مشوية ... و طاجن لسان عصفور ... و مكرونة بشاميل .
إبتلعت ريقها الذى إنطلق مع وصف ليال و تحسست معدتها قائلة بجوع :
_ أنا بقول أكل الأول و بعد كده أبقى آخد شاور .... حضرى الأكل يا لولو على ما أصلى .
فى المساء جلست غزل و معها ليال بالشرفة الواسعة و تحيطهم بعض النباتات العطرية و التى أضافت لجلستهم عطرا مريح للأعصاب .... إرتشفت غزل من قهوتها .... بينما تنفست ليال مطولا و زفرته على مهل قائلة بإبتسامتها الهادئة :
_ الجو النهاردة حلو جدا .
إحتضنت غزل كوبها بين راحتيها و غمزت لليال بعينها قائلة بعبث :
_ قوليلى يا لولو مين رامى اللى إنتى خوفتى بيه بؤجة ده .
ضحكت ليال بخجل و رفعت كفها أمام وجهها متطلعة بخاتم خطبتها الذهبى بشوق و قالت برقة :
_ خطيبى .
رفعت غزل حاجبيها بتعجب و قالت :
_ مبروك ........ بتحبيه بقا .
تنهدت ليال تنهيدة حارة وأجابتها بإقتضاب :
_ لأ .
ضيقت غزل عيناها و وضعت كوبها على الطاولة و إلتفتت إليها قائلة بدهشة :
_ نعم !!! مش بتحبيه ........ أمال مخطوبين إزاى .
هدأتها ليال قائلة بسرعة :
_ إهدى يا ماما ..... أنا بحبه طبعا بس كلمة بحبه دى قليلة قوى على اللى حساه ... إنتى عارفة يا غزل أنا فتحت عنيا على الدنيا ما شوفتش غيره .
إرتاحت ملامح غزل و حملت كوبها مجددا ترتشف منه بينما أردفت ليال قائلة ببساطة :
_ هتصدقى لو قولتلك إنه خطبنى و أنا عندى 14 سنة .
بصقت غزل القهوة من فمها بعدما توقفت بحلقها و أخذت تسعل بقوة فاقدة القدرة على التنفس ... وقفت ليال مسرعة و ضربتها بضهرها بالقوة حتى إستطاعت أخذ نفسها بصعوبة ... بعدما إنتهت و إنتظمت أنفاسها حدجتها بدهشة و قالت بصوت عالى :
_ نعم !!!! are you crazy .... إنتى مجنونة يا بنتى 14 سنة !!!
جلست ليال مجددا بجوارها وقالت بإبتسامة حالمة :
_ مش هتفهمينى لأنك مش عارفة أنا و رامى عاملين إزاى ... و بنحب بعض إزاى .
أشاحت لها بيدها و قالت بضجر :
_ بناقص مش عاوزة أعرف .... طب و أختك إتجوزت إزاى ؟!
عدلت ليال من حجابها بقلق و قالت بتلعثم :
_ ب .. بلاش تعرفى أحسن .
وضعت غزل كوبها على الطاولة و وقفت و كتفت ذراعيها و إستندت على سور الشرفة تطالع الطريق من أسفلهم و قالت بضيق :
_ إصدمينى ......... واضح كده إنه إحنا التلاتة مالناش حظ .
وقفت ليال و تقدمت نحوها و وقفت بجوارها و قالت بأسى :
_ ميناس بقا حكايتها حكاية ... بعد مرض ماما و بعد بابا ما هرب و سابنا لواحدنا الحاج صبرى إهتم بينا و إتكفل بمصاريف علاج ماما و مصاريفنا ... و ده خلى ميناس تتعلق بيه هو طنط زينب مراته و ده اللى إحنا كنا فاكرينه .
إلتفت غزل برأسها ناحيتها تتابع سردها بشغف ... بنما تابعت ليال قائلة :
_ بعد موت ماما بقت تزورهم أكتر قولنا يمكن طنط زينب علشان حنينة عليها فا هى بتحب تقعد معاها ... لغاية حادثة حمزة ما حصلت لقيناها مهتمية بيه جدا و بتعمله كل اللى بيحتاجه .... و فجأة عمى صبرى طلبها لحمزة و قولنا كلنا إنها هترفض بس صدمتنا و وافقت .
سألتها غزل بفضول :
_ و كنتم متوقعين رفضها ليه ؟!
تنهدت ليال بأسى و قالت بحزن :
_ لأن حمزة مشلول و قاعد على كرسى بعجل .
شهقت غزل بقوة و إتسعت عيناها بذعر كادا أن يخرجا من محجريهما و صاحت بها قائلة بغضب :
_ مشلول .... ده... دى أكيد لسه آنسة صح .
أومأت ليال برأسها و أجابتها قائلة بألم :
_ أيوة آنسة .
ضربت غزل بقبضتها سور الشرفة و قالت بغضب :
_ و إزاى الحاج صبرى ده يعمل فيها كده هو علشان مافيش حد معاكم يظلم ميناس بالشكل ده .
ربتت ليال على كفها برقة و قالت بهدوء :
_ ما تظلميش عمى صبرى يا غزل ... إنتى مش عارفة هو عمل و بيعمل إيه علشانا .... ميناس هى اللى عملت كده و حسست حمزة إنه رغم إصابته إنه أحسن واحد فى الدنيا ... و هو عوض النقص اللى فيه بنظراتها و كلامها ... فا حب يثبت رجولته و إنه لسه مرغوب فيه و طلب يتجوزها و عمى صبرى و طنط زينب رفضوا و كلنا رفضنا .
توقفت قليلا لإلتقاط أنفاسها و تهدئة دقات قلبها و تابعت قائلة بألم :
_ بس ميناس وافقت و ضغطت علينا و قعدت بالأيام ماتاكلش ... لغاية ما تيتة خافت عليها و وافقت يتجوزها ... ما حدش كان يعرف إنها راحت لعذابها برجليها .
قطبت غزل جبينها بتوجس و سألتها بقلق :
_ قصدك إيه بإنها راحت لعذابها برجليها ؟!
إحتقن وجه ليال وقد خانتها دموعها و سقطت على وجنتيها و قالت بصوت مختنق :
_ لأن الأستاذ حمزة كل يوم يصبحها بعلقة و يمسيها بعلقة .
مررت غزل كفها على وجهها فاقدة صبرها و هتفت بعبوس :
_ و إنتوا ساكتين إزاى ... مستنين لما فى مرة يتهور و يموتها .... أنا حاسة إن مخى هينفجر .. اللى إنتى قولتيه ده حقيقى .
كتفت ليال ذراعيها أمام صدرها و قالت بمرارة :
_ قولتلك بتحبه يا غزل و حاولنا أكتر من مرة نطلقها منه بس هى رفضت و متمسكة بيه جدا .... دى حتى سابت الكلية بتاعتها علشان تفضل جنبه زى ما هو أمرها طبعا .
ضغطت غزل شفتيها و قالت من بين أسنانها من شدة حنقها :
_ حب إيه و زفت إيه ... دى مجنونة .
أجابتها ليال من بين دموعها بشرود :
_ ربنا يهديها للطريق الصح .
كففت غزل دموعها الهادئةو قالت بإبتسامة باهتة لتغير الموضوع :
_ و إنتى بقا فى كلية إيه و سنة كام .
تنحنحت ليال بقلق من ردة فعل غزل و قالت بخوف :
_ أنا آخر سنة كلية تجارة و الحمد لله بنجح بتقدير جيد جدا كل سنة ... بس ..... مش بروح الجامعة و بذاكر فى البيت .
لوت غزل ثغرها و سألتها بريبة :
_ و الله خايفة أسألك ليه .
مسحت ليال أنفها الذى تورم من بكائها بكم عبائتها و قالت بإرتباك :
_ أصل .... رامى مانعنى أنزل الشارع و أيام الإمتحان هو بيودينى و بيجبنى ... و طلبات البيت هو اللى بيجيبها .... و كل حاجة ليها علاقة بيا هو المسئول عنها .
رفعت غزل كفيها و لوحت بهما بفقدان صبر و قالت بضيق :
_ لا كده كتير أنا أدخل أقعد مع تيتة أحسن ما أرميكى من البلكونة و أخلص منك و أريحك و أرتاح .
ضحكت ليال عليها و فجأة تصلبت ملامحها و قالت بتنهيدة طويلة :
_ رامى .
و إلتفتت مسرعة تطالع الطريق .... و قفت غزل بجوارها تطالع ما بدل حالها فرأتها تتطلع ناحية سيارة چيب عالية ... ترجل منها شابا طويل يرتدى چاكيت بدلة إسود و تي شيرت أبيض و بنطال چينزى ضيق و يبدو عليه الهيبة و الجلالة رغم وسامته الهادئة ... زمت غزل شفتيها و قالت بسخرية :
_ هو ده بقى روميو .
أومأت ليال برأسها و قالت بلهفة :
_ أيوة .
ضيقت غزل عينيها و هى تتابع لهفتها و تنهيداتها المشتعلة ... و عندما إكتفت قالت بضيق :
_ لأ أنا ماليش فى السهوكة دى ...... أنا هروح أقعد مع تيتة أحسن .
و تركتها و دلفت للداخل ... أغلق رامى سيارته و رفع عينيه صوب شرفة حبيبته فتكحلت عينيه برؤيتها تبتسم إليه بهدوء .... بادلها إبتسامتها و دلف لبنايتهم المقابلة لبناية رأفة ...إلتفت ليال و إستندت بظهرها على سور الشرفة و رفعت كفها ناحية قلبها المنتفض بقوة ... ثم رفعته تتحسس حرارتها العالية و سخونة و جنتيها من مجرد رؤيته .....
حملت الأكواب و دلفت للشقة ..... بينما تمددت غزل بجوار رأفة فى فراشها و قالت بكسل :
_ أنا هنام فى حضنك النهاردة يا تيتة .
إجتذبتها الجدة لحضنها و قالت و هى تحدجها بحنان :
_ رغم إنك شبهى و أنا فى سنك ... بس شايفة فيكى حور بنتى .... تعرفى يا غزل لما وصلنى خبر موتها وقعت من طولى و من ساعتها و أنا راقدة فى السرير بقالى خمس سنين .... الله يرحمها .
إبتلعت غزل تلك الغصة المؤلمة و التى تصيبها كلما تذكرت والدتها و تذكرت ما حدث معها و لكنها قالت بأسى :
_ كانت هتموت و ترجع مصر مافرحتش ثانية واحدة هناك .... و كانت بتشتغل و تصرف على نفسها و رفضت تاكل من فلوس بابا الحرام ... وقتها ما كنتش فاهمة هى بتعمل كده ليه ... بس باعدين فهمت .
توقفت عند هذا الحد و لم تكمل ما حدث مع والدتها و حادثة موتها و هذا ما حولها و جعلها تكره الرجال جميعا و أولهم والدها ...... حاولت تغيير الموضوع فبحثت حولها قائلة بمداعبة :
_ هى ليال راحت فين إختفت يعنى .
إمتعض وجه رأفه و زمت شفتيها بضيق و قالت بحدة :
_ أكيد رامى جه و بتكلمه .
إنتبهت غزل لتبدل ملامح جدتها فسألتها بقلق :
_ مالك يا تيتة .... إتغيرتى لما جت سيرة اللى إسمه رامى ده .
أجابتها بصوت قاتم و قالت بأسى :
_ أنا عارفة إنه بيحبها و بيحبها قوى ..... بس تحكمه فيها و سيطرته عليها مخوفنى لتبقى زى أختها حياتها كلها ضرب و إهانة ... و هى هبلة ماشية وراه لو قالها إرمى نفسك فى النار مش هتتأخر .
رفعت غزل عينيها ناحية رأفة و قالت بحزم :
_ ما تقلقيش يا تيتة موضوع ميناس أنا اللى هحله إن شاء الله ... لازم اللى إسمه حمزة ده يعرف إن ليها ضهر .... أما بقا الهيمانة هانم ليال فأنا وراها لغاية ما يبقى ليها شخصيتها و تبقى قوية .... و لو اللى إسمه رامى ده فكر يزعلها هيلاقينى قدامه .
إحتضنتها الجدة بشدة و قالت بحنو :
_ رجعتى فى وقتك يا حبيبتى .... لو جرالى حاجة يا غزل ليال و ميناس فى رقبتك يا بنتى دول غلابة قوى .
دفنت رأسها بصدر جدتها الرحب و قالت بعزم :
_ ما تقلقيش يا تيتة عليهم و ربنا يديكى الصحة و يخليكى لينا .
ملست الجدة على شعراتها السوداء الناعمة و قالت بضيق :
_ قوليلى يا بنتى الواد إبن عمك ده زرق دراعك كده إزاى .
دلفت ليال الغرفة و على ثغرها إبتسامة بلهاء و وجنتيها متوردتين بشدة .... تطلعا الإثنان ببعضهما و دخلا فى نوبة ضحك على هيأتها الملتاعة ... تطلعت ليال نحوهم و قالت بغضب :
_ بتضحكوا على إيه ؟!
أشاحت غزل بيدها و قالت بسخط :
_ سيبك منها يا تيتة الهيمانة هانم دى .... المهم إسلام جرى و رايا و حاول يرجعنى معاه بالقوة ... فحاولت أبعد عنه و صرخت فيه .... فا جه شاب كده طول بعرض و أسمرانى و كيوت و قام ماسك إيده و شدنى و وقفنى وراه و قعد يخوف إسلام و يزعقله ... خلاه واقف قدامه زى الكتكوت المبلول .
ضربت ليال كفيها ببعضهما و قالت بتعجب :
_ عشرين سنة فى أمريكا و اللى يسمعك يقول ما فارقتيش مصر ثانية .
أجابتها غزل مسرعة :
_ لأنى كنت وقت فراغى قاعدة قدام النايل سات و بشوف كل البرامج و بعرف مصر ماشية إزاى خصوصا بعد الثورة .... ده غير إنى كنت بتفرج على الأفلام على النت و بسمع أجدد الأغانى حتى المهرجانات .... و إحنا فى البيت كنا بتكلم بالمصرى .
إبتعدت غزل عن صدر جدتها و إعتدلت فى نومتها و قالت بتثائب :
_ يالا على أوضتك يا ليال هانم ... و إطفى النور هقوم بدرى أدور على شغل .
فسألتها ليال بفضول :
_ صحيح إنتى بتشتغلى إيه ؟!
أجابتها غزل و هى مغمضة عينيها :
_ دكتورة باطنة قسم جراحة و مش عاوزة أى سؤال تانى بكرة نبقى نكمل .... يالا برة .
إبتسمت ليال و إتجهت ناحية جدتها قبلتها بوجنتها و إلتفت حول الفراش و مالت ناحية غزل و قبلتها بوجنتها و قالت برقتها الناعمة :
_ تصبحوا على خير .
و أغلقت الإضاءة و خرجت .... إبتسمت غزل و رفعت كفها ولامست مكان قبلة ليال الحنونة و قالت بداخلها :
_ أوعدك يا ليال هحميكى إنتى و ميناس من أى حد و من نفسكم و لو لزم الأمر .
و تركت النوم يتسللها ببطء و يغزوها حتى راحت فى سبات عميق ..... جدا ......
فى الصباح وقفت غزل بين يدى الله و أدت صلاة الضحى و أطالت سجودها و هى تدعوا الله أن يوفقها فى العثور على عمل مناسب .... أنهت صلاتها و بدلت ملابسها و خرجت من غرفتها .... جلست مع ليال بغرفة جدتها تتناول فطورها ... هزت ليال رأسها و هى تطالع ملابس غزل و قالت لها بمداعبة :
_ طريقة لبسك دى يا غزل ماتنفعش هنا .... إحنا فى حارة مش فى المعادى .... أنا مش مصدقة أصلا إنك خرجتى إمبارح من الحارة .
وقفت غزل و هى تمضغ أخر قطعة خبز بفمها و قالت ببساطة :
_ عادى يعنى يا لولو و باعدين أنا معايا بودى جارد و إسمه أحمد .
قطبت رأفة حاجبيها و سألتها بتعجب :
_ مين أحمد ده يا غزل .
حملت غزل حقيبتها و قالت بإبتسامة متسعة :
_ ولد صغير عنده تقريبا 8 سنين بس إيه عسل .... إدعيلى يا تيتة ربنا يوفقنى و ألاقى شغل .
مصمصت رأفة شفتيها و قالت بزهو :
_ و هما هيلاقوا دكتورة و أمريكانية و زى القمر و حفيدتى فين ..... إن شاء الله يا حبيبتى ربنا هيجبر بخاطرك و هتلاقى شغل .
أرسلت إليها غزل قبلة بالهواء و إلتفت ناحية ليال و قالت لها بقوة :
_ أنا هجيب الطلبات اللى كنتى كتباها و لو عوزتى أى حاجة كلمينى ... تمام .
أومأت ليال برأسها موافقة ... فإتجهت غزل ناحية باب الغرفة للخروج ولكنها توقفت و إستدارت ناحيتهم و قالت متذكرة :
_ صحيح كلمى ميناس و قوليلها إننا هنروح نزورها النهاردة .
إبتسمت إليها ليال إبتسامتها الهادئة و قالت :
_ حاضر يا حبيبتى ... توكلى على الله و هو هيوفقك .
لوحت لهم غزل و خرجت ... هبطت الدرج بحماس و على ثغرها إبتسامة مشرقة ... خرجت إلى الطريق بحثت بعينيها عن أحمد فلم تجده ... فهزت كتفيها بتسليم و مضت فى طريقها ...
خرج فارس و رامى من بنايتهم .. لوح فارس لرامى بيده و قال بجدية :
_ سلام يا صاحبى .
و توجه لسيارته و فجأة وصل لأنفه عطر مميز سحره بالأمس فأغمض عينيه مستمتعا بتلك النسائم الناعمة ... إنتبه رامى لحالته فإقترب منه و سأله بقلق :
_ مالك يا عوو .... إنت كويس .
أجابه فارس مسرعا :
_ إنت شامم البرفان ده .
شم رامى الهواء من حوله و هز رأسه قائلا بنفى :
_ لأ مش شامم حاجة ... برفان إيه اللى بتتكلم عنه .
هز فارس رأسه نافضا تلك الهلاوس المسيطرة عليه و أجابه بتلقائية :
_ أنا شامم برفان البنت اللى حكيت لك عنها إمبارح .
غمز له رامى بعينه و قال ساخرا :
_ الله ... هى علقتك و لا إيه يا مريسة .
سحب فارس نظارته الشمسية من فتحة قميصه و قال بضيق و هو يبتعد عنه :
_ صحيح إنت إمتياز فى الإستفزاز و أنا مش عاوز أحط عليك عالصبح ... سلام .
تابعه رامى بعينيه و هو يبتسم بمشاغبة و قال بمكر :
_ عليا النعمة علقتك .
ثم رفع عينيه ناحية شرفة ليال عله يبدأ يومه برؤيتها فلم يجدها ... تنهد بشوق و إتجه لسيارته إستقلها و إنطلق بهدوء .
بدأ الإرهاق و التعب يتملكان منها .... لم تعد قدميها قادرة على حملها بعد فناشدها جسدها أن تمنحه و لو دقائق من الراحة .... بالرغم من إعتيادها على العمل لفترات طويلة و لكنها الآن تستسلم .... مسحت بعينيها المكان من حولها فوجدت ضالتها ......
سحبت غزل مقعدا على تلك الطاولة المنزوية و تركت الحقائب البلاستيكية و الممتلئة بالبقالة و إرتمت بجسدها ناشدة الراحة و إرتخاء عضلاتها ....
كلما تذكرت ردود الأفعال أثناء إجرائها مقابلات العمل يرتاح ذهنها أيضا ....... فدراستها بأميريكا و العمل بها أيضا زود فرص حصولها على وظيفة بأسرع مما تخيلت .... ستبقى فى الإنتظار و بالغد ستعاود البحث مجددا .... إبتسمت بخفوت و هى تتذكر رحلتها متنقلة بين سيارات الأجرة و كل سائق بإقتراح جديد لمشفى أكبر ...." شكرا لسائقى التاكسى على مجهودهم " ....
وقف النادل بجوارها و سألها عن طلبها و دونه بمفكرة بيده و تركها و إبتعد .... بعد قليل إقتربت منها فتاة و وضعت طلبها أمامها بإبتسامة ودودة .... بادلتها غزل إبتسامتها و لكن بوهن و حيتها برأسها لا على تقديمها للمشروب فقط و لكن إحتراما لفرصة عملها و الذى يتعالى عليها الكثير من الشباب و يتطلعون نحوها بإزدراء و يطول إنتظارهم للمكتب الذين يطمحون به دائما مضيفين عبئا جديدا على أسرهم ........
و الأكثر إيلاما و إضحاكا أن تلك الوظيفة و التى يتعالون عليها هنا هم على أتم الإستعداد للعمل بها بدولة أخرى مهما كانت و لو على حساب عمرهم ... لماذا إذا الغربة ... فها هى أمامكم و أقلها أنك ستعود لمنزلك و تحظى بدفء أسرتك ......
دفء الأسرة ... عبارة إستوقفها عقل غزل قليلا فحملت حقيبتها على ساقها و أخرجت منه هاتفها و هاتفت ليال التى أجابتها قائلة بقلق للمرة الخامسة أو السادسة ربما :
_ أخبارك إيه يا غزل إوعى تكونى توهتى .... إسألى أى حد حواليكى و هو هيعرفك تتصرفى إزاى ... و قبل ما تركبى التاكسى إتأكدى إن السواق شكله طيب كده وإبن حلال ... و لو حد عاكسك و لا زودها معاكى بس زعقيله بصوت عالى الناس هتتلم حواليكى و لو......... .
أثناء إسترسال ليال بالحديث كانا حاجى غزل يرتفعان ببطء مع كل نصيحة حتى أنهما قاربا على ملامسة طرف حجابها .. لم تقوى على الإستماع للمزيد فهزت رأسها بقوة و قاطعت ليال قائلة بقوة :
_ بس .... إيه لوك لوك كتير ليه .... صدعتينى يا بنتى .
زمت ليال شفتيها بضيق و قالت بعتاب رقيق مثلها :
_ آسفة ... بس أنا خايفة عليكى على فكرة ... و مش قصدى أضايقك ... تقومى تزعقيلى فى الآخر .
إبتسمت غزل رغما عنها و قالت بمداعبة لتلك القطة الناعمة و البريئة :
_ أى لوك لوك تانى همنع عنك التليفون و الشباك ليوم كامل ... فهمانى طبعا .
وصل لأذنيها ضحكة ليال الجميلة و صوتها أيضا و هى تجيبها برجاء :
_ لأ كله إلا كده .... آسفة يا فندم .
وضعت غزل ساقا فوق الأخرى و إرتشفت القليل من عصير البرتقال الذى طلبته و قالت لها بجدية :
_ أنا جبت كل طلبات البيت اللى إنتى كنتى كتباها ... و بعد كده أى طلبات للبيت أنا اللى هجيبها ... و خلاص إنتوا مش محتاجين لحد ... فهمانى يا لولو .
أجابتها مسرعة بتأكيد :
_ حاضر يا حبيبتى ... المهم دلوقتى خلصتى مشاويرك .
حركت غزل عظام عنقها بإرهاق و أجابتها قائلة بالإيجاب :
_ أيوة .. خلصت النهاردة ... شوية بس و هرجع على البيت على طول ... يالا سلام دلوقتى .
_ خلى بالك من نفسك .. سلام .
أغلقت غزل الهاتف و وضعته أمامها و عادت لكوب العصير البارد و إرتشفت منه مجددا ... و بعد قليل رن هاتفها فتطلعت بشاشته ليتجهم وجهها ..... متى سيتركوها تنعم ببعض من الراحة ... رحلت عنهم و تركتهم لأطماعهم فليتركوها و لو قليلا ... تجاهلت إتصال هناء زوجة عمها للمرة المائة تقريبا و إرتشفت ما تبقى من عصيرها و وقفت و حملت أشيائها و تركت مبلغا ماليا و خرجت للطريق ....
تنفست براحة عند وصولها للحارة ... ترجلت من السيارة و تحاشت النظر ناحية القصر مجددا .... فمجرد رؤيته ينقبض قلبها ... و هذا ما حدث مع أنها لم تتطلع إليه .... جاهدت كثيرا أن تتذكر شيئا جديدا و لكن لا فائدة ....
شرودها و تفكيرها بذلك القصر جعلاها تخطئ الطريق ... تطلعت حولها بقلق فلم تتعرف على المكان المحيط بها ... تابعت سيرها فوجدت نفسها بمكان واسع و مهجور قليلا فإنقبض قلبها و شعرت بالخوف و إلتفت مسرعة للعودة و لسؤال أحدهم ... و ما أن إلتفت حتى إصطدمت بجسد رجولى ضخم قليلا منفر الرائحة ... تعلم تلك الرائحة جيدا و إحمرار عينيه أخبراها أن ما إعتقدته صحيح .... فهذا الواقف أمامها و الذى يلتهمها بعينيه شرب قدرا كافيا من الخمور جعلها تبتلع ريقها بتوجس ....
تصنعت الصلابة و القوة كالعادة طبعا و قالت له بحزم :
_ ممكن تعدينى لو سمحت .
إبتسم و هو يغوص داخل بحر عينيها الساحرة و ملامحها الجذابة و جسدها المثير .. ثم قال بجرأة :
_ هو دخول الحمام زى خروجه يا قطة .
هابته قليلا ... لا بل هابته كثيرا فقالت وهى تحاول الإبتعاد عنه و عن مرمى عينيه القبيحتين :
_ بعد إذنك عدينى .
منع تقدمها بجسده و وقف أمامها قائلا بعزم :
_ مش هتمشى ...... بصراحة إنتى دخلتى دماغى ... و أنا عاوزك .
إتسعت عيناها بذعر و إنتفض قلبها بشدة بعدما تذكرت نفسها فى موقف كهذا سابقا .... فقالت بخوف بعدما شحب لون وجهها و قد علا صراخها :
_إنت قليل الأدب .. إلحقونى .
جذبها ناحيته من ذراعها و قال هامسا :
_ ليه كده بس يا قمر ... عموما إشتمى براحتك .. على قلبى زى العسل
حاولت تخليص ذراعها قائلة بتذمر :
_ إتفضل سيب دراعى و خلينى أمشى من هنا .
قربها منه بالقوة ضاغطا على ذراعها أكثر و أغمض عينيه مستنشقا عطرها و فتح عينيه يطالع ذعرها فهمس أمام وجهها بأنفاسه الكريهة قائلا بإستثارة :
_ ريحتك جننتنى أكتر .... فتعالى معايا بالراحة بدل ما تزعلى منى .
سقط قلبها من الخوف و ضربت ذراعه التى تكبلها و قالت بصراخ عله يسمعها أحد :
_ سيب إيدى يا حيوان .
وقف مستمتعا بضرباتها و تململها بين يده ... فأتاهم صوتا جافا من الغضب يقول بقوة :
_ سيبها يا مسعد .
إخترق الصوت أذنها و لكنها لم تصدق ... فحركت رأسها قليلا فتأكد حدسها و هى تراه أمامها مجددا بهيبته و ..... وسامته ... نهرت عقلها بشدة عن أى وسامة يفكر فى حالتها تلك .... أفاقت على ضحكة منفرة من ذلك المسعد الذى قال ساخرا :
_ عاوز إيه يا إبن السعيد ....... مالك و مالى إنت .
إقترب منهما فارس بخطوات رزينة و ثقيلة و واثقة ... و خلصها من ذراعه مجددا و أوقفها ورائه مجددا أيضا و قال له ببرود واثق :
_ مش هتبطل ****** بقا .
قست نظرات مسعد ناحيته و جال بخاطره أن يستغل الفرصة و يسحب مديته و يغرزها بأحشائه و يستمتع بمنظر موته و سيل دمائه أمام عينيه و ربما يحتسى منه القليل لتهدأ نيرانه من ذلك المغرور المتعجرف و لكنه تحكم فى أعصابه و قال ببرود ليثير حنق فارس :
_ هدى أعضائك شوية ..... مالك هاجم علينا بزعابيبك أنا و القطة كده .
حدجه فارس بإحتقار و قال له مهددا بضيق :
_ إتكل على الله و زق عجلك ... أنا طافح الكوتة منك و بستنالك على غلطة .
أصدر مسعد صوتا نابيا و قال بإزدراء :
_ المفروض أنا أكش دلوقتى مش كده .
ثم مال بجسده قليلا يطالع غزل المحتمية بظهر فارس و ترتعد بخوف .... حدجها بقوة و قال بمكر عابث :
_ مستخبية ليه يا قطة ... ده أنا معجب و الله و عايزك فى كلمتين على إنفراد .
ثم إعتدل فى وقفته و طالع فارس بتحدى و أردف قائلا بصوت هازئ :
_ مش حلو نتكلم قصاد الواغش .
فإنقض عليه فارس ممسكا إياه من تلابيبه و هو يصيح بإنفعال ساخر :
_ قالك إيه بقا ...... الكلبة عضت رجلها يبقى هى اللى جابته لنفسها .
و لم يمهله وقتا و نافست سرعة قبضته التى لكمت وجهه سرعة الضوء .... ترنح مسعد قليلا فجذبه فارس مجددا و ثنى ركبته و ضربه بها أسفل معدته ... فصرخ مسعد متألما .... فدفعه فارس بقوة فسقط على الأرض ضاما بطنه بألم ... و ما أن هدأ حتى رفع عينيه ناحية فارس الواقف يطالعه بعلو و كبرياء و قال له بغضب إسود سيدفع الجميع ثمنه :
_ و حياة أغلى حاجة عندك لهتندم يا إبن السعيد .
إلتوى ثغر فارس جانبا و إبتسم مستخفا تهديده الواهى و إنحنى قليلا ليواجهه قائلا بقوة :
_ انا هربط حبل الكلام اللى هيوجعك منى ... و لينا مجال تانى نتكلم فيه يا ..... يا إبن ال .... العجوز .
كل هذا و غزل تتابع ما يحدث بإستمتاع كأنها تشاهد التلفاز و ينقصها الآن طبق فشار و مقعد و خف الفأر خاصتها و تكتمل المتعة .... أخرجها فارس من حالتها المنتشية و هو يجذبها من يدها خلفه تكاد تتعثر من وسع خطوته ..... بعدما إبتعدا قليلا سحبت يدها منه و قالت بضيق :
_ سيب إيدى إنت كمان .
إلتفت فارس ناحيتها يطالعها بتعجب و عقله يكاد يصرخ ويسأله من هذه الفتاة و لماذا تحتله و يشعر بها كلما وقعت فى مأزق ... و لكنه قال ببرود عكس ما بداخله :
_ سبتها .
رفعت سبابتها أمام وجهه فإبتعد بوجهه قليلا و هو يتابع إنفعالاتها بينما سألته هى بتعجب :
_ إنت مين بالظبط و حكايتك إيه .... بتطلعلى منين ... هو إنت بتراقبنى و لا حاجة .
لم يحيد بعينيه عن عينيها و أجابها ببرود رغم قوة نظراته :
_ هو أنا اللى براقبك برضه .
كتفت ذراعيها أمام صدرها و فى إحداهما حقيبة يدها وفى الأخرى أكياس البقالةو قالت ساخرة :
_ لأ أنا اللى براقبك مش كده .
إبتسمت عيناه بخفوت على هيأتها بينما لم تصل لشفتيه القاسية ... ضاعت هى مع إبتسامة عينيه الغريبة و الجميلة .. و لكنه مجددا يقطع حالة تأملها قائلا بجمود :
_ إنتى بتطلعيلى فى كل مكان بروحه ... أكيد مش صدفه يعنى .
رفعت عيناها بملل و ضجر و قالت بنبرة مسرحية :
_ لأ بجرى وراك من جمالك .... ده إنت متواضع قوى .
ضيق عينيه قليلا و سألها بفضول :
_ إنتى ساكنة هنا و لا إيه ؟!
أجابته و هى تحرك تلك الحقائب التى تحملها لا ذراعيها و قالت بضيق :
_ أيوة .... أنا جديدة هنا و أنا و ماشية توهت ... لقيت نفسى فى المكان الغريب ده .... و لقيت الحيوان اللى إنت ضربته ده قدامى .
إستغل فرصة إسترسالها فى الحديث و تأملها بعمق سابحا فى بحر عينيها لغزه المرهق و حركة ذراعيها القوية و تصلب ملامحها الناعمة و إرتجافة جسدها و التى تخفيها ببراعة راسمة تلك الشخصية القوية ... الواهية ... ما أن إنتهت حتى سألها بجمود :
_ إنتى من بيت مين ؟!
قطبت حاجبيها فى محاولة منها لفهم مقصده و لم تتمكن فقالت ببلاهه :
_ مش عارفة هو بيت مين .... بس تيتة عايشة فيه .
لم يستطع كبح زمام إبتسامته أكثر فخرجت للنور على شفتيه مما إستفز غزل فسألته بحدة :
_ بتضحك ليه ... أنا قولت حاجة تضحك .
أخفى إبتسامته مسرعا و إرتدى ذلك الوجه الصلد البارد و سألها موضحا أكثر :
_ طب جدتك بيتها ده فين ؟!
تقلبات وجهه جعلتها تتأمله دون خجل ... كم تتمنى الآن أن يتوقف الزمن و كل شئ حولها لتتأمله بأريحية و تستنشق عطره كاملا ... طرق عقلها جمجمتها ينبهها أنها تمادت مع شخص غريب بنظراتها فتصنعت القوة مجددا طبعا و أجابته محركة عنقها كمهجة قائلة بسخرية :
_ مالكش فيه ... سلام يا ..... .
مال نحوها قليلا و قال هامسا بصوته الرجولى .. الدافئ :
_ العوو ... أنا ... العوو
للمرة الثانية يطرق عقلها جمجمتها بقوة أكبر لتعود لرشدها بعدما ذابت مع سخونة أنفاسه التى لفحت وجهها و عادت لجمودها اللعين مجددا و رفعت سبابتها و الوسطى و لامست بهما جبهتها و قالت بضحكة عالية :
_ حصلنا الرعب ... يا .... يا عوو .
و عدلت من حقائبها و حدجته مطولا و أشاحت بعينيها بغرور و تركته و إبتعدت ...
وقف يطالعها بغضب من طريقتها الطفولية .. و المستفزة ... و ملابسها الرقيقة ... و المثيرة حد النفور ....و ملامحها الآخذة ...و المغرية بتقزز .....
وكل هذا بكفة و عينيها بكفة أخرى ... عقله يقسم بكل ثقة أنه رآها سابقا و لكن أين .... إنتبه لوقفته الطويلة فدس كفه بجيب بنطاله و أخرج علبة سجائره و إلتقط إحداهن و دسها بين شفتيه وأشعلها وسحب نفسا طويلا و زفره بشرود ثم تحرك ناحية الوكالة .
بعد سؤالها لأغلب المارة وصلت أخيرا لمنزل جدتها .. .. كانت على وشك السجود و تقبيل الأرض لأنها وصلت أخيرا ....
طرقت الباب ففتحت لها ليال بإبتسامتها المشرقة و التى تلاشت و هى تتطلع لشحوب وجهها ... ولجت غزل مسرعة و وضعت عنها الحقائب و إلتفتت لليال و قالت بوهن :
_ السلام عليكم .
أجابتها ليال بعدما إستعادت إبتسامتها :
_ و عليكم السلام .
تطلعت غزل ناحية غرفة جدتها فوجدتها مغلقة ... فإلتفتت لليال و سألتها بتعجب :
_ هى تيتة نايمة يا لولو .
أومأت ليال برأسها و قالت بهدوء :
_ أيوة يا حبيبتى ... أصلها بتاخد علاج بيخليها تنام دلوقتى .
إرتمت غزل بجسدها على الاريكة .. فسألتها ليال بقلق :
_ مالك يا غزل إنتى كويسة .
هزت غزل رأسها نافية و قالت بضيق :
_ لأ ... ده أنا حصلى حتت موقف مرعب و غريب فى نفس الوقت .
قطبت ليال جبينها و قالت بخوف :
_ موقف إيه ... حد عملك حاجة ؟!
خلعت غزل حجابها و زفرت بحدة قائلة :
_ الحمد لله على كل حال .
جلست بجوارها و ملست على ذراعها قائلة بحنو :
_ إحكيلى يا غزل إيه اللى حصل .
إنتزعت غزل رابطة شعراتها و نثرته ليتنفس و أجابتها بإرتباك :
_ و أنا جاية على هنا توهت ... و لقيت نفسى فى مكان غريب مافيش فيه حد و لاقيت واحد ضخم كده وقف قدامى و قعد يقولى يا قطة و عاوزك و تعالى معايا .
ثم رفعت ركبتها و ثنتها و جلست فوقها و تابعت حديثها بإهتمام :
_ مين بقى أنا موت من خوفى ... و حاولت أبعد عنه فمسك إيدى قمت صرخت بصوت عالى ... تتوقعى إيه اللى حصل بعد كده .
وضعت ليال كفيه أسفل وجنتيها و إستندت بذراعيها على ساقيها و سألتها بتلهف :
_ إيه اللى حصل إحكى بسرعة ؟!
لملمت غزل شعراتها على جانب واحد و تابعت قائلة بإبتسامة هادئة:
_ فاكرة الشاب اللى خلصنى من إسلام .
أومأت ليال برأسها فأردفت غزل قائلة :
_ لقيته واقف قدامنا وهدده و شد إيدى منه و وقفنى وراه تانى و ضربه وعلم عليه و باعدين شدنى من إيدى لغاية ما بعدنا عن الحيوان ده ... و إيه بقا لما سألته إسمك إيه .
إبتسمت بسخرية و قالت :
_ يقولى العوو .
إعتدلت ليال بجلستها و مررت أناملها بشعراتها و قالت بتعجب :
_ يعنى اللى قصدك عليه ده يبقى العوو .... مش معقول الصدفة دى .
عقدت غزل حاجبيها و قالت مضيقة عينيها فى محاولة منها للفهم :
_ قصدك إيه و مين العوو ده ؟!
ضحكت ليال بسخرية و قالت موضحة :
_ العوو يبقى إبن عم رامى خطيبى ... و أخو حمزة جوز ميناس .
رفعت غزل حاجبيها بدهشة و قالت و هى لم تستوعب بعد :
_ فعلا غريبة !!!
ثم نفضت رأسها و قالت بإرهاق :
_ هتغدينى يالا علشان جعانة جدا .... و جهزى نفسك علشان بعد الغدا هنروح لميناس .
صفقت ليال بفرحة طفولية باتت غزل تعشقها و قالت بسعادة :
_ أنا مبسوطة قوى أخيرا هشوفها دى وحشتنى جدا.
ثم تلاشت فرحتها ببطء و قالت بقلق :
_ بس لسه هكلم رامى أول أسأله يمكن ما يوافقش .
زمت غزل شفتيها و قالت بضيق :
_ يادى النيلة عليا ... قومى من قدامى يا بت إنتى ... Stupid .
تقوس فم ليال بحزن و قالت بعتاب ناعم مثلها :
_ أنا غبية يا غزل .. هخاصمك و مش هأكلك بقا .
ضحكت غزل على طريقتها الطفولية و إجتذبتها لصدرها و ضمتها قائلة بمداعبة :
_ طب أهون عليكى ما أكلش يا أحلى غبية فى الدنيا .
لفتها ليال بذراعيها و إبتسمت قائلة :
_ لأما تهونيش ... إدخلى أوضتك صلى و غيرى هدومك و أنا هحضر الأكل و أصحى تيتة .
قبلتها غزل بوجنتها و تركتها و وقفت و توجهت لغرفتها ... حملت ليال أكياس البقالة و توجهت ناحية المطبخ و بدأت برصهم ...
بعدما إنتهت من تحضير الغداء ... جففت كفيها بمنشفة المطبخ و حملت هاتفها و هاتفت رامى و إنتظرت رده حتى أجابها قائلا بصوته الرجولى الذى يدغدغ قلبها :
_ ألو .
ضربت ليال جبهتها بعدما إخترق صوته قلبها لا أذنيها و توترت أنفاسها و رامى مستمتع بتأثيره عليها و إنتظر حتى هدأت و أجابته قائلة بصوت يكاد يكون مسموعا :
_ أيوة .
إبتسم بخفوت و سألها بلهفة :
_ أخبارك إيه يا عسلية .
أجابته برقة :
_ الحمد لله كويسة ... كنت عاوزة أطلب منك طلب .
أجابها بجدية أرعبتها :
_ طلب إيه .... قولى .
أجابته بتوتر ظهر بتلعثمها و هى تقول :
_ أصل .... أصل غزل عاوزة تروح تزور ميناس و ... و عوزانى معاها .
و أغمضت عينيها بتوجس من ردة فعله ... ساد الصمت لثوانى قبل أن يجيبها بهدوء :
_ حمد الله على سلامتها .
لم تكن تتوقع هذا الرد و لكنها أعادت سؤالها مجددا بصيغة أخرى :
_ الله يسلمك .... هاه قلت إيه ؟!
أجابها على الفور :
_ جهزوا نفسكم و أنا هوديكم عندها كمان ساعة .... كويس .
إبتسمت ليال بفرحة و قالت :
_ أيوة كويس جدا ... شكرا بجد .... أول ما نجهز هتصل بيك .
إبتسمت شفتيه و هو يتخيلها أمامه و تبتسم له إبتسامتها الخلابة و التى تفقده ترشده فقال بهمس ناعم :
_ هستناكى ... هتوحشينى قوى ... سلام .
تنهدت مطولا و قالت بهيام :
_ سلام .
و أغلقت الهاتف و ضمته لصدرها بجوار قلبها و الذى ينبض فقط لأنه يعشقه بجنون ... وصلها صراخ غزل الذى أخرجها من حالة الهيام إلى أرض الواقع و هى تقول بغضب :
_ جعاااانة ... إخلصى يا ليال بقا .
هزت ليال رأسها بإستنكار و قالت بصوت عالى :
_ ثوانى و هيبقى قدامك ... صحى تيتة إنتى .
_ حاضر .
فى منزل صبرى السعيد جلس الجميع حول مائدة الطعام ..... إنتبهت زينب لسرعة رامى فى تناول وجبته فسألته بتعجب :
_ ما تاكل زى الناس يا رامى متسربع على إيه ؟!
أجابها و هو يقف مسرعا :
_ معلش يا ست الكل مستعجل ... أصلى هوصل ليال و بنت خالتها عند ميناس .
رفعت زينب حاجبها بتعجب و قالت بتلهف :
_ هى غزل رجعت من بلاد بره .
قال لها رامى و هو يتوجه لغرفته :
_ أيوة ... هدخل أغير هدومى ... بعد إذنكم .
إبتلع صبرى ما فى فمه و أجابه بهدوء :
_ إذنك معاك يا إبنى .
بينما تطلعت زينب ناحية فارس لتستشف ردة فعله من خبر عودة غزل فوجدته بعالم آخر شاردا بالبعيد ... فوخزته بكفه و قالت بقلق :
_ فى إيه مالك يا فارس ... سرحان و مش بتاكل يعنى !!
إنتبه فارس من شروده بتلك المجنونة و التى تظهر له من العدم بصراخها المزعج و اجاب والدته مستفهما :
_ هاه .... بتقولى حاجة يا حاجة .
مصمصت شفتيها و قالت بسخرية :
_ لأ يا أخويا سلامتك ... كمل أكلك .
تطلع فارس بمهاب و الذى يجاهد فى قطع قطعة لحم بسكينته ... فإبتسم بهدوء و إحتضن كفيه بين راحتيه و عاونه فى قطعها قائلا بحدة :
_ بقالك ساعة بتحاول ... يا صبرك ... كنت قولى و أنا أقطعهالك .
هز مهاب رأسه رافضا و قال بقوة :
_ لأ لازم أتعود أنا ... الميس علمتنا إزاى نقطعها فى حصة الإتيكيت .
زمت زينب شفتيها و حركتهما يمينا و يسار بسرعة فى حركة تعلمها أغلب الأمهات المصريات و قالت بحدة :
_ النبى عربى و مالها المعلقة و صوابعك ... منظرة فارغة .
إبتسم صبرى عليهم و قال بهدوء :
_ سبيهم براحتهم يا زينب .
إلتفتت إليه و وضعت أمامه قطعة لحم بيدها و قالت بتذمر :
_ ما كانتش سنة دى اللى عاشها فارس فى القصر مع مراته الله يرحمها خليته بياكل بالشوكة و السكينة و يربى الواد على أكل الفرافير ده .. الواد كده ما يشبعش .
مضغ مهاب قطعة اللحم بتلذذ و سأل جده قائلا بتعجب :
_ هو إنتوا ليه يا جدو مش عايشين مع عمو حمزة فى القصر و عايشين هنا فى الحارة .
مسح صبرى كفيه بمحرمة بجواره و أجابه بتمهل :
_ دى قصة طويلة يا حبيبى .
ترك مهاب مقعده و ركض ناحية جده و جلس على ساقيه قائلا برجاء مصاحب بزن الأطفال المهلك :
_ إحكيلى يا جدو علشان خاطرى ... علشان خاطرى .
أجابه صبرى قائلا بملل :
_ حاضر يا سيدى هقولك .
حمل صبرى مهاب على ذراعه و إتجه ناحية إحدى الأرائك و أجلسه أمامه ... فإعتدل الصغير فى جلسته و عقد ساقيه و طالعه بإهتمام و شغف .... إبتسم صبرى على حالته و هو يذكره بفارس و هو صغير كلما قص له إحدى قصصه قبل النوم ....
إبتلع صبرى ريقه و قال بادئا سرده :
_ بص يا سيدى ... أبويا ورث القصر ده عن جدى و سكناه أنا و أبويا و أمى و عبد الله أخويا أبو رامى ... و بعد أمى ما ماتت أبويا إتجوز .... و إتجوز بنت فى سنى أنا و جدك عبد الله ... فإضطرينا نسيب القصر و جينا هنا فى البيت ده و سكنا لوحدنا .
لم يكن مهاب الوحيد الجالس يتابع قصته ... بل جلس فارس أيضا يستمع إليه بإنصات ... أردف صبرى قائلا بهدوء :
_ و أنا يا سيدى إتجوزت ستك زينب فى الشقة دى .... و جدك عبد الله إتجوز فى الشقة اللى فوق ... و خلاص إتعودنا على الحارة و على العيشة فيها .. و لما جه أبوك يتجوز أمك إتجوزها فى القصر و لما ماتت الله يرحمها رجع زى إحنا ما رجعنا .
فسأله مهاب بتلقائية :
_ و لما بابا يتجوز تانى هنروح نعيش فى القصر .
إتسعت عينى فارس بذهول من حديثه ... بينما أجابه صبرى و هو يحدج فارس بنظرات ذات مغزى :
_ و الله لما يقابل بنت الحلال اللى إستناها عمره كله إنها ترجع .... ساعتها هتروحوا تعيشوا فى القصر .
تعمق فارس بنظرته ناحية والده فى محاولة منه لفهم مقصده .. حتى أخرجه من تفكيره المتعمق صوت رامى قائلا و هو ينصرف :
_ سلامو عليكو يا جماعة .
و أغلق ورائه الباب ... إلتفت ناحية والده مجددا فوجده يداعب الصغير بحماس .... لم تغب كلمات والده عن عقله و هو يتسائل بفضول عن من تحدث والده و من هى تلك العائدة .