رواية ظل البراء الفصل الرابع 4 بقلم آية احمد عرفة
4
"محضر لم يكتب بعد"
"وَمَا تَصْبِرْ وَتَتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"
تمرُّ السنين، وتحمل معها تجارب لا تُعد ولا تُحصى، لكنّ الثبات على الصبر وتقوى الله هو الذي يضيء دروبنا ويقودنا إلى السلام الحقيقي.
بعد عقدٍ من الزمان، تجمعت الأحلام والأماني، فهل تغيرت القلوب؟ وهل بقي الوصال؟
1
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تنويه:
هذا العمل روائي خيالي، وأي تشابه في الأسماء أو الأحداث أو الأماكن مع الواقع هو محض صدفة غير مقصودة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ذهب براء خلف أخيه، غير أنّه استغرب الأمر، فلم يأخذوه إلى قسم الشرطة كما توقّع، بل اصطحبوه إلى أمن الد..ولة، وهو ما أثار في نفسه قلقًا بالغًا. أخرج هاتفه على عجل، واتّصل بالمحامي وقد قال لهو إن يأتي فورًا ليعلم سبب وجود أخيه هنا، فهو يعلم أنّ أخاه لم يفتعل المشاكل يومًا. ظل بالخارج ينتظر وصول المحامي، وقلبه يزداد خفقانًا من شدة الذعر.
توقّف التاكسي أمام المبنى، ونزلت منه "سكن" لتدفع الأجرة، وكادت أن تنصرف، لكن صوت براء أوقفها:
ـ "دكتورة سكن... حضرتك بتعملي إيه هنا؟"
التفتت نحوه وعيناها تلمعان بالدموع، والذعر يكسو وجهها خوفًا على أخيها قائلة:
ـ "أصلهم خدوا أدهم... رُحت القسم قالولي إنه هنا... أنا مش فاهمة في إيه."
ثم أضافت بانكسار:
"أنا مش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاي حتى."
اقترب منها براء، محاولًا أن يبث في قلبها الطمأنينة، رغم أنّه هو الآخر يعيش بذات القلق على أخيه، لكنه يُظهر الصلابة أمامها:
ـ "أنا كلّمت محامي، هييجي يشوف في إيه... عشان مهاب كمان مسكوه، وأكيد في علاقة... مدام قبضوا على أدهم كمان، يبقى لازم نستنى المحامي وندخل سوا."
ـ "بس أنا هدخل دلوقتي."
قالت ذلك ببكاء، ليتفهم ذعرها:
ـ "هتدخلي تعملي إيه؟! صعب لازم على الأقل يكون معانا محامي... إحنا ما نعرفش موقفهم جوه، ولا نعرف التهمة المنسوبة ليهم، ولا حتى نوعها إيه ولا ده مكان ندخله بسهولة."
صمتت سكن بعد أن أدركت صدق مدا حديثه، فانتظرت بجانبه، بينما عقلها يجول بحثًا عن تفسير لما فعله أدهم حتى يصل به الأمر إلى هنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل غرفة تحقيق ضيقة، جلس أدهم أمام طاولة، وفي مواجهته الضابط المسؤول ويدعو أيوب آل نصار، الذي ألقى عليه نظرة حادة قبل أن يقول بصرامة:
ـ "يلا، انطق واعترف." ثم ضرب الطاولة بيده بقوة، مضيفًا: "اعترف إنك تبع منظمة بتهدّد نظام الدولة."
لكنه قال مستنكرًا حديثه:
ـ "لا، محصلش."
رد بتهكم واضح:
ـ "أمال تفسر بإيه ترددك على القهوة كل شوية انت وصاحبك مهاب الزيني؟"
2
ـ "حضرتك إحنا أصحاب، بنتقابل ونتكلم... إنما موضوع منظمة والكلام ده، ملناش علاقة بيه."
ليقول الضابط بنفاد صبر:
ـ "اعترف أحسنلك بدل ما أستعمل طرق تانية أخليك تعترف بطريقتي."
أجابه أدهم بثبات:
ـ "معنديش حاجة أعترف بيها... أنا قلت اللي عندي."
نهض الضابط، وقال ببرود:
ـ "تمام... وأنا كمان هعمل اللي عندي." ثم خرج، وأوصى العساكر باستخدام وسائل أخرى معه حتى ينتزعوا منه الاعتاف
ـــــــــــ
في غرفة أخرى، جلس مهاب محاصرًا بنفس الجدران الثقيلة. دخل الضابط وجلس مقابله، نظراته كالسكاكين:
ـ "صاحبك رفض يعترف... إنت لو عارف مصلحتك هتعترف، وأطلعك شاهد في القضية."
1
ـ "مش لما أعرف أنا هنا ليه؟ وصاحبي مين أصلًا؟"
ضرب الطاولة بقبضة يده:
ـ "بتستهبل؟ صاحبك أدهم علوان... إنت وهو تبع جماعة بتهدّد الدولة."
صعق من حديثه عن أي جماعه يتحدث لينفى مسرعا
ـ "لا، ولا أنا ولا هو لينا علاقة بحاجة زي دي."
ـ "والبوستات اللي بتنزلها على صفحتك؟ بتشتكي فيها من أحوال البلد!"
ـ "أنا بنصح الشباب وبوعيهم، مش بشتكي... دي بلدي، وأكيد عاوزها تتقدم."
تنهد الضابط بضيق من ملوعة حديثه من وجهه نظره:
ـ "يبقى مش هتسهلها... أنا بعرض عليك تطلع من هنا، بشرط واحد: تعترف على صاحبك."
لكنه نفى قائلا:
ـ "مش هاعترف على حاجة هو ماعملهاش... الصحوبية مش كلمة وخلاص، وأنا مش هشيل ذنب شهادة زور."
وقف الضابط، صوته صار جليديًا:
ـ "مش هخليك تشهد... هخليك تعترف كمان، بس بطريقتنا."
غادر الغرفة،قبل أن يوصي رجاله:
"خلّوه ينهار... زيه زي التاني."
ـــــــــــ
بعد قليل، وصل المحامي.
رجل في منتصف العمر، خطواته ثابتة، وجهه هادئ لكن عيناه تفضحان درايته بتفاصيل هذا العالم الذي لا يرحم.
دخل معهم، يتقدّمهم نحو الداخل، حيث الوجوه المتجهمة، والممرات الباردة، وأصوات الأبواب تُغلق كأنها تُقفل على حريات الناس.
قادهم الأمن إلى مكتب الضابط، بناءً على أوامر مباشرة.
جلسوا في صمت.
سكن كانت شاردة، تُحاول أن تُمسك أعصابها، لكن يدها المرتعشة، وصدرها الذي يعلو ويهبط سريعًا، كانا يفضحان توترها.
أما براء، فكان عاجزًا عن الجلوس بهدوء، يُقلّب نظره في الساعة كل دقيقة، يشعر أن الوقت يمر ببطء خانق.
قلبه لا يهدأ، وأفكاره تُطارده:
"أخويا فين دلوقتي؟
مين بيتكلم معاه؟
عامل إزاي؟
خايف؟
لوحده؟"
دخل الضابط.
نظراته مباشرة، ملامحه جامدة، كأنه تعوّد على الجلوس على هذا الكرسي، يقرر مصائر الناس كما يشاء.
جلس، وأخرج بعض الأوراق، ثم نظر إليهم.
ما إن استقر حتى بادره المحامي:
- أنا الأستاذ مصطفى عزمي.
جيت بخصوص مهاب الزيني وأدهم علوان.
ممكن أعرف سبب وجودهم هنا؟
رفع الضابط نظره إليه، صوته خالٍ من أي انفعال:
- في اشتباه إنهم على علاقة بمنظمة بدر.
المنظمة دي تحت المراقبة، وبتُعتبر كيان غير قانوني بيستهدف استقرار الدولة.
القهوة اللي كانوا بيتجمعوا فيها بقالها فترة تحت الرقابة.
كان بيتقال إن في شباب بيتكلموا هناك في مواضيع سياسية، وخططوا لمظاهرة، واتقال إن ليهم علاقة بمعارضة داخلية.
صعق براء من كل هذا فهو على دارية بكل ما يخص أخيه، ويعلم أنه من المستحيل أن يتورط بهذا، ليحاول أن يبرر للضابط قائلا:
- حضرتك، القهوة دي هما بيتقابلوا فيها لأنها نص الطريق بينهم.
يعني مكان ملوش علاقة بأي نشاط، هما بس بيرتاحوا هناك وبيتكلموا عن شغلهم وحياتهم...
مش منطقي تتحط عليهم شُبهة بس عشان كانوا قاعدين على ترابيزة جنب ناس تانية!
الضابط وهو يراقب انفعاله أردف ببرود:
- مش هتعرفني شغلي يا أستاذ؟
حاول براء كبح غضبه، لكنه فشل أن يخفي ضيقه:
- مش بعرفك، بس حط نفسك مكاني أخويا الصغير يتاخد من البيت فجأة، من غير تفسير واضح.
أكيد هتضايق أنا عارف أخويا كويس، متعلم، واعي، راجل صاحب مبدأ، مش ممكن يدخل في حاجة زي دي، لا هو ولا أدهم.
أخذ نفسًا طويلًا، كأنه يختبر صبره:
- عجبني كلامك قلت اسمك إيه؟
ليقول بثبات:
ـــ براء الزيني.
ابتسم الضابط بسخرية خفيفة:
- تمام يا أستاذ براء، شكلك بتدافع عن أخوك كويس.
مكنش في داعي تتعب نفسك وتجيب محامي.
بس عمومًا، لما نثبت إنهم مش متورطين، هيخرجوا.
أما عنها فكانت فقط تتابع بعيناها ولكن عند هذه الجملة عرض الأخيرة كأن صبرها كله انهار في لحظة، لتقول:
- يعني هيفضلوا قد إيه "لحد ما تثبتوا"؟
أسبوع؟ شهر؟ سنة؟
الضابط نظر لها بحدة ليتساءل:
- أنتِ مين يا آنسة؟
المحامي تدخل على الفور يجيبه:
- الدكتورة سكن علوان، أخت أدهم.
ألقى الضابط نظرة سريعة على أوراقه، ثم نظر إليها:
- أخت المتهم؟
أردف سكن بانفعال وغضب واضح:
- أنا اخويا مش متهم! حضرتك ما ينفعش تقول عليه كده من قبل ما يتوجّه له اتهام رسمي حضرتك بتحقق، مش بتحكم.
همّ بالرد، لكن براء تدخّل بسرعة، يحاول أن يسيطر على خيوط الموقف، فهما في موقف لا يحسد عليه ويتطلب هذا مسك زمام الأمور:
- هي بس منفعلة شوية، اعذرها وحاول تتفهم موقفنا. إحنا مش جايين نتخانق، إحنا عايزين نفهم.
أخواتنا اتخدوا فجأة، والدنيا كلها اتشقلبت علينا.
دلوقتي بنسمع كلام كبير، اتهامات خطيرة. بس إحنا واثقين إنهم مالهمش علاقة بأي حاجة من دي.
هتف الضابط بنبرة أكثر جمودًا:
- الاتنين اتقبض عليهم بتهمة "الاشتباه في الانضمام لكيان غير قانوني".
أردف براء بنبرة هادئة لكنها مثقلة بالمرارة:
- والاشتباه دا معناه تحقيق، والتحقيق ممكن يطول.
وممكن يضيع معاهم شهور وسنين، حتى لو طلعوا براءة في الآخر وده اللي بيحصل مع ناس كتير، مش كده؟ بس إحنا بنسأل، هو ده اللي هيحصل لأخواتنا؟
هيبقوا رقم في ورقة، ولا في أمل إنهم يخرجوا بسرعة من الدوامة دي؟
مرت ست ساعات. ساعات طويلة وثقيلة، كأنها لا تبغي التحرك المكان بقى أهدى، لكن التوتر في القلوب كان يعلي وفجأة، فتح الباب دخل أحد أفراد الأمن بصوت جاف:
- اتفضلوا... يقدروا يخرجوا دلوقتي.
نهضت سكن على عجل، ووجهها مشحون بالقلق، فيما اقترب براء من الباب بخطوات متسارعة، والمحامي لحق بهم وبعد لحظات. ظهروا خرج مهاب وأدهم، ملابسهما مبعثرة قليلًا، ووجوههما مرهقة. تحت عيونهم هالات واضحة، وجوانب وجوههم مشوبة بالشحوب وبعض الاحمرار، كأنهما قد اجتازا ساعات عصيبة، رغم أن أحدًا لم ينبس بكلمة.
اقتربت سكن منهما بسرعة، وصوتها مشوش بين القلق والارتياح:
"إيه اللي حصل؟! إنتو كويسين؟
أدهم ابتسم ليها ابتسامة باهتة:
- احنا بخير... خلاص.
براء كان ينظر عليهم، وقد لاحظ آثار على وجههم
أما مهاب اكتفى بهزة رأس قائلا:
- ست ساعات مش قليلين
المحامي تدخل بصوت هادي:
- تم تأكيد إنهم مش متورطين، وهما أحرار دلوقتي.
نظر سكن للضابط الذى كان يقف في الخلف:
- يعني خلاص كده؟
اجابه أيوب ببرود:
- التحقيق خلص، وتم إخلاء السبيل ممكن يمشوا.
غادر الجميع، لكن في أعينهم كانت نظرة جديدة، نظرة شخص خرج من مكان لم يكن من السهل الخروج منه كما دخل وكل خطوة خارج ذلك المكان كانت ثقيلة، كأنهم يحملون شيئًا غير مرئي، لكنه موجود.
خرج المحامي من المكان وذهب، ليقترب براء من ادهم. قال له: "اركب معايا، أنت والدكتورة هوصلكم."
هز أدهم رأسه وركب في المقعد الخلفي بجانب أخته، بينما ركب مهاب في الامام بجانب براء
ساد الصمت بينهما لفترة، حتى توقفوا. ترجل أدهم وأخته ليشكروا براء، ثم دلفوا الي الداخل.
ألقي براء نظرة على أخيه ليدور السيارة وانطلق.
بطريقه إلى البيت توقف بعد قليل أسفل البناية. ترجل مهاب دون أن ينبس بكلمة، واتجه إلى الداخل. تنهد براء، وصف السيارة، ثم نادته جارته، امرأة كبيرة في السن تجلس أمام شباك بيتها تراقب المارة، قائلًا:
"طمني على مهاب يا ابني، مين دول اللي جُمّ وخدوه؟ وعاوزين منه إيه؟"
رد بهدوء:
"مش مهم يا ام أسامة، المهم إنه رجع الحمد لله."
ابتسمت لهو داعيه بصدق:
"ربنا يبعد عنكم كل شر ويبارك فيك وتفضل حامي ليهم يا براء يا ابن مفيده"
ابتسم براء بهدوء:
"أهو كفاية الدعوة الحلوة دي."
ثم صعد إلى الأعلى. كان باب الشقة مفتوحًا، وما أن دلف، اقتربت والدته منه بذعر، قائلة:
"أخوك مالُه؟ إيه اللي حصل؟"
نظر براء إليها "هو فين؟"
أميرة ردّت عليه: "أول ما دخل راح أوضته وقفل على نفسه، ما بيردش علينا ولا بيطمنا."
4
صحح حمزة حديثها:
"اسمها عاوز وقت وخصوصية، هو مش حابب يتكلم دلوقتي، هيتكلم لما يحس بالراحة."
قال حمزه ذلك ودلف إلى غرفته
وقد ولجت اميرة أيضا الي غرفتها
نظر براء إلى والدته:
"روحي ارتاحي يا أمي، مهاب بخير، اطمئني."
ردّت: "ربنا يطمن قلبك يا رب، زي ما بتطمني."
دلفت إلى غرفتها، واقتربت هند من براء بقلق مصطنع:
"تطمني عليك، أنت عامل إيه؟ ومهاب؟ أنا بصراحة خوفت جدًا لما جُم وخدوه بالطريقة دي."
3
أجابها براء:
"كلنا كويسين، وأنا داخل أشوفه."
كاد أن يذهب، لكنها أوقفته:
"على الأقل غير هدومك وخد لك دوش وبعدين اتكلم، أنت من الصبح مش مرتاح، رحت لجوز أميرة، بعدها حمزة في المستشفى، ومهاب كمان".
أخذ نفسًا عميقًا، ونظر إليها، مدركًا ما تحاول قوله، فقال:
"دول إخواتي، واللي بعمله عشانهم واجبي تجاههم. لو ما وقفتش أنا، مين هيقف؟ هما مش ليهم غيري، أنا سندهم."
1
قال ذلك وذهب نحو غرفة مهاب، طرق الباب ودخل، وأغلقه خلفه.
ظلت هند تنظر إلى أثره، وقالت بسخرية:
"سندهم؟ قصدك أبوهم كمان؟ دا لو الحاج لسه عايش، مش هيعمل اللي أنت بتعمله معاهم."
2
داخل الغرفة، كان مهاب جالسًا على الفراش، يريح رأسه إلى الخلف، مغلقًا عينيه. اقترب براء وجلس أمامه، وضع يده على وجنته. فتح مهاب عينيه بانزعاج وألم، وقال: "آه، حاسب."
رد براء: "معلش، بتوجعك قوي."
قال مهاب: "عادي، بسيطة، ما تشغلش بالك. أنت روح ارتاح."
2
قام براء وفتح درج الكومودينو قائلاً:
"لو ما شغلتش بالي بيك، هشغله بمين؟"
1
أخرج علبة تحتوي على شاش وقطن ومطهر ومرهم للكدمات، وبدأ بوضع بعض المطهر على القطن، وطهر الجرح بلطف قائلًا:
"شوف، أنا مش هعاتبك على اللي حصل، بس لو سمحت يا مهاب، لو ليّا خاطر عندك، ابعد عن السكة دي نهائي. أنا مش عاوز أعيش الخوف اللي عشته تاني، ممكن؟"
رفع مهاب نظره إليه:
"أنا عملت إيه؟ ما عملتش حاجة يا براء. أنا بس كنت بنزل بوستات توعية على فيسبوك للشباب عن البلد، مش أكتر من كده. أما موضوع المنظمة، أنا مش لي علاقة بيه، صدقني، لا أنا ولا أدهم."
أكمل بخنقة:
"بعد ما بهدولونا، في الآخر عرفوا إنه مجرد اشتباه. لما يكون اشتباه، وهم عاملين فينا كده؟ أنا شايف ده ظلم. أنا اتبهدلت أوي، في حاجة مش ليا يد فيها، بس مجرد اشتباه مش أكتر."
1
قال براء:
"معلش، ده بلاء والحمد لله أنك خرجت."
نظر مهاب إليه وقال:
"أنا خرجت بس ضاعت مني حاجات كتير جوايا، مش لاقي نفسي، ولا عارف أنا عاوز إيه. مش فاهم ليه يحصل فيا كده، أنا مش أستاهل ده. طول عمرنا بنساعد اللي محتاج حتى لو ما طلبش. حتى السيدة زينب كلها تحلف بأخلاق وحق براء الزيني. أنا لسه مش قادر أستوعب أنهم خدوني عشان اشتباه، لأني بقعد في القهوة مع أدهم."
أكمل:
"وأدهم ذنبه إيه؟ هو كمان أساسًا كاره الحياة كلها من اللي شافه. ييجي الموقف ده كمان؟ كأن الدنيا مصممة تخبط فيه، مش عاوزة تديه فرصة."
نظر مهاب له وقال:
"كأن اللي حوالينا مصممين أننا نيأس ومش نتقدم في حياتنا أبدًا. هما عاوزيننا محبطين في مكاننا، من غير أي تطور."
نظر براء إليه، محاولًا فك هذا الجو المشحون، يعرف أنه معه حق في كل ما قاله، ثم قال مبتسمًا:
"إيه يا عم الفلسفة دي كلها؟ ولا عشان متخرج من كلية إعلام بقيت تتفلسف على أخوك يا أستاذ مهاب؟"
ابتسم مهاب بخفوت:
"بفضفض معاك، عشان عارف إنك هتفهمني."
فتح حمزة الباب ودلف الي الغرفة وهو يحمل صينية عليها كوبين حليب، وقال:
"شوفوا، سخنت ليكوا حليب، بيساعد على هدوء الأعصاب وبيدي انسجام حلو، وكمان مفيد ومليان فوائد."
نظر إلى وجه مهاب وقال:
"هيعوضك عن اللي في وشك، وهتخف بسرعة، ما تقلقش."
ضحكوا هما الاثنين بصخب، ونظر حمزة إليهم بانزعاج:
"إيه اللي بتضحكوا عليه؟ وشه بقى خريطة أساسًا!"
علت ضحكاتهم، لا يعرفون هل يضحكوا على تعبهم لحتى ينسوا الذي مروا به، أو يضحكوا على براءة أخوهم والتزامه بحديثه. وليكن أي كان سبب الضحك، يكفي أنه فك جو التوتر المملوء.
أعطى حمزة كل واحد منهم كوبًا وقال:
"اللي أخّرني إني رحت شربت فريدة اللبن ونيمتها."
نظر مهاب إليه بفخر:
"خلاص بقيت مسؤول عن بنت أختك من دلوقتي."
ابتسم حمزة:
"أه، هو أنا أي حد، على الأقل مش متخرشم زيك."
أضاف:
"ومتخليش فريدة تشوفك كده عشان متخفش، هي لسه صغيرة."
نظر مهاب إليه بضيق:
"إيه يا ابني، هدَّم اللذات اللي بتقولها ليّ بكلامك. عرفت إني متخرشم؟ مش محتاج تكون واضح أوي كده."
نظر حمزة إليه ببراءة:
"أنا واضح فعلاً، إنت متخرشم، ليها أسلوب تاني. أقولك يا مضروب، طيب كويس ولا أعمل إيه؟"
ضحك براء عقب حديثه، وقال مهاب مسرعًا:
"أنا متخرشم يا حمزة، متخرشم وخريطة أحلى. خليك عليهم بقي."
وضع براء الكوب وقام قائلاً:
"تسلم إيدك يا حبيبي. يلا تصبحوا على خير."
نظر إلى مهاب:
"ارتاح، ومتفكرش في حاجة، سيبها على ربنا."
مهاب:
"ونعم بالله."
ووجه أنظاره إلى حمزة:
"هتروح الجامعة بكرة؟"
رد حمزة بتأكيد:
"أيوة، هروح وهواجه، عشان أنا بقوا بيك."
1
ابتسم له وذهب، وخرج من الغرفة كاد أن يذهب إلى غرفته، لكنه توقف ونظر إلى أميرة التي كانت جالسة على الأريكة. اقترب منها وداعب شعرها قائلاً:
"الجميل قاعد ليه لحد دلوقتي؟ أنا عرفت إن حمزة نيم فريدة."
قال ذلك وجلس بجانبها، نظرت إليه:
"مفيش، بفكر."
هز رأسه بتفهم:
"طيب، بتفكري في إيه؟ شاركيني أفكارك، دا لو مش هتعدي على خصوصيتك طبعًا."
ابتسمت ونظرت إليه:
"لا مش كده، أنا بس بفكر في زمان، بتمنى لو كنت سمعت كلامك وكملت تعليمي الأول، وبعد كده اتجوز. كل حاجة حسن قالها كانت كدب، هتكملي في بيتي ومفيش حاجة هتقف قدامي."
أسترسلت حديثها بحزن:
"وما خدتش شهادتي."
وأضافت: "كل ده ما حصلش، وأنا مش كملت. وفوق كل ده، حتى معاملته كانت وحشة، مش هو حسن اللي كان في الخطوبة، اتبدل كأنه بقى واحد تاني. وأنا صبرت كتير وأنا حامل، قولت يمكن لما أخلف يتغير، وخلفت، بس هو ما اتغيرش ولا حاجة."
لتتابع بقهر:
"وقولت لما يسمع بنته بتناديه بابا يتغير''، وبرضه ما اتغيرش، بالعكس كان بيبقى أسوأ من الأول."
انهمرت دموعها:
"أنا ندمانة أوي يا براء، ندمانة على اللي عملته في نفسي أوي."
ضمها إلى أحضانه وقبل رأسها قائلاً:
"يا حبيبتي، دا مكتوب، هو في حد يندم على المكتوب؟ أكيد في حكمة إنك تتجوزي وتسيبي التعليم وتجيبي القمورة فريدة اللي ملت علينا البيت بضحكتها اللي بتخطف القلب."
وأضاف:
"وكمان دي مش نهاية الدنيا، ممكن تكملي تعليم عادي، بس الأول يطلق. أنا اتكلمت معاه وفهمته إنك مش هترجعي أساسًا، صبرتي عليه كتير، كفاية لحد كده."
أبعدها ومد يده ليزيل دموعها قائلاً:
"أنا مش هسمح إن أختي تتهان، فاهمة؟ إنتي عشتِ طول عمركِ معززة مكرمة هنا، ودلوقتي هتعيشي إنتي وبنتك معززين مكرمين. إنتي هنا في بيتك يا أميرة، اتفقنا؟"
هزت رأسها لتبتسم بخفوت من بين بكائها، قائلة:
"ربنا ما يحرمني منك أبداً يا براء، ويرزقك بالذرية الصالحة. أنا واثقة إنك هتكون أب هايل، مفيش زيه."
ابتسم ابتسامة تخفي مرارته وألمه، وقبل رأسها قائلاً:
"تصبحي على خير."
ذهب إلى غرفته، نظر إلى هند التي كانت نائمة، أخذ ثيابه وخرج، متجهًا إلى الحمام لينعم بحمام دافئ يزيل به تعب اليوم.
1
ـــــــــ
داخل بيت علوان، كانت سكن تقف في المطبخ تنتظر غليان الماء. دخلت سندس وقالت بنبرة قلقة:
"ممكن أفهم بقي إيه اللي حصل؟ وأدهم كان فين؟ وقبضوا عليه ليه؟"
نظرت سكن إليها:
"موضوع وخلص، خلاص كان سوء تفاهم واتحل، يا سندس، وبلاش تفتحي مع أدهم أي مواضيع، كفاية اللي هو فيه."
سكبت الماء في الكوب، وقلّبت اليانسون، ثم حملت الكوب ونظرت إلى أختها:
"هروح أكلمه، أنا مش عارفة إيه الحظ ده. كنت حاسة إنه خلاص بدأ يرجع زي الأول، وجي الموقف ده على دماغنا. ربنا ييسرها من عنده."
قالت سندس وهي تنظر إلى آثارها:
"يا رب."
توقفت سكن أمام الغرفة، دقت الباب ودلفت، وضعت الكوب على الكومودينو، ونظرت إليه. كان جالسًا شارد الذهن، كأنه يحمل عبء الدنيا فوق أكتافه.
جلست بجانبه، وحاولت أن تجد شيئًا مناسبًا تبدأ به حديثها، فقالت:
"عارفة إنك مخنوق، مش عارفة أقولك إيه."
نظر إليها وقال:
"هتقولي إيه يعني؟ كفاية اللي أنا فيه. أنا تعبت يا سكن، تعبت لدرجة إني مش عاوز أحاول حتى. أنا مش عارف أنا علمت إيه في حياتي؟ اجتهدت، ذاكرت، دخلت طب، واتخرجت بامتياز، معايا شهادة كويسة؟بس مفيش مستشفى قبلت بيا كدكتور أخصائي أطفال، الدنيا دي جايه عليا أوي."
3
تابع بنبرة تحمل القهر وقلة الحيلة:
"كل ما أحاول أخد خطوة، تديني موقف كأنه بيقول لي: لا، خليك مكانك."
حاولت تخفيف حزنه ومواساته وقالت بهدوء:
"يبقى حارب يا أدهم، حارب مع الدنيا، وما تستسلمش. بص للجانب الإيجابي، إنك خرجت في نفس اليوم. في ناس بتدخل ومش بتخرج من المكان ده، والله أعلم بيطلعوا إمتى. عشان خاطري، ما تشيلش نفسك فوق طاقتك، أرجوك."
هز رأسه بهدوء، لتأخذ الكوب وتضعه بين يديه قائلاً:
"اشربه دافئ، يهدي أعصابك. الفجر قرب، ياذن روح صلي، واحمد ربنا على كرمه إنك خرجت."
أكملت:
"فاضل نص ساعة، هقوم أصلي القيام، وأدعي لك ربنا يصلح حالك."
ذهبت، لينظر إلى أثر أخته قائلاً:
"آه يا سكن، ساعات بحس إن أنتِ الكبيرة مش أنا. عندك قوة وعزيمة، وفي نفس الوقت هادية، وبتعرفي تحتوي اللي قدامك، كأنك واخدة نصيبك من اسمك، سكن، وأنتِ سكن لأي حد موجوع."
1
ـــــــ
كان الصباح قد تسلل بهدوء إلى أرجاء بيت "الزيني"، داخل غرفة "براء"، كانت "هند" تتحرك على الفراش بتململٍ خفيف، قبل أن تفتح عينيها ببطء وتلتفت نحوه. وجدته قد ارتدى ملابسه بالفعل، جالسًا في هدوء، يحرّك بين أصابعه سبحة خشبية.
قالت بصوت ناعس:
- "هي الساعة كام دلوقتي؟"
ردّ وهو لا يزال منشغلًا بالسبحة:
- "تسعة."
نهضت من على الفراش، لتجذب حجابها وتعدل طرحتها سريعًا فوق رأسها، ثم تمتمت:
- "وانت نِمت إمتى امبارح؟"
أجاب دون أن يرفع عينيه:
- "روّحت صليت الفجر في الجامع، وبعدين نمت."
هزّت رأسها في لا مبالاة، واتجهت نحو الباب. وقبل أن تفتحه، استوقفها صوته، منخفضًا لكنه حازم:
- "عدّلي الطرحة كويس، شعرك باين."
استدارت إليه بتنهيدة خفيفة، وقالت وهي ترفع حاجبيها:
- "في إيه يا براء؟ دا كام شعراية يعني، مش مستاهلة كل ده... وبعدين دول ولاد عمي."
تقدم نحوها خطوة، وقال بلهجة لا تقبل الجدل:
- "ولاد عمك يا هند... مهاب وحمزة. ميصحش يشوفوا شعرك كده. انتي كده بتشيلّي ذنبهم، وأنا كمان هشيل ذنبك... عشان انتي مراتي، ومن حقي أوجّهك للصح كفايه انك رافضه لبس الخمار."
توقفت أمامه، عيناها تلمعان بخليط من الغضب والحزن:
- "براء... انت عارف إني مش بحب الخمار. وكفاية إنّي بطّلت البناطيل عشان خاطرك، أعمل إيه تاني؟"
ثم تراجعت خطوة، وانخفض صوتها فجأة، كأنها تعزف على أوتار الشفقة:
- "كفاية إني مستحمّلة حاجات كتير أوي عشانك... أنا محرومة من أحلى إحساس في الدنيا، الأمومة... وكل ده عشان بحبك."
وضعت يدها على كتفه برقة، وعيناها تحترفان التعبير، كأنها تمثل مشهدًا حفظته جيدًا:
- "عارفة يا حبيبي إنه مش بإيدك... وأنا راضية، ومستعدة أعيش عمري كله كده... عشانك وبس."
كلماتها كانت كطعنة صامتة في قلبه. هو يعلم، في أعماقه، أن لا شيء يمكنه فعله ليعوّضها عن هذا الإحساس الضائع. الإحساس الذي حرمه الله عليهما معًا، أو هكذا كان يظن.
تنهد بعمق، كأن صدره يئن من ثقل لا يُحتمل، ثم قال بصوت مكسور:
- "هند... لو انتي عايزة تتطلقي، أنا معنديش مانع. هدّيكي كل حقوقك... وزيادة كمان."
ابتلع ريقه، وكأن الكلام يجرحه وهو ينطق به:
- "انتي من حقك تكوني أم... تعيشي الإحساس ده. كفاية عليكِ سبع سنين... وأنا قولتلك أكتر من مرة... لو عاوزة تمشي، امشي، بس ما تحسسينيش إني أنا السبب."
رفعت نظرها إليه، وابتسامة شاحبة ارتسمت على وجهها:
- "مش عاوزة غيرك يا براء... مش عاوزة حاجة تانية. أنا مكتفية بكده، يا حبيبي."
ثم استندت برأسها على صدره، تحتضن لحظة صمت بدت أبدية، وقالت بصوت هامس:
- "أنا موافقة أعيش باقي عمري كده... أهم حاجة إني مراتك، ودي تكفيني."
ضمّها إلى صدره بذراعيه، وقبّل رأسها بلطف، هامسًا:
- "ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا."
ردّت، وهي تبتعد عنه لتعدل طرحتها:
- "ولا منك."
خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما بقي هو واقفًا مكانه، يتنهد تنهيدة ثقيلة، وكأن جبلاً كاملاً سقط على صدره، ولم يغادره بعد.
غادر هو الآخر الغرفة، ليجد "حمزة" قد خرج من غرفته، يحمل حقيبته على ظهره، وملامحه كعادته، مرتبة ومنظمة.
قال له براء:
- "استنى أوصلك."
أجابه حمزة دون أن يتوقف:
- "هروح لوحدي، متقلقش."
نادته والدته من الداخل:
- "افطر الأول يا ابني."
ردّ سريعًا وهو ينظر إلى ساعته:
- "المشوار بياخد ٤٠ دقيقة، يدوب ألحق المحاضرة الأولى."
ثم ألقى التحية على أخيه:
- "سلام."
- "في رعاية الله." قالها براء وهو يراقبه يبتعد.
جلس براء على السفرة بجانب "هند" و"مفيدة" و"مهاب". نظرت مفيدة إلى ابنها القريب من الصمت، وسألته بلطف:
- "انت كويس؟"
لكنه رد باقتضاب لا يريد التحدث:
- "متقلقيش، أنا تمام، مفيش حاجة."
جلست هند بجانبهم، لتأخذ فطورها معهم في جو أسري هادئ. وبعد دقائق، قام براء قائلًا:
- "الحمد لله."
وقام "مهاب" بعده:
- "الحمد لله، هنزل معاك."
أشار براء برأسه:
- "يلا."
وفجأة، اوقفته "فريدة" بصوت طفولي:
- "خالـو بـراء!"
ابتسم لها:
- "نعم يا عيون خالو."
- "ينفع أنزل أقعد معاكم تحت؟"
- "ينفع طبعًا، دا المحل هينور بيكي يا أميرتي."
- "خلصتي فطورك؟" سألها مهاب وهو يراقبها.
قفزت الطفلة من حجر والدتها "أميرة"، وركضت إليهما:
- "أه أه، خلصت، هنزل معاكم."
قالت أميرة ضاحكة:
- "براء، هتاخد على كده، فريدة زنّانة أوي."
لكن براء حملها بين ذراعيه، ونظر إلى أخته قائلاً:
- "سيبيها براحتها... هي لو مش اتدلعت على خالها، هتتدلّع على مين يعني؟"
ضحك الجميع، لكن كانت "هند" تراقب المشهد بصمت. عينها لم تكن تضحك، بل كانت تلمع بشيء آخر... شيء يشبه الغيرة، أو الندم، أو ربما شعور أعمق لا اسم له.
ــــــــــــ
كان يسير في حرم الجامعة بخطوات ثابتة، كأن الأرض قد رُسمت له بدقة، لا يلتفت يمينًا أو يسارًا، عيونه لا تلتقي بأعين أحد، وكأنّه يؤدي مهمة محددة لا وقت فيها للانشغال بالتفاصيل. كان كل شيء في حركته محسوبًا، دقيقًا، حتى تنفّسه كأنه موزون على إيقاع داخلي خاص به.
وفجأة، قطع هذا الإيقاع صوت ناعم خجول:
- "لو سمحت... ثواني؟"
توقف، رمش بعينيه كأنه خرج من عالم آخر، ثم التفت ببطء وقال، بصوت خافت فيه شيء من الاستغراب:
- "نعم؟"
اقتربت منه بخطوات مترددة، وتوقفت أمامه مباشرة. كانت تحاول أن تبدو واثقة، لكن ارتباكها كان واضحًا في نبرتها:
- "أنا مريم... البنت اللي انت دافعت عنها امبارح، وتعبت بسببي.،أنا آسفة جدًا، مكنتش حابة الأمور توصل لكده."
لكنه، بصوت هادئ جدًا، خالٍ من الانفعال، رد ببساطة:
- "محصلش حاجة... عن إذنك."
بدأ يهمّ بالرحيل، لكنها استوقفته من جديد:
- "لسه فاضل عشر دقايق على المحاضرة... وبصراحة، أنا لسه منقولة جديد هنا، و..."
قاطعها بلطف:
1
- "أهلاً بيكي، عن إذنك."
تحرك خطوة ليغادر، لكنها لم تستسلم:
- "بس سمعت إنك متفوّق جدًا... يعني، الأول على الجامعة! أنا كنت محتاجة أطلب منك حاجة، ممكن؟"
توقف، ونظر إليها بتوتر واضح. لم يكن مرتاحًا لهذا الحوار العشوائي، ولا للوقوف في منتصف الممر محاطًا بالعيون.
- "طلب إيه؟"
- "في شوية حاجات واقفة معايا في المعادلات... لو تقدر تساعدني، يعني لو مش عندك مانع."
ظل يلتفت حوله، كأنه يبحث عن مخرج، أو يحاول تنظيم الأفكار التي تشتّتت. لم يكن من النوع الذي يرتاح للكلام الكثير، خصوصًا مع الغرباء. ثم قال محاولًا إنهاء الحديث:
- "مش هقدر أفيدك، شوفي حد تاني."
لكنها، بإصرار أقرب للرجاء، ردت:
- "حد مين؟ بصراحة... هتكسف أروح للدكاترة، إنما إنت طالب زيي. أرجوك، وافق."
ظل صامتًا للحظة، وكأن عقله يعيد ترتيب الأمور بدقة شديدة. ثم، فجأة، قال بصوت منخفض:
- "موافق... يا آنسة."
ابتسمت بامتنان، ومدت يدها ناحيته بابتسامة ودودة:
- "أنا مريم يوسف"
نظر إلى يدها، ثم إلى وجهها، وعاد إلى يدها مجددًا. قال بهدوء:
- "أنا... مش بسلم على حد."
سحبت يدها بسرعة، وقد بدا الإحراج على ملامحها:
- "آسفة... يعني دي عادتك؟ مش بتحب تلمس إيد حد ابدا؟"
هزّ رأسه، وأجاب بنبرة واضحة:
- "أنا مش بحب المس حد مش قريب مني أساسًا، تاني حاجة... عشان انتي مش من محارمي، فـ لو سلمت عليكي أتحاسب على كده. ولا انتي مش عارفة الكلام ده؟"
صمتت، ونظرت إليه للحظة قبل أن تقول بهدوء:
- "أنا... مسيحية."
تجمد للحظة، ازداد ارتباكه، وكأن المعلومة أربكت منظومة التفكير الدقيقة بداخله. تمتم بدهشة:
- "اسمك مريم... يوسف؟"
ابتسمت بخفة:
- "أيوه... هو اسم مسيحي كمان."
ظل ينظر إليها، بعينين حائرتين. لم يكن يعرف بماذا يشعر، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط... هذه الفتاة تقترب من حدود لم يسبق لأحد أن تخطاها.
1
لم يكن يدري إن كانت خطواته تتجه نحو المدرج، أم تهرب من سؤال جديد...
لم يكن يعرف إن كان لقاءه بهذه الفتاة بداية لصراع داخلي آخر، أم مجرد صدفة عابرة ستنتهي كما بدأت، بهدوء وارتباك.
لكنه كان متأكدًا من شيء واحد...
أن العالم، مهما حاول أن يُغريه بالتغيير، لن يُبدل جوهره.
فهو لم يكن يومًا عاديًا... لم يكن طفلًا يتأقلم بسهولة، ولا شابًا يسير خلف التيار.
هو "حمزة"... المُعقد البسيط، الحالم الواقعي، الحساس الذي لا يُجيد إظهار حساسيته.
دخل المحاضرة وجلس في أقصى المقعد كعادته، وضع حقيبته بجانبه، وأخرج دفتره، وعقله... لا يزال عالقًا هناك.
حيث كانت "مريم" تقف، بعيون لم تقل كل شيء، لكن قالت ما يكفي لتفتح بابًا... لم يكن يريد فتحه.
وبين زحام القاعة، وضجيج الطلاب، كان هو... في عالم آخر عالم يخصه وحده.
ــــــــــــــــــــــــــــ
أعتذر عن التأخير في نشر الفصل، لكن بجد كنت مشغولة جدًا الفترة اللي فاتت، وكان لازم أطلعلكم الفصل بأفضل شكل ممكن، زي ما عوّدتكم دائمًا إن كل كلمة تخرج من قلبي وتوصل لقلبكم
لكن غيابي كان وراه مفاجآت مهمة جدًا ومش قادرة أوصف فرحتي وأنا بكتب لكم الكلام ده: