📁 آخر الروايات

رواية ست قوارير الفصل الرابع 4 بقلم امينة محمد

رواية ست قوارير الفصل الرابع 4 بقلم امينة محمد


الفصل الرابع
|ذكرى ووعد|
أخبر إحبائي دومًا إني أحبهم قبل الفراق
حتى إذ حان وقته؛ لا اتأثر
لكن...
لا أعلم لمَ أبكي حينها، أبكي بحرقةٍ كأني لم أخبرهم يومًا وأنا على يقين أن الفراق آت لا محال!
وصلت تسبيح الى موقع مشروع "الحي السكني الجديد" مبكرًا كعادتها، كانت ترتدي خوذة الامان وتحمل ملفاتها، تنتظر وصول ماجد و وبقية المهندسين المتدربين، كان من المفترض ان يتفقدا معا مرحلة صب الخرسانة لقواعد المبنى الرئيسي.
بعد دقائق وصلت سيارته الفخمة، ثم خرج ماجد يرتدي بذلته المهنية تحت سترة الامان، بملامح هادئة لكنها تحمل التركيز والحدة!
"صباح الخير يا باشمهندسة تسبيح"
القى ماجد تحيته برسمية معتادة، رسمية عمل فقط متناسيًا ما حدث سابقًا بينهما، فهو لا يخلط الأعمال بالحياة بشكلٍ عام!
_"صباح النور يا باشمهندس ماجد"
ردت تسبيح بنفس الصرامة، تجيب على تحيته بايماءة من رأسها ثم لم يمض وقت طويل وهما يتجهان نحو المهندس المشرف على الصب، حتى تغيرت نبرة المهندس المشرف فجأة وهو يتلقى رسالة، وبدت عليه علامات الارتباك.
"يا باشمهندس ماجد... في مشكلة كبيرة"
قال المشرف بتردد.
توقف ماجد على الفور يستدير نحوه، كانت حركته سريعة لكنها لا تخلو من هدوء قاتل حاوط شخصيته وشخصه تحديدًا:
"ايه المشكلة؟"
_"الخلاطة المركزية اللي المفروض تورّد دفعة الخرسانة الاولى، اتعطلت فجأة على طريق السويس والمفروض كانت توصل من نص ساعة"
اشتعل التوتر بين الثلاثة فجأة، التأخير يعني افساد جدول العمل بالكامل، خاصة في مرحلة الصب الحساسة.
حينها لم تنتظر رد ماجد، بل خطت خطوتين الى الامام، نظرت الى الجدول الزمني في يدها ثم الى المهندس المشرف.
_"المسافة لحد اقرب محطة توريد بديلة ايه؟ وإيه الطاقة الاستيعابية ليها؟"
سألت تسبيح بنبرة سريعة ومركزة، عيناها لم تظهر عليهما اي قلق حتى الآن فبالنسبة لها لكل شيء حل عاجلًا أم آجلًا
بينما ماجد التفت اليها، كانت نظرته تتفحص هذه السرعة في اتخاذ القرار، والتحول الفوري من مهندسة منظمة الى قائدة أزمة.
في لحظات الازمة لا يظهر الهدوء الحقيقي الا لمن يملك القدرة على احتواء الفوضى، وكانت أول من اتصفت بذلك هي تسبيح.
فهي لم تكن تبحث عن مخرج من المشكلة، بل كانت تبحث عن آلية عمل بديلة، تلك الصلابة في التعامل مع الطارئ، كانت بالضبط القوة التي لا يمكن لماجد ان يتجاهلها، فهو يقدر المنطق اكثر من اي انفعال.
المهندس المشرف رد بتردد:
"في محطة على بعد ساعة تقريبًا، بس طاقتها مش هتكفي الا لنص الكمية المطلوبة"
تحدث ماجد اخيرًا، وخرج صوته كان هادئًا كالعادة لكنه يحمل الجدية:
"نص الكمية مش هينفع يا تسبيح، احنا محتاجين نخلط الكمية كلها عشان الصب يبقى متجانس!"
_"مفيش وقت ندور على محطة تانية ياباشمهندس ماجد، الطريق هيكون زحمة دلوقتي"
قالت تسبيح ثم سحبت هاتفها:
"نتصرف في النص التاني من الموقع على الأقل هنطلب الخلاطة من المحطة القريبة دلوقتي، وهنطلب خلاطتين صغار نقدر نجهزهم في الموقع من مورد الرمل والزلط بتاعنا، كده نوفر الوقت ونضمن الجودة!"
نظر ماجد تاركًا الموقف لها ليرى كيف ستحله أولًا، قبل أن يعرض وجهة نظره، كانت خطتها تنم عن تفكير عملي وسريع في الموارد المتاحة، وأعجبه ذلك خاصةً أنها مازالت مهندسة متدربة لديه.
"بس الخلطة الصغيرة دي هتكلفنا وقت في التنفيذ وهتتعب العمال!"
قالها المشرف يبدي قلقًا منطقيًا، حينها أجابته تسبيح بمنطقية:
"مش هتكلفنا وقت قد التأخير لو استنينا خلاطة تانية تيجي من مسافة ابعد!"
اجابت تسبيح بحسم، عيناها تلتقيان بعينيه للمرة الاولى في هذا الصباح، وحينها فقط هو حرك عينه عنها نحو المشرف يطلب منه:
"هاتلي تليفون المورد بتاع الرمل والزلط يا باشمهندس" قال ماجد للمشرف حتى يقوم بالتجهيز لخطتها التي أعجبته، نعم هو الآن سينصاع لكلامه ليس إلا..
بينما تسبيح بدأت على الفور باجراء المكالمات، تتعامل مع الموقف بحزم وذكاء كما اعتادت في عملها وفي كل مشروع يُوضع اسمها به!
وقف ماجد بجوارها يشاهدها وهي تدير دفة الازمة بينما هو الآخر يتواصل مع البقية ليبلغهم بالقرار الجدي، ها هو الآن لم يعد يرى فيها تلك الفتاة التي رآها في ليلة الحادث، بل رأى فيها قوة وذكاء تتحدى صرامته.
_"لو الخطة دي نجحت، هيكون الفضل لسرعة تصرفك يا باشمهندسة تسبيح"
قال ماجد بصدق هادئ ونبرة الاحترام تخترق الجدار الرسمي، بعدما وجدها تنهي مكالمتها وانهى هو خاصته واتفقا على كل شيء.
_"إحنا فريق ياباشمهندس ماجد، المهم المشروع يمشي في ميعاده"
ردت تسبيح تعود لرسميتها، مبتسمة ابتسامة خفيفة مطلوبة من شخصية مثلها في مكانها وعملها هنا فقط، ثم أولته ظهرها وتقدمت نحو الموقع البنائي ترى بقية العمال وهو وقف مكانه يطالع ذهابها..
يتنهد بعمقٍ، يتذكر ما لا يود أن يتذكره
لماذا الذكريات قاتلة لتلك الحد؟
تبدو كالسمِ تقتل صاحبها ببطءٍ شديد
ليتها كرصاصةٍ تنهي الحياة في قليلٍ
ــــــــــــــــــــ
كان مقهاه يجسد روحه؛ تصميم يجمع بين الأناقة المتمردة والهدوء المصطنع،
وصلت سجى الى المكان، مبتسمة بمكرٍ يشبه شخصيتها، كانت خطواتها لا تحمل ترددًا حمل اصرار من يطالب بحقه دون انفعال، فهي لم تعتاد أن تترك حقًا لها، ولم تعتاد أن يفتعل شخص ما في عملها مشاكل هكذا دون أي وجه حق!
رأت تميم جالسًا في زاوية مضاءة، يراقب المقهى ويده تحتضن فنجان قهوته، كانت هيئة تميم تحمل الكثير من الثقة، ثقة يعرف تماما كيف يستخدمها بتلاعب محسوب كما عرفته بالأمس!
تقدمت نحوه ثم وقفت لبرهة أمام طاولته حتى نطقت:
"صباح الخير"
قالت سجى بهدوء تراقب ردة فعله، بينما تميم رفع عينيه العسليتين نحوها، كان انتظاره لها قد انتهى؛ نعم كان يفكر بها وبما حدث بينهما تلك الليلة من شجار هادئ أو ربما حاد..
تسربت على شفتيه تلك الابتسامة الساخرة الهادئة التي تمنحه جاذبية مزدوجة قائلًا بمكرٍ:
"أنتِ متعودة كدا أي حد يفكر فيكِ تظهريله؟"
قوست حاجبها بوجهه، ليبتسم بخفة مكملًا:
"أهلا ياسنيورة، كنت عارف عمومًا إنك جاية اتفضلي"
دعاها تميم بيده التي تشير الى المقعد المقابل له، جلست سجى وهي تخبره آمرة بحدة:
"متقوليش ياسنيورة تاني، أنت متعرفنيش عشان تطلع عليا ألقاب!"
وضعت حقيبتها بجوارها واكملت حديثها بنفس الحدة التي تشبهه من الداخل، كيف يمكن للمرء أن يتعامل مع شخص بنفس تمرده دون أن يتلاعب ذلك باعصابه!
تمامًا كان هذا هو الوضع من ناحيتهما سويًا
هو وهي يتم التلاعب بأعصابهما!!
_"أنا مش جاية عشان وعدك يا أستاذ تميم أصلًا، أنا جاية عشان انهي الوضع ده كله اللي حصل في الحفلة سبب خسارة في سمعتي، ودي خسارة اكبر من اي فلوس!"
قالت سجى بوضوح، ليجيبها بكل بساطة:
"عارف، أنا كمان على فكرة مُنظم حفلات، عشان كدا أنا عندي إستعداد اقدملك تعويض كويس جدًا!"
_"قبل التعويض أنا حابة أعرف بالظبط إيه حصل واسمع منك!"
سألته بهدوء تبحث عن حلٍ مقنع من وجهة نظره غير الذي قالته أخته لها، ليجيبها بنفس نبرة البساطة وهو يعيد ظهره للخلف يسنده براحة:
"والله اللي حصل إن ده واحد قليل الأدب كان بيضايق أختي، وكان واجب عليا احطه عند حده عشان ميكررهاش تاني، جت بقى في حفلة صاحبتها وبالمناسبة حصل مشاكل معاها، وفي حفلة حضرتك منظماها لشخص معروف زي صاحبة نور أختي كدا فالناس اتكلموا!"
ابتسم بمكرٍ يجيبها:
"بس الحمدلله إن ده حصل عشان نتعرف على السنيورة!"
زفرت بضيقٍ تقلب عينيها
يا له من وغدٍ خبيث!
_"لم لسانك لو سمحت إحنا حاليًا في قعدة شغل!"
حذرته مجددًا، لذلك انصاع لها مؤقتًا يكمل حديثه:
"عايزة مني الخلاصة؟ الحوارات دي بتحصل كتير وأنتِ ملكيش ذنب فيها، هما بس بيحبوا يحطوا اللوم عاللي منظم الحفلة عشان يقولوا ده نحس وأنتِ متقلقيش مش نحس ولا حاجة ده وشك وش خير وإلا مكنتيش جيتيلي الكافية بتاعي نورتيني فيه!"
زفرت مجددًا
يبدو أنها ستُرهَق معه حتى تجعله يكون بلسانٍ محترم!
_"والحل؟"
سألته بهدوءٍ وأكملت تخبره بما حدث:
"من امبارح اتلغى عندي 3 حفلات ورا بعض كانوا من صحاب الأستاذة صاحبة العيد ميلاد!"
"عمومًا اخر توضيح وتبرير مني، اللي حصل كان رد فعل ضروري، مش تهور مني، اللي اتخانقت معاه كان بيحاول يتعدى على أختي، مكنش قدامي وقت أفكر فيه في القواعد أو السمعة، كان فيه حياة أختي اللي هي أولويتي!"
تفوه تميم مبررًا بمنطق، بينما صمتت هي، تذكرت موقفها من أخواتها، وكيف أن الأمان من الممكن أن يتجاوز كل المنطق لتحقيقه
_"لو كنتِ مكاني، كنتِ هتتصرفي إزاي يا سنيورة؟" سألها تميم بتحدٍ هادئ، يود أن يعرف كيف تفكر ليعرف عنها أكثر من داعي الفضول ليس إلا
بينما سجى أدارت عينها قليلًا:
"كنت هعمل حاجة، بس يمكن مش بالصورة دي اللي تكسر الدنيا كلها وأذي غيري!"
_"عمومًا أنا محاولتش أذي غيري من وجه نظري، والتعويض اللي هقدمه فلوس متقلقيش، أنا عندي مشروع افتتاح فندق كبير في الساحل، ومحتاج منظمة حفلات على مستوى عالي، تكون بتفهم في الالتزام والجمال زيك!"
أمسك تميم بكوب قهوته، ينظر اليها يتابع رد فعلها ويكمل حديثه:
"ده هيكون تعويضك عن الخسارة المادية، وفرصة تانية عشان الناس تتكلم عن شغلك أحسن من الأول!"
نظرت سجى إلى الفرصة المهنية التي لا تعوض، وشعرت أنها تتجاوب معها أكثر من أي حديث شخصي، لكن.. الساحل، هل سيسمح لها والدها بالسفر!
_"عرض مغري ومش هكذب لكن التعامل معاك مستفز وأنت شخصيًا مستفز وصعب"
قالت سجى معترفة بصعوبة ديناميكية العلاقة، ليرفع حاجبه ينبهها:
"ما تحاسبي على كلامك يا سنيورة ولا أقولك سكتك خضرا كمان مرة!"
زفر لتلك ذات اللسان الطويل.. مثله!!
وهكذا هي حال العلاقات إن كانوا يشبهون بعضهم، فمن أخبرك أنه يجب أن يتشابه الشخصيين لم تفلح وجهة نظره، بل يجب أن يختلفوا ليكملوا بعضهم البعض!
فكيف تريد مني أن أتعامل مع شخصية تشبهني في كل شيء حتى التمرد والعناد!
_"التعامل معايا صعب بس نتيجته مضمونة"
نطق تميم مجددًا وعادت ابتسامته الجانبية تسيطر على ملامحه:
"مستني قرارك يا سنيورة، ومتتأخريش"
نهضت سجى وحملت حقيبتها قائلة:
" كدا كدا معايا رقمك عالكارت بتاعك، هفكر وأرد عليك!"
_"طب مش هتديني رقمك كمان!"
سألها بتلاعبٍ ووقف هو الآخر لها لتنظر له من أعلاه لأسفله بتقييم جعله يبتسم بسخرية، ثم اولته ظهره تاركة إياه يقول بصوتٍ مرتفع نسبيًا:
" مشربتيش حاجة طب!!"
كانت مغادرتها تحمل الكثير من التفكير المعقد، تاركة خلفها رجلًا عرف كيف يطرح شبكة الفرصة على فريسته الذكية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هدأت الأمور في موقع البناء، الخرسانة البديلة وصلت، والعمال استأنفوا العمل بكفاءة تحت إشراف تسبيح وماجد.
ابتعدت تسبيح عن ضجيج الآلات، تتفقد المخططات مرة أخيرة، ثم لحق بها ماجد، وقفا بجوار جدار خرساني قيد الإنشاء، وكان الهدوء بينهما هذه المرة مريحًا، مختلفًا عن الهدوء المصطنع الذي ساد لقاء المرة الأولى.
"الخطة نجحت يا باشمهندسة، مكنتش متوقع السرعة دي في رد الفعل من شخص لسه بيتدرب أو تحت التدريب عمومًا"
قال ماجد بنبرة هادئة ومهنية، نظرته تحوي تقديرًا واضحًا لا استخفافًا.
_"الموقف كان محتاج قرار سريع، لو استنينا المشروع كان هيتأخر كتير"
ردت تسبيح دون ان تبالغ في تقبّل المدح، بينما هو هز رأسه ثم نظر الى الأفق المليء بأبراج الاسمنت متفوهًا بهدوء مغلفًا بالشرود القليل:
"أغلب المشاكل مش بتيجي من الأخطاء الواضحة، بتيجي من التأخير في رد الفعل، زي الحياة بالظبط لو متصرفتْش بسرعة، بتضيع عليك فرص مش هترجع، أو بتخسر نفسك"
كان حديثه عميق غامض لا يناسب حديث العمل،
بينما تسبيح التقطت الخيط، وفهمت ان الحديث قد انحرف عن العمل، التفتت اليه ببطء تبادله نظرة تحمل حكمة لم يعهدها فيها.
"أحياناً ياباشمهندس ماجد، بتكون الأخطاء الواضحة أرحم بكتير من الفرص اللي بتضيع، الفرصة اللي بتضيع بتسيب وراها أسئلة مبتخلصش، لكن الخطأ بيعلمك الدرس وبيروح!"
قالت تسبيح كلماتها التي كانت انعكاسًا لماضيها المتوتر وعلاقتها بمسؤولية عائلتها، بينما ماجد ابتسم ابتسامة قصيرة، لم تصل لعينيه، بل كانت نظرته تحمل أثرًا لموضوع لم يُغلقْ بعد في قلبه!
_"معني كلامك انك بتؤمني ان الشخص لازم يحاول يمسك بالفرصة حتى لو هتاذيه؟"
"بؤمن ان الفرص متجيش بسهولة، خصوصًا لما تكون فرص بتوعد بحياة طبيعية، بس لما بتمسك بالفرصة دي بتعرف انك لازم تدفع تمنها وده اللي ناس كتير بتفشل فيه"
علقت تطلق سخرية خفية من اولئك الذين لا يتحملون نتائج اختياراتهم.
السخرية المؤلمة لامست ماجد وشعر بطعنة خفيفة في جزء من قلبه لم يستوعب بعد ضياع ماضيه.
"يمكن بس أحيانًا التمن بيكون أكبر من اللي الشخص يقدر يدفعه، أو بتعرف إنك دفعت التمن الغلط لحد مكنش يستاهل"
أردف بهدوء، متحدثًا عن خذلان قديم مازال يسيطر على قراراته الحالية.
صمتت تسبيح ولم تجد لديه اجابة مباشرة، لكن نبرته الساخرة حملت وجعًا حقيقيًا أحسته منه، ولا يمكن تجاهله.
شعرت بشيء مشترك يربطهما، جدار من الوحدة الاجبارية رغم اختلاف كل شيء بينهما.
"عمومًا مهمتنا دلوقتي اننا نضمن ان الشغل ميقفش ومنتأخرش تاني، والحياة الشخصية متبوظش الشغل، ده اللي اتعلمته"
قالت تسبيح بحدة عملية بلا سبب، أو ربما لأنها انجرفت في الحديث معه ولم تعهد على نفسها هذا!
لم تعهد على نفسها الحديث مع الغرباء عنها، وحتى الأقربين منها.
كانت تعيد الحوار الى سياقه المألوف وتحصنت مجددًا خلف مهنتها.
فهم الاشارة وابتسامته الساخرة تلاشت، حل محلها الهدوء البارد المعروف عنه.
"تمام هسيبلك متابعة التوريد البديل للمشروع لحد آخر اليوم بالتوفيق!"
غادر ماجد الموقع وترك تسبيح تنظر إليه بعينين مشوشتين، كان كلامه الأخير عن الثمن والفرصة، وكلامها عن الأخطاء والمسؤوليات، وذلك الحديث قد ترك في قلب كل منهما سؤالاً عن العزلة التي يرتديها الآخر.
°°°°°°°°
لمسة كسر مقصودة!
وقلب هلك، وروح معذبة..
جميعهم هو!
في مكتب فيصل كان الهدوء تلك اللحظة هو سيد المكان، لم يكن هدوء فراغ بل كان هدوء التحكم المطلق الذي يخرج من شخصية هذا الرجل الذي حينما تطأ قدمه في مكان يتحكم به!
كانت ميار تقف بجوار مكتبه الخشبي الفخم، تشير بقلمها الى بند قانوني في احد عقود الشراكة الكبرى:
"البند ده لازم يتعدل يامستر فيصل، استغلال الغموض ده ممكن يكلفنا ملايين!"
قالت ميار برسمية ونبرتها تحمل اليقظة الكاملة التي لم يعتدها فيصل حتى الآن لأنها مازالت مستجدة في شركته لم يكمل على وجودها سوى شهر ربما..
كان فيصل يتابع بخطوات عينيه العسليتين الحادة، ثم اشار بطرف قلمه الرصاص على نقطة معينة في العقد قائلًا دون تردد:
"أنا عايز الغموض ده بالذات يا ميار!"
_"غموض إيه؟ ده ثغرة قانونية!"
تساءلت ميار بدهشة لم تستطع اخفاءها..
هو لا يقاتل الأعداء بالسلاح المباشر، بل بسلاح العقل البارد الذي يرى الهزيمة في ثنايا النصر.
كان يقدم لميار درسًا في اللعبة الكبرى التي تديرها شركته، لعبة تتطلب قدرًا من الخطر المحسوب لتأكيد السيطرة.
بينما كانت ميار تستوعب الآن أن هذا الرجل لا يخشى النيران إنما يصنعها ليديرها، ولا تعلم لماذا شعرت ببعض الخطر بداخلها الآن!
_"أنا مش عايز ثغرة، عايز مساحة مناورة لما الطرف التاني يحس ان عندنا خيط فضفاض ممكن نلعب عليه، مش هيحاول يلوي ذراعنا في البداية"
أردف فيصل ثم نظر اليها بنظرة تحمل شرحًا عميقًا لحديثه عن وضع بندٍ معين في العقد، ولكن لم يكن ذلك إلا شرحًا لأبعاد شخصيته الغامضة التي لا يعرف عنها شخص!
"لكن ده بيعرضنا للمساءلة!"
قالت ميار محاولة التمسك بقواعد المهنة السليمة، ليجيب بثقة:
"المحترفين بس اللي بيعرفوا يتحركوا في منطقة المساءلة بأمان يا ميار، وأعتقد إنك محترفة كفاية تفهميني"
في تلك اللحظة كانت ميار تشير بقلمها إلى فقرة معينة مازالت متعجبة من حديثه، إذًا ربما بعد أعماله مشبوهة؟ أم أنها تسير بالفساد!
انحنى فيصل قليلًا نحوها ليرى ملامحها بوضوح، ولذلك اقتربت رأسهما جدًا وتلامست يده بخفة غير مقصودة مع يدها على حافة الملف.
لم يسحب فيصل يده على الفور بل أبطأ اللحظة يراقبها، كانت لمسة خاطفة لمسة حملت الكهرباء الباردة التي تليق بهما، بينما ميار شعرت بخفقان مفاجئ لم تستطع تجاهله، لكنها حافظت على ثبات عينيها.
رفع فيصل رأسه وعيناه العسليتان تبحثان في عينيها عن أثر تلك اللمسة، لم يجد ارتباكً ملحوظًا، بل وجد تأثرًا مكتومًا خلف ذلك، لا يعلم ما الذي يحاول الوصول له، لكن التشابه بينهما يعجبه كثيرًا!
_"أنا عايز الفقرة دي تبقى بالشكل ده يا ميار، ابعتيلي التعديل النهائي بعد ما تظبطي الصياغة"
قال فيصل وعاد صوته الى نبرته القيادية، لكن الهدوء كان مثقلًا هذه المرة برغبة جديدة.
"تمام يامستر فيصل"
ردت ميار بصوت ثابت، سحبت الملف وغادرت المكتب بنظامها المعتاد، لكن يدها مازالت تحمل حرارة تلك اللمسة.
بقي فيصل وحده نظر إلى مكان لمسة يده، ثم رسم على شفتيه تلك الابتسامة الجانبية الساخرة الهادئة، راضيًا عن الكسر البسيط الذي صنعه في صلابة ميار.
ـــــــــــــــــــــــ
في جناح الجلوس الخاص بمنزل آل السعدون، كانت نوال تجلس بهدوء، تحمل كوبًا من الشاي، ومقابلها كان عزيز السعدون جالسًا يطوي جريدته وعلامات الضيق المعتاد على ملامحه.
كانت أجواء الغرفة تنذر بمحادثة ثقيلة لم تعد نوال تطيقها:
"لسه مش فاهمة ليه مصر على إن تميم يرجع يشتغل معاكوا في الشركة يا عزيز"
بدأت نوال بصوت هادئ تحاول فتح الباب للحوار.
عزيز رمى الجريدة جانبا بـ حركة لا مبالية:
"ده مش إصرار يا نوال ده منطق، تميم هو وريث الشغل ده زي فيصل، الشركة دي مبنية عشانهم هما الاتنين، إزاي بيتهرب من كل ده ويروح يفتح كافية لا يقدم ولا يأخر ويقال ابن عزيز السعدون بيشتغل في كافية وأبوه عنده شركات في البلد وتعاقدات برا البلد؟"
_"هو بيفتح لنفسه مجال يا عزيز، هو عايز يثبت نفسه باسمه هو مش باسمك!"
بررت له بينما هو هز رأسه في رفض بارد:
"اثبات النفس ده كلام فاضي، تميم دماغه سيقاه، ومتمرد علينا، هو متمرد عشان عارف قواعد اللعبة وفاكر إنه ممكن يضغط على ايدنا في أي وقت! "
رفعت نوال عينها نحوه بحزن عميق قائلة:
"هو بيشوف ان الشغل في الشركة فيه كذب ومراوغات على الناس يا عزيز هو قالها بوضوح، هو مش عايز ينحاز تحت القواعد اللي انتوا حطتوها!"
ساد صمت قصير وثقيل كلمة "الكذب والمراوغات" كانت تشبه شرارة باردة ألقتها نوال في منتصف هدوء عزيز!
تلك الكلمات التي اعترف بها تميم سابقًا لم تكن مجرد اتهام، بل كانت ادانة للحياة التي بناها عزيز وتبعها ابنه فيصل، كان عزيز يرى نجاحه كضرورة، يرى ان التنازلات الصغيرة هي ثمن العظمة، لكن ابنه الأصغر يرفض دفع هذا الثمن، مفضلا عزلة الحرية على القيود.
"ودي هي قلة خبرته يا نوال"
قال عزيز بصوت منخفض، لكنه كان يغلي بالاستياء.
_"الأعمال الكبيرة مش بتتبني على الأحلام والصدق بس، الأعمال بتبنيها اللعب الصح والقوة، تميم ضعيف، ضعيف في قراراته ومش هيقدر يشيل اسم السعدون لو فضل على الحال ده!"
هكذا أكمل حديثه لترد عليه نوال بحزمٍ تدافع عن الجانب الذي تحبه بابنها، وأيضًا تود أن تكون عائلتها مستقرة حتى لا تخسر مكانتها أمام الجمعيات التي بها حتى لا يقول شخص ما أن عائلتها متفككة بها مشاكل.
"هو مش ضعيف، هو عنده مبدأ، أنت شايف فيصل بيحل المشاكل كلها لوحده، وتميم بيقدر يعمل اي حاجة لو أراد، بس هو رفض يدخل في دايرة التنازلات دي!"
"فيصل فاهم قواعد اللعبة، وده اللي يخليه ناجح وقوي" قالها عزيز بمقارنة واضحة، تظهر على وجهه نظرة الرضا لـ ابنه الأكبر فقط.. أكمل قائلًا:
"ولما يجي اليوم اللي تميم يقع فيه، مش هينفعوا ساعتها مبادئه، هو لازم يرجع للمكان اللي يحميه!"
"وأنت فاكر إن المكان ده هو الشركة دي؟"
سألت نوال بسؤال لم يكن بريئًا البتة من وجهة نظرها، فهي تعلم كيف تسير الشركة على نحوٍ ربما مظلم للبعض، لذلك لم يجبها مباشرة بلأدار رأسه نحو النافذة، كان رجل ذا صرامة غريبة، كانت صرامته تزداد مع كل كلمة.
كان يرى في تمرد ابنه خيانة لـ إرثه أكثر من كونها رغبة شخصية:
"قوليله لو احتاج اي حاجة يكلم فيصل. أنا مش عايز مشاكل تاني"
قال عزيز بإنهاء قاطع للحديث، يرفض حتى ذكر اسم تميم بشكل مباشر..
لذلك اغلقت عينها للحظة قصيرة، حزنها يزداد على الصدع العائلي الذي صنعه المال والسلطة، كانت تعرف ان تميم لن يتراجع، وأن هذا التوتر سيظل ينمو بين جنبات البيت.
ــــــــــــــــ
جلس على كرسيه القديم خلف مكتبه الخشبي المكدس بالاوراق والمخططات لورشته، كان يوسف يبحث عن مقياس قديم يخص عمله، ففتح درجًا مغلقًا لم يمسه منذ سنوات.
لم يجد ما يبحث عنه لكن يده لامست شيئًا معدنيًا صغيرًا ملفوفًا في قطعة قماش باهتة اللون، سحبها وفتحها ببطءٍ شديد ليجد خاتم زواج بسيط وقديم، لم يكن الخاتم مرصعًا بألماس، بل كان فضة مصقولة تحمل نقشًا داخليًا يكاد يختفي، وهنا فقط تذكر ما لم يكن يود تذكره الآن!
الذاكرة تملك مساحة خاصة لا تمسها الفوضى أو النسيان، كانت رائحة الخشب الجافة في الورشة تُخفي عطر امرأة لم يعد موجودًا واعتاد على وجودها معه هنا، كان هذا الخاتم ختم مرحلة كاملة من حياته، فترة لا يسمح لنفسه بالعودة اليها إلا في خلوته
والآن رؤية هذا الخاتم دفع ثقلًا باردًا الى صدره.
أمسك يوسف الخاتم بين اصبعيه وبدأ يتأمله، لم تعد عيناه في هذه اللحظة الموجود بها، بل عادتا الى ماضٍ بعيد يرفض ان يموت.
متذكرًا ما فات ولا يموت
المكان هادئ وكان يوسف شاب يحمل في عينيه وعدًا بالمستقبل، يقف أمام زوجته الشابة التي كانت تبتسم بوداعة لا تُنسى.
وضع الخاتم في يدها مبتسمًا بسعادة لا توصف:
"الخاتم ده صغير وبسيط، بس وعده كبير بالنسبة ليا"
قال يوسف بصوت خافت.
"ايه هو الوعد ده؟"
سألت هي وعيناها تلتمعان ليجيبها بينما يشدد بيده على مسكتها:
"اوعديني متسبنيش في يوم ابدًا مهما حصل"
ابتسمت هي باطمئنان تجيبه:
"اوعدك يا يوسف.. عمري ما هسيبك عمري"
عاد يوسف الى حاضره البارد، والخاتم مازال بين اصبعيه، تنهيدة مؤلمة خرجت منه، تنهيدة تحمل مرارة السراب والخيانة غير المقصودة.
"اوعدك عمري ما هسيبك!"
كرر الكلمات بهمس مر، ثم ضحك ضحكة قصيرة لم تكن تحمل اليأس، كل الوعود أصبحت الآن سرابًا، لقد تركت يوسف وحيدًا مع ست بنات، وحيدًا مع هذه القوة التي يحاول أن يرتديها كدرع.
شدّ يوسف على الخاتم بقبضته، كان يريد أن يكسره، لكنه عرف أنه لا يمكنه كسر الماضي ولا رميه بعيدًا، أعاد الخاتم إلى قطعة القماش ووضعه في الدرج، وأغلق عليه بقوة ثم نهض مذكرًا نفسه أنه يجب أن يعود إلى دوره الحالي، دور الأب القوي الذي لا يتذكر الوعود المكسورة.
ـــــــــــــــــ
رنين هاتفه جعله يترك ما بيده ويغادر على عجلٍ، يهرول ركضًا ثم إلى سيارته يقودها بسرعة جنونية نحو المكان الذي أخبرته به أخته تستنجده بصراخها
_"تميم الحقنــي!"
وحينما غادر فقط!
كان هناك أكثر من عشرين رجلٍ في مقهاه يدمرونه تمامًا ويكسرون ما به لفتاتٍ!
ـــــــــ
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات