📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الرابع 4 بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الرابع 4 بقلم وسام اسامة 


الفصل الرابع
مــاضي لا يـموت
....................................................................
كانت تقف في منتصف ردهة شقتها، تحاول استيعاب وجود طاقم الحراسة الجديد الذي نبت فجأة في عالمها، بينما يتولى مهمة تعريفهم ذاك الواجم يحيى. كانت ملامحه الجامدة بمثابة عدوى انتقلت إليها رغماً عنها؛ فرغم اعتيادها تجميل وجهها بابتسامةٍ دبلوماسية مهما بلغت ذروة إرهاقها أو حزنها، إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن المقاومة أمام وطأة الليلة الماضية وما حملته من رعبٍ ووجع.
وقفت بوهنٍ تحاول التماسك أمام ثلاثة رجال وامرأة، يصطفون في أدبٍ ونظامٍ صارم، بينما ينساب صوت يحيى بهدوءٍ لا يخلو من الآمرية: "الآنسة سُلاف ستكون مرافقتكِ الشخصية في كل مكان؛ داخل المنزل أو خارجه، وحتى إن قررتِ الوقوف في شرفة منزلكِ ستكون معكِ. وكي لا يختلط عليكِ الأمر.. هي ليست خادمة، وليست مساعدةً فنية، بل ظلكِ الذي سيرافقكِ في الأماكن التي يُحظر علينا الوجود فيها."
رسمت شهيرة على ثغرها ابتسامةً باهتة لسلافة، وكادت أن تفتح شفتيها بكلمة ترحيب، لكنَّ يحيى لم يمنحها شرف المبادرة، بل قاطعها وهو يشير لأحد الرجال بجمود: "وهذا صلاح.. سائقكِ الخاص. ومعنى أنه سائقكِ، أي أنه المسؤول الأوحد عن تنقلكِ من مكان لآخر؛ فلا يحق لكِ الذهاب دونه، ولا يجوز لكِ صرفه تحت أي ظرفٍ أو ضغط. هو ليس مجرد سائقٍ ماهر، بل رجلٌ يملك باعاً طويلاً في فنون الدفاع عن النفس وحماية الغير."
لم يمهلها برهةً للتعقيب، أو حتى لمبادلة من يعرفها بهم التحية، وتابع حديثه وكأنه يلقي تعليماتٍ عسكرية أمام جندي، لا أمام امرأةٍ يملؤها الحنق: "وهذان الرجلان هما حراسكِ الشخصيون.. سيكونان على بُعد خطوةٍ منكِ دوماً، وسيتناوبان حراستكِ طوال فترة وجودكِ في الشقة. الطاقم كله يُعد من أكفأ العناصر التي يمكنكِ الوثوق بها.. لذا، فإن أي تقصيرٍ قد يقع سيكون من جانبكِ أنتِ بلا شك. وإن أردتِ منا تأمينكِ حقاً، فعليكِ الالتزام الصارم بما أقول.. هل لديكِ أي أسئلة؟"
صمت أخيراً، ليفسح المجال لسكونٍ مشحونٍ بالتوتر. أما هي، فقد كانت قد وصلت إلى ذروة غضبها، تحدق في ملامحه الصخرية بذهولٍ أخرس لسانها؛ فكيف لرجلٍ أن يسلبها خصوصيتها بدمٍ بارد، ويُحملها مسؤولية أمنها وكأنها طفلةٌ عابثة!
وحينما طال صمتها، أشار لهم بالانصراف وقد بدى ملولا وهو ينتظر أي سؤال منها
ولكنها كانت تقف في باهة تحدق فيه وكأنه كائن فضائي يتحدث مع نفسه ؟؟
غادر طاقم الحراسة الردهة ليستقر كلٌ في مكانه الموكل إليه، فبقي الجو مشحوناً ببرود يحيى الذي استدار ليغادر هو الآخر، لكن صوت شهيرة استوقفه بنبرةٍ حادة لم تستطع كبحها أكثر:
"لحظة واحدة يا سيد يحيى.. لقد رتبتَ كل شيء وفقاً لمنظورك، لكنك نسيت فرداً أساسياً في حياتي.. أين مساعدتي الشخصية؟ يجب أن تعود لعملها فوراً."
توقف يحيى دون أن يلتفت إليها بالكامل، وأجاب بنبرةٍ فاترة خالية من أي انفعال:
"لقد تم استبعادها من الحسابات.. ولن تعود."
صُعقت شهيرة من رده القاطع، وخطت نحوه بخطواتٍ غاضبة لتواجهه وجهاً لوجه:
"ماذا تعني باستبعادها؟ إنها ليست مجرد مساعدة، إنها أفضل مساعدة لي في بيتي وعملي.. والوحيدة التي أرتاح لوجودها حولي! بأي حق تمنعها من دخول منزلي؟"
طالعها يحيى بجمودٍ صخري، ولم يتحرك فيه ساكنٌ أمام لمعة الغضب في عينيها أو ملامحها التي يزداد جمالها اشتعالاً مع الثورة، بل قال بلهجةٍ جافة:
"بأمر الحماية.. نظام طاقمي يعتمد على الثقة المطلقة في كل فردٍ يتحرك داخل محيطك، وأنا لا أضع ثقتي في أشخاصٍ لم أخضعهم لاختباراتي الخاصة. وجود عنصر غريب -بالنسبة لي- هو ثغرة أمنية لن أسمح بها."
هتفت به بحنقٍ استمدته من شعورها بالتضييق:
"ثغرة أمنية؟ أنا أثق بها كما أثق في نفسي! لقد عملت معي لسنوات ولم تكن يوماً إلا نِعم الصديقة والمخلصة.. هي مستحيل أن تؤذيني!"
أرخى يحيى عينيه قليلاً بنظرةٍ تحمل مزيجاً من البرود والصرامة، ثم تقدم خطوة واحدة جعلتها تصمت رغماً عنها، وقال بصوتٍ هادئ لكنه حاد كالسكين:
"الثقة في عالمكِ يا انسة شهيرة تُبنى على العاطفة، أما في عملي فتُبنى على المعطيات والتحريات. لن أخل بنظام عملي، ولن أعرض حياة رجالي -وحياتكِ- للخطر من أجل 'راحة نفسية' تطلبينها. مساعدتكِ لن تعود حتى أتأكد بنفسي من ولائها.. وحتى ذلك الحين، سلاف هي خياركِ الوحيد."
عضت على شفتها السفلى بغيظٍ وهي تراه يستدير للمغادرة مرة أخرى، وصاحت خلفه بذهول:
"أنت رجل آلي.. ألا تملك أي مرونة؟ ألا ترى مدى الضغط الذي تضعه فوق أعصابي؟"
توقف عند الباب، وألقى نظرةً أخيرةً باردة لم تستقر على وجهها الفاتن، بل تجاوزته نحو الفراغ كأنه لا يرى أمام عينه أحداً، ثم أجاب بجمودٍ قصم ظهر الحديث:
"أنا هنا لأضمن بقاءكِ على قيد الحياة، لا لأضمن رضاكِ عني.. سأترككِ بقية اليوم لترتاحي، وسأعود في الغد صباحاً لتطلعيني على جدولكِ."
خرج وأغلق الباب خلفه بهدوءٍ مستفز، تاركاً إياها في منتصف شقتها تضرب الأرض بقدمها بحدة، تتساءل في سرها بنقمة: كيف ستمضي أيامها مع هذا "الجماد" الذي لا يرفُّ له جفن أمام غضبها، ولا يضع اعتباراً لسطوة حضورها التي يركع لها الجميع؟
قطع حنقها وقوف سُلاف أمامها، ملامحها هادئة وصوتها يقطر أدباً ورسمية: "المعذرة سيدة شهيرة.. أي غرفة سأشغلها؟"
أجابتها باقتضاب وهي تحاول لملمة شتات أعصابها:
"اختاري أي غرفةٍ تحلو لكِ، الشقة واسعة.. ولكن الغرفة المجاورة لغرفتي هي لمساعدتي، لا تقربيها من فضلك."
أومأت سُلاف برأسها إيجاباً وهي تنصرف بهدوء لتتخذ غرفةً لها، وقد بدت وكأنها خبيرة بأركان الشقة ومداخلها. تنهدت شهيرة بمرارة، واتجهت نحو غرفتها تجرُّ أذيال إرهاقٍ بلغ مداه، وحين جلست فوق فراشها تلمسه بأنامل رقيقة، اندفعت الدموع من عينيها بغزارة..
لقد تذكرت قطتها التي كانت تشاركها الفراش كل ليلة، وتمنحها دفء الألفة، قبل أن يغتالها ذاك المتتبع المجنون بدمٍ بارد. مسحت دموعها بسرعة كي لا تغرق في بؤسها؛ فعندها ألف سببٍ للبكاء ولكنها قررت التماسك، فأمامها يومان لا أكثر لتستعيد عافيتها وتألقها قبل العودة لبلاتوهات التصوير.
قطع شرودها طرقاتٌ هادئة على الباب، فأذنت لسُلاف التي دخلت تحمل صينيةً عليها طعامٌ خفيف وكوب من العصير الطازج. وضعتها على أقرب طاولة وهي تردد في هدوء: "أعتذر عن الإزعاج، ولكنني أعددتُ لكِ وجبةً خفيفة.. أرجو ألا تتعارض مع أي حميةٍ تتبعينها."
أبصرت شهيرة لمحةً من العطف خلف قناع الرسمية والحزم في عيني سُلاف، فشكرتها بامتنان وهي تهرع نحو الطعام بجوعٍ لم تعد تملك ترف إخفائه، وهي تغمغم:
"شكراً يا سُلاف.. بطني تتألم من الجوع فعلاً."
وقفت سُلاف تراقب بذهولٍ مكتوم تلك النجمة التي شرعت في تناول الطعام بلهفةٍ غريبة؛ كانت تقطع الخبز قطعاً كبيرة وتغمسها في الجبن وتأكلها بشراهةٍ لا تليق بـ "أيقونة" مثلها، بدت وكأنها لم تذق زاداً منذ أيام.
انتبهت شهيرة لنظرات سُلاف المتفحصة، فتوهج وجهها احمراراً من الحرج؛ إذ تذكرت فجأة أن من تقف أمامها ليست مساعدتها المقربة التي تحفظ عيوبها، بل مرافقةٌ غريبة تعرفت إليها قبل دقائق. تركت الخبز من يدها، ونفضت كفيها قائلةً بخفوتٍ مشوب بالخجل:
"لقد اكتفيت.. أشكركِ يا سُلاف."
خرجت المرافقة من الغرفة وتركت شعيرة تنكمش في ذاتها
لوهلة كادت تلفت نظر سُلاف أكثر لتصرفاتها الغريبة التي تخرج منها بين جدران غرفتها فقط.
نظرت للمرآه التي عكست جلستها.. نظرت لنفسها مليًا وهي ترى صورة امرأة ضعيفة مرهقة، تُذكرها بصورة قديمة شاحبة
ظنتها اندثرت تحت ركام السنوات.. ومحتها اضواء الشهرة والحياة المترفة الي تعيشها الان !!
في الصباح التالي، استيقظت شهيرة وهي تشعر ببعض العافية التي دبت في أوصالها، فقررت أن تستقبل يحيى بكامل أناقتها؛ ارتدت ملابسها بعناية، ووضعت لمساتٍ خفيفة من الزينة لتواري ذبول عينيها، وكأنها تستعيد ذاتها التي كسرها الخوف.
ما إن خرجت إلى الردهة، حتى وجدته واقفاً يراجع بعض التقارير مع سلاف. التفت إليها، ولم تظهر على وجهه أي علامة انبهار، لكنه لم يكن فظاً أيضاً؛ بل قال بصوته الرخيم المعتاد:
"صباح الخير يا سيدة شهيرة. أرى أنكِ استعدتِ بعض نشاطكِ، وهذا أمر جيد لأننا بصدد يومٍ حافل."
جلست شهيرة بهدوء، وحاولت أن تكون عملية مثله، فقدمت له ورقةً بجدولها:
"هذا هو جدول التصوير للأيام الثلاثة القادمة.. أحتاج للذهاب إلى 'الاستوديو' اليوم، وهناك حفل عشاء عمل غداً لا يمكنني تأجيله."
التقط يحيى الورقة، قرأها بتمعنٍ وهدوء، ثم وضعها فوق الطاولة ونظر إليها قائلاً برزانة:
"بخصوص الاستوديو، فقد أوفدتُ فريقاً منذ امس لمسح المكان وتأمين المداخل بالكامل، والأفضل أن تستأنفي عملكِ بدءاً من الغد. أما حفل العشاء.."
صمت قليلاً وهو يزن كلماته بدقة، ثم تابع:
"سأخاطب المنظمين لتزويدي بقائمة الحضور ومخطط القاعة. لن أمنعكِ من الذهاب، لكنني سأضع شروطاً صارمة لتحركاتكِ داخل المكان."
رمقته بدهشةٍ لم تستطع مداراتها، فقد كانت تتهيأ لرفضٍ قاطع، فقالت بنبرةٍ غاب عنها الحدة:
"ظننتك ستعترض.. كما فعلت مع مساعدتي."
أجاب بجفاءٍ مغلّف بالمنطق:
"أنا لا أعترض لمجرد فرض الرأي.. مساعدتكِ 'ثغرة بشرية' لم تخضع لاختباراتي بعد، أما الحفل فهو 'ثغرة مكانية' يمكنني تطويقها وتأمينها. الفرق بين الاثنين شاسع."
اندفعت شهيرة تدافع عن رفيقتها بحنق:
"أنت تبالغ في الأمر وتعطيه حجماً أكبر من حقيقته! 'منة' فتاة طيبة وأنا أعمل معها منذ سنوات، وهي لا تشكل أي خطرٍ على حياتي.. ثم إنني لا أستطيع إنجاز أي شيء دونها، لذا أرجوك، أريدها معي فوراً."
طالعها بنظرةٍ خالية من أي تأثر، وأجاب بصرامته المعهودة:
"لقد أخبرتكِ سلفاً أنني أُجري تحرياتي الخاصة عنها أولاً، وبعدها سنرى إن كانت على قدر ثقتكِ هذه أم لا.. على كلٍ، سأغادر الآن، والطاقم سيظل معكِ؛ لا تتحركي خطوة واحدة دونهم."
التفت ليغادر بخطواته الرزينة، لكن صرختها المقهورة استوقفته عند عتبة الباب:
"من تظن نفسك لتعاملني كأنني طفلة لا تدرك مصلحتها؟ ألا تدرك أنك بسلوكك هذا تخنقني أكثر مما يحاول ذاك المتتبع فِعله؟"
توقف يحيى، ليس لأنه تأثر بكلماتها، بل لأنه يكره أن يُترك خلفه نقاشاً لم يُحسم بمنطقه هو. استدار إليها ببطء، ووضع يده في جيب بنطاله بهدوءٍ مستفز، ثم نطق بصوتٍ خفيض هزَّ ثباتها:
"الفرق بيني وبين ذاك المتتبع يا مدام شهيرة، هو أنني أسلبكِ حريتكِ مؤقتاً لأمنحكِ الحياة، أما هو فيسلبكِ الأمان ليسلبكِ الروح. اختاري أيهما أهون عليكِ، وسأكون سعيداً جداً بترك هذه المهمة فوراً إن كنتِ ترين في حمايتي 'خنقاً'."
سكتت شهيرة، وشعرت بغصةٍ في حلقها؛ فكلامه رغم قسوته يحمل حقيقةً لا تستطيع إنكارها. تلاقت عيناها بعينيه الصارمتين، ولم تجد فيهما ذرةً من التراجع أو حتى "شفقة" على ضعفها.
تابع يحيى وهو يفتح باب الشقة:
"سُلاف لديها قائمة بما هو مسموح وما هو ممنوع لهذا اليوم.. أرجو ألا تضطريها لاستخدام صلاحياتها في منعكِ بالقوة، فهذا لن يكون لائقاً بنجمةٍ في حجمك."
خرج يحيى وأغلق الباب خلفه، تاركاً إياها تغلي من شدة الغيظ. التفتت نحو سُلاف التي كانت تقف في ركن الردهة كتمثالٍ صامت، وسألتها بحنق:
"هل هو دائماً هكذا؟ هل وُلد بقلبٍ من حجر أم أنه تدرب على ذلك؟"
ابتسمت سُلاف ابتسامةً باهتة، وأجابت بأدب:
"المقدم يحيى لا يهمه سوى أن يسير العمل على أكمل وجه، ولا مجال للاخطاء أو المشاعر، لا يتقبل النقاش في عمله"
زفرت شهيرة بضيق، واتجهت نحو نافذتها تراقبه وهو يخرج من مدخل البناية، يحيط به رجاله كأنه ملكٌ في ساحة معركة، وشعرت لأول مرة بمزيجٍ غريب من الأمان الذي يبعثه وجوده، والخوف من القيد الذي يفرضه عليها.
***
"كفى عن البكاء يا نجاة.. سيعود بها نُصير وهي في أحسن حال.. أنتِ هكذا تقتلين نفسكِ بالكمد."
كانت كلمات مـرام تندثر في الهواء، كأنها تحاول إخماد حريقٍ بقطرات ماءٍ شحيحة، وهي تواسي نجاة عبر الهاتف. فمنذ اللحظة التي اختفت فيها دُنيا، عادت نجاة إلى بيت الشاطئ بقلبٍ مكلوم ودموعٍ لم تجف، بينما عاد نُصير ومـرام إلى القرية، حيث الجو مشحونٌ بنذر الانفجار، بانتظار إشعارٍ آتٍ من المجهول.
تحدثت نجاة من بين شهقاتها المريرة:
"والله لو كنتُ أعلم أن هذا سيحدث، لما فارقتها لثانية واحدة. البنت لم تكن بخير يا مرام.. ملامحها كانت تتحدث بوجعٍ خفي. أنا واثقة، بل أقسم، أنها ذهبت معه مرغمة.. دُنيا التي نعرفها لا تبيع أهلها مرتين."
ساد الصمتُ من جهة مـرام، فالحيرة كانت تنهش لسانها؛ شتان ما بين نجاة التي تُجزم براءة دُنيا وتراها ضحيةً مستضعفة، وبين عائلة نُصير التي تموج غضباً وتغلي مراجلها يقيناً بأن دُنيا قد استسلمت لغواية فـراس من جديد، وهربت معه بإرادتها لتمرغ رؤوسهم في التراب.
تنهدت مـرام في ضيقٍ، وهي تحاول موازنة الأمور المتردية حولها:
"أيًا يكن ما حدث يا نجاة، المهم الآن أن تعود لنا سالمة. لتهدأ العائلة أولاً، فوالله لم يذق أحدٌ منا طعم النوم، والبيوت باتت مراجل من نار."
ردت نجاة بصوتٍ وهن، أهلكه القلق:
"لا تنسي يا مـرام.. أخبريني في اللحظة التي تطأ فيها قدماها السرايا. قلبي لا يحتمل القلق أكثر من هذا، وأخشى أن يكون الفجر القادم حاملاً لخبرٍ لا نطيق سماعه."
أغلقت مرام الهاتف ببطء، وأزاحت خصلات شعرها عن وجهها المنهك وهي تزفر بضيق. كان الصمت في الغرفة خانقاً، لا يقطعه سوى صوت وقع خطوات نُصير الهادئة والرزينة فوق الأرضية الخشبية.. كالعادة لم يستطع النوم ولا الهدوء.
التفتت إليه مرام وقالت بصوت خفيض:
"نجاة تُقسم أنها ذهبت مرغمة يا نُصير.. تقول إن قلبها لا يكذب."
توقف نُصير عن الحركة، وأولى ظهره للشرفة التي بدأ ضوء الفجر الرمادي يتسلل منها. رمقها بنظرة غامضة، ثم نطق بصوته الرخيم:
"العاطفة لا تقيم وزناً للحقائق يا مرام. الحقيقة الوحيدة الآن أن دُنيا ليست معنا، وأن فراس قد نفذ وعيده. نجاة تتحدث بقلب الام، وأنا أحكم بما أراه أمامي"
اقترب من النافذة، وأسند ذراعه على إطارها الخشبي متابعاً:
"إن كانت ذهبت مرغمة، فحينها سأعرف كيف اتصرف معه.. أما إن كان قلبها قد مال لذاك الحقير مرة أخرى، فقد جفت الأقلام وطويت الصحف، ستكون اختارت."
قالت مرام بمحاولة أخيرة للتهدئة:
"لكنها ابنتك يا نُصير.. أنت من ربيتها قبل أن تكون أخاها وكبيرها."
أغمض عينيه للحظة، وكأن ذكريات سنوات طفولتها تمر خلف جفنيه، ثم فتحهما بجمود وقال:
"لهذا السبب تحديداً، سيكون وجعي أشد، وحسابي أعسر. ليس أمامي الان سوى الانتظار."
في تلك الأثناء.. في المنزل المهجور.
كانت دُنيا تجلس فوق الفراش، عيناها معلقتان بفتحات النافذة التي بدأ الضوء الشاحب يغزو عتمتها. الكلمات التي ألقاها فراس قبل أن يتركها كانت تدور في رأسها كرحى تطحن روحها. لم تكن تفكر في الطعام ولا في قسوة المكان، بل كان كل تفكيرها منصباً على تلك "المهلة" المسمومة.
تحركت الأقفال بالخارج، صوت "تكات" المفتاح كان يعلن انتهاء الوقت. انقبض قلبها وهي تراه يفتح الباب ويقف عند العتبة. لم يتحدث، بل اكتفى بنظرة صامتة، باردة، يسألها فيها عن قرارها الأخير دون أن ينطق ببنت شفة.
وقفت دُنيا بصعوبة، جسدها يرتجف، لكن عينيها كانت تحملان لمعة غريبة.. مزيجاً من الانكسار والحسم. سارت نحوه بخطوات وئيدة، حتى أصبحت قبالته تماماً.
كانت نظراته باردة كجليد كانون، يراقب انكسارها بجمودٍ لا يلين، ونطق بصوتٍ أجش يقطع السكون:
"انقضى الفجر يا دُنيا.. وآن أوان الحسم. هل قررتِ الرحيل معي كزوجةٍ تدركُ مستقرها، أم تنتظري ورقة طلاقكِ؟"
أخذت دُنيا نفساً عميقاً كأنها تستنشق آخر ذرات الهواء قبل الغرق، وشبكت أصابعها المرتجفة ببعضها البعض وهي تجيب بصوتٍ متهدج، تتقاذفه أمواج الحيرة:
"سأذهب معك يا فراس.. لكنني لن أغادر دون الحديث مع إخوتي أولاً. لا أستطيع إغضابهم من جديد، ولا أطيق أن يطول غضبهم عليّ."
لوى فراس جانب فمه بسخريةٍ لاذعة، ورمقها بنظرةٍ تحمل مزيجاً من الإشفاق والازدراء، ثم قال:
"إن كنتِ تظنين أنكِ تملكين من البلاغة ما يقنعهم بقبول عودتكِ إليّ، فأنتِ واهمةٌ لا تدركين عقلية نُصير.. إخوتكِ يا دُنيا يفضلون رؤيتكِ مسجاةً في كفنك، على أن يروكِ قائمةً بجواري في منزلٍ واحد."
لم تستسلم لكلماته التي حاولت ذبح أملها الأخير، بل هتفت باحتجاجٍ يغلبه الرجاء:
"سأحاول إقناعهم! سأشرح لهم أنني اخترتُ العيش معك. فقط دعني أتحدث معهم، أعطني مهلةً قصيرة بينهم، وأنا من سيبعث إليك لتأتي وتأخذني من بيتهم بكرامتي."
ضيق فراس عينيه، وخطا خطوةً زادت من حصارها النفسي، وهمس بنبرةٍ غامضة:
"لا تحاولي كسب كل شيء يا صغيرتي، فمن أراد الفوز بالكل خسر الكل. تذكري جيداً.. لو وضعتُ قدمكِ على عتبة منزل عائلتكِ وغادرتُ دونكِ، فسأطلقكِ قبل أن تغلقي خلفكِ الباب. لستُ بالرجل الذي يقف على أعتاب البيوت ينتظر صدقةً من أحد."
شحب وجهها من تهديده بالطلاق..وبدى موقفها منه واضحًا وضوح الشمس
ابتسم ابتسامةً لئيمة لم تبلغ عينيه اللتين ظلتا كجمرٍ تحت رماد، ثم تنحى جانباً وهو يفسح لها طريق الخروج بإشارةٍ من يده، وقال بجفاء:
"هيا.. أمامنا طريقٌ طويل، وأمامكِ مسافةٌ من الوقت لتفكري مليًا كي لا تقولي غصبتك."
خرجت دُنيا بخطواتٍ متعثرة، تجر خلفها أذيال خيبةٍ لم تكتمل، وأملاً يترنح بين مطرقة فراس وسندان غضب نُصير، بينما كان فراس يتبعها بظله الثقيل، كأنه القدر الذي لا مفر منه.
أبصرت ضوء ما بعد الفجر أخيراً حين غادرت عتبة المنزل، تطلعت حولها تحاول تبيّن معالم المكان، فإذ بها في منطقةٍ شبه قفر، نادرة المباني، وخالية من أي أثر للبشر. كانت سيارة فراس "الدفع الرباعي" بانتظارهما، والسائق يتأهب للقيادة، حين أيقظتها من شرودها يد فراس التي سحبتها بقسوة تشبه قسوة صاحبه، وهو يقول بضيق:
"لن ننتظركِ هنا مئة عام، هيا إلى السيارة."
انكمشت على نفسها من حدة زجرته، واستقلت السيارة في صمتٍ منكسر، ليركب هو بجوارها مشيراً لسائقه بالتحرك. وما هي إلا لحظات حتى بدأت العجلات تنهش الطريق بسرعةٍ معتدلة، يلفهم صمتٌ مطبق وموحش.
راحت ترقب الشوارع عبر النافذة، والدموع تترقرق في عينيها لتعذبها؛ كيف ستمضي؟ وبأي وجهٍ ستُقنع إخوتها بالعودة مع فراس؟ وكيف لها أن تستعطف مسامحتهم ورضاهم، وتنتزع منهم في الوقت ذاته حقها في أن تكون زوجةً فعلية له؟
التفتت نحوه بعيونٍ يملؤها الشجن، تتأمل وجومه الشارد.. ورغم قسوة طباعه، وشدة ملامحه المتعالية، لم تجد نفسها إلا ضعيفةً مستسلمةً أمامه. لقد تجرعت الألم لشهورٍ طويلة منذ غدر بها، تذرف الدموع كل ليلة والاكتئاب ينهش نياط قلبها وعقلها.. كانت تموت في اليوم ألف مرة كلما تذكرت أنه استخدمها مجرد أداةٍ للانتقام من أحب الرجال إلى قلبها، أخيها العزيز نُصير.
ظنت يوماً أنها ستكره فراس، وأن قلبها سيأبى الغفران، بل وأقسمت في سرها مراراً أنها ستجعله يدفع ثمن غدره غالياً.. ولكن ها هو، في طرفة عين، يختطفها من بين إخوتها ويضعها أمام خيارين: إما العودة معه كزوجةٍ رسمية أمام الملأ، وإما أن يسلبها اسمه ويطلقها ليتزوج بأخرى.
لا تدري أين توارى حقدها، وأين ضاع صوت كرامتها؟ فبمجرد التفكير في أنه قد يطلقها وكأنها لم تكن، شعرت بأن مرارة ذكرياتها السيئة معه أخف وطأةً من ألم الفراق والطلاق.. هو فراس، حب طفولتها وصباها، "الأمير الحزين" كما كانت تلقبه دوماً في محراب عقلها.
كانت عبراتها تسيل تحت غطاء وجهها، وعيناها الحزينتان ترسمان لوحةً من الوجع وهي تتأمله، وقد لاحظ نظراتها المخترقة لصمته، فنطق بوجومٍ خافت: "بماذا تفكرين؟ أتخططين لطريقةٍ لقتلي كما يفعل إخوتكِ؟"
"أقتل نفسي ولا أمسّك بسوءٍ يا فراس." كادت تلك الجملة أن تفلت من رأس لسانها، لكنها لم تفصح بها؛ بل أشاحت بوجهها عنه تكفكف دموعها في ضعف، فعقلها يأبى التفكير برشدٍ وهو بجوارها، إذ يتولى القلب زمام الأمور في حضرة الحبيب، حتى وإن كان ذلك الحبيب قطعةً من صلبٍ قاسٍ.
استمرت السيارة في نهب الطريق الصامت، وفراس غارق في وجومه كأنه يخطط لمعركته القادمة مع "آل غانم"، بينما كانت دُنيا تصارع عبراتها خلف ستار وجهها. فجأة، شق سكون الفجر صرير إطاراتٍ عنيف، وتجاوزتهم سيارةٌ بسرعةٍ جنونية لتقطع عليهم الطريق في مناورةٍ انتحارية.
التحم السائق بالمكابح بقوة جعلت دُنيا ترتطم بالمقعد الأمامي، وصرخ السائق بذعر:
"يا ستار يا رب! من هذا المجنون؟"
لم يكد فراس يستبين الموقف بعينه الوحيدة، حتى انفتح باب السيارة المقابلة وخرج منها سيف الدين كالإعصار، وعيناه تشتعلان بحمرةٍ قاتلة. صرخ سيف بصوتٍ هزَّ أركان المكان:
"أنزل يدك عنها يا خائن! أتظن أن عائلة الغانم مستباحة لغدرك؟"
ترجل فراس من السيارة بهدوءٍ مستفز رغم قلقه الداخلي، ووقف قبالته وهو يزفر في ضيق:
"عُد لرشدك يا سيف.. لا تجعل الحماقة توردك المهالك. دُنيا معي بإرادتها، وهي زوجتي قبل أن تكون أختك."
"على جثتي!"
صرخ سيف وهو يندفع كالثور الهائج، ليوجه لكمةً عنيفة لفراس لم يستطع الأخير تفاديها بالكامل، فارتطم بجسد السيارة. التحم الاثنان في عراكٍ ضار، وتدحرج السائق يحاول فض النزاع فدفعته قبضة سيف الغاضبة بعيداً.
خرجت دُنيا من السيارة تصرخ بهستيرية، تحاول سحب شقيقها من ظهره وهي تبكي: "سيف! اتركه ! سيف، أقسم عليك أن تتركه.. اهدأ بالله عليك!"
"اخرسي يابنت، لا اسمع صوتك.. ابتعدي!"
كانت زجرته القاسية لدُنيا كهواء منثور أمام فزعها وهي تراه ينكب على فـراس يضربه بقبضات قوية تحمل حقد برز في ضرباته الغاشمة.
وكان فـراس يصد ضرباته ويبادله إياها بصعوبة، حتى دفعه عنه في قوة وهو يصرخ في غضب:
"لأجل خاطر أخاك الأكبر لا أريد إيذائك.. ابتعد عن طريقي حالا يا سيف الدين"
كان فـراس قبض كفه على معصم دُنيا يأخذها للسيارة وهو يمسح عن انفه قطرات دماء انفجرت بسبب ضربات ذاك المجنون.
لكن سيف كان قد فقد السيطرة تماماً، غضبه القديم من فـراس والثأر لشرف العائلة كانا يغليان في عروقه. وبحركةٍ مباغتة، استلَّ سلاحه الناري من خلف ظهره وهو يهتف غاضبًا:
"والله لأقتلنك يا حقير"
شهقت دُنيا ورمت بجسدها فوق فراس الذي كان ينوي العودة لسيف وضربه، صارخة:
"لا يا سيف! لا تفعل!"
"ابتعدي يا دُنيا!" زأر سيف بجنون، وحاول إزاحتها بيدٍ واحدة ليصوب السلاح نحو غريمه، وفي لحظة التدافع والشد والجذب، والكل يحاول الفكاك من قبضة الآخر.. انطلقت الرصاصة.
دوى الرصاص في الخلاء كصاعقةٍ أخرست الجميع.
سكنت حركة فراس فجأة، واتسعت عيناه بذهول وهو يطالع سيف، ثم هبط نظره ببطء نحو صدره حيث بدأت بقعة قانية تتسع بسرعةٍ مرعبة فوق ثوبه الأبيض. ترنح فراس وسقط مسجىً على الأرض ببطء، والدماء تسيل منه بغزارة تروي التراب البارد.
انقطع صوت دُنيا لثوانٍ من فرط الصدمة، قبل أن تنهار بجانبه بصرخةٍ شقت عنان السماء، ارتمت فوقه تحاول كتم جرحه بيديها المرتجفتين وهي تهمس بجنون:
"فراس! افتح عينك.. فراس، لا تغمض عينك أرجوك! سيف.. ماذا فعلت؟ قتلتَه يا سيف.. قتلتَ زوجي!"
أما سيف الدين، فقد تراجع خطواتٍ للخلف والسلاح لا يزال بيده، ونظراته تائهة بين جثة صهره وبين شقيقته التي تحتضن فـراس وتنتحب عليه بوجعٍ لم تذرفه على أهلها.
انجلت غشاوة الغضب عن عينيه، وحلَّ محلها ذعرٌ قاتل،وقد عاد لرشده، وفاض الدم، وأدرك بمرارة أن طلقته الطائشة لم تصب صدر فراس فحسب، بل أصابت كرامة عائلته في مقتل.
وعلى بُعد خطوة كان السائق في حالة هلع على سيده المُلقى أرضًا.. لم يملك سوى الاتصال بالاسعاف والشرطة !!..


تعليقات