📁 آخر الروايات

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الثالث 3 بقلم وسام اسامة

رواية تحسبين الحب لعبة الفصل الثالث 3 بقلم وسام اسامة 


تحسبين الحب لعبة
الفصل الثالث
..................................
حب ولعبة لا يعرف فيها القلب من الرابح
تنويه هام
أزمنة الرواية وأحداثها تتحرك في مسارات غير متصلة؛ فأحداث "دُنيا وفراس" تسبق زمنياً بقية الشخصيات، لارتباطها الوثيق بالجزء الأول من السلسلة. لذا، يُرجى تتبع الخط الزمني لهذا الثنائي دون الخلط بين البقية.
"آه رأسي.. رأسي"
خرج أنينها مصحوب بفتح عينيها على وهنٍ شديد، وألمٍ يقرع رأسها كمطرقة حديدية لا تكل. أغمضت جفنيها لثوانٍ، تحاول استعادة أنفاسها التي خرجت مثقلة، بينما بدأ الإدراك يتسلل إلى عقلها شيئاً فشيئاً. حين طردت الغشاوة عن رؤيتها وانتصبت جالسة، جعدت جبينها في تيهٍ مرير وهي تتأمل أرجاء الغرفة الغريبة.
لم تكن في شقة أخيها نُصير، ولا في منزل الشاطئ، وبالتأكيد ليست في بيت العائلة بالقرية.
استعرض عقلها شريط الأحداث المتسارع؛ حفل زفاف شقيقة زوجة أخيها.. الضجيج.. خروجها لالتماس نسمة هواء نقي.. ثم ذاك الظل الذي سحبها، واليد التي كممت صرختها قبل أن يغيب العالم في سوادٍ تام. انتفضت من فراشها وقد لدغها الرعب لقد اختُطفت!
اندفعت نحو الباب بجسدٍ يترنح تحت وطأة الدوار، حاولت فتحه بيأس لكنه كان موصداً كالقبر. دبَّ الجنون في أوصالها، فشرعت تلطم الخشب بيديها المرتجفتين وهي تصرخ بصوتٍ مزقه الذعر: "أخرجوني من هنا! لأجل الله.. لماذا أنا هنا؟"
طال عويلها دون مجيب، والنافذة الموصدة بإحكام زادت من اختناقها. كانت الغرفة جافة، خالية من كل شيء إلا من فراشٍ بارد وجدرانٍ صماء. تكومت على الأرض، تدفن رأسها بين كفيها وهي تغرق في بحرٍ من التوقعات السوداء؛ هل هي غنيمة لمبتز؟ أم ضحية لمنتقم؟ هل سيُهدر دمها أم يُسلب شرفها؟
وسط نشيجها المر، طاف خيال نُصير أمامها. هل سيغفر لها لو وصله خبر موتها؟ هل سيعلم أنها كانت ضحية لا عاصية هذه المرة؟ همست بصوتٍ بحَّ من الصراخ:
"يارب اغفر لي إن كان هذا أجلي.. اغفر لي ما اقترفته في حق أمي وإخوتي، ولا تجعلني لقمةً سائغة لشرورهم."
كانت تناجي خالقها بصدقِ من أدرك أنه أعزل، لا حيلة له إلا التضرع. مر الوقت ثقيلاً كالجبال، حتى انتفض جسدها على صوت "تكات" المفتاح في قفل الباب. حبست أنفاسها، وتجمدت الدماء في عروقها وهي تراه يطل بهيبته الطويلة وهدوئه المستفز.. كان زوجها، فراس!
لم تدرِ كيف حملتها قدماها وهي ترتمي نحوه في انهيارٍ باكي، مشاعرها كانت مزيجاً حارقاً من راحة اللقاء وصدمة الفاجعة. تشبثت بمرفقه كغريقٍ وجد لوحاً، وهتفت بكلماتٍ متقطعة:
"الحمد لله.. الحمد لله أنك جئت! لقد اختُطفت يا فراس، أخذوني من أمام الفندق.. كدتُ أموت رعباً.. كدتُ أموت!"
كانت تترنح في إعياءٍ ظاهر، وأناملها الباردة تحاول التشبث بستراته وهي تهذي:
"خشيتُ أن يقتلونني.. أن يمسوا شرفي وأنا وحدي. الحمد لله أنك وجدتني.. الحمد لله."
لم ينطق فراس بحرف. ساعدها بصمتٍ آليّ على العودة للفراش، وعيناه تراقب شحوب وجهها الذي استحال لصفار الموت. سألته من بين شهقاتها:
"كيف علمت بمكاني؟ ظننتُ أن أثري قد ضاع للأبد."
ساد صمته الواجم الذي ألفته طويلاً، لكن هذه المرة، كان الصمت يحمل نذيراً مختلفاً. نطق فراس أخيراً بنبرةٍ هادئة، برودها أشد فتكاً من الرصاص:
"أنا من أخذكِ من أمام الفندق.. اطمئني، لم تكوني لتموتي أو تُغتصبي.. لكنكِ محقة في شيء واحد؛ هنا، لن يجدكِ أحد."
توقف العالم عن الدوران. خُيل إليها أن طنيناً أصم حجب عنها صوت الحقيقة. هل قال إنه خاطفها؟ هل "فراس" هو من استباح روعها وجلبها إلى هذا المنفى؟
"ماذا؟"
أعاد فراس كلماته بحزمٍ أشد:
"أقول إنني من أخذكِ.. وستظلين هنا إلى أن أقرر خطوتي التالية. التزمي الهدوء، وكوني واثقة أنني لن أمسكِ بسوء."
ارتفعت وتيرة أنفاسها في رعبٍ حقيقي؛ هل اختطفها ليكمل فصول انتقامه من نُصير عبر جسدها؟ هي زوجته التي تعهد بحمايتها، فكيف يستغلها كرهينة في صراعه المسموم؟ والأنكى من ذلك.. إخوتها. سيظنون أنها هربت معه بمحض إرادتها كما فعلت سابقاً. لن يصدقها أحد، سيتبرأون منها ومن ذكراها.
تحركت فجأة كعصفورٍ ذبيح، ركضت خارج الغرفة في اندفاعٍ يائس. لم يتبعها، بل تركها تموج في أرجاء المنزل المغلق تبحث عن مخرج. كانت أفكارها تتصارع؛ ستقسم لهم أنه أخذها عنوة، ستبكي أمام نُصير وهارون حتى يصدقوا.
انهالت على باب المنزل الخارجي طرداً وصراخاً:
"يا عالم.. أغيثوني! أنا مختطفة.. فليتصل أحدكم بالشرطة!"
كان صراخها يكاد يصم الآذان، بينما وقف هو مستنداً إلى جدار الغرفة، يراقب ثورتها بذهولٍ غريب؛ لم تظهر هذا القدر من الذعر حين ظنت أن الخاطف "غريب"، لكنها استشرست حين علمت أنه "هو".
جذبها فراس بقسوةٍ لينهي جنونها:
"ماذا تفعلين؟ أقول لكِ إنكِ في أمان، وتصرخين كأنكِ مع سفاح؟"
"افتح هذا الباب! لن أبقى معك دقيقة واحدة.. لن أسمح لك أن تكسر إخوتي بي مرة أخرى. سأعود وأخبرهم أنك اختطفتني."
رمقها بنظرةٍ لا تخلو من شماتةٍ مرة، وقال:
"حقاً؟ ومن سيصدقكِ؟ أنسيتِ أنكِ زوجتي، ووجودكِ معي الآن هو الحق الطبيعي؟ أم أن عقلكِ لا يهوى إلا ما هو ممنوع؟"
كان يطعنها بنصل ذكريات طيشها القديم، ويحفر في جرح حبها المسموم له. في تلك اللحظة، لم تدرِ كيف سكنت لهذا الرجل يوماً، وكيف سلمت قلبها الأبله لخصمٍ لا يرى فيها إلا "أداة" لتركيع أخيها نُصير.
تسمرت نظراتها على ملامحه الواجمة، وكأن كلماتهِ نصلٌ بارد غُرس في قلبها فجمد الدماء في العروق. ذكريات طيشها القديم، واندفاعها الأعمى خلف سراب حبٍّ لم تجنِ منه سوى الرماد، كُلها طفت على السطح لتصفع وجهها بمرارة الخديعة.
هتفت بصوتٍ مخنوق بالدمع والاحتجاج، وهي تحاول استجماع شتات كبريائها الجريح:
"زوجتك؟.. أيُّ زواج هذا الذي يمنحك الحق في استباحة روعي واختطافي من وسط أهلي؟.. لماذا تفعل بي كل هذا.. لماذا تكرهني وكأنني عدوتك ؟.. ما ذنبي في الحرب التي بينك وبين مـرام ووالدتك لتفعل بي ما فعلت في الماضي والان."
لكانت اسألتها الأليمة تحكي مدى جرح قلبها منه
ولكن لم يطرف له جفن، بل ساد صمتٌ طويل ومستفز، قطعهُ صوت وقع خطواته الهادئة وهو يبتعد عنها متجهاً نحو "ردهة" المنزل الضيقة. تركها تموج في إعصار فزعها، بينما تناهى لمسامعها صوت ارتطام المفاتيح بالخشب، وكأنه يضع اللمسات الأخيرة على "قفصها".
عاد بعد لحظات، ووقف قبالتها ببرودٍ آليّ، جاعلاً بينهما مسافةً تفصل بين سجانٍ وضحية، ونطق بنبرةٍ جافة خالية من أي مواربة ويده الغليظة تقبض على معصمها يعيدها للغرفة قسرًا\ك
"أنهيتِ نوبة الهذيان؟.. جيد. الآن، أمامكِ حقيقة واحدة لا تقبل الجدل.. أنتِ هنا بمحض إرادتي، وستغادرين بمحض إرادتي. صراخكِ لن يبلغ مسامع أحد، وبكاؤكِ لن يغير من قدري وقدركِ شيئاً.. لذا، وفري أنفاسكِ لما هو آتٍ."
رمقتهُ بنظرةٍ مشتعلة بالكره الذي ولد من رحم الانكسار، وقالت بهمسٍ حزين:
"إخوتي لن يتركوك.. نُصير وهارون سيهدمون هذا المكان فوق رأسك.. وهذه المره لن تمر كالماضية.."
ابتسم ابتسامةً باهتة، فيها من الشماتة ما أدمى روحها، وأجابها بصوتٍ هامس:
"إخوتكِ الآن سيلعنون اسمكِ يا دُنيا.. يظنون أنكِ رحلتِ معي 'كما فعلتِ سابقًا. وهل هناك من يختطف امرأته؟.. أنتِ الآن في نظرهم الخائنة التي كررت خطأها، فمن منهم سيأتي ليحرق يده من أجل جمرةٍ اختارت أن تحرق نفسها؟"
هوت الكلمات على رأسها كصاعقةٍ أخرست لسانها. هذه هي الضربة القاضية.. لقد سلبها حتى حقها في أن تكون "ضحية". تكومت على الفراش البارد، تدفن وجهها بين كفيها، وصور إخوتها تمر أمام عينيها.. ترى نظرات الازدراء في عين نُصير، وخيبة الأمل في وجه هارون.
أوصد الباب خلفه، تاركاً إياها في ظلمةٍ لا يقطعها سوى شهقاتها المكتومة. كانت تناجي ربها بصدقِ من أدرك أنه فقد الدنيا والناس:
"يارب.. لا تجعلهم يظنون بي سوءاً.. يارب، اكشف لهم الحقيقة، ولا تجعلني ثمنًا لانتقامٍ لا ناقة لي فيه ولا جمل."
مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور، حتى غلبها الوهن واختطفت غفوةً مثقلة بالكوابيس، قبل أن تنتفض على صوت قفل الباب يُفتح من جديد وقد رحل وتركها وحيدة في منزل لا يحوى سوى صدى بكائها.
****
في قاعة الفندق، حيث لا تزال بقايا احتفال زفاف "فاتن" شقيقة مـرام تملأ الأرجاء، بدأ الوقت يثقل على الصدور. ساعاتٌ قليلة كانت كفيلةً بأن تُدرك مرام غياب دُنيا الصامت.. غيابٌ لم يكن عادياً، بل كان نذيراً لعاصفةٍ أوشكت أن تعصف بالجميع.
انقلبت الدنيا رأساً على عقب. اجتمع نُصير وإخوته، رجالاً أرهقهم القلق قبل أن ينال منهم التعب، يذرعون المكان جيئةً وذهاباً، يبحثون في كل زاوية، وفي كل حدبٍ وصوب، لعلهم يجدون أثراً باهتًا يهديهم إليها. لكن الأمل تضاءل حين وجدوا هاتفها في القاعة.
فبات تتبع مكانها ضرباً من المستحيل. المدينة غريبة عليها، لا خلٌّ يأويها ولا معارف تلجأ إليهم، مما جعل فكرة مغادرتها طواعيةً أمراً مستبعداً تماماً.
كان الشكُّ ينهش عقولهم، والغضب يغلي في صدورهم، يتجه نحو شخصٍ واحد لا ثاني له.. فراس. هو الوحيد الذي يملك سبباً، ويجرؤ على فعلٍ كهذا. لم يتردد نُصير لحظة؛ قاد إخوته عائدين إلى القرية فورا، والسيارة كأنها تقفز فوق الأسفلت، تنهش المسافة نحو سرايا فراس. كانت النيران تأكل جوف نُصير، قسمٌ صامتٌ بالفتك برجلٍ تجرأ وتحدّاه قبل أيام، وطالب بزوجته أمام كبار العائلة، لكن نُصير، بعناده المعهود، تمسك بقراره
"لن تكون له، ولو انشقت السماء".
وها هو فراس، ببرودٍ آلي، يضرب بكل الأصول عرض الحائط، ويُغوي الفتاة مرة أخرى.
حاول هارون، بصوته الهادئ الذي يحاول لجم العاصفة، تهدئة نُصير الذي كان يندفع نحو السرايا كالثور الهائج: "أخي.. اهدئ. لا تنسَ أنها زوجته أيضاً.. من الناحية الشرعية والقانونية، لا شيء يدينه بأنه أخذها. عمك يُخبرك ألا تتهور و—"
قاطعه نُصير بنظرةٍ قاتلة، وبصوتٍ منخفض الحِدة لكنه يقطع كالسيف:
"اغلق فمك يا هارون! أقسم بالله لن أتركه ينفد بفعلته. أليس لها عائلة يحترمها ليأخذها هكذا؟"
ورغم محاولات هارون للتهدئة، إلا أن سيف الدين، بحمقه المعهود، كان يغلي غضباً، وتحدث هائجاً: "والأخرى.. سنكسر عنقها على ذهابها معه. سأربيها من جديد، بيدي هاتين."
رمق هارون نُصير وسيف الدين بنظرة قلق واحد؛ فحينما يغضب نُصير، يغدو كسيف في تهوره وجنونه. توقفت السيارة أمام السرايا بصريرٍ عالٍ. اندفع نُصير أولاً، وخلفه سيف الدين الذي سحب سلاحاً نارياً من خلف ظهره، وعيناه تشعان حقداً. أخذا يطرقان الباب الخشبي العتيق بعنفٍ زلزل أرجاء المكان.
فتحته أم عبده، وناظرتهم بوجهٍ شاحب ملأه الذعر، قائلة بصوتٍ مرتعش:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. ما الأمر يا سيد نُصير؟"
كاد سيف الدين يدفعها ويقتحم السرايا، لكن نُصير أوقفه بإشارةٍ حازمة من يده، وهو يتحدث بصوتٍ أجش يملؤه الغضب المكبوت:
"أين فراس يا أم عبده؟ أخبريه أن يخرج لنا فوراً.. كي لا أدخل أنا، وأكسر رأسه."
"ياويلي"
لم تكد أم عبده تنهي جملتها الذعورة، حتى انشق سكون السرايا عن صوت وقع خطواتٍ واثقة، هادئة، لا تتناسب أبداً مع العاصفة التي تضرب الأبواب. ظهر فراس في إطار الباب، يرتدي جلباباً أسود، يبرز طول قاحته وهيبته الخاصة، وكان يمسك في يده كأساً من الشاي، ارتشف منه ببطء، وعيناه الباردتان تتأملان وجوههم الهائجة ببرودٍ آلي مستفز.
نطق صوته الرخيم، كأنما يتحدث عن طقس اليوم، لا عن اختطاف:
"أهلاً بسيد نُصير.. وإخوته الكرام. ما كل هذا الضجيج على أعتاب بيتي؟ أظن الأصول تقول إن الا تتهجموا على البيوت بالسلاح يا ابناء العم.
كاد سيف الدين أن يندفع نحوه، والشرر يتطاير من عينيه، صارخاً: "الأصول؟.. من يتحدث عن الأصول هو من يسرق النساء من وسط أهلهن كاللصوص يا ابن..."
قاطعه نُصير بصوتٍ منخفض الحِدة، واضعاً يده أمام صدر سيف الدين ليوقفه:
"أين دُنيا؟"
ابتسم فراس ابتسامةً باهتة، فيها من الشماتة ما أغضب نُصير، وأجاب وهو يطالع كأس الشاي:
"دُنيا؟.. تقصد امرأتي؟.. أظنها في مكانها الطبيعي، في بيتي، تحت حمايتي. أم أنك نسيت أنها زوجتي، وظننت أنها ستظل أمانة في رقبتك للأبد؟"
خطا نُصير خطوة للأمام، وجعل بينهما مسافةً مشحونة بالكهرباء والتهديد، وقال بعيونٍ تشتعل حقداً:
"نعم ستظل أمانة في رقبتي أنا.. وليس في يد ثعبانٍ مثلك غدر بها وبنا من قبل ، وأنا من حذرتك ألا تمس شعرة منها.. والآن، تكسر كلمتي؟"
رفع فراس نظره لنُصير، وبنبرةٍ أشد حزماً ووضوح، قال:
"كلمتكَ يا نُصير لا تسري على امرأتي. أنا لم أكسر أصولاً، بل استرددت حقي الشرعي. هي خرجت من قاعة الفندق بمحض إرادتها، هل تتهجم علي الان أنت وأخوتك لأجل انني أخذت زوجتي؟"
هوت الكلمات على رأس نُصير كصاعقةٍ أخرست لسانه لبرهة. هذه هي الضربة القاضية..لقد ذهبت معه دُنيا دون الاكتراث بأخوتها..للمره الثانية أو الثالثة تكسر ظهورهم أمام فراس.
نظر نحو هارون، الذي كان يراقبه بقلق، ثم التفت لفراس مرة أخرى، وقال بصوتٍ أجش يملؤه غضبه المكبوت:
"إذًا، هي اختارتك؟.. أريد أن أكلمها وأتأكد أنها ذهبت معك بإرادتها"
ابتسم فراس ابتسامةً لئيمة، وأجاب وهو يطالع سيف الدين الذي كان يغلي غضباً:
' لقد أبت أن تأتي للسرايا خوفًا منكم كي لا تأخذوها غصبًا وتحرموها من زوجها.. حينما أذهب لها سأجعلها تتحدث إليكم وتخبركم أنها لن تبرح جوار زوجها حبيبها."
لم يستطع سيف الدين لجم نفسه أكثر، فصرخ بصوتٍ جهوري وهو يرفع سلاحه في وجه فراس:
"أقسم بالله لأقتلك الآن يا ابن..."
لكن نُصير، بهيبته القوية وجسده الضخم، وقف أمامه، ووضع يده فوق يد سيف الدين لينزل السلاح ببطء، وقال بصوتٍ حاد
"لا يا سيف.. لا تلوث يدك بدم رخيص"
ثم نظر لفراس نظر العدو الذي لم يكن صديق أبدًا:
"اسمع إن كانت دُنيا ذهبت معك بإرادتها فأخبرها انني أريد سماع ذلك منها، انها هي من اختارت البقاء معك..
أما أنت و كرامة عائلتي ليست لعبة في يدك.. أمامك أربع وعشرون ساعة تُرجع البنت لنا.. وتأتي لتأخذها من دارنا أمام أعيننا.. وإلا اقسم بالله لن يمر ما حدث على خير."
أدار نُصير ظهره، وتحرك نحو السيارة بخطواتٍ قوية حازمة، تاركاً فراس يبتسم في ظلام سراياه المهجورة بعد رحيل شقيقاته.
ورغم هدوء نُصير الظاهري، إلا أن النيران كانت تأكل جوفه.. لقد كان صديقه المقرب وتوأم روحه.. يعلم ما يُخفيه قبل ما يُبديه.
والان عليه بالخطوة التالية.. إما أن يحتفظ بعناده ولا يرجعها لهم.. أو يتقي شر أخوتها ويثق بكلمة نُصير.. وفي كل الأحوال فقد أدرك أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.
***
كانت لا تدري نهارها من ليلها، فمنذ ساعات وهي محبوسة في هذا المنزل المهجور دون أن ترى شعاع للشمس أو ضوء للقمر.. النوافذ مقفلة بإحكام يستعصى على أشد منها فتحها.. وكذلك الباب لا يتزحزح مهما حاولت.. كما أن المكان كان يفتقر للنظافة والعيش الادمي.
يأست وهي تعود تجلس على الفراش وتضع وجهها بين يديها وتهمس دامعة:
"كيف استطاع أن يفعل بي هذا.. لمَ يحاول دعس قلبي وكرامتي بقسوته.؟"
كان سؤالها يحوم صداه دون رد.. وعقلها يحاول ان يستوعب فعلته بها.. اختطفها.. بن عمها اختطفها
وليته بن عمها فقط.. بل الرجل الذي كُتبت على اسمه كزوجة.. اخذها وألقاها في جحر لا يليق سوى بفئران يحبسها فيه دون أن يشغل عقله بحالها.. كيف استطاع.. كيف كانت تحب هذا الجلف القاسي؟
كان نحيبها خافت ولكن صداه يتردد بين الجدران الاربع المحبوسة بينهم.
وسط هذا النحيب الخافت، اخترق سكون المنزل صوت "تكات" القفل المعهودة. انتفضت، ومسحت عبراتها بسرعة وهي تحاول ارتداء قناع شجاعةٍ زائف أمام ذاك الذي ظهر فجأة كـ "ماردٍ" غاضب يقتحم خلوتها. نطقت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتاً:
"متى تنوي إعادتي إلى إخوتي؟"
لوى جانب فمه بابتسامةٍ ساخرة وهو يلقي ببعض الأكياس أرضاً، وأجابها بتهكمٍ مقيت:
"أهكذا تستقبلين زوجكِ يا ابنة الأصول؟ بخٍ بخٍ.. يبدو أن الخالة فاطمة قد غفلت عن تأديبكِ كما يجب."
ثارت الدماء في عروقها، وهتفت بتلقائيةٍ جريح:
"لا تجرؤ على ذكر أمي أو إخوتي بلسانك.. فتربية أمي لي تشرّف مئةً من أمثالك، وعلى الأقل هي أطهر من تلك التي ربتك!"
بمجرد خروج الكلمات، أدركت أنها أيقظت وحشاً. في لمح البصر، انقضَّ عليها كنسرٍ هائج، وأحكم قبضته الفولاذية على فكها، ضاغطاً بقوةٍ جعلت صرختها تموت في حنجرتها. قال بصوتٍ يقطر حِمماً:
"تأدبي يا بنت.. وإلا أقسمتُ أن أتولى تربيتكِ بمعرفتي. لا تناطحيني بالكلمات، واحفظي لسانكِ، وعينكِ الوقحة هذه اخفضيها للأرض ولا تجرؤي على رمقي هكذا مرة أخرى.. هل فهمتِ؟"
آه من طعنات كلماته التي فاقت وجع قبضته. انكسرت نظرتها وسكنت شهقاتها تحت وطأة الألم والذل، وهمست منكسرة:
"لماذا تفعل بي هذا؟ كان يجب أن أنبذك كما فعل الجميع، لكنني جنيتُ على نفسي بحبك.. أنا ابنة عمك، كيف يطاوعك دمك أن تهينني هكذا؟"
كان النظر في عيني دُنيا يؤرقه، يحرك في صدره براكين من غيظٍ مكتوم تجاه نُصير وتجاه نفسه. كانت رؤيتها تستفز فيه كراهيةً عميقة، فراراً من ذنبٍ لا يريد الاعتراف به. ترك وجهها بإهمالٍ مقزز، ونطق بكلمةٍ كانت كوقع الصاعقة التي شقت سماء حياتها:
"أما زلتِ تصدقين تلك الأكذوبة التي ابتلعتها القبيلة؟ أنتِ لستِ ابنة عمي، ولا يجري في عروقكِ قطرة واحدة من دماء 'آل غانم'.. الله وحده يعلم من أي زرعٍ شيطاني جئتِ، فلا تعزفي على وتر النسب كي لا تسمعي مني ما يسوؤكِ أكثر."
تضاعف نحيبها واستحال وجعها إلى تمزقٍ حقيقي في قلبها.
تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها قبل أن تسمع هذا النفي الجاحد. لطالما كان هذا الخوف يطارد أحلامها.. أن يذكرها أحدٌ بأنها
"ابنة شوارع" آوتها عطف عائلة الغانم، لكنها مع السنوات نسيت، أو تناست، وتفاخرت بنسبها، وأحبت سيد شبابهم.. ليأتي هو اليوم، وبكل جحود، ويجردها من هويتها ومن كرامتها ومن حبها في طعنةٍ واحدة.
لكنه لم يغفل ولم ينسَ.. بل قرر أن يطعنها في أصلها الذي لا يد لها فيه، ويذكرها بأنها ستظل دوماً "الغريبة" التي لا يربطها بعائلته سوى اسم فقط .
استمر فراس في نبرته القاسية وهو يرمقها بازدراء:
"أتظنين أن ثوب 'آل غانم' الذي ترتدينه سيخفي حقيقتكِ للأبد؟ أنتِ لستِ منهم، ودمكِ لن يختلط بدمهم مهما حاولتِ. لذا لا تلعبي دور 'الابنة المنكسرة' وتطالبيني بحق القرابة.. فقرابتكِ لهم كانت محض صدقة، وأنا لستُ بالرجل الذي يتصدق بالمشاعر."
أمسك بالأكياس التي دخل بها قبل دقائق، وأفرغ محتوياتها فوق الفراش أمامها في وجومٍ لا يبشر بخير، ثم نطق بصوتٍ جاف:
"الدموع لن تشبع جوعكِ.. كُلي، ولا أريد سماع هذا النحيب مجدداً. رأسي لم يبرأ بعد من ضجيج إخوتكِ، فلا تزيدي ثقله بعويلكِ الذي لا ينتهي."
رفعت وجهها إليه بسرعة، وعيناها المحتقنتان بالدموع تفتشان في ملامحه عن أي خيط أمل، وهمست بنشيجٍ متألم:
"ماذا.. ماذا أخبرت إخوتي؟"
أجابها وهو يوزع نظراته في أرجاء الغرفة ببرود:
"أخبرتهم أن مكانكِ الطبيعي هو جواري، لأنكِ زوجتي.. وما عليهم سوى تقبل هذه الحقيقة لنطوي هذه الصفحة البائسة."
"وماذا ستجني من وجودي معك وأنت تكرهني؟"
صرخت بضعف، ثم توسلت بكسرة:
"بالله عليك يا فراس.. أرجعني لإخوتي، لا تفعل بي هذا.
لوى جانب فمه بابتسامةٍ ساخرة وقال:
"حقاً.. أنا لن أجني شيئاً من فتاةٍ لا تجيد سوى العويل. لكن اسمعي جيداً، إن أرجعتكِ الآن، سأطلقكِ وأتزوج بغيركِ، لكن العداء بيني وبين إخوتكِ لن يهدأ.. سيبقى بيننا 'قاتلٌ ومقتول'. فماذا تفضلين يا زوجتي الصغيرة؟ أن تريني قاتلاً أم مقتولاً؟"
كان قلبها الأحمق يجلدها مع كل كلمة ينطق بها؛ فسمومه تخترق روحها بلا هوادة. لا تريد الطلاق، ولا تريد لهذا العداء أن يحصد الأرواح، وبالتأكيد لا تطيق رؤيته جثةً أو خلف القضبان. أي عذابٍ ساديّ يمارسه عليها؟ وأي جنونٍ هذا الذي تلبسه وتلبسها؟
هزت رأسها نفياً وهي تغرق في بكائها:
"لماذا تفعل بي هذا؟ أهذا ذنبي لأنني أحببتك؟ تخيرني بين طلاقي وبين كسر إخوتي.. لماذا تعذبني هكذا؟"
صمت لحظات يتأمل ضعفها وكلماتها يتردد صداها في الغرفة حولهم..انحنى نحوها قليلاً، وسألها بنبرةٍ غامضة:
"إذًا.. لا تريدينني أن أطلقكِ يا دُنيا؟"
أجابت بصوتٍ مخنوق:
"ولا أريد لإخوتي أن يكرهوك.. أو يكرهوني ويظنوني هربت."
"يا لكِ من حنونة!" قالها بتهكم، ثم تابع بصرامة:
"إذًا، نفذي ما أقوله لكِ وكفي عن هذا البكاء اللعين، وحينها فقط سأعاملكِ بهدوء. الخيار أمامكِ الآن؛ إما أن أطلقكِ اللحظة، وإما أن تعودي معي لإخوتكِ وتعلني أمامهم برغبتكِ في العيش معي في منزلي."
شهقت بذعر:
"لكن إخوتي لن يوافقوا.. ودراستي لم تنتهِ بعد، و—"
قاطعها بحزمٍ لا يلين:
"لا شأن لإخوتكِ بنا، ودراستكِ هذه انسِيها تماماً.. إما أن آخذكِ الآن وأعيدكِ لعائلتكِ ومعكِ ورقة طلاقكِ، أو تعودي معي لبيتي كزوجة."
نظرت إليه بضياع، وسألته السؤال الذي ينهش صدرها:
"ولكن لماذا تفعل كل هذا وأنت لا تحبني؟ أتنوي حقاً إيذاء أخي نُصير.. انا لا افهم ما يحدث؟"
أجابها وعيناه تلمعان ببريق السخرية:
"لا أحتاج لأكثر من حرق دمه برؤيتكِ زوجةً لي رغم أنفه.. أما أنتِ، فغايتي منكِ زوجة ترعى شؤوني، حالكِ كحال أي امرأةٍ تُدير بيت رجلها. فماذا قررتِ؟"
ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى أنفاس دُنيا المرتجفة. فجأة، تغيرت نبرة فراس؛ انخفضت حدة صوته، وخطا خطوةً بطيئة نحوها، جعلت المسافة بينهما تتلاشى حتى شعرت بحرارة أنفاسه فوق جبينها. لم يلمسها، لكن قربه كان أشد وقعاً من قبضته.
امتدت يده ببطء، لا ليعنفها، بل ليزيح خصلة شعرٍ متمردة عن وجهها الشاحب، وتوقفت أنامله عند طرف أذنها في لمسةٍ بثت رعشةً مجهولة في أوصالها. انحنى حتى أصبح هامساً بجانب أذنها، بصوتٍ رخيم يقطر إغواءً مُسمماً:
"أتظنين أنني لا أرى ذاك الحب الذي يلمع في عينيكِ خلف ستار الدموع؟.. دُنيا، أنتِ تعلمين من سعى لهذا الزواج بكل قوتكِ، وإن انتهى الان أنتِ من سيخسر ولست أنا.. عودي معي.. وقفي أمام اخوتكِ وقولي أنكِ تريدين البقاء مع زوجك لانجاح الزواج الذي تمنيته أنتِ"
كانت رائحة عطره الرجولي الممتزجة برائحة التبغ تحاصر حواسها، وعيناه اللتان كانتا منذ قليل تشعان قسوة، أصبحت الآن كبئرٍ عميق يغريها بالخوض فيه. ارتجفت شفتاها، وتاهت الكلمات في حنجرتها.. بدت ضائعة وهي تنظر له مشدوهة..هل هذا هو فراس الذي اختطفها، أم أنه الحبيب الذي أضاعته وأضاعها؟
ابتعد عنها فجأة بذات البرود الذي بدأ به، ووقف عند الباب الموصد، ثم ألقى نظرته الأخيرة عليها قبل أن يطفئ ضوء الغرفة الوحيد، قائلاً بنبرةٍ غامضة:
"أمامكِ حتى الفجر.. إما أن تخرجي معي من هذا الباب نحو بيتنا، وإما أن تخرجي منه نحو بيت نُصير بورقة طلاقكِ وخيبتكِ الكبرى. اختاري يا دُنيا.. وتذكري أنني لست الرجل الصبور."
أوصد الباب، وترك الغرفة تسقط في صمت تام بعد جدالهم الذي بدأ بشراسة وانتهى بنعومة غريبة، وكما تبدل الجدال
تبدل حال دُنيا التي ظلت متسمرة في مكانها، وعيناها معلقتان بالباب.. لا يدري أحد، أكانت تنتظر الصباح لتهرب، أم تنتظر فراس لتعود.



تعليقات