📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثالث 3 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثالث 3 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل الثالث:

وقف فى نافذته يتطلع بنافذتها بفارغ الصبر .. حتى سطعت شمس قلبه برؤيتها .. فهى كالشمس بنقائها بأشعتها الذهبية .. و لم لا و هى ذهبية فى كل شئ فى شعراتها فى لون بشرتها فى عينيها العسلية و التى تشبه الذهب فى لمعانه .. لم يرى بحياته سواها ملأت كيانه منذ طفولتها إمتلكها و دمغها بإسمه فورا ......
كعادة كل يوم يحادثها ثم يقفا كلا فى نافذته .. من ناحيته هو يتمنى أن يتوقف الزمن و الكون من حوله و يظل يحدق بها دون ملل أو حديث .. أما هى فتستسلم لنظراته الجائعة إليها دائما و التى لن و لم تشبع يوما ...
خرج عن صمته بصعوبة كأنه ينتزع صوته إنتزاعا من حلقه قائلا بلهفة و قد لفحته أنفاسها المشتاقة إليه :
_ ليال .....
بمجرد سماع إسمها من بين شفتيه ينتفض جسدها بالكامل مع زيادة دقاته قلبهاو سرعة أنفاسها .. فتضطر للسيطرة على مشاعرها التى بعثرها و لملمتها قائلة بصوت مرتجف :
_ أيوة .
تعلم جيدا بما سيجيبها و لكن لهفتها لسماعها كل مرة تجعل منها أول مرة تسمعها .. كم يتمنى هو لو تعلم هى ماذا تفعل به ذبذبات صوتها الرقيق و الذى يسحبه معه لتيار عشق جارف .. رغم المسافة بينهما إلا إنه يشعر بها أمامه و لو أنه مد يده ناحيتها سيشعر بها .. إزدرد ريقه بصعوبة و قال متعمقا فى شهد عيناها :
_ بحبك .
إبتسمت بخجل و أشاحت ببصرها عنه فقال مسرعا :
_ إرجعى بصيلى .. ما تبعديش عنيكى عنى .
رفعت عينيها نحوه بخجل يفقده ما تبقى من رشده .. إبتسم بهدوء و سألها :
_ أخبارك إيه يا عسلية .
_ الحمد لله .. و إنت ؟!
إتسعت إبتسامته و أجابها بتنهيدة طويلة :
_ أنا لما شوفتك بقيت زى الفل .. على فكرة أنا شوفت ميناس النهاردة و هى كويسة .
إتسعت عيناها و زاد تقطر شهدهم و هى تقول بتلهف :
_ بجد كويسة .
أومأ برأسه و قال مؤكدا نافيا ما رآه من إيذاء بدنى لميناس خوفا عليها من القلق :
_ ما تقلقيش عليها .. هى مش بتكلمك دايما .
إكتست ملامحها بموجة حزينة و أجابته بضيق :
_ أيوة .. بس أنا بحس بيها و عارفة إنها بتكدب عليا و إنها مش مبسوطة .
آلمته نظرات حزنها فقال لها بمداعبة :
_ ما تكلمى ستك بقا خليها توافق على جوازنا ده أنا خاطبك بقالى تسع سنين .
هزت كتفيها بطفولة وقالت بخجل :
_ أنا أتكسف أكلم تيتة فى حاجة .. لما تيجى تزورنا مع عم صبرى و العوو إبقى قولها إنت .
أومأ برأسه و هو يتأملها و قال بضيق :
_ ربنا يسهل و توافق المرة دى .. إنتى كويسة .
_ أيوة الحمد لله .
حاول جاهدا الثبات أمام نبرتها الحانية و قال بسرعة قبل أن يذهب إليها و يختطفها و يتزوجها و إنتهت :
_ طب إدخلى يلا و إقفلى الشباك و خلى بالك من نفسك .. ولو إحتاجتى أى حاجة .. أى حاجة كلمينى فورا و لو مش موجود هبعتلك الواد بونجا تمام .
نظرت إليه بعينين يملؤهما الحب و أومأت برأسها دون أن تنبس بحرف .. تعلقت عيناه بها و أبت تركها فسيطر على نفسه للمرة المليار أمامها و قال بضيق :
_ تصبحى على خير يا عسلية .
إبتسمت إبتسامة مشرقة و قالت بهمس :
_ و إنت من أهله .. باى .
و لوحت إليه بيدها و أغلقت الهاتف .. ثم إتجهت لنافذتها حدجته قليلا بخجل و أغلقتها بهدوء .. ليدخل كلا منهما فى نوبة شوق مرهقة .....

فى الصباح إستيقظت غزل و كلها عزم و قوة فى الإمساك بعمها قبل أن يهرب منها مجددا .. إرتدت ملابسها و خرجت تتلفت حولها بحثا عنه .. فلم تجده .. أظلمت عيناها و توجهت ناحية المطبخ فوجدت هناء تعد طعام الإفطار .. فإقتربت منها قائلة :
_ صباح الخير يا أنطى .
أجابتها هناء بإبتسامة باهتة :
_ صباح النور يا حبيبتى .. هى بسمة لسه نايمة ؟
إلتقطت غزل ثمرة خيار و قضمتها قائلة ببرود :
_ أيوة لسه نايمة .. هو عمى لسه نايم .
تصنعت هناء إنشغالها مبتعدة بعينيها عنها قائلة ببساطة :
_ نزل راح شغله و إسلام كمان نزل .
رفعت غزل غرتها بغضب و هى تزفر بضيق و قالت بداخلها و قد إشتعلت نيران عيناها :
_ و باعدين بقا .. و آخرة لعب العيال ده إيه هتهرب منى لغاية إمتى يا عمى .
لاحظت هناء شرودها و الشرر المنطلق من عيناها فقالت لها بهدوء :
_ روحى صحى بسمة يا غزل علشان تفطروا مع بعض على ما أجهزه .
أومأت غزل برأسها .. ثم قالت برجاء :
_ بعد إذنك يا أنطى ممكن أروح أسأل على تيتة رأفة لو سمحتى بعد الفطار .
أجابتها هناء و هى تضع البيض المخفوق بالمقلاة قائلة بقلق :
_ بس إنتى ممكن تتوهى يا حبيبتى لواحدك .. إستنى لما يرجع إسلام يبقى ياخدك .
زمت غزل شفتيها و قالت بإستعطاف :
_ please يا أنطى وافقى .. وأنا هنزل أشترى فون و هكلمك كل شوية و هركب تاكسى كمان .
أومأت هناء برأسها و قالت بحزم :
_ ماشى .. بس إنزلى أول حاجة إعمليها إشترى موبايل .
قضمت غزل من ثمرة الخيار مجددا بسعادة فإلتفت إليها هناء نصف إلتفافة و سألتها بهدوء :
_ معاكى فلوس كفاية .
أجابتها غزل بتلقائية :
_ أيوة معايا كاش كفاية .. ده غير إنى حولت كل رصيدى من أميريكا لبنك هنا فى مصر .
لمعت عينى هناء و سألتها بإهتمام :
_ كويس .. المبلغ اللى حولتيه ده كبير يعنى يا حبيبتى .
لاحظت غزل سؤالها الفضولى و إهتمامها الزائد فقالت بتوتر من غبائها :
_ يعنى يكفينى لغاية ما ألاقى شغل .
ثم تجهم وجهها و هى تتابع حديثها بتحدى :
_ و عمى يدينى إيجار الشقة و المحل .
زمت هناء شفتيها و تجهم وجهها و قالت بضيق :
_ أه .. أه .. روحى بقا صحى بسمة .

فى وكالة السعيد جلس فارس على مكتبه منكبا يطلع بعض الأوراق أمامه حتى إنتهى .. يحاول جاهدا الإنغماس فى عمله يصارع وحدته و أفكاره المتخبطة و صورة تلك الطفلة التى لم ترحمه يوما سواء فى غفوته أو أثناء يومه ..
رفع عينيه عن الأوراق و صاح قائلا بصوت عالى :
_ وله يا بونجا .
ركض بونجا ناحيته مسرعا و قال مجيبا :
_ أيوة يا مريتة .
إبتسم فارس بخفوت و قال ساخرا :
_ لأ إحنا لسه على الصبح .. إبعد عن أى كلمة فيها حرف السين .. تمام .
رد عليه بونجا بإبتسامة هادئة قائلا :
_ مقبولة منك يا ريت .
ضحك فارس فى سابقة لا تحدث كثيرا و مد يده بورقة ناحيته و قال بعملية :
_ ريت ..... المهم روح المخازن و جهز لرامى شحنة الحديد دى و خليهم ينقلوها على طول على المصنع و روح معاهم.. تمام .
أدى بونجا التحية العسكرية و قال بجدية :
_ تمام يا مريتة .. هخليهم يجهزوها بترعة و هرجع أنا جنبك هنا علشان لو إحتاجت حاجة .
إستند بذراعيه على مكتبه و قال بهدوء :
_ طيب .... عامل إيه مع مراتك .. إوعى تزعلها دى بنت حلال .
_ دى فى عنيا و قلبى .. ربنا يخليها ليا .. تحيح المعلم تبرى باعتنى بشوية طلبات لحمزة باشا على العترية كده .
ضرب فارس كفيه ببعضهما و قال مازحا :
_ تبرى .. و عترية .. إمشى يا بونجا أنا عاوز لسانى سليم .. إمشى .
_ ماشى يا كبير .. لو عوزت حاجة بت إنده عليا .
وتركه و خرج .. إنهمك فارس مجددا فى مطالعة الأوراق التى أمامه حتى دلف عليه رامى قائلا بشغبه المعتاد :
_حبيبى يا عوو .. أخبارك إيه يا مريسة .
أجابه و هو يحرك عنقه بإرهاق :
_ كويس الحمد لله .. الشحنة اللى إنت طلبتها هتوصلك على العترية .
ضحك رامى ضحكة عالية و قال محذرا :
_ عترية .. هو الواد بونجا بهت عليك .. ما تقعدش معاه كتير بقا .
إلتف فارس بجسده و وضع أوراقه بخزنته و أوصدها قائلا بهدوء :
_ هروح أنا للمستشفى عندى إجتماع مهم .
وضع رامى كفيه فى جيبى بنطاله وقال بحزم :
_ و أنا هروح المصنع و بعد كده هاخد مهاب لحمزة عاوز يشوفه .. مش ناوى تروح له يا عوو .
لملم فارس أشيائه و أجابه بوجه متجهم و نبرة فاترة :
_ لأمش ناوى .. سلملى عليه و خلاص .
و هم منصرفا فوقف رامى أمامه معترضا تقدمه بجسده و قال بإستعطاف :
_ سامحه بقا يا فارس .. حرام عليك يا أخى .. هو صحيح غلط بس دفع تمن غلطته غالى و المسامح كريم .
إبتسم فارس بسخرية و قال بصوت قاتم كنظراته :
_ أسامحه ..... بسبب تهوره إبنى بقا يتيم و هو قعد على كرسى بعجل .. يعنى ضيع نفسه و ضيعنى معاه .. و كل ده ليه علشان القرف اللى كان بيتعاطاه .. و أنا و إنت ياما نصحناه بس هو ركب دماغه و ساقها بسرعة و عمل حادثة فمراتى ماتت و هو إتشل .
تنهد مطولا بأسى و قال بحدة :
_ ربنا يسامحه و يشفيه . و يالا إدينى سكة علشان ما أتأخرش على إجتماعى .
و خرج مبتعدا تاركا رامى فى تخبطه .. فهو يعلم جيدا أن فارس رجلا بحق .. رجلا بكل ما تحمل الكلمة من معنى .. إبن بلد كما يقولون طيب القلب .. و لكن موقفه الصلد مع أخيه سبب ضيقا للجميع ...
خرج رامى هو الآخر متوجها المخازن و بعدما إطمئن من إتمام نقل شحنته توجه لسيارته مغادرا و ما أن فتح الباب حتى جحظت عيناه بغضب و صفع باب سيارته بقوة و إتجه نحوها و عينيه تشع شرارا .....
إبتلعت ليال ريقها بصعوبة و هى تطالع تقدمه نحوها و إحمرار عينيه كجمرتين مشتعلتين .. فإرتجف جسدها خوفا و تصنمت مكانها ... إقترب منها و قبض على ذراعها و سحبها ورائه حتى دلفا لمدخل بنايتهم فدفعها بالقوة على الحائط و حاصرها فاقدا صبره و قال بقوة :
_ إيه اللى نزلك من البيت يا ليال .
حاولت إستجماع قوتها و قالت بصوت مرتجف :
_ كنت .... كنت بجيب الدوا لتيتة و الله .. أهه .
و رفعت الدواء أمام عينيه بذراعها الحرة فأجابها بغضب كاد أن يلتهمها هى و دوائها اللعين قائلا بصوته الأجش :
_ و مكلمتنيش ليه .. مش أنا قايل ما فيش نزول للشارع أبدا .
رمشت بعينيها بسرعة و قالت بذعر :
_ آخر مرة خلاص مش هعمل كده تانى .. أنا آسفة .
زفر بضيق فإنتبه لحركة عينيها المذعورة منه .. فأرخى قبضته بعدما شعر أنه سحق ذراعها و تطلع إليها مطولا قائلا بهدوء:
_ إبقى إسمع الكلام علشان أنا معاكى مش ضامن ممكن أعمل إيه فى أى حد هيفكر بس يبصلك .. و نزول للشارع تانى يزعلك منى .. تمام .
أومأت برأسها بعدما هدأت قليلا .. ذاب مع ذهب عينيها اللامع فأطرقت رأسها بخجل .....
لاحظ تورد وجنتيها فقال بإبتسامة هادئة :
_ إطلعى يالا .. و مرة تانية لو إحتاجتى حاجة كلمينى .. و سلميلى على ستى .
فقالت و هى تهرب من أمامه مسرعة :
_ حاضر ..... باى .
تطلع إليها حتى إختفت من أمامه و عاد لسيارته .....

أثناء قيادته للسيارة لاحت أمام عينيه صورة تلك الصغيرة كأنها تأبى تركه فينساها .. هز فارس رأسه محاولا نفضها من رأسه حتى صف سيارته أمام مبنى عالى و فخم .. ترجل من سيارته و صعده بالمصعد الذى توقف أمام إحدى الشقق .. دلفها مسرعا متوجها لغرفة النوم .. خلع ملابسه و إتجه للمرحاض إغتسل و خرج يلف خصره بمنشفه ..
فتح خزانته و مرر عينيه على تلك البذلات الفاخرة و الباهظة الثمن و إنتقى إحداهم و إختار قميصا و إرتداهم مسرعا ... وقف أمام مرآته يصفف شعراته و قد تحول من فارس العوو رجل الحارة الأول بعد والده .. إلى فارس السعيد رجل الأعمال و المستثمر الناجح صاحب مستشفى إستثمارى كبير .. حمل أشيائه و حقيبته و إنطلق مسرعا خارج شقته الخاصة متوجها لمشفاه ....

بدأت يومها بجرعة زائدة من الطاقة الإيجابية و الحب ....... و لكن دائما هناك قطرة سوداء صغيرة تصر على تعكير صفو عشقها له .. و هى تحكمه الشديد بها و الذى يحوله فجأة لشخص آخر .. مخيف أحيانا .. و هذا ما يعيق إتمام زواجهم فجدتها أصبحت تماطل و تأجل على أمل ألا تمر ليال بما تمر به أختها بسبب ...... الحب .....
إنتهت ليال من تحضير الفطور و حملت الصينية و توجهت بها لغرفة جدتها .. دفعت بابها بقدمها و ولجت بظهرها دافعة الباب أكثر ثم إلتفتت لتتقابل نظراتها مع نظرات جدتها الغاضبة و الحنونة فى نفس الوقت ... و غضبها ظهر فى تحريكها لحبات سبحتها بسرعة ..
إبتسمت ليال بخفوت و وضعت الصينية على الفراش و قالت بمداعبة :
_ إيه ده هو الجميل زعلان منى و لا حاجة .
هزت الجدة رأسها بيأس و مدت ذراعها بجوارها و وضعت سبحتها على الكمود و عادت إليها بعينيها تتصنع الحزم و قالت بضيق :
_ إتأخرتى فى نومك ليه يا أستاذة ليال .. أكيد سهرتى تستنى رجوع الباش مهندس لنص الليل صح .
لملمت ليال شعراتها الذهبية و عقدتها برابطة كذيل حصان و قالت بآسف و خجل :
_ آسفة يا تيتة بس ما سمعتش المنبه لكن إن شاء الله هتكون آخر مرة .
ربتت الجدة على ذراعها وقالت برأفة على إرتباكها :
_ خلاص يا حبيبتى أنا بهزر .. صباح الخير .
عادت ليال لإبتسامتها المشرقة و طاقتها الجإابية مجددا وقالت بهدوء :
_ صباح الفل على عيونك يا قمر .. يالا بسرعة كلى علشان تاخدى الدوا فى ميعاده .
أومأت الجدة برأسها و قالت بضيق :
_ و الله مش لاقية لازمة للدوا ده .. أهه مصاريف على الفاضى و الحاج صبرى مش متأخر عننا فى حاجة لما الواحد بقت عينه فى الأرض منه .
قبلت ليال كفها و قالت بصوت مختنق :
_ لازم تاخدى الدوا يا تيتة ده إنتى اللى ليا و مش هعرف أعيش من غيرك .
جذبتها الجدة لصدرها و حاوطت كتفيها بذراعها و قالت بحنو ... و بعض من اللوم :
_ و إنتى و إختك كل دنيتى و ربنا عوضنى بيكم عن بناتى اللى راحوا و سابونى أشرب نارهم ... بس لما بشوف حالكم بكرهكم عمى .. واحدة ضيعت نفسها علشان بتحب واحد بيذلها و بيضربها و إنتى سايبة نفسك لرامى يلعب بيكى الكورة و حابسك و لا المسجونين .
إمتعض وجه ليال من النشرة اليومية لجدتها و بثها قلقها الدائم من رامى و تحكمه الزائد بها و إستسلامها المثير للشفقة له .. فإعتدلت فى جلستها و قربت الصينية من الجدة و قالت لتغيير الحوار بذكاء :
_ يالا نفطر جعت جدا .. تحبى أعملك إيه على الغدا .
حملت الجدة كوب الشاى بالحليب و إرتشفت منه قليلا و قالت بإبتسامة باهتة :
_ أى حاجة منك حلوة .. تسلم إيدك .
و إلتفت رأس الجدة ناحية الصور الموضوعة بجوارها و طالعتهم بشوق و دمعة حبيسة .. صورة إبنتها الكبرى نغم و التى توفت بعض صراعها مع المرض و صورة إبنتها الصغرى حور و التى بسفرها كسرت ظهرها و أصبحت جليسة الفراش لتفاجأها بخبر موتها .. و تلك الطفلة الصغيرة و الوحيدة التى تشبهها بعيونها الزرقاء الفيروزية وملامحها القوية و الناعمة بنفس الوقت ....

تلك الملامح الناعمة و التى كستها راحة غريبة اليوم و كأنه يوم عيد عندها و ستكتمل راحتها و سعادتها بمقابلة جدتها .. إنتبهت بسمة لإبتسامة غزل التلقائية و التى لم تعهدها منها .. فإبتلعت ما فى جوفها و سألتها ساخرة :
_ ده إيه الإنشكاح اللى إنتى فيه ده .
لم تعرها غزل إهتمام و هى تكمل وجبتها بصمت .. فعادت بسمة و قالت بنبرة ماجنة :
_ كل ده علشان هتروحى تدورى على جدتك و يا عالم هتلاقيها و لا هتكون .. ماتت .
صكت غزل أسنانها و قالت بضيق :
_ خليكى فى حالك يا بسمة .. أفرح أو أزعل ما يخصكيش على فكرة .
أشاحت بسمة بيدها فى وجه غزل و قالت بحدة :
_ إنتى حرة .
وقفت غزل و تركت الطاولة و توجهت للغرفة بدلت ملابسها و كانت دائما ما تعيد أشيائها لحقيبتها التى لم تفرغها لإستعدادها للرحيل عن هذه العائلة بأى وقت .. و بعدما إنتهت حملت حقيبة يدها و خرجت .....
زمت بسمة شفتيها و حركتهما بسخرية و قالت و هى تمرر سبابتها على غزل طلوعا و نزولا :
_ إنتى هتروحى حارة جدتك بجد و إنتى لابسة كده .... دول يغتصبوكى هناك يا قطة .
أخفضت غزل عيناها ناحية ملابسها تطالعها بتعجب .. بينما للحق و لأول مرة تكون بسمة على جانب كبير من الصواب فغزل كانت مرتدية سروال أبيض ضيق للغاية و رسم ساقيها و منحنياتها بدقة و تلك السترة و التى يصل طولها لحافة السروال بلونها الكشمير و حجاب رأسها و الذى تعقده دائما خلف عنقها و حذائها الرياضى .. لم تجد بملابسها شئ مثير فهى دائما بين رفقائها و زميلاتها بأميريكا كانت الأكثر حشمة .....
رفعت عيناها و قالت ببرود :
_ عادى يعنى لبسى مش عريان و لا مبين أى حاجة .
لطمت بسمة وجهها و قالت موضحة بغيظ :
_ إنتى مش محتاجة تنبينى أى حاجة .... ما كله لايڤ بلبسك الضيق ده .
رفعت غزل عيناها بملل و تطلعت ناحية هناء و قالت بهدوء :
_ بعد إذنك يا أنطى أنا نازلة و هبقى أكلمك أطمنك ..... سلام .
أجابتها هناء ببرود :
_ سلام يا حبيبتى .... هستنى تليفونك .

هبطت الدرج مسرعة حتى خرجت للطريق و بالفعل أول شئ قامت به أنها إشترت هاتف غالى جدا و بعدما إبتاعته هاتفت هناء لطمأنتها عليها ... و أشارت لسيارة أجرة و إستقلتها و أعطته الورقة و التى بها دون العنوان و بعد قليل .... إنطلقت السيارة .

طوال طريقها الطويل ظلت تتابعه بشغف و فجأة إختفت تلك المبانى العالية و الفخمة و حلت مكانها مبانى صغيرة أو قديمة بعض الشئ و إختلف مظهر البشر من الثراء و الراحة للفقر و العناء ....
توقف سائق السيارة و أشار لها بيده قائلا :
_ شايفة الطريق ده يا آنسة ...... هتمشى فيه شوية هتبقى جوة الحارة .
عقدت حاجبيها و سألته بتعجب :
_ ممكن حضرتك تدخل بالعربية و توصلنى .
هز رأسه نافيا و قال بإعتذار :
_ آسف بس التاكسى مش بيدخل جوة الطرق المكسرة والضيقة دى .
أومأت برأسها و شكرته و أعطته مبلغا ماليا و ترجلت من السيارة .. فوقعت عيناها على قصر كبير فى الضفة الثانية من الطريق .. وقفت تتأمله و قد شعرت بإنقباض فى قلبها فور رؤيته و كأنها رأته من قبل .. تلاحمت صور مبهمة أمام عيناها لم تستطع تفسيرها و قد دب بداخلها رعبا إمتلكها .. رغم فخامة القصر و جماله لكن شعورها بالضيق جعلها تبتعد بعينيها عنه تطالع تلك المبانى القديمة و الطرق الجانبية الضيقة و كأن ذلك القصر قد هبط من السماء على هذه المنطقة الشعبية ....
أولته ظهرها و عبرت الطريق ... ولجت للطريق المؤدى للحارة بقلق و لكن شغفها غلبها و هى تتطلع حولها كسائح ..... عاد إليها القلق مع نظرات الجميع و التى تتبعها فى صمت ... تجاهلتهم و هى تحاول عصر عقلها لتتذكر أى شئ حتى رأت رجلا كبيرا يجلس أمام أحد المحلات فإقتربت منه و قالت بأدب :
_ السلام عليكم .
أجابها الرجل بإبتسامة هادئة :
_ و عليكم السلام .
إبتسمت غزل على إبتسامته و سألته بتوجس :
_ لو سمحت كنت عاوزة أسأل على بيت واحدة ست كبيرة ساكنة هنا و إسمها الحاجة رأفة .
أومأ الرجل برأسه مؤكدا و قال :
_ طبعا عارف الحاجة رأفة .. هخلى حد من الولاد يوصلك .
و صاح بأحد الأطفال و الذين كانوا يلعبون كرة القدم بجدية لا تتناسب مع أنهم يلعبونها بالطريق ...
أوقف الطفل الجميع بيديه و إقترب منهم مشدوها بجمال غزل .. فطلب منه الرجل آمرا :
_ وصل الآنسة دى لبيت الحاجة رأفة بسرعة .
تطلع إليها الطفل بإعجاب إرتسم على وجهه فى شكل إبتسامة بلهاء .. وقال بغمزة من عيناه :
_ إتفضلى معايا يا موزة .
رفعت غزل حاجبيها متعجبة من طريقته .. ثم حركت كتفيها بحيرة و سارت بجواره ... و بعد قليل رأت منزل جدتها من بعيد و التى تذكرته على الفور ... إبتسمت بشوق و هو يتضح أكثر كلما إقتربت منه ....
وقف الطفل أمامها و قال بمداعبة :
_ هستناكى هنا علشان لو حبيتى ترجعى من مكان ما جيتى يا قمر .
أجابته بشرود و هى هائمة بذلك المنزل القديم :
_ مافيش داعى .
_ لأ إزاى .. ده أنا موقف الماتش علشان عيونك الزرقا دى .
إبتسمت غزل و مالت عليه قائلة و هى تقرص و جنته :
_ شكرا يا عسل .
تنهد مطولا و قال بهيام :
_ و لما أنا عسل إنتى إيه ...... إنتى حلوة قوى .
زادت ضحكات غزل على كلماته و بعثرت شعراته بكفها و تركته و دلفت للبناية ... صعدت الدرج و دقات قلبها ترتفع كلما إرتفعت درجة حتى وقفت أمام باب الشقة .....
تنفست مطولا و زفرته مرة واحدة و طرقته .... بعد قليل أتاها صوت فتاة رقيق من خلفه قائلا :
_ مين ؟!
أجابتها غزل بقلق :
_ مش ده بيت الحاجة رأفة .
فتحت ليال الباب و تطلعت لهيئة غزل و سألتها بفضول :
_ أيوة هو البيت ... إنتى مين ؟!
إبتسمت غزل و هى تطالع تلك العيون العسلية و الصافية و التى لم تغيرها السنين سوى أنها زادتها جمالا و بهاءً .... فتنهدت براحة و قالت :
_ مش مصدقة إنى شوفتك تانى يا ليال .
قطبت ليال حاجبيها و قد زادت دهشتها و قلقها ... فسألتها بتوجس :
_ إنتى تعرفينى منين .... أنا أول مرة أشوفك .
أومأت غزل برأسها متفهمة و قالت و قد بهتت إبتسامتها :
_ فعلا ... بقالنا عشرين سنة ما شوفناش بعض ليكى حق ما تعرفنيش .
عشرين سنة .... قطبت ليال جبينها ثم إتسعت عيناها و إرتفع حاجبيها و رفعت كفها على فمها بصدمة و قد تجمعت بعض العبرات بعينيها و قالت بصوت متحشرج متعمقة فى بحر عينى غزل :
_ غزل !!!!
هزت غزل رأسها و قالت برقة :
_ وحشتينى جدا يا ليال .
إجتذبتها ليال لحضنها و ضمتها بقوة قائلة بدموعها :
_ إنتى اللى وحشتينى يا غزل ..... دى تيتة كانت هتتجنن عليكى .
ربما تعجبت فى البداية من مشاعر ليال القوية و لكن دفء ضمتها جعلها تشعر بإطمئنان غريب إفتقدته لسنوات طويلة ... ملست على ظهرها برقة و قالت :
_ خلاص يا بنتى بطلى تعيطى .
أجابتها ليال بصوت مكتوم من إثر ضمتها القوية :
_ إنتى وحشانى قوى .
هزت غزل رأسها بيأس و قالت :
_ و الله و إنتوا كمان و حشتونى .
إبتعدت ليال عنها قليلا و قالت و هى تكفف عبراتها :
_ إتفضلى إدخلى .. تعالى يا غزل .
أتاهم صوتا حنونا يسأل بتعجب :
_ مين اللى جه يا ليال ؟!
إلتفت غزل برأسها ناحية ذلك الصوت الدافئ متطلعة بغرفة جدتها و قد سرى بجسدها تيار بارد جعل قلبها يرتجف بشوق ... إبتسمت ليال و قالت بصوت عالى :
_ دى ضيفة يا تيتة و جاية تشوفك .
أجابتها رأفة بترحاب :
_ خليها تتفضل يا بنتى .
إقتربت ليال من غزل و قالت هامسة :
_ ما تقوليش إنتى مين و شوفيها هتعرفك و لا لأ .
أومأت غزل برأسها فجذبتها ليال من يدها و ولجت بها لغرفة رأفة ...... توقفت أنفاس غزل و هى تتطلع إليها تشبع عيناها برؤيتها .... لقد هرمت كثيرا و أصبحت جليسة الفراش و لكن كل ذلك لم يؤثر بجمالها و الحنان المطل من عينيها ....
إبتلعت ريقها بتوتر و هى تطالعها بقوة ... بينما إكتفت رأفة بالصمت سابحة بعينيها على تلك الملامح التى طالما ما رأتها بمرآتها قديما ... شبه غريب بينها فى شبابها و بين تلك الفتاة الواقفة أمامها و لتزداد دهشة ... نفس لون العينين النادر ....
إبتسمت ليال و هى تتابع حوارهم الصامت و قالت قاطعة لتلك الحالة و التى ربما تمتد لفترة أطول :
_ مش هتسلمى على الضيفة يا تيتة .
أشارت رأفة بيدها على الفراش بجوارها تربت عليه بكفها المجعد قائلة بصعوبة :
_ تعالى جنبى يا حبيبتى .
إقتربت غزل منها بخطوات خفيفة كأنها طائرة لا تلامس الأرضية بقدميها و جلست بجوارها مستنشقة تلك الرائحة العذبة لها .. فسألتها رأفة بتوتر :
_ إنتى مين ؟!!!
لم تستطع الرد و كأن شفتيها قد إلتصقتا و جف حلقها .... طالت بينهما النظرات فحركت رأفة مقلتيها بجوارها و حملت صورة لحفيدتها صاحبة العيون الفيروزية و حملتها .. لقد عادت صغيرتها و التى عمرها بتلك الصورة خمس سنوات فقط .... سقطت دموعها على الصورة و هى تقول بوهن :
_ ما فاتش يوم عليا نسيتك فيه يا غزل .... كنت بتخيلك دايما و برسملك صورة جوايا .... بس ما كنتش عارفة إنك هتبقى حلوة قوى كده .
مسحت غزل دمعة فرت من عينها و قالت :
_ و أنا كمان كنت بفكر فيكى دايما .
رفعت رأفة عيناها عن الصورة تطالع الأصل ... فأردفت غزل قائلة بقوة :
_ وحشتينى قوى .
مررت رأفة كفها المرتعش على وجه غزل و هى تتأملها بشوق .... فعقدت ليال ذراعيها و قالت بصوت مختنق :
_ هتخلونى أعيط ... إيه هو إنتوا مش هتحضنوا بعض .

رغم حالة السعادة التى ملأتها إلا أنها مازالت خائفة من أن يكون ما تمر به الآن مجرد حلم .. و لكن ملمس أنامل جدتها على بشرة وجهها أخبرتها أنها تحيا واقعا جديدا .. دافئا ...... لم تشعر غزل بنفسها و هى ترتمى فى حضن جدتها كما كانت تفعل سابقا .. للحظة عادت تلك الطفلة الصغيرة و البريئة و التى لم تلوثها الأيام و الظروف و تنهدت مطولا و قالت من أعماق روحها :
_ ياااه يا تيتة .. ماحستش بالراحة دى من زمان قوى .. وحشتينى .. وحشتينى جدا .
ربتت رأفة على ظهرها بحنان و قالت من بين دموعها :
_ إنتى وحشتينى أكتر يا حبيبتى .
و أبعدتها عنها قليلا و سألتها بتوجس :
_ إنتى خلاص رجعتى مصر على طول و رجعتى لحضنى و لا هترجعى تسافرى تانى .
إنحنت غزل و قبلت كفها و أجابتها بإبتسامة مرحة :
_ لأ رجعت على طول و هزهقك منى .
زفرت رأفة براحة إرتسمت على ملامحهاو التى تبدو لمن يراها أنه إنتقص من عمرها العشرون عاما التى إبتعدتهم غزل و أمها عنها ... إبتسمت بهدوء و سألتها بتلهف :
_ الحمد لله .. علاء فين هو مش رجع معاكى نفسى أشوفه .
قطبت غزل جبينها و علت ملامحها بداية حزن و قالت بفتور :
_ لأ .... أنا جيت لواحدى .
صفعت الجدة صدرها و شهقت بقوة قائلة بتعجب :
_ ياااالهوى .... جيتى لواحدك من بلاد بره ... و أبوكى و أخوكى ما خافوش عليكى .
تنهدت غزل بألم و طأطأت رأسها متطلعة بالأرضية و قالت بإنكسار :
_ أنا هربت منهم أصلا .. و مش هرجع ليهم تانى مهما حصل .
جلست ليال بجوارها و سألتها بدهشة :
_ هربتى !!!! ليه يا غزل إحكيلنا كل حاجة .
إعتدلت فى جلستها و قصت عليهم كل شئ من تعامل الجميع معها بعنصرية لمجرد أنها محجبة .. و خطة علاء لإنقاذ مستقبلهم المادى ببيعها لأحد رجال الأعمال رغما عنها .... و هربها ليلة زواجها و أخيرا بعد وصولها طمع عمها بحقها و الذى إستاء من عودتها و طلبها المُلح لإسترداد شقتها و محلها ... كل هذا و قد سقط منها الحديث عن والدتها ... أو بالمعنى الأدق هى تعمدت إسقاطه حتى لا تقتل جدتها بيدها و التى تمسكت بها كآخر ذكرى من إبنتها .. حور .....
إحتضنتها رأفة مجددا و قالت بإشفاق على ما مرت به حفيدتها :
_ يا حبيبة قلبى ... ما تخافيش من حاجة .. دلوقتى إنتى معايا و أنا مش هسمح لحد يأذيكى إنتى روحى شقة عمك هاتى حاجتك و تعالى عيشى معايا هنا .... مفهوم .
أومأت غزل برأسها و تمسكت بها أكثر و قالت بإرتياح :
_ حاضر يا تيتة .... فوق ما تتخيلى أنا مرتاحة دلوقتى إزاى .. ربنا بيحبنى إنى لقتكم .
وقفت ليال و صفقت بفرحة و نزعت حجابها و نثرت شعراتها الذهبية و قالت بحماس :
_ أخيرا لقيت حد أقعد و أتكلم معاه .. أنا مبسوطة قوى إنك هاتيجى تعيشى معانا .
إبتعدت غزل عن جدتها و سألتها بتعجب :
_ ليه هى أختك اااا ... إسمها إيه دى فين ؟!
أجابتها ليال بضيق :
_ قصدك ميناس ..... لا دى إتجوزت و عايشة مع جوزها .
وقفت غزل بحدة و هزت رأسها تستوعب ما سمعته و سألتها بدهشة :
_ إتجوزت إزاى .... هى عندها كام سنة دى أصغر واحدة فينا .
تنهدت ليال بأسى و أجابتها بعبوس :
_ متجوزة من سنة و هى يا حبيبتى دلوقتى عندها عشرين سنة و لما هتشوفيها هتلاقيها ملاك فى شكل بنت .
حملت غزل حقيبة يدها و قالت بعصبية :
_ لا ... ده أنا أروح أجيب الباج بتاعتى من عند عمى و أرجع على طول .. ده إنتوا وراكوا حكايات و رويات ... مش هتأخر عليكى يا تيتة .
جذبتها رأفة من كفها و قالت بخوف :
_ لأ .. ما تمشيش .
إنحنت غزل ناحيتها و قبلت وجنتها مطولا و قالت بمداعبة :
_ صدقينى مش هتأخر عليكى .
أجابتها رأفة و هى متمسكة بكفها بقلق :
_ هستناكى يا حبيبة قلبى ..... خدى رقم ليال علشان أكلمك كل شوية أطمن عليكى لغاية ما ترجعى .
إبتسمت غزل إبتسامة متسعة و قالت بهدوء :
_ حاضر .... هحاول ما أتأخرش ... هتوحشونى الشوية دول ... سلام .
و خرجت من الغرفة تبعتها ليال التى سجلت رقم هاتفها و قبلتها و تركتها و خرجت تشع سعادة و فرحة و إبتسامتها زادتها جمالا ......

ما أن خرجت حتى وجدت ذلك الطفل الذى أوصلها ينتظرها جالسا على أحد الأرصفة .... حرك رأسه قليلا فرأى غزل تتقدم نحوه فوقف مسرعا و قال بفرحة :
_ إيه يا قمر محتاجة مساعدة .
ضحكت ضحكة عالية و قالت بمداعبة :
_ بصراحة أيوة .... ممكن تخلينى أوصل للطريق الرئيسى اللى جيت منه ... عاوزة أركب تاكسى .
أشار إليها بيده قائلا :
_ إتفضلى قدامى و أنا هوصلك ....... بس بشرط .
نثرت شعراته الطويلة و قالت بتوجس :
_ شرط إيه بقا .
_ ترجعى تانى .... بصراحة أنا حبيتك قوى .
سارت بجواره و قالت بحب :
_ و أنا كمان حبيتك جدا .... و هرجعلك تانى مش هتأخر عليك .... تمام .
تنهد مطولا و هو يسير بظهره مقابلا لها يطالعها بوله ثم قال بخفوت :
_ تمام يا موزتى .
خرجت غزل على الطريق تبحث عن سيارة أجرة .. فإستوقفها ذالك القصر مجددا ... و لكن هذه المرة إتضحت لها الخيالات المرتبطة به و رأت نفسها طفلة تركض ناحيته ... ثم تجهمت الرؤية مجددا و لكنها إستمعت لصوت صراخها و تذكرته ... فمسدت جبهتها المتألمة ...
لاحظ الصغير عبوسها و ضيقها فسألها بقلق :
_ إنتى كويسة ؟!!!
نفضت تلك الأفكار و الأصوات من رأسها و أجابته بإبتسامة مرتجفة :
_ أيوة كويسة .. شكرا .
و أشارت بيدها لسيارة توقفت على الفور ... فأشارت للصغير بيدها مودعة و إستقلتها و إنطلقت بها..

وقفت ميناس فى مطبخ القصر الواسع تتابع تحضيرات زيارة مهاب إليهم بسعادة .. فذلك الصغير يمثل شئ كبير بحياتها ... لأن حمزة يتبدل فور رؤيته و يتحول لصغير مثله و يتخلى عن الوحش الذى بداخله و يترك كل أسلحته على جانب ... فهتفت قائلة بقلق :
_ بودينج الشوكولا جاهز .
أجابتها نشوى بإيجاب قائلة :
_ أيوة يا هانم جهز .. و السوفليه كمان جهز و سخن .
تنفست ميناس براحة و إبتسمت بشدة فظهرت غمازتيها و هى تلتفت برأسا مستمعة لصوت جرس الباب ... فأشارت لنشوى التى تحركت لفتح الباب و أوقفتها قائلة :
_ خليكى أنا هفتح .
و خرجت مسرعة و فتحت الباب الذى إندفع منه مهاب و إرتمى بحضنها الذى إستقبله بسعادة وترحاب قائلا بفرحة :
_ وحشتينى يا مينو ...... وحشتينى قوى .
قبلته ميناس فى وجنته مطولا و قالت بإبتسامتها الهادئة :
_ إنت كمان وحشتنى يا حبيبى .
إقترب منهم حمزة محركا كرسيه و زم شفتيه بضيق قائلا بلوم :
_ و أنا ماوحشتكش .
إبتعد مهاب عن ميناس و ركض ناحية عمه الذى حمله و أجلسه على ساقيه .. فإحتضنه مهاب قائلا بمشاغبة :
_ وحشتنى قوى يا صاحبى ... بس ميناس وحشتنى أكتر .
صفعه حمزة على رأسه برقة وقال بسخط :
_ إنت هتعاكس مراتى قدامى ياض .
شهقت ميناس بخفوت .. فسماعها لكلمة زوجتى منه جعل قلبها ينتفض بقوة ... هل يراها حقا زوجته ... هل تحتل ولو جزء بسيط من حياته كونها زوجته ... إنتبه رامى لشرودها فإقترب منها قائلا بتعجب :
_ أخبارك إيه يا ميناس .
إنتفضت فى مكانها مذعورة لأنها لم تنتبه لدلوف رامى فهذا الجالس على مقعده يسلبها رشدها فتبدو للجميع بلهاء .. إبتسمت بخفوت و أجابته :
_ الحمد لله كويسة .
مرر عينيه على وجهها و قال بجدية :
_ شكلك النهاردة أحسن هو نسى يضربك و لا إيه .
تطلعت ميناس بحمزة و الذى يداعب مهاب و يدغدغه و تنهدت مطولا و قالت :
_ بس طيب و الله .
رفع رامى طرف شفتيه بإمتعاض و مطهما قائلا بتبرم :
_ طيب !!! طيب يا أختى و ماله .. براحتك .
إقترب رامى من حمزة و ضرب كفيه ببعضهما متعجبا و قال ساخرا :
_ هو أنا كل مرة أشوفك يا حمزة ألاقيك عامل فورمة شعر جديدة .... مرة ديل حصان و مرة بندانة .... صحيح الفاضى يعمل شعره .
رفع حمزة حاجبه بضيق و قال بغضب :
_ هو إنت مش جبت مهاب ورينا جمال قفاك و إختفى .
ضحك مهاب ضحكة عالية ... فعض رامى على شفته السفلى و قال بقوة :
_ بتضحك يا إبن العوو ماشى يا مهاب تمامك عندى قل .
قفز مهاب من على ساقى حمزة و ركض ناحيته قائلا لإضحاكه :
_ ما تزعلش يا عم الناس .... أنا ماكنتش بضحك أنا كنت بريح بوقى بس .
دخل الجميع فى نوبة ضحك على مزحته .. فتطلع حمزة ناحية ميناس المبتسمة بتلقائية .. كانت أجمل من أن توصف بعدما ظهرت غمازتيها الرقيقة .... ثم أشاح ببصره عنها كى لا تلحظ تأمله لها ... حمل رامى مهاب و قبله فى وجنته و قال برجاء :
_ أبوس إيدك يا هوبا يا حبيبى إوعى تتكلم كده قدام أبوك ... لهيعلقنى أنا و عمك حمزة على باب الحارة .
أطرق مهاب بأنامله على وجنته متصنعا التفكير و قال بقوة :
_ هدورها فى دماغى و أحاول أسيطر على لسانى.
صفع حمزة كفيه ببعضهما و قا بتعجب:
_ ياض ده إنت عندك خمس سنين بس و محسسنى إنك راجل زينا .
أجابه مهاب بضيق و هو عابسا :
_ أنا راجل من ضهر راجل من ضهر راجل ... و مخاصمكم .
ثم تململ بجسده حتى أنزله رامى على قدميه فسار ناحية ميناس و جذبها ورائه قائلا :
_ تعالى يا مينو عندى ليكى سيكرت من لولو و مش عاوزهم يسمعوه .
صاح به حمزة بغضب :
إنت ساحبها وراك و أخدها فين .... هو أنا كيس جوافة قدامك .
إلتفت إليه مهاب و قال ببرائة غاضبة :
_ لو سمحت خليك فى حالك .
ثم رفع سبابته ناحية رامى وقال له بنبرة آمرة :
_ رامى تحفظ عليه لغاية ما أرجع .
ضحك الجميع عليه بينما قال له رامى من بين ضحكاته :
_ تمام بس بسرعة ماتتأخرش .
مرر حمزة أنامله فى شعراته الطويلة وقال بإبتسامة باهتة :
_ الواد ده ضحكة العيلة كلها .... بس لو كبر و عرف إنى كنت السبب فى موت أمه هيسامحنى .
قطع رامى حالته الحزينة و قال مسرعا :
_ بقولك إيه الحادثة دى كانت قدر .... فا متحملش نفسك الذنب ده عمرها و كويس إن مهاب طلع من الحادثة دى كويس .
أجابه حمزة بأسى و هو مطأطأ رأسه بخزى :
_ لأ ... أنا السبب لولا الزفت اللى كنت شاربه ... ما كنش حصل حاجة .... ربنا يسامحنى .

جلس مهاب بجوار ميناس على فراشها و قال هامسا :
_ هاتى بوسة بسرعة يا مينو .
ضحكت ميناس وقالت بمداعبة :
_ هات بوسة إنت الأول و باعدين هات بوسة ليال .
أعطاها قبلتين على وجنتيها و قال :
_ هاتى بوستى بقا .
إقتربت منه و أعطته قبلة فى وجنته و قالت بتلهف :
_ قولى بقا أخبار تيتة رأفة و ليال إيه ... هما كويسين .
_ كويسين الحمد لله و إنتى وحشاهم جدا .
رغم حالة الحزن التى إمتلكتها من شوقها لرؤية جدتها و أختها إلا أنها إبتسمت برقة و أعطت حقيبة بلاستيكية مليئة بالحلويات لمهاب الذى لمعت عيناه و قفز بسعادة قائلا :
_ حبيبتى يا مينو ... إنتى أصلى .
قرصت وجنتيه بأناملها و قالت بمعاتبة :
_ مش هتبطل طريقتك دى فى الكلام ... ده إنت دراستك إنجلش .
_ أهه كده شوية و كده شوية ...... لما أروح أقعد مع حمزة شوية عاوز أرقص معاه زى كل مرة .
حمل حقيبة حلوياته و ركض ناحية حمزة و قال له برجاء :
_ حمزة شغل أغنية شعبى نرقص عليها سوا .
أدى حمزة التحية العسكرية و قال بمرح :
_ إنت تؤمر يا مريسة و كلنا تحت أمرك .
أخرج حمزة هاتفه و عبث به قليلا فإنطلقت النغمات الصاخبة منه .... فرقص مهاب على أنغامها شاركه حمزة محركا كرسيه يمينا و يسارا وصوت ضحكاتهم ملأ هذا القصر الكئيب .....
عقدت ميناس ذراعيها و وقفت بجوارها رامى يتطلعان بسعادة حمزة و التى ترافق وجود مهاب بجواره دائما كأنه الشمس التى تشرق معها إبتسامته ........

إجتمعت أسرتهم جميعا لإيجاد حل مع تلك الغازية المتطفلة و التى عادت لغلق صنبور الأموال المتدفقة نحوهم من إيجار شقتها و المحل و الذين حولوه لمرآب لصف السيارات به ....
إقتربت هناء من جمعهم حاملة طبق يحوى ثمار الموز و وضعته على الطاولة أمامهم و قالت مؤكدة :
_ صدقونى هى قالتلى إنها حولت كل فلوسها من بره لبنك هنا فى مصر .... صدقتونى لما قولتلكم البت دى مش سهلة .
قضمت بسمة أظافرها بغضب و قالت بإمتعاض :
_ لأ و كانت بتشتغل هناك دكتورة و جراحة كمان .
لمعت عينى عونى بطمع منفر و قال منتشيا بسعادة :
_ يعنى معاها فلوس كتير .... ده هناك أى عملية بمبلغ و قدره و كله بالدولار ... يعنى أكيد نايمة على خميرة كبيرة .
وقف إسلام منتصبا و قال بنبرة لئيمة :
_ قشطة جدا .... أتجوزها بقا و أهه نصيبها و فلوسها يبقوا تحت إيدينا و تبطل تتكلم فى شقتها و المحل .
حك عونى ذقنه و هو يفكر بكلمات إسلام ... نعم معه حق فتلك الدجاجة التى تبيض ذهباً يجب ألا تخرج من محيطهم فلو عملت بإحدى المستشفيات الخاصة سيكون راتبها مبلغا كبيرا .... فدكتورة مثلها تعلمت بأميريكا و عملت هناك ستجد عملا مهما فى فترة قياسية .....
وخزته هناء بذراعه و قالت لتنبيهه :
_ إنت سرحت فى إيه ... خليك معانا إيه رأيك فى اللى قاله إسلام .
إنتبهوا جميعا على طرق بباب شقتهم ... فإعتدل عونى بجلسته و قال هامسا :
_ دى أكيد غزل .... عاوزكم تعاملوها كويس لغاية ما نلاقى حل معاها ... تمام .
وقفت بسمة متثاقلة و فتحت باب شقتهم لتتفاجأ بحسام أمامها ... ربما تتسائلون و لم التعجب هذا لأنه يعمل بمحافظة أخرى و يأتى يوما واحدا بالإسبوع لرؤية أسرته و طبعا بسمة ... خرجت من تعجبها قائلة :
_ حسام !!!!
أجابها مسرعا لقطع حالة التعجب التى إرتسمت على وجهها بوضوح قائلا بإبتسامة هادئة :
_ أخدت أجازة من الشغل كام يوم فاقولت أجى أزوركم .
أتاها صوت والدها قائلا بتساؤل من تأخرها :
_ مين اللى جه يا بسمة ؟!
إلتفتت برأسها و قالت بجمود :
_ ده حسام يا بابا .
وقف عونى مسرعا لإستقباله و قال بإبتسامة ودودة مرحبا به :
_ خليه يتفضل يا بنتى .... يا أهلا يا حسام نورت .
و كعادة حسام يأتى دائما محمل بالهدايا و الحلويات التى يرضى بهم طمعهم به ... و وضعهم على الطاولة و صافح الجميع و عينيه تمسح المكان من حولهم بحثا عن مقصد زيارته و التى أرهقه شوقه لرؤيتها رغما عنه ..... صاحبته عيناها فى عمله و إستراحته و غفوته .... لم تتركه لحظة واحدة و كأنها سحرته .....
كانت بسمة تشتعل بحقد و هى ترى نظراته و حزنه العميق فور علمه بأن غزل ليست بالمنزل ... إستمرت جلستهم لساعة تقريبا حتى عادت غزل ....
فتحت لها بسمة الباب و عينيها لا تفارق وجه حسام لإلتقاط ردة فعله و بالفعل فور رؤيته لها إبتسمت شفتيه و إرتاحت ملامحه .... تنهدت بغضب بعدما تأكد حدسها فتلك المشعوذة أسرت حبيبها ....
إقتربت غزل من الجميع و قالت بإبتسامة مرحة :
_ السلام عليكم .
أجابها الجميع بهدوء :
_ وعليكم السلام .
و لكن لهفة إسلام و حسام كانت واضحة للعيان .... إنتبهت غزل لوجود حسام و نظراته المشتاقة إليها و الطائفة عليها بجرأة .... فقررت إضافة آخر لمساتها قبل الرحيل لتقصف آخر ما تبقى بينه و بين بسمة و التى تجرأت و تحدتها ...
وقفت غزل أمام حسام و تطلعت به قليلا قبل أن تمد يدها نحوه قائلة ببحتها و التى لا تظهر إلا إذا أرادت هى إرضاخ أحدهم :
_ إزيك يا حسام ..... أخبارك إيه .
إبتلع ريقه يجلى به حلقه الجاف و مد يده ببطء ناحية كفها و التى ما أن لمسها حتى سارت بجسده شحناتها الكهربائية و التى وصلت لقلبه مباشرة فجعلته يقصف بعنف لم يعدهه مع سواها ...
إبتسم بشغف و أجابها قائلا :
_ أنا كويس الحمد لله ... إنتى أخبارك إيه ؟!
سحبت كفها من بين راحته و قالت برقة :
_ I am fine thanks .
كانت بسمة تقف بينهما و كأنها شجرة تظللهما .. و تتابع نظراتهما و حوارهم البغيض .. شعرت فجأة بتدفق الدماء لرأسها و صوت صفير عالى يدوى بأذنيها التى تقدح شرارا من غيظها فوخزت حسام بذراعه بالقوة و قالت بإبتسامة صفراء :
_ تشرب إيه يا حبيبى .
إمتعض وجه حسام و هو يخرج من تلك الهالة التى جمعته مع غزل فى لحظات هى أسعد لحظات حياته بلا مبالغة .... و قال ساخرا :
_ قهوة سادة .
أخفت غزل ضحكتها و إبتعدت عنهما بعدما إنتهت من بسمة نهائيا ... و وقفت أمام عمها و زوجته و قالت بفرحة :
_ أنا لقيت تيتة ..... فوق ما تتخيلوا أنا مبسوطة إزاى .... و بعد إذنك يا عمى أنا هروح أعيش معاها .
إتسعت عينى إسلام بذعر و وقف منتصبا و قال بغضب :
_ لأطبعا بابا مش هيوافق ... مش هينفع تسبينا .
وقف حسام مشدوها بعدما سقط قلبه تحت قدميه و تحطم لآلاف القطع .... ستتركهم ... و لكن إلا أين ؟!!!
وضعت غزل حقيبة يدها على الطاولة و واجهت إسلام قائلة بتحدى :
_ أنا همشى و أنا بعرفكم بس ... مش باخد رأيكم .
صك إسلام أسنانه بغضب و قال محذرا :
_ مش هتمشى من هنا إنتى فاهمة .
أجابته بصرامة و ثقة و هى تحدجه بقوة :
_ أنا عندى 25 سنة و حرة فى قراراتى و مش هستنى حد يوجهنى و لا يؤمرنى أعمل حاجة مش عيزاها .
إقترب منها حسام و قال بحزن :
_ إسلام عنده حق يا غزل مش هينفع تبعدى عننا ... قصدى عنهم .
حدجته بسمة بغضب شيطانى و نهرته قائلة بحدة :
_ هى حرة يا حسام .... و تعيش فى المكان اللى هى عوزاه .
وقف عونى و قال بصرامة قاطعا تلك الحالة من الجدل :
_ مش عاوز أسمع صوت .
إنتبه إليه الجميع فأردف قائلا و هو يواجه غزل بقوة لا تقبل الجدال :
_ غزل مش هتمشى من هنا و ده كلام نهائى .... مفهوم .
ضحكت غزل بإستخفاف و إقتربت منه خطوتين متعمقة فى عينيه و قالت بتحدى ساخر :
_ همشى يا عمى ... و النهاردة ..... و عاوزة اللى يفضل بينا كل ود ..... و مش عاوزة مشاكل بينا .
ضيق عينيه و حدجها بتعجب قائلا بصوت رخيم :
_ إنتى بتتحدينى و لا بتهددينى يا بنت أخويا .
لم تتأثر بنظراته و لا بنبرته و قالت مسرعة بحزم :
_ أنا متربية كويس و عارفة حقوقى و واجباتى كويس جدا .... و عمرى ما هضايقك يا عمى ... بس برضه ما فيش حد يقدر يفرض عليا حاجة مش عوزاها مهما كان مين .
و تركتهم و توجهت لغرفة بسمة و لملمت أشيائها بسرعة و خرجت تجذب حقيبتها خلفها ... وقفت أمام عونى و قالت بنبرة قوية لفتاة لاقت الكثير و تعاملت مع من هم أقوى و أبشع منه و تمكنت منهم :
_ أنا عند تيتة يا عمى و حضرتك تقدر تزورنى هناك ... و على فكرة ..... دادى إتنازلى عن نصيبه فى البيت ده .
إتسعت عينى عونى و هو يتلقف كلماتها القوية بعينيه .. هل قالت أنها المالكة المشاركة له فى المنزل .... لم تمهله الكثير فتابعت قائلة بنفس النبرة القوية :
_ و يا ريت بقا تفضيلى الشقة و المحل قريب جدا .... لأنى هبيعهم ...... سلام .
وقف الجميع مصدوما بعدما فجرت قنبلتها و إنصرفت ... فما قالته أربك كل حساباتهم .... مع كل خطوة كانت تخطوها مغادرة يشعر حسام بقبضة قوية تعتصر قلبه بشدة ... حمل مفاتيحه و هاتفه و قال مسرعا :
_ أنا هنزل أنا بعد إذنكم .
أوقفت بسمة تقدمه و هى تقبض بكفها على يده قائلة بشراسة :
_ عاوز تنزل وراها صح .
إبتلع ريقه بتوتر و أجابها قائلا بصوت محتقن :
_ إيه اللى إنتى بتقوليه ده يا بسمة إنتى إتجننتى .
إلتقط إسلام مفاتيح سيارته و ركض ورائها .... هبط الدرج راكضا و خرج للطريق بحث عنها بعينيه فلم يجدها و كأن الأرض إبتلعتها .... توجه ناحية سيارته و أدارها مسرعا ليبحث عنها ...
سارت غزل بخطوات سريعة مبتعدة عن منزلها و هى تجذب حقيبتها خلفها ... وقفت تتطلع للطريق لإيجاد سيارة أجرة تقلها لمنزل جدتها .... حتى إجتذبها إسلام من ذراعها و قال بصرامة :
_ إرجعى معايا يا غزل .... مش هسيبك تمشى .
جذبت يدها منه و قالت بغضب :
_ Let me go .... هو بالعافية و لا إيه يا إسلام .
إشتعلت عيناه بغضب و قال هادرا بقوة :
_ أيوة بالعافية .... أنا بحبك و عمرى ما هسمحلك تبعدى عنى .
شعرت بالصدمة من كلماته ... أغمضت عيناها كاظمة غضبها و فتحتهما قائلة بسخرية :
_ بتحبنى .... و ده إمتى إن شاء الله ... بطل هزار و سبنى أمشى بقا .
إلتفت و أولته ظهرها ... فجذبها من ذراعها مرة أخرى و لكن هذه المرة أقوى غارزا أظافره بذراعها فصرخت متألمة ...
رفع فارس كفه ليضم رأسه متألما من تلك الصرخة المستنجدة و التى أصبحت كابوس حياته ... صف سيارته و إحتضن رأسه بكفيه و لكن هذه المرة وصلته الصرخة مجددا لأذنيه من جواره ... إلتفت برأسه فوجد فتاة تحاول تخليص نفسها من قبضة شخص ما .....

إستطاعت أخيرا من تخليص نفسها من قبضته و مسدت ذراعها بألم و رفعت سبابتها فى وجهه و قالت بتهديد قوى :
_ إوعى تلمسنى تانى و إلا هتندم و الله .
تجهم وجه إسلام و إقترب منها قائلا بنبرة عازمة :
_ مش هسمحلك تبعدى عنى إنتى لسه ما تعرفنيش كويس ... فاقدامى على البيت أحسنلك .
و جذب حقيبتها و جذبها خلفه بالقوة ... و فجأة توقف تقدمه و هو يشعر بقبضة صلبة تعيقه ... فإلتفت برأسه ورائه فرأى شخصا يحدجه شرزا ... فقال له بحدة :
_ سيب إيدى يا عم إنت .
إبتسم فارس بسخرية و قال بهدوء بنبرة صوته الرجولية الحادة :
_ مالك يا دكر بتستقوى على البنت ليه .
و فك أنامل إسلام واحدا تلو الآخر بهدوء عن ذراع غزل و إجتذبها و أوقفها خلفه ... فإحتمت به و هى تطالعه بتعجب و إعجاب من قوته ... بينما أجابه إسلام وهو يتطلع إليه بتوتر من هيأته الصارمة و جسده الضخم و عضلاته التى إتضحت بقوة من أسفل قميصه الضيق قائلا بتقزز :
_ وإنت مال أهلك بنت عمى و أنا حر معاها .
إستشاطت نظرات فارس حتى إصطبغت عيناه بحمرة خفيفة .. و جذبه من ياقة قميصه و قربه منه قدر المستطاع ... و ذلك لأن إسلام يصل طوله لمنتصف صدر هذا العملاق الذى يتطاير من عينيه شرارات تكاد تحرق ما حولهما و أخيرا قال له بصوته الأجش :
_ كلمة زيادة و هخلى جسمك يكره إسمك .... قدامك دقيقة واحدة و تكون إختفيت من قدامى 


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات