رواية برد الرحيل ( تقي والمجهول ) الفصل الثالث 3 بقلم لبني دراز
ثمة لحظات لا تُشبه ما قبلها، لحظات عابرة في ظاهرها، لكنها قادرة على أن تُعيد ترتيب القلب من الداخل، وتُربك سكونه، وتفتح فيه أبوابًا لم يكن يدري أنها مُغلقة منذ زمن.
وفي الوقت ذاته، تظل الأرواح العالقة في الماضي تُقاوم ثِقل الذكريات، تتشبث بخيوط أملٍ واهية، وتُخفي بين طياتها وجعًا لم يُكتب له الشفاء، فبعض القلوب لا تُجيد النسيان، وإن حاولت، ولا تعرف طريق التعافي، وإن تظاهرت بالقوة.
هكذا تتقاطع الطرق..
بين قلبٍ يُفاجَأ بولادة شعورٍ لم يستعد له، وآخر لا يزال أسيرًا لندوبٍ لم تندمل.
وبين هذا وذاك..
تتشكّل الحكايات، حيث لا تكون البدايات بريئة دائمًا، ولا تكون النهايات كما نتمنى.
تقى والمجهول بقلمي
_____لبنى دراز
طنطا_بيت كريم
اتقابل عمر وحمزة عند كريم وطلعوا التلاتة فوق سطوح البيت، عشان يقعدوا براحتهم من غير ما يضايقوا كارما، الجو هادي حواليهم والضحك طالع منهم من غير حساب، هزار خفيف وخناقات صحاب قديمة، وصوتهم مالي المكان كأنهم بيطردوا أي همّ جواهم لكن وسط الضحك ده كله، كريم كان قاعد معاهم بجسمه بس عقله فـ حتة تانية خالص، نظراته تايهة، وردوده متأخرة، كأنه بيسمعهم من بعيد.
حمزة لاحظ، سكت لحظة وهو مركز فيه، وبعدين مال عليه شوية وبنبرة فيها استغراب:
رُحت فين يا عم كريم؟
عمر ضحك وهو بيبص لـ حمزة، وهز راسه كأنه مستني السؤال ده:
صاحبك بقاله كام يوم مش ع بعضه يا ميزو.. سرحان ع طول، ومش مركز حتى فـ شغله، ده بقى يقلب العيادة بدري بدري ويرجع جري ع البلكونة.
حمزة قرّب خطوة من كريم، وشاور بإيده ناحية عمر وبنبرة مليانة خبث وضحك:
أووبااا.. اوعى ياض تكون عملتها؟! وناويت تحصل الفاشل ده؟
عمر ضحك بصوت أعلى:
شكلها كدا يا ميزو.. الأخ من يوم ما رجعت من السفر، وجه يسلم عليّا، وهو حاله اتشقلب أول ما سمع صوتها.
حمزة صفّر وهو بيضحك:
لاااا كدا الموضوع كبير بقى.. حب من أول ضحكة.
عمر هز راسه وهو بيكمل عليه:
لأ وانت الصادق، من أول غنوة يا نجم، بس الصراحة.. البت قمر ياض يا حمزة، انا لو ماكنتش خاطب كنت فكرت.
الجملة خبطت فـ كريم من جواه، لف وشه بسرعة ناحية عمر، وعينه فيها لمعة غريبة بسبب الغيظ والغيرة اللى مش فاهم سببها، وبنبرة حادة:
اتلم ياض انت، وبعدين هتعملوني تسليتكم انتوا الجوز ولا ايه؟! لو عايزين تتسلوا غوروا اشتروا كيسين لب واتسلوا بيهم بعيد عني.
حمزة ضحك وقرب منه أكتر، وحط إيده ع كتفه وضغط عليه بخفة:
طب وفيها ايه لما تحب يا كيمو؟! وما دام تحب.. بتنكر ليه؟ ده اللي يحب يبان فـ عينيه يا عمونا.
وسكت لحظة وهو بيبص له بفضول:
هاا.. مين دي بقى اللي اقتحمت حصونك، وشقلبت حالك بالشكل ده؟
كريم سكت مرة واحدة، حاجة جواه استسلمت، وعينه اتحركت تلقائي ناحية بيتها، واسمها خرج منه بهمس دافي:
تقى.
حمزة عقد حواجبه باستغراب:
تقى؟! مين تقى دي؟
عمر رد وهو بيشاور بإيده ناحية البيت:
بنت صاحب البيت اللي أنا فيه، جات من القاهرة تعيش هنا بعد ما أبوها وامها ماتوا، وبالصدفة الباشا كان عندي.
وبنبرة فيها تأثر:
سمعناها وهي بتغني.. صوتها كان موجوع بطريقة تخليك تسكت غصب عنك.. وبعدين لمحناها وهى بتدي حاجة لمرات عمك، ومن ساعتها وهو كدا.
فـ نفس اللحظة دي بالظبط.. كريم لمحها واقفة ع سطوح بيتها، ماشية ببطء.. كأنها شايلة الدنيا ع كتافها، قربت من السور، ووقفت تبص ع الشارع، الدنيا سكتت حواليه فجأة، صوته خرج واطي، يا دوب مسموع:
ياااه.. أخيرًا ظهرتي يا تقى.
حمزة سمعه، ولف وشه ناحية بيتها، شاف بنت واقفة لابسة أسود، عينيه اتعلقت بيها لحظة، بشرتها الخمرية، شعرها البني الطويل اللي بيتحرك مع الهوا، وعيونها الرمادي.. حزينة بشكل يخض، حس بحاجة غريبة جواه.. استغرب نفسه، رجع بص لـ كريم وبنبرة صوت مأسور:
هي دي تقى؟
كريم ما ردش ع طول.. واقف عينه متعلقة بيها خايف يلف وشه لـ حمزة فتختفي، وبعدين اتنهد ورد بصوت هادي مليان إحساس:
أيوا.. هي يا حمزة.
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
هي دي اللى صوت غناها ووجعها مش طالع من وداني ولا ملامحها الحزينة مفارقة عيني.
لف لهم بتنهيدة تقيلة:
تعرفوا؟ دي أول مرة أشوف ملامحها كدا.. لأول مرة آخد بالي من تفاصيل وشها.
حمزة بص له بصدمة ممزوجة بضحك:
نعم ياخويا؟! ده اللى هو ازاى يعنى؟ اومال اتقندلت وادلقت ع بوزك ازاى؟
عمر قرب خطوة من حمزة وهو بيضحك:
يا عم ما أنا لسة قايلك.. من صوتها! وبعدين لما شوفناها أول مرة، ما لحقش يركز.. لأني عكيت الدنيا وعاكستها، وهي اتكسفت وجريت.
حمزة خبط كف فـ كف وهو بيضحك:
يخرب عقلك ياض يا عمر! بتعاكسها وش كدا؟! ايه ما كنتش خايف من وفاء ولا ايه يالا؟!
عمر رفع حاجبه بثقة وهو بيضحك:
عيب عليك يا معلم، صاحبك مسيطر.
عدت دقايق والضحك رجع تاني بينهم، لكن كريم ما سابهاش بعينه لحظة، وفجأة صوتها قطع كلامهم وهزارهم، كانت بتتكلم فـ التليفون وهي بتزعق، صوتها عالي، مكسور، مليان غضب ووجع فـ نفس الوقت.
كريم جسمه كله شدّ مرة واحدة، وعينه وسعت وهو بيحاول يفهم، شايفها بتتكلم بعصبية، إيديها بتتحرك وصوتها بيعلى، وبعدين
سكتت ثانية واحدة بس.. جسمها كان بيتهز وقبل ما يستوعب، كانت وقعت مغمى عليها، صرخ بكل قوته، بصوت طالع من قلبه:
لااااااااااااااااا! تقاااااااااااااااا!
جري من غير ما يفكر، نزل السلم وهو بينط بالاربع سلمات مش بيجري، فـ ثواني كان نزل من بيته وعدى الشارع وطلع سلالم بيت تقى بسرعة، وقلبه بيدق بخوف، كأن في حاجة أكبر من مجرد إغماء مستنياه فوق، عمر وحمزة اتجمدوا لحظة من الصدمة وبعدين جريوا وراه،
وهما نازلين قابلتهم أم كريم وهي طالعة السلم، شايلة صينية عليها كوبايات شاي وطبق كحك وبسكويت، أول ما شافتهم بيجروا بالشكل ده، وشوشهم كانت مش طبيعية، عيونهم فيها فزع مش مفهوم، وخطواتهم بتخبط فـ السلم من الجري، اتخضت وقلبها دق بسرعة، ونادت عليهم بصوت فيه رجفة واضحة:
مالكم يا ولاد؟ بتجروا كدا ليه؟ حد عندك جراله حاجة يا عمر؟
عمر رد وهو مكمل جري وصوته طالع متقطع:
لا يا خالتي، بس تقى أُغمى عليها فوق السطح!
أم كريم وقفت مكانها مستغربة، وعينيها وسعت بذهول، وبصّت عليهم وهما بيجروا بسرعة، وهي بتهمس لنفسها:
تقى...؟! تقى مين دي اللي مغمى عليها؟! يا خبر بفلوس.
هزّت راسها بحيرة، وبصّت لآخر السلم وهما بيختفوا من قدامها، وبعدين لفّت بهدوء ورجعت دخلت الشقة، وهي مش فاهمة مين تقى دي اللي شقلبت حال التلاتة
وخلتهم يجروا بالشكل ده؟
_________________________
بيت غريب الفرماوي
فـ نفس الوقت، كان الحاج غريب قاعد فـ مندرته، جسمه ساكن، لكن عينه متعلقة بصورة قديمة ع الحيطة، مركز فيها وكأنها آخر خيط رابط بينه وبين الماضي، إيده كانت ع ركبته، وصوابعه بتتحرك ببطء من غير وعي، ومع تنهيدة طالعة من صدره تقيلة وشايلة وجع سنين، وبصوت خافت:
يا ترى فين أراضيك يا حمدي يا ولدي، عايش ولا ميـ.......
الحاجّة سميرة كانت قاعدة جنبه، أول ما سمعت كلمته، رفعت عينيها بسرعة ناحية الصورة، وملامحها اتغيرت وظهر عليها الحزن، وردّت عليه بنبرة فيها رجاء وخوف:
تف من بُقك يا حاج، ولدي عايش ومسيره يرجع هو وهناء، ده مهما كان الضفر ما يطلعش من اللحم يا ابو ابراهيم.
غريب هز راسه ببطء، وسحب نفس طويل، وخرّجه بتعب واضح وهو بيبص قدامه بشرود:
27 سنة يا ام ابراهيم، ما سبتش فيهم شبر فـ مصر كلها ما دورتش فيه عليهم، وهما لا حس ولا خبر، ولا اعرف عايشين ازاى، خلفوا ولا ما خلفوش، ولا حالهم ايه بالظبط.
شكرية كانت داخلة بصينية الشاي حطتها ع الترابيزة، وقربت بخطوات هادية، قعدت جنبه، حطت إيدها ع إيده بتطبطب عليها بحنان، وبعدين وطت تبوسها، وصوتها خرج دافي:
هون ع نفسك يا ابا، مسير الحى يتلاقى، يعني مهما غاب، ع رأي امي مسيره يرجع هو ومراته.
غريب لف وشه ناحيتها، وعينه مليانة انكسار، وكأن الكلام لمس جرح مفتوح، وآهة طويلة خرجت من صدره قبل ما يتكلم:
آااااه، ياريتني يا بنتي ما عاندت مع عمك، كان زمان اخوكي قاعد فـ وسطنا وعياله حوالينا زي عيالكم.
ابراهيم كان قاعد قدام أبوه، متكئ ع الكرسي، ومد إيده ياخد كوباية الشاي من الصينية، وهو بيهز راسه بضيق:
يا ابا ما هو عمي اللى تربس دماغه يومها، ورفض يجوز هناء لـ حمدي وقوّم الدنيا حر*يقة، عشان حقه فـ ورث جدي، وحط دي قصاد دي.
غريب غمّض عينه لحظة، وشريط الذكريات عدى قدامه تاني، وبعدين فتحها وبص لـ ابراهيم بنظرة كلها تعب وحزن:
يعلم ربي يا ابني اني ما كلتش حقه، واديتهوله ع داير مليم، بس نقول ايه فـ الحريم؟! في واحدة تدخل تجيب الخير فـ رجليها، وواحدة تدخل تجيب الفقر والهم فـ رجليها.
شكرية ابتسمت بخفة، ورفعت كوباية الشاي من الصينية، وبصّت لـ امها بمشاكسة وهي بتشرب:
قصدك ان امي جلابة الخير ده كله يا ابا، يعني مش من ورث جدي؟
غريب ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة، ولف وشه ناحية سميرة، وعينه مليانة حب وتقدير:
أمك طول عمرها وش خير عليا يا شكرية، ومن يوم ما دخلت بيتي عمرها ما زنت ولا طلبت حاجة لنفسها، وطول عمرها تحنن قلبي ع اخواتي.
سميرة ابتسمت بحياء ومحبة، وهزت راسها بهدوء:
ما هم مهما عملوا يا حاج انت برضو أخوهم الكبير وابوهم بعد ابوهم، وما ينفعش تزعل منهم.
غريب بص لها بنظرة رضا، ورد بهدوء:
اصيلة يا ام ابراهيم.
وبعدين لف وشه لولاده، ونظرات عينه كلها دفى وحنية وهو بيبصلهم:
أهى دي كلمتها طول عمرها، لكن مرات عمكم بقى..... يلا ما يجوزش عليها غير الرحمة.
فـ اللحظة دي، دخلت كادي وهي بتلف حوالين نفسها بخفة، صوتها مالي المكان غنا ودلع، وبتقرب ناحية جدها بخطوات راقصة:
جدو يا شاطر يا شطارة تعالى نطير طيارة، انت تمسكها بإيدك واحنا نشد الدوبارة.
قربت منه بسرعة، وطَبعت بوسة ع خده، وقعدت جنبه لازقة فيه، ووشها قدامه وهي بتكمل بدلع ومشاكسة:
يا خراشي يا ناث، ياتي كميلة عثل، بقى السكر ده جدو بتاعي انا، لااااا ده انا كدا اتغررر.
غريب ضحك، وفتح دراعه لها يضمها، وشدها لـ حضنه وباس جبينها بحنية:
لاااا، ده انا اللى من حقي اتغر عشان بنوتة شقية زيك وحلويات كدا فـ الطالعة والنازلة تعاكسني وتحسسني اني لسة شباب.
ومال شوية ناحية سميرة، وهمس بصوت واطي خلاها تسمعه:
ولسة عليا الطلب ههههههههههه.
سميرة ضحكت، وبصّت له بغيظ مصطنع وهي بتهز راسها:
وهو انت يا راجل لسة ليك نفس وفيك حيل تتعاكس؟! ده انت كسرت الـ 80 خلاص، حسن الختام.
إيلاف قربت بسرعة، وزقّت نفسها تقعد جنبه من الناحية التانية، وهي بتضحك:
وما يتعاكسش ليه يا تيتة ده جدو ده عسل عسل عسل.
زمردة جات من ورا الكنبة، ولفت دراعتها حوالين رقبته من ضهره وهو قاعد، شبكت صوابعها فـ بعض وباسته فـ خده التاني، وبنبرة شقية: يا خراشي يا جدو لما انت كدا ومجننا، اومال فـ شبابك بقى كنت عامل ازاى يا سكريات انت؟ أكيد البنات كانت بتقطع شرايينها عليك، يا حسين فهمى طنطا انت يا عسل.
غريب ضحك ضحكة عالية، رنّت فـ المكان وطلعت من قلبه رغم وجعه: ده انا كنت مقطع السمكة وديلها يا بت يا زوزو، بس ستك سميرة بقى توبتني، ههههههههههه.
سميرة بصّت له بغيظ وهي بترجع بذكرياتها، وضحكت:
اسكتي يا زمردة ما تفكرنيش، ده كل شوية كان يجيله جواب من واحدة شكل، وتقوله هنتـ*ـحر لو ما اتجوزتنيش.
إيساف وريّان وقفوا مرة واحدة، ورفعوا إيديهم بهزار وتهليل:
الله أكبر، ده طلع بجد اهو البنات مقطعة شرايينها عليك يا جدو، واحنا نقول، تيتة بتغير عليك ليييه، اتاريك خلبوص قديم يا جدو.
شكرية بصّت لهم بسرعة، رفعت حاجبها، وصوتها احتد شوية:
احترم نفسك منك له، وبطلوا قلة أدب واعتذروا لـ جدكم، يللااااا.
وبصّت ناحية أبوها وهي بتعتذر: معلش يا ابا سامحني، اصلي ما عرفتش اربي.
غريب لف لها وشه، وعينه فيها عتاب خفيف، وصوته خرج هادي: ولادك متربيين أحسن تربية يا شكرية، أحفادي كلهم تربية دراعي، زيك انتي واخواتك، وتاني مرة ما تتدخليش بيني وبينهم، انا مبسوط بلمتهم حواليا كدا، وفرحان بيهم أكتر منكم.
وسكت لحظة.. ابتسامته اختفت، وخرجت بدلها تنهيدة تقيلة، وصوته اتقل وهو بيكمل:
ياريت الغايب يعود يا بنتي، قبل ما أقابل وجه كريم عشان تكمل فرحتي بيكم وبولادكم حواليا.
الضحك خفّ فجأة.. وأحفاده كلهم قربوا منه، واحد ورا التاني، باسوا إيده وراسه، وقالوا فـ نفس واحد: بعد الشر عنك يا جدو ربنا يبارك لنا فـ عمرك يارب.
ابراهيم مال لـ قدام شوية، وصوته مليان حنين:
ان شاء الله يا ابا الغايب هيرجع وتكمل فرحتنا كلنا برجوعه.
__________________________
فـ بيت تقى
كريم وصل السطوح فـ ثواني، بياخد نفسه بصعوبة وخطواته بتخبط فـ الارض من سرعته، وأول ما عينه وقعت عليها قلبه اتقبض، وبنبرة قلق:
تقااااا!
جسمها كان سايب تمامًا، ملامحها شاحبة بشكل يخوّف، وشعرها مغطي وشها، قعد جنبها بسرعة وإيده ارتعشت وهو بيقرب منها، بس غصب عنه حاول يسيطر ع نفسه،
مد إيده حط صوابعه ع رقبتها يدور ع النبض ولما حسه لاقاه ضعيف جدًا، خرّج نفس مكتوم من صدره كان محبوس، وهو بيكلمها:
تقى فوقي.. ردي عليا يا تقى.. انتي سامعاني؟
صوته كان واطي بس مليان رجفة خوف واضحة، رفع رجلها شوية بسرعة عشان يساعد الدم يوصل للمخ، حمزة وصل فـ نفس الوقت، وقف لحظة مصدوم من شكلها.
كريم رفع عينه لـ حمزة وبنبرة سريعة متوترة:
ساعدني يا حمزة نخليها ع جنبها، عشان تعرف تتنفس كويس وما تضيعش مننا.
حمزة قرب منه وساعده فعلا، ولفّوا جسمها بحذر، وكريم إيده ما سابتش وشها، بيخبط بخفة ع خدها يحاول يفوقها، وعينه ثابتة عليها خايف يرمش فتضيع منه:
تقى.. تقى.. افتحي عينك بالله عليكي.
فـ اللحظة دي، عمر كان وصل تحت وخبط ع باب شقته بعنف، ولما الباب اتفتح، شاف أمه ومعاها وفاء وامها، اتكلم بسرعة وهو بيحاول ياخد نفسه:
تعالوا ورايا بسرعة.. تقى مغمى عليها فوق السطح.. وكريم وحمزة سبقوني ع فوق.
سابهم من غير ما يستنى رد، وطلع يجري تاني.
كريم فوق، كان لسه قاعد جنبها قلبه بيدق بشكل مرعب، وكل ثانية بتعدي عليه كأنها ساعات.
وفجأة.. رموشها اتحركت، اتشد ناحيتها بسرعة، عينه وسعت بلهفة: تقى؟
بدأت تفتح عينها ببطء، نظرتها تايهة ومش شايفة كويس، فحاول يسندها يقعّدها، لكن جسمها لسه ضعيف جدًا، حط إيده ورا ضهرها يسندها بحذر، وصوته خرج مخنوق بالقلق: بالراحة.. أهدي.. أنا هنا جنبك ما تخافيش.
رفع عينه ناحية عمر أول ما وصل، ونظرته كانت مليانة خوف صريح، وصوته طلع تقيل وكأنه شايل حمل كبير:
انده ع كارم يا عمر بسرعة، يجيب شنطتي وجهاز الضغط.
عمر ما اتكلمش جري فورًا ناحية السور ونده ع كارم بأعلى صوته، وبعد دقايق قليلة كان وصل بالشنطة، فـ الوقت ده، كريم كان شالها بين إيديه بحذر، وكأنها حاجة هشة ممكن تتكسر، وقلبه بيدق بعنف وهو نازل بيها السلم بسرعة، كل درجة بينزلها كان حاسس إنها بتتأخر.. وكل نفس بتاخده وهي شبه غايبة، كان بيخليه يتوتر أكتر:
استحملي خلاص وصلنا.
وصلوا قدام الشقة، وأم عمر كانت وصلت ومعاها وفاء وأمها، وفتحت الباب بالمفتاح اللي تقى نسيته فيه، كريم دخل بسرعة ونيمها ع أقرب كنبة، وإيده ما سابتهاش لحظة،
فتح شنطته بسرعة، إيده شغالة لكن عينه عليها طول الوقت، وهو بيقيس لها الضغط.
أم عمر قربت من الكنبة، وبصّت لـ تقى بلهفة وبنبرة قلق:
مالها يا كريم؟ حصلها إيه؟
كريم ما رفعش عينه عنها وهو بيرد، صوته هادي بس متوتر من جواه: ضغطها واطي جدًا، شكلها ما كلتش كويس أو اتعرضت لإجهاد شديد.
وكتب بسرعة ع نوع محاليل، واداها لـ كارم وبنبرة حادة سريعة:
انزل هات المحاليل دي حالًا وبسرعة تكون هنا!.
كارم خرج جري من غير نقاش يشتري المحاليل اللى كتبها أخوه.
كريم رجع لها تاني، قعد جنبها، بص لـ وشها الشاحب، ومد إيده يظبط خصلات شعرها اللي لازقة فـ جبينها، وهو بيحط إيده يتحسس حرارتها، وعينه مليانة حاجة أكبر من مجرد قلق، حاجة شبه خوف الفقد.. رغم إنه لسة ما عرفهاش كفاية عشان يخاف عليها بالشكل ده.
شوية ووصلت ام كريم ومعاها كارما والقلق باين ع وشوشهم ومش فاهمين حاجة، وقربت من أم عمر وهي وبتبص لـ تقى باندهاش:
مين البنت دي؟ اول مرة اشوفها هنا.
عمر رد وهو لسة بياخد نفسه:
بنت صاحب البيت.. ولسة جاية تعيش هنا من فترة قصيرة.
أم كريم هزّت راسها ببطء، ونظراتها ثابتة ع تقى وبتدعيلها بالشفا.
فـ اللحظة دي، تقى أنَّت بخفوت، وجسمها اتحرك حركة خفيفة، شفايفها ارتعشت وهي بتهمس بصوت متقطع، مكسور وموجوع
بابا.. ماما.. سبتوني ليه.. سليم.
كريم قلبه وجعه وهو سامع نبرة الانكسار والوجع اللى فـ صوتها، قرب منها أكتر بيحاول يطمنها ويخليها تفوق:
تقى.. انتي سامعاني؟ افتحي عينك يا تقى.
كارم دخل فـ اللحظة دي وهو شايل المحاليل، وناولهاله بسرعة وهو مش فاهم حاجة:
خد يا كريم.
كريم اتحرك فورًا وأخدهم منه بسرعة، جهّز المحلول وابتدى يركّبه لها بإيد ثابتة، رغم إن جواه كان متلخبط وبيصرخ عكس كدا تمامًا، لكن عينيه كانت مركزة فـ كل تفصيلة صغيرة.. الوريد، الإبرة، تدفّق المحلول.. كأنه بيهرب من اللي حاسس بيه جواه، أما اللى حواليهم.. الكل واقفين فـ دايرة صامتة، محدش بيتكلم، أنفاسهم نفسها كانت مسموعة من كتر التوتر.
_______________________
فـ القاهرة_ بيت منصور الراوي
خرج محمود وزينب من شقتهم بخطوات سريعة فيها نفاذ صبر واضح، وطلعوا السلم وهم بيتبادلوا نظرات مشحونة، كأن كل واحد فيهم شايل همّ تقيل فوق كتفه. وقفوا قدام باب شقة زيدان، مد محمود إيده ضغط ع الجرس، وفضل واقف يضرب الأرض برجله مستني الرد.
الباب اتفتح، وظهرت فدوى بابتسامة واسعة، فتحت الباب ع الآخر وهي بترحب بحماس:
اهلا اهلا يا عمي نورت.
وبصت لـ زينب، وابتسمت لها ابتسامة مكر، ونبرة صوتها كلها خباثة:
حبيبتى يا ماما زينب، نورتي يا حماتي المستقبلية.
محمود رفع حاجبه وبص لها بنظرة فيها إعجاب وسخرية خفيفة، وهز راسه وهو بيضحك:
بنت ابوكي صح يا بنت زيدان، كويس انك طلعتيله وما طلعتيش لـ البأف اخوكي.
فدوى رفعت دقنها بثقة، وابتسامتها وسعت:
اومال يا عمي، لو ماطلعتش لـ أبويا يعني، هطلع لمين؟!.
زينب وقفت مكانها، جسمها كله شد، وعينيها لمعت بغيظ، وجزّت ع أسنانها وهي بترد:
تطلعي لـ امك يا حبيبة امك.
وفجأة خرجت فوزية من الأوضة، خطواتها سريعة وصوتها مليان تهكم:
ومالها امها يا ام سليم، غيظاكي فـ ايه؟ قارشة ملحتي ليه يا ولية؟!.
زينب لفت لها بجسمها كله، وبصتلها من فوق لتحت بنظرة متعالية: وانتي مين ياختى عشان اتغاظ منك، لا عشتي ولا كنتي يا حبيبتي، قال غيظاني قال.
فدوى اتحركت خطوة لقدام، وقفت بين الاتنين بتغذي النار بدل ما تطفيها، وعينيها فيها لمعة تحدي:
بقولك ايه يا مرات عمى؟ انتي حبيبتي آه، وراسمة انك تجوزيني سليم بعد ما غارت اللى ما تتسمى عشان تضمني كل فلوس عمي منصور فـ كرشك انتي والمحروس، ع عيني وراسي، لكن تدوسي ع طرف جلابية امي، لأ يا زينبو، صحصحي كدا وشوفي انتي بتكلمي مين.
زينب حركت شفايفها يمين وشمال بسخرية، ورفعت إيدها تهز صوابعها قدامها:
هكون بتكلم مع مين يا حسرة، حيّة بنت حرباية.
فوزية ولـ*ـعت، وقربت بخطوات تقيلة قعدت ع الكنبة بعصبية، وربعت رجليها وهي بترمي كلامها بحدة:
يا ولية اتلمي، هو انتى طالعة بيتنا تشتمينا؟ لما احنا مش عاجبينك ياختى عايزة تناسبينا ليه؟ حِكم.
محمود دخل وقعد ع طرف الكرسي، عينه بتتنقل بينهم بتسلية باردة، وسايبهم يو*لعوا فـ بعض من غير ما يتدخل.
وفجأة، باب الحمام اتفتح، وطلع زيدان وهو بينشف وشه، ملامحه متضايقة، رمى الفوطة ع وش فوزية بحركة سريعة، وزعق:
هو انتوا الاتنين مش ناويين تجبوها لبر؟ مافيش يوم يعدي عليكم الا ما تتخانقوا فيه.
وبص لمحمود بغيظ:
وانت قاعد تتفرج عليهم وساكت؟.
محمود مال بجسمه لورا باسترخاء مصطنع، ورفع كتفه بلا مبالاة: عايزيني اعملهم ايه يعني؟ سيبك منهم دول نسوان فاضية، خليهم ياكش يخلصوا ع بعض الاتنين ونجيب غيرهم، ههههههههههه.
زيدان قرب خطوة، وهو مكشر:
ده بدل ما تشخط فيهم وتشكمهم، بدل قلبة المخ بتاعة كل يوم دي.
زينب لفت له بسرعة، صدرها بيطلع وينزل من كتر العصبية، وعينيها بتلمع بغل:
يشكم مين يا ابو عبده؟ ليه قالولك علينا سايبين ولا ايه، قال يشكمنا قال.
وبصت لجوزها بنظرة كلها غيظ ونبرة مليانة عصيبة:
بقى يا راجل يا دِني عايز مرات اخوك تخلص عليا عشان تتجوز غيري؟.
قرب زيدان بخطوات تقيلة، شد الكرسي اللي جنب محمود وقعد عليه بعصبية، كتافه مشدودة وعينيه فيها ضيق مكتوم، رفع إيده لـ فدوى، شاور لها تدخل تعمل قهوة،
ولفّت ع طول، لكن عينيها عدّت ع زينب بنظرة سريعة فيها معنى مش مفهوم، ودخلت المطبخ.
مسح زيدان وشه بإيده وسند دراعه ع رجله، وميل لقدّام شوية، ونفخ بنفاذ صبر وهو بيتكلم بعصبية:
فكك من الحوارات التافهة دي يا زينب دلوقتي، خلينا فـ المهم.
زينب اتحركت فـ مكانها بسرعة، عدلت قعدتها وكأنها داخلة صفقة، حطت إيديها ع رجليها وضغطت عليهم، وعينيها اتعلّقت بيه بتركيز، وصوتها خرج متحفز:
ايوااا، ايه هو بقى المهم ده يا سي زيدان، قول ياخويا، كلنا آذان صاغية.
فوزية رفعت حاجبها بسخرية، وبصتلها بنظرة طويلة مستفزة، وهزت راسها بعدم تصديق:
شوف ياخويا الولية! دلوقتي بقى سي زيدان؟! ولا عشان ما عارفة اللى فيها يا زينب؟
زيدان لف وشه ناحيتها بنظرة واحدة قاطعة، سكتتها فـ لحظتها، عينيه كانت كفيلة تقفل أي كلام.
فوزية اتجمدت مكانها، واكتفت بنفخة غيظ وهي ساكتة.
رجع زيدان بوشه لـ محمود وزينب وحط كوعه ع ركبته، وصوته بقى أهدى بس أتقل:
دلوقتي احنا حطينا إيدينا ع معارض منصور الله يرحمه وكمان المصنع والورشة، بعد ما حنان رفضت تاخد نصيبها منهم، انما السيولة اللى فـ البنك بقى مش هنعرف ناخدها إلا بإعلام وراثة، وهى رافضة تدينا صورة بطاقتها، الحل ايه بقى؟
محمود مال بجسمه لورا براحة مبالغ فيها، وحط رجل ع رجل، وابتسامة خبيثة ظهرت ع وشه، وهو بيبص لـ زيدان بثقة، وبيرد بنبرة فيها استهانة:
يا عم بسيطة، سيد جوزها طماع وهيتجن منها عشان مش عايزة تاخد حاجة، عشمه انت بس بكام ألف قصاد انه يجيبلك بطاقتها.
وبنظرة تفاخر وتباهي، رفع دقنه لـ فوق:
وسيب الباقي، ع المتر سليم، ابني هو اللى هيحلها.
وبعدين لف راسه يمين وشمال كأنه بيدور ع حد، ورجع بص لـ زيدان مرة تانية وبنبرة سخرية:
اومال مش شايف المحروس ابنك يعني، ايه لسة عامل فيها زعلان ع منصور؟ وقاعد جنب حنان فوق، ولا ايه؟.
زيدان شد ضهره، واتعدل فـ قعدته، وعينيه لمعت بكبرياء، ورد بنفس نبرة التباهي والتعالي:
البشمهندس عبد الرحمن ابني، سافر الواحات، عنده شغل هناك، ماسك مشروع كبير اوي، وهيترقى بسببه لما يرجع.
زينب ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها كانت بتلمع بخبث واضح، وميلت راسها شوية وهي بتبص لـ زيدان:
وماله يا ابو عبده، يرجع بالسلامة ان شاء الله.
سكتت لحظة، وبلعت ريقها ببطء بترتب كلامها، وبعدين كملت:
بقول ايه ياخويا، ما تيجي نحط زيتنا فـ دقيقنا، وناخد عبدالرحمن لـ رحمة، زي ما هناخد فدوى لـ سليم، قولت ايه؟.
فوزية اتنفضت من مكانها فجأة، كأن عقرب لسعها، ووقفت مرة واحدة، عينيها وسعت وصوتها طلع عالي ومشحون بالغضب:
لاااااا والنبي ما يحصل، وتبقي انتي حمات عيالي الاتنين؟! ده بعيد عن شنبك، كله الا عبده، أبعدي عنه يا ولية انتي وبنتك.
زينب رفعت حاجبها وابتسمت ببرود، ونبرتها خرجت ناعمة بس مليانة سم:
طب ليه كدا يا سلفتي، يعنى انا اخد بنتك وانتي ما تاخديش بنتي؟
فوزية قربت خطوة، وصوتها بقى أوطى لكن مليان احتقار، وكل كلمة بتطلع تقيلة من الغيظ:
طب بنتي خبيثة زيكم، وهتعرف تعيش وسطكوا، انما عبدالرحمن غلبان مش قد بنتك وخبثها، روحي يا حبيبتي شوفيلها واحد خبيث زيها يتجوزها.
زيدان ضرب بكفه ع دراع الكرسي بعصبية، وصوته رجّ البيت، خلّى الكل يسكت ووقفهم عند حدهم، وبص لهم الاتنين بنفاذ صبر وغضب واضح:
انتوا اييييييه؟ مش ناويين تتلمووا انتي وهي، احنا فـ ايه ولا فـ ايه؟ بطلوا شغل السلايف ده خلّوها تعمررر، وإلا يمين بعظيم تتغوّروا ع بيوت أهاليكم انتوا الاتنين.
وبعدين لف وشه بسرعة ناحية محمود، ونبرته بقت حاسمة وقاطعة:
وانت! شوف جوز اختك وقوله يجيب لك صورة بطاقتها، وفهّم المتر ابنك يعمل معاه ايه، خلينا نخلص من الليلة دي، جاتكم القرف عيلة هم.
وبعدها، الكل سكت وساد صمت تقيل.. بس مش صمت هدوء، لأ، ده صمت مليان اتفاقات خفية، ونيّات أسوأ من الكلام، وكل واحد فيهم بدأ يحسبها بطريقته، والحكاية بقت أكبر من مجرد ورث.
________________________
طنطا_ بيت تقى
سافر عبدالرحمن وهو فكره مشغول بتقى، كان سايق طول الطريق وهو بيكلم نفسه وبيسابق أسوأ احتمالات ممكن تيجي فـ دماغه، أول ما وصل طنطا ووقف قدام بيتها، حس إن في حاجة غلط من قبل حتى ما ينزل من عربيته ويدخل البيت.. طلع السلم بسرعة، وخطواته متوترة، ومع كل درجة القلق كان بيزيد جواه، وصل قدام الشقة، بابها كان مفتوح ع وسعه، وصوت همهمات ناس مالية المكان،
دخل بخطوة مترددة، وعينه بتلف بسرعة ع الوشوش الغريبة الموجودة، والتوتر باين فـ ملامحه، رمى السلام بصوت مهزوز:
السلام عليكم؟!
حمزة لفّ له بسرعة، حاجبه اترفع باستغراب واضح، وخطى ناحيته خطوة حذرة وهو بيحاول يفهم هو مين، ورد بنفس النبرة:
وعليكم السلام ورحمة الله، مين حضرتك؟
عبدالرحمن سمع السؤال، لكن ما ردش، عينه كانت بتلف فـ المكان بسرعة جنونية لحد ما لمح تقى، متمددة ع الكنبة، وشها باهت، المحلول متعلق فـ إيدها، ودموعها نازلة ع خدها وهي مغمضة عينيها.. وشاف كريم قاعد جنبها، قريب منها زيادة عن اللزوم، قلبه اتقبض وجري عليها بخطوات سريعة ومتلخبطة وهو مش شايف غيرها، وصوته خرج مليان خوف ولهفة:
تقى! حبيبتي.. مالك يا نور عيني فيكي ايه؟.
تقى أول ما سمعت صوته، فتحت عينيها ببطء، وكأنها كانت مستنياه، أول ما شافته، قامت نص قومة، واترمت فـ حضنه، شبكت إيديها حوالين رقبته بقوة، وانهارت فـ عياط مكتوم اتحول فجأة لهستيريا، شهقاتها كانت عالية وموجوعة، كسرت هدوء المكان، وهزت قلب كل اللي واقفين.
عبدالرحمن ضمها فـ حضنه بقوة، إيده بتتحرك ع ضهرها بسرعة ونفسه بقى تقيل، ونبرته كلها خوف وندم:
اشششش، أهدي.. أهدي.. خلاص انا هنا جنبك يا حبيبتي ما تخافيش، حقك عليا والله، أسف إني اتأخرت عليكي.
كريم كان قريب منهم، شايف الموقف كله، ملامحه اتجمدت، وفـ ثانية واحدة، نـ*ـار الغيرة ولّـ*ـعت فيه، حاجة تقيلة قفلت صدره وخنقته، بلع ريقه بصعوبة ولّف وشه وبص بعيد بيحاول يسيطر ع نفسه بس ما قدرش، قام وقف وخرج بسرعة خطواته كانت سريعة زيادة عن الطبيعي كأنه بيهرب من غير ما حد ياخد باله.
عمر وحمزة حسّوا فـ نفس الوقت بإحساس غريب جواهم لما شافوا عبدالرحمن، حاجة بين القلق والضيق ع غيرة خفيفة، ويمكن خوف من اللي جاي، بس ولا واحد فيهم نطق.
أم عمر قربت خطوة بحذر، ملامحها فيها قلق واستغراب، وبصت لـ عبدالرحمن وهي شايفاه حاضن تقى، ونبرة صوتها كلها استنكار:
انت مين يا ابني؟ وداخل كدا هاجم ع البنية من غير لا إحم ولا دستور ليه؟.
عبدالرحمن رفع عينه ليها، وفيها خوف واضح، وصوته كان متوتر رغم محاولته انه يهدّي نفسه:
انا ابن عمها يا حاجّة، وكنت جاى اطمن عليها واتخضيت لما شوفتها بالحالة دي.
سكت لحظة، بياخد نفسه بالعافية، وبص حواليه بيحاول يفهم:
هى مالها؟ حصل لها ايه؟
عمر كان واقف بعيد شوية، متابع الموقف وهو حاطط إيد فـ جيبه والتانية بيحركها وهو بيرد، قلبه مش مرتاح، بس صوته خرج هادي بالعافية:
وقعت من طولها فوق السطوح واغمى عليها، وجه الدكتو......
وفجأة سكت، لأنه خد باله إن كريم مش موجود، بص لـ حمزة بسرعة:
هو كريم راح فين؟
حمزة كان واقف، حاطط إيده فـ جيوبه، هز كتافه باندهاش وهو بيبص حواليه:
مش عارف، لسة كان هنا، ومعرفش اختفى فين؟
عبدالرحمن ضيّق عينيه وبص لهم بقلق، خصوصًا وهو شايف نظراتهم ليه، ودراعه لسة محاوط تقى خايف عليها وبيحاول يطمنها:
طب معلش يعني، ممكن تقولولي حضراتكم مين؟ وعرفتوا ازاى اللى حصل لها؟
عمر بص له بغيظ مكتوم، وغيرة خفيفة لمعت فـ عينه رغم هدوء نبرته:
انا جارها ساكن معاها فـ البيت، وحمزة ابن عمي وصاحبي، وكنا عند دكتور كريم صاحبنا ع سطوح البيت اللى فـ قدامنا وشوفناها وهي بتقع.
حمزة كمل بنفس الهدوء، بس نبرته فيها شوية حدة:
اول ما شوفانها خدنا السلالم جري عشان نلحقها، واعتقد حضرتك شوفت بنفسك، دكتور كريم عمل اللازم وكمان أهالينا موجودين حواليها يا استاااذ؟
عبدالرحمن اتنهد تنهيدة راحة، وبعدين هز راسه بخفة، وصوته هدي شوية:
انا عبدالرحمن.. معلش سامحوني يا جماعة، اصلكم ما تعرفوش تقى بالنسبة لي ايه!
وهو بيتكلم، رنة تليفونه شقت سكون اللحظة فجأة، ارتبك لجزء من الثانية، وبص للشاشة بسرعة، أول ما لمح اسم شريف، استأذن منهم بإشارة خفيفة، مسك الفون فتح المكالمة وإيده فيها رعشة خفيفة ورد بنبرة مهزوزة حاول يخليها ثابتة لكن صوته خانُه:
السلام عليكم، ايوا يا شريف.
شريف سكت لحظة، مركز مع النبرة أكتر من الكلام وحس فورًا إن في حاجة تقيلة مستخبية، فسأله بقلق:
مالك يا عبده فيك ايه؟
عبدالرحمن مرر إيده ع وشه بسرعة، وسحب نفس قوي وخرجه ببطء كأنه بيكتم حاجة جواه، ورد وهو بيهرب بعينه بعيد كأن شريف شايفه:
مافيش حاجة يا شريف، انا بس تعبان شوية.
شريف اتنهد بحزن، صوته هادى لكن فيه وجع واضح:
ما عرفتش حاجة عن تقى يا عبده؟
عبدالرحمن لفّ بعينه ناحيتها تلقائي، شافها بين إيديه، ضعيفة ومكسورة، ملامحه لانت، وقرب منها بهدوء، باس جبينها بحنية:
لسة يا شريف، لما اوصل لـ حاجة هقولك، ويا ريت تنزل أجازة، امك هتتجنن عليك، ما تسيبهاش لوحدها وسط الغيلان اللى فـ البيت.
ع الناحية التانية، شريف كان قاعد ساند بإيد ع المكتب والتانية رافع بيها الفون ع ودنه، شكله من الظاهر هادي، بس من جواه الدنيا بتغلي،
اتنهد تنهيدة حزن طويلة، وصوته خرج كله احساس بالعجز:
مش قادر يا عبدالرحمن، من يوم موت خالي منصور، وامي جليلة وطرد تقى وانا مش قادر ارجع البيت.
عبدالرحمن ضغط ع الفون بإيده، وفجأة الغضب انـfـجر جواه، وصوته علي من غير ما يحس، لدرجة انه لفت انتباه كل اللي حواليه:
هو يعني ما عشان خالك منصور وامك جليلة ماتووووا، تسيب امك لوحدها، لـ ابوك واخوالك يستفردوا بيها يا شريييييف.
شريف جزّ ع أسنانه، ورد بعصبية:
يا عبده افهمني، انا لو رجعت البيت هرتكب جناية ومش بعيد احسّر ابوك وعمك ع سليم بسبب اللى عملوه ف تقى.
عبدالرحمن وقف مرة واحدة فجأة، غضبه بيكبر، وصوته بقى يعلى من شدة الغضب:
انت ظابط انت؟ اومال ضبط نفس ايه وزفت ايه اللى قارفنا بيه طول الوقت.
شريف رد بسرعة بنبرة صوت حاسمة يقطع بيها أى نقاش:
انا قولت اللى عندي يا عبده، مش راجع البيت.. ولو رجعت هخلص ع سليم.
عبدالرحمن قعد مكانه مرة تانية وضغط ع الفون بعصبية أكتر، وصوته بقى حاد:
يا أخي يلعن أبو سليم ما طرح ما هو قاعد، ما تخلنيش اغلط بقى يا شريف، واقفل عشان ما اولّـ*ـعش فيك وفيه.
فـ نفس اللحظة تقى سمعت اسم سليم، جسمها اتنفض فجأة، وإيدها كلبشت فيه، وخرجت منها صرخة بهيستيريا:
لااااااا، سليم لا يا عبده، ابعده عني عشان خاطري، ابوس ايدك خليه يبعد عني.
عبدالرحمن اتخض عليها، قلبه وقع فـ رجله، ضمها فـ حضنه بقوة وكأنه بيحاول يخبيها جوة ضلوعه من كل اللى أذوها، وباس جبينها مرة تانية: إهدي يا حبيبتي ما تخافيش، مافيش حد يقدر يقربلك طول ما انا عايش، لا سليم ولا أبوه ولا حتى أبويا.
عمر كان واقف متابع كل حاجة، ملامحه هادية، بس عينه فيها قلق واضح وغيظ خفي مش فاهم سببه، قرب خطوة ناحيتها، وصوته خرج هادي باهتمام:
حمدالله ع سلامتك يا انسة تقى.
وبص لأمه وخطيبته وأم كريم:
طب يا جماعة يلا بينا، الحمد لله اطمنّا عليها.
وبعدين رجع بنظره لـ عبدالرحمن:
سؤال معلش قبل ما ننزل.
عبدالرحمن رفع عينه ليه، وهو لسة ضامم تقى بين إيديه:
اتفضل.
عمر سأله بهدوء ظاهري، بس في غليان جواه:
حضرتك هتعرف تغير لها المحلول وتشيل الكانيولا؟ ولا ابعت لدكتور كريم؟
عبدالرحمن رد فورًا، بنبرة فيها ثقة: ما تقلقش يا استاذ، أكيد عارف.
عمر أخد نفس تقيل، وتنهيدة خفيفة خرجت منه فيها غيظ مكتوم:
طيب تمام، ان كان كدا بقى، نستأذن احنا.
لفّ وشه بسرعة، وشاور لحمزة يتحرك، خرجوا برة الشقة، والخطوات كانت سريعة بس تقيلة.
أم عمر وقفتهم فجأة، وبصت حواليها بقلق واضح:
بقول ايه يا جماعة؟ ما ينفعش نسيب تقى لوحدها مع ابن عمها، هو مهما كان قريبها بس برضو ما يصحش، ولا ايه؟
أم كريم هزت راسها موافقة:
والله يا ام عمر عندك حق، المفروض حد يفضل معاهم.
عمر بص لـ أمه بضيق:
ايوا يا أمي يعني هتعملي ايه ولا هترجعي تاني ازاى بعد ما قولنا اننا نازلين؟
أم عمر وقفت بثبات، وعدلت طرحتها، ونبرتها بقت حاسمة:
ولا أى حاجة، هقول الحقيقة، أبوها موصيني عليها ومش هقدر اسيبها غير لما اطمن عليها، ده غير ان ما ينفعش اسيبها لوحدها معاك، والأصول ما تزعلش حد.
قربت أم وفاء خطوتين من أم عمر، وحطّت إيدها ع دراعها بتهدّيها، لكن نبرة صوتها كانت واضحة فيها اعتراض ممزوج بقلق:
لا يا أم عمر أنا مش معاكي فـ الموضوع ده، الواد من ساعة ما دخل، واسم الله عليها تقى ماسكة فيه ومش سيباه.
أم عمر لفّت وشها لها ببطء، بتحاول تفهم، ونبرتها خرجت متحفّزة وفيها تساؤل:
قصدك ايه ياختي؟
أم وفاء أخدت نفس هادي، وبصّت ناحية باب الشقة شايفة تقى وعبدالرحمن قدامها، وردت بهدوء فيه يقين:
قصدي انها مطمنة بوجوده معاها، لو كان في حاجة ما كانتش كلبشت فيه كدا.
حمزة اتحرك خطوة لـ قدام بسرعة، وعينه لمعت بغيرة حاول يخبيها، لكن نبرته فضحته وهو بيتكلم بنوع من الحدة هو مش فاهمها:
يعني حضرتك عايزة تقولي اننا نسيبهم لوحدهم عادي كدا وننزل؟.
أم وفاء بصّت له بنظرة أم حنينة، وابتسمت ابتسامة خفيفة تهدّي توتره، وردت بنبرة هادية وعقلانية:
يا حمزة يا ابني، هو قريبها وأكيد هيخاف عليها أكتر مننا، وأكيد في بينهم كلام كتير محتاجين يتكلموا فيه، وأكيد برضو احنا مش هنسيبهم لوحدهم طول الوقت، أنا هنزل أعملهم لقمة وهطلع أطل عليهم بحجّتها، وشوية كمان ومرات عمك تطلع لأي سبب، وبكدا نبقى اديناهم مساحتهم وكمان ما سيبناهمش، ولا كلامي غلط؟.
عمر سحب نفس طويل، بيهدّي نفسه، وبص لـ حماته بنظرة فيها ضيق لكنه متفهم، وبنبرة هادية:
لا يا خالتي، عداكي العيب.
وبعدين لف وشه للباقيين، وشاور بإيده ع السلم وهو بيحاول ينهي الموقف قبل ما يكبر أكتر:
يلا يا جماعة ننزل، وكمان شوية خالتي أو أمي أي واحدة فيهم تبقى تطلع تطمن ع أنسة تقى وتنزل.
وبالفعل نزلوا كلهم، وسابوا وراهم جو تقيل، مش بس خوف ع تقى..
لكن كمان بداية صراع بين الشباب مش مفهوم، وكل واحد فيهم، شايل إحساسه جواه وساكت.
برد الرحيل بقلمي
________لبنى دراز
&: انت جراااالك اييييييه؟ من أمتى وانت بتفكر بالطريقة ديييي؟ من أمتى وانت بتتخلى عن واجبك؟ وعشان مييييين؟
يتبــــــــع
وفي الوقت ذاته، تظل الأرواح العالقة في الماضي تُقاوم ثِقل الذكريات، تتشبث بخيوط أملٍ واهية، وتُخفي بين طياتها وجعًا لم يُكتب له الشفاء، فبعض القلوب لا تُجيد النسيان، وإن حاولت، ولا تعرف طريق التعافي، وإن تظاهرت بالقوة.
هكذا تتقاطع الطرق..
بين قلبٍ يُفاجَأ بولادة شعورٍ لم يستعد له، وآخر لا يزال أسيرًا لندوبٍ لم تندمل.
وبين هذا وذاك..
تتشكّل الحكايات، حيث لا تكون البدايات بريئة دائمًا، ولا تكون النهايات كما نتمنى.
تقى والمجهول بقلمي
طنطا_بيت كريم
اتقابل عمر وحمزة عند كريم وطلعوا التلاتة فوق سطوح البيت، عشان يقعدوا براحتهم من غير ما يضايقوا كارما، الجو هادي حواليهم والضحك طالع منهم من غير حساب، هزار خفيف وخناقات صحاب قديمة، وصوتهم مالي المكان كأنهم بيطردوا أي همّ جواهم لكن وسط الضحك ده كله، كريم كان قاعد معاهم بجسمه بس عقله فـ حتة تانية خالص، نظراته تايهة، وردوده متأخرة، كأنه بيسمعهم من بعيد.
حمزة لاحظ، سكت لحظة وهو مركز فيه، وبعدين مال عليه شوية وبنبرة فيها استغراب:
رُحت فين يا عم كريم؟
عمر ضحك وهو بيبص لـ حمزة، وهز راسه كأنه مستني السؤال ده:
صاحبك بقاله كام يوم مش ع بعضه يا ميزو.. سرحان ع طول، ومش مركز حتى فـ شغله، ده بقى يقلب العيادة بدري بدري ويرجع جري ع البلكونة.
حمزة قرّب خطوة من كريم، وشاور بإيده ناحية عمر وبنبرة مليانة خبث وضحك:
أووبااا.. اوعى ياض تكون عملتها؟! وناويت تحصل الفاشل ده؟
عمر ضحك بصوت أعلى:
شكلها كدا يا ميزو.. الأخ من يوم ما رجعت من السفر، وجه يسلم عليّا، وهو حاله اتشقلب أول ما سمع صوتها.
حمزة صفّر وهو بيضحك:
لاااا كدا الموضوع كبير بقى.. حب من أول ضحكة.
عمر هز راسه وهو بيكمل عليه:
لأ وانت الصادق، من أول غنوة يا نجم، بس الصراحة.. البت قمر ياض يا حمزة، انا لو ماكنتش خاطب كنت فكرت.
الجملة خبطت فـ كريم من جواه، لف وشه بسرعة ناحية عمر، وعينه فيها لمعة غريبة بسبب الغيظ والغيرة اللى مش فاهم سببها، وبنبرة حادة:
اتلم ياض انت، وبعدين هتعملوني تسليتكم انتوا الجوز ولا ايه؟! لو عايزين تتسلوا غوروا اشتروا كيسين لب واتسلوا بيهم بعيد عني.
حمزة ضحك وقرب منه أكتر، وحط إيده ع كتفه وضغط عليه بخفة:
طب وفيها ايه لما تحب يا كيمو؟! وما دام تحب.. بتنكر ليه؟ ده اللي يحب يبان فـ عينيه يا عمونا.
وسكت لحظة وهو بيبص له بفضول:
هاا.. مين دي بقى اللي اقتحمت حصونك، وشقلبت حالك بالشكل ده؟
كريم سكت مرة واحدة، حاجة جواه استسلمت، وعينه اتحركت تلقائي ناحية بيتها، واسمها خرج منه بهمس دافي:
تقى.
حمزة عقد حواجبه باستغراب:
تقى؟! مين تقى دي؟
عمر رد وهو بيشاور بإيده ناحية البيت:
بنت صاحب البيت اللي أنا فيه، جات من القاهرة تعيش هنا بعد ما أبوها وامها ماتوا، وبالصدفة الباشا كان عندي.
وبنبرة فيها تأثر:
سمعناها وهي بتغني.. صوتها كان موجوع بطريقة تخليك تسكت غصب عنك.. وبعدين لمحناها وهى بتدي حاجة لمرات عمك، ومن ساعتها وهو كدا.
فـ نفس اللحظة دي بالظبط.. كريم لمحها واقفة ع سطوح بيتها، ماشية ببطء.. كأنها شايلة الدنيا ع كتافها، قربت من السور، ووقفت تبص ع الشارع، الدنيا سكتت حواليه فجأة، صوته خرج واطي، يا دوب مسموع:
ياااه.. أخيرًا ظهرتي يا تقى.
حمزة سمعه، ولف وشه ناحية بيتها، شاف بنت واقفة لابسة أسود، عينيه اتعلقت بيها لحظة، بشرتها الخمرية، شعرها البني الطويل اللي بيتحرك مع الهوا، وعيونها الرمادي.. حزينة بشكل يخض، حس بحاجة غريبة جواه.. استغرب نفسه، رجع بص لـ كريم وبنبرة صوت مأسور:
هي دي تقى؟
كريم ما ردش ع طول.. واقف عينه متعلقة بيها خايف يلف وشه لـ حمزة فتختفي، وبعدين اتنهد ورد بصوت هادي مليان إحساس:
أيوا.. هي يا حمزة.
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
هي دي اللى صوت غناها ووجعها مش طالع من وداني ولا ملامحها الحزينة مفارقة عيني.
لف لهم بتنهيدة تقيلة:
تعرفوا؟ دي أول مرة أشوف ملامحها كدا.. لأول مرة آخد بالي من تفاصيل وشها.
حمزة بص له بصدمة ممزوجة بضحك:
نعم ياخويا؟! ده اللى هو ازاى يعنى؟ اومال اتقندلت وادلقت ع بوزك ازاى؟
عمر قرب خطوة من حمزة وهو بيضحك:
يا عم ما أنا لسة قايلك.. من صوتها! وبعدين لما شوفناها أول مرة، ما لحقش يركز.. لأني عكيت الدنيا وعاكستها، وهي اتكسفت وجريت.
حمزة خبط كف فـ كف وهو بيضحك:
يخرب عقلك ياض يا عمر! بتعاكسها وش كدا؟! ايه ما كنتش خايف من وفاء ولا ايه يالا؟!
عمر رفع حاجبه بثقة وهو بيضحك:
عيب عليك يا معلم، صاحبك مسيطر.
عدت دقايق والضحك رجع تاني بينهم، لكن كريم ما سابهاش بعينه لحظة، وفجأة صوتها قطع كلامهم وهزارهم، كانت بتتكلم فـ التليفون وهي بتزعق، صوتها عالي، مكسور، مليان غضب ووجع فـ نفس الوقت.
كريم جسمه كله شدّ مرة واحدة، وعينه وسعت وهو بيحاول يفهم، شايفها بتتكلم بعصبية، إيديها بتتحرك وصوتها بيعلى، وبعدين
سكتت ثانية واحدة بس.. جسمها كان بيتهز وقبل ما يستوعب، كانت وقعت مغمى عليها، صرخ بكل قوته، بصوت طالع من قلبه:
لااااااااااااااااا! تقاااااااااااااااا!
جري من غير ما يفكر، نزل السلم وهو بينط بالاربع سلمات مش بيجري، فـ ثواني كان نزل من بيته وعدى الشارع وطلع سلالم بيت تقى بسرعة، وقلبه بيدق بخوف، كأن في حاجة أكبر من مجرد إغماء مستنياه فوق، عمر وحمزة اتجمدوا لحظة من الصدمة وبعدين جريوا وراه،
وهما نازلين قابلتهم أم كريم وهي طالعة السلم، شايلة صينية عليها كوبايات شاي وطبق كحك وبسكويت، أول ما شافتهم بيجروا بالشكل ده، وشوشهم كانت مش طبيعية، عيونهم فيها فزع مش مفهوم، وخطواتهم بتخبط فـ السلم من الجري، اتخضت وقلبها دق بسرعة، ونادت عليهم بصوت فيه رجفة واضحة:
مالكم يا ولاد؟ بتجروا كدا ليه؟ حد عندك جراله حاجة يا عمر؟
عمر رد وهو مكمل جري وصوته طالع متقطع:
لا يا خالتي، بس تقى أُغمى عليها فوق السطح!
أم كريم وقفت مكانها مستغربة، وعينيها وسعت بذهول، وبصّت عليهم وهما بيجروا بسرعة، وهي بتهمس لنفسها:
تقى...؟! تقى مين دي اللي مغمى عليها؟! يا خبر بفلوس.
هزّت راسها بحيرة، وبصّت لآخر السلم وهما بيختفوا من قدامها، وبعدين لفّت بهدوء ورجعت دخلت الشقة، وهي مش فاهمة مين تقى دي اللي شقلبت حال التلاتة
وخلتهم يجروا بالشكل ده؟
_________________________
بيت غريب الفرماوي
فـ نفس الوقت، كان الحاج غريب قاعد فـ مندرته، جسمه ساكن، لكن عينه متعلقة بصورة قديمة ع الحيطة، مركز فيها وكأنها آخر خيط رابط بينه وبين الماضي، إيده كانت ع ركبته، وصوابعه بتتحرك ببطء من غير وعي، ومع تنهيدة طالعة من صدره تقيلة وشايلة وجع سنين، وبصوت خافت:
يا ترى فين أراضيك يا حمدي يا ولدي، عايش ولا ميـ.......
الحاجّة سميرة كانت قاعدة جنبه، أول ما سمعت كلمته، رفعت عينيها بسرعة ناحية الصورة، وملامحها اتغيرت وظهر عليها الحزن، وردّت عليه بنبرة فيها رجاء وخوف:
تف من بُقك يا حاج، ولدي عايش ومسيره يرجع هو وهناء، ده مهما كان الضفر ما يطلعش من اللحم يا ابو ابراهيم.
غريب هز راسه ببطء، وسحب نفس طويل، وخرّجه بتعب واضح وهو بيبص قدامه بشرود:
27 سنة يا ام ابراهيم، ما سبتش فيهم شبر فـ مصر كلها ما دورتش فيه عليهم، وهما لا حس ولا خبر، ولا اعرف عايشين ازاى، خلفوا ولا ما خلفوش، ولا حالهم ايه بالظبط.
شكرية كانت داخلة بصينية الشاي حطتها ع الترابيزة، وقربت بخطوات هادية، قعدت جنبه، حطت إيدها ع إيده بتطبطب عليها بحنان، وبعدين وطت تبوسها، وصوتها خرج دافي:
هون ع نفسك يا ابا، مسير الحى يتلاقى، يعني مهما غاب، ع رأي امي مسيره يرجع هو ومراته.
غريب لف وشه ناحيتها، وعينه مليانة انكسار، وكأن الكلام لمس جرح مفتوح، وآهة طويلة خرجت من صدره قبل ما يتكلم:
آااااه، ياريتني يا بنتي ما عاندت مع عمك، كان زمان اخوكي قاعد فـ وسطنا وعياله حوالينا زي عيالكم.
ابراهيم كان قاعد قدام أبوه، متكئ ع الكرسي، ومد إيده ياخد كوباية الشاي من الصينية، وهو بيهز راسه بضيق:
يا ابا ما هو عمي اللى تربس دماغه يومها، ورفض يجوز هناء لـ حمدي وقوّم الدنيا حر*يقة، عشان حقه فـ ورث جدي، وحط دي قصاد دي.
غريب غمّض عينه لحظة، وشريط الذكريات عدى قدامه تاني، وبعدين فتحها وبص لـ ابراهيم بنظرة كلها تعب وحزن:
يعلم ربي يا ابني اني ما كلتش حقه، واديتهوله ع داير مليم، بس نقول ايه فـ الحريم؟! في واحدة تدخل تجيب الخير فـ رجليها، وواحدة تدخل تجيب الفقر والهم فـ رجليها.
شكرية ابتسمت بخفة، ورفعت كوباية الشاي من الصينية، وبصّت لـ امها بمشاكسة وهي بتشرب:
قصدك ان امي جلابة الخير ده كله يا ابا، يعني مش من ورث جدي؟
غريب ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة، ولف وشه ناحية سميرة، وعينه مليانة حب وتقدير:
أمك طول عمرها وش خير عليا يا شكرية، ومن يوم ما دخلت بيتي عمرها ما زنت ولا طلبت حاجة لنفسها، وطول عمرها تحنن قلبي ع اخواتي.
سميرة ابتسمت بحياء ومحبة، وهزت راسها بهدوء:
ما هم مهما عملوا يا حاج انت برضو أخوهم الكبير وابوهم بعد ابوهم، وما ينفعش تزعل منهم.
غريب بص لها بنظرة رضا، ورد بهدوء:
اصيلة يا ام ابراهيم.
وبعدين لف وشه لولاده، ونظرات عينه كلها دفى وحنية وهو بيبصلهم:
أهى دي كلمتها طول عمرها، لكن مرات عمكم بقى..... يلا ما يجوزش عليها غير الرحمة.
فـ اللحظة دي، دخلت كادي وهي بتلف حوالين نفسها بخفة، صوتها مالي المكان غنا ودلع، وبتقرب ناحية جدها بخطوات راقصة:
جدو يا شاطر يا شطارة تعالى نطير طيارة، انت تمسكها بإيدك واحنا نشد الدوبارة.
قربت منه بسرعة، وطَبعت بوسة ع خده، وقعدت جنبه لازقة فيه، ووشها قدامه وهي بتكمل بدلع ومشاكسة:
يا خراشي يا ناث، ياتي كميلة عثل، بقى السكر ده جدو بتاعي انا، لااااا ده انا كدا اتغررر.
غريب ضحك، وفتح دراعه لها يضمها، وشدها لـ حضنه وباس جبينها بحنية:
لاااا، ده انا اللى من حقي اتغر عشان بنوتة شقية زيك وحلويات كدا فـ الطالعة والنازلة تعاكسني وتحسسني اني لسة شباب.
ومال شوية ناحية سميرة، وهمس بصوت واطي خلاها تسمعه:
ولسة عليا الطلب ههههههههههه.
سميرة ضحكت، وبصّت له بغيظ مصطنع وهي بتهز راسها:
وهو انت يا راجل لسة ليك نفس وفيك حيل تتعاكس؟! ده انت كسرت الـ 80 خلاص، حسن الختام.
إيلاف قربت بسرعة، وزقّت نفسها تقعد جنبه من الناحية التانية، وهي بتضحك:
وما يتعاكسش ليه يا تيتة ده جدو ده عسل عسل عسل.
زمردة جات من ورا الكنبة، ولفت دراعتها حوالين رقبته من ضهره وهو قاعد، شبكت صوابعها فـ بعض وباسته فـ خده التاني، وبنبرة شقية: يا خراشي يا جدو لما انت كدا ومجننا، اومال فـ شبابك بقى كنت عامل ازاى يا سكريات انت؟ أكيد البنات كانت بتقطع شرايينها عليك، يا حسين فهمى طنطا انت يا عسل.
غريب ضحك ضحكة عالية، رنّت فـ المكان وطلعت من قلبه رغم وجعه: ده انا كنت مقطع السمكة وديلها يا بت يا زوزو، بس ستك سميرة بقى توبتني، ههههههههههه.
سميرة بصّت له بغيظ وهي بترجع بذكرياتها، وضحكت:
اسكتي يا زمردة ما تفكرنيش، ده كل شوية كان يجيله جواب من واحدة شكل، وتقوله هنتـ*ـحر لو ما اتجوزتنيش.
إيساف وريّان وقفوا مرة واحدة، ورفعوا إيديهم بهزار وتهليل:
الله أكبر، ده طلع بجد اهو البنات مقطعة شرايينها عليك يا جدو، واحنا نقول، تيتة بتغير عليك ليييه، اتاريك خلبوص قديم يا جدو.
شكرية بصّت لهم بسرعة، رفعت حاجبها، وصوتها احتد شوية:
احترم نفسك منك له، وبطلوا قلة أدب واعتذروا لـ جدكم، يللااااا.
وبصّت ناحية أبوها وهي بتعتذر: معلش يا ابا سامحني، اصلي ما عرفتش اربي.
غريب لف لها وشه، وعينه فيها عتاب خفيف، وصوته خرج هادي: ولادك متربيين أحسن تربية يا شكرية، أحفادي كلهم تربية دراعي، زيك انتي واخواتك، وتاني مرة ما تتدخليش بيني وبينهم، انا مبسوط بلمتهم حواليا كدا، وفرحان بيهم أكتر منكم.
وسكت لحظة.. ابتسامته اختفت، وخرجت بدلها تنهيدة تقيلة، وصوته اتقل وهو بيكمل:
ياريت الغايب يعود يا بنتي، قبل ما أقابل وجه كريم عشان تكمل فرحتي بيكم وبولادكم حواليا.
الضحك خفّ فجأة.. وأحفاده كلهم قربوا منه، واحد ورا التاني، باسوا إيده وراسه، وقالوا فـ نفس واحد: بعد الشر عنك يا جدو ربنا يبارك لنا فـ عمرك يارب.
ابراهيم مال لـ قدام شوية، وصوته مليان حنين:
ان شاء الله يا ابا الغايب هيرجع وتكمل فرحتنا كلنا برجوعه.
__________________________
فـ بيت تقى
كريم وصل السطوح فـ ثواني، بياخد نفسه بصعوبة وخطواته بتخبط فـ الارض من سرعته، وأول ما عينه وقعت عليها قلبه اتقبض، وبنبرة قلق:
تقااااا!
جسمها كان سايب تمامًا، ملامحها شاحبة بشكل يخوّف، وشعرها مغطي وشها، قعد جنبها بسرعة وإيده ارتعشت وهو بيقرب منها، بس غصب عنه حاول يسيطر ع نفسه،
مد إيده حط صوابعه ع رقبتها يدور ع النبض ولما حسه لاقاه ضعيف جدًا، خرّج نفس مكتوم من صدره كان محبوس، وهو بيكلمها:
تقى فوقي.. ردي عليا يا تقى.. انتي سامعاني؟
صوته كان واطي بس مليان رجفة خوف واضحة، رفع رجلها شوية بسرعة عشان يساعد الدم يوصل للمخ، حمزة وصل فـ نفس الوقت، وقف لحظة مصدوم من شكلها.
كريم رفع عينه لـ حمزة وبنبرة سريعة متوترة:
ساعدني يا حمزة نخليها ع جنبها، عشان تعرف تتنفس كويس وما تضيعش مننا.
حمزة قرب منه وساعده فعلا، ولفّوا جسمها بحذر، وكريم إيده ما سابتش وشها، بيخبط بخفة ع خدها يحاول يفوقها، وعينه ثابتة عليها خايف يرمش فتضيع منه:
تقى.. تقى.. افتحي عينك بالله عليكي.
فـ اللحظة دي، عمر كان وصل تحت وخبط ع باب شقته بعنف، ولما الباب اتفتح، شاف أمه ومعاها وفاء وامها، اتكلم بسرعة وهو بيحاول ياخد نفسه:
تعالوا ورايا بسرعة.. تقى مغمى عليها فوق السطح.. وكريم وحمزة سبقوني ع فوق.
سابهم من غير ما يستنى رد، وطلع يجري تاني.
كريم فوق، كان لسه قاعد جنبها قلبه بيدق بشكل مرعب، وكل ثانية بتعدي عليه كأنها ساعات.
وفجأة.. رموشها اتحركت، اتشد ناحيتها بسرعة، عينه وسعت بلهفة: تقى؟
بدأت تفتح عينها ببطء، نظرتها تايهة ومش شايفة كويس، فحاول يسندها يقعّدها، لكن جسمها لسه ضعيف جدًا، حط إيده ورا ضهرها يسندها بحذر، وصوته خرج مخنوق بالقلق: بالراحة.. أهدي.. أنا هنا جنبك ما تخافيش.
رفع عينه ناحية عمر أول ما وصل، ونظرته كانت مليانة خوف صريح، وصوته طلع تقيل وكأنه شايل حمل كبير:
انده ع كارم يا عمر بسرعة، يجيب شنطتي وجهاز الضغط.
عمر ما اتكلمش جري فورًا ناحية السور ونده ع كارم بأعلى صوته، وبعد دقايق قليلة كان وصل بالشنطة، فـ الوقت ده، كريم كان شالها بين إيديه بحذر، وكأنها حاجة هشة ممكن تتكسر، وقلبه بيدق بعنف وهو نازل بيها السلم بسرعة، كل درجة بينزلها كان حاسس إنها بتتأخر.. وكل نفس بتاخده وهي شبه غايبة، كان بيخليه يتوتر أكتر:
استحملي خلاص وصلنا.
وصلوا قدام الشقة، وأم عمر كانت وصلت ومعاها وفاء وأمها، وفتحت الباب بالمفتاح اللي تقى نسيته فيه، كريم دخل بسرعة ونيمها ع أقرب كنبة، وإيده ما سابتهاش لحظة،
فتح شنطته بسرعة، إيده شغالة لكن عينه عليها طول الوقت، وهو بيقيس لها الضغط.
أم عمر قربت من الكنبة، وبصّت لـ تقى بلهفة وبنبرة قلق:
مالها يا كريم؟ حصلها إيه؟
كريم ما رفعش عينه عنها وهو بيرد، صوته هادي بس متوتر من جواه: ضغطها واطي جدًا، شكلها ما كلتش كويس أو اتعرضت لإجهاد شديد.
وكتب بسرعة ع نوع محاليل، واداها لـ كارم وبنبرة حادة سريعة:
انزل هات المحاليل دي حالًا وبسرعة تكون هنا!.
كارم خرج جري من غير نقاش يشتري المحاليل اللى كتبها أخوه.
كريم رجع لها تاني، قعد جنبها، بص لـ وشها الشاحب، ومد إيده يظبط خصلات شعرها اللي لازقة فـ جبينها، وهو بيحط إيده يتحسس حرارتها، وعينه مليانة حاجة أكبر من مجرد قلق، حاجة شبه خوف الفقد.. رغم إنه لسة ما عرفهاش كفاية عشان يخاف عليها بالشكل ده.
شوية ووصلت ام كريم ومعاها كارما والقلق باين ع وشوشهم ومش فاهمين حاجة، وقربت من أم عمر وهي وبتبص لـ تقى باندهاش:
مين البنت دي؟ اول مرة اشوفها هنا.
عمر رد وهو لسة بياخد نفسه:
بنت صاحب البيت.. ولسة جاية تعيش هنا من فترة قصيرة.
أم كريم هزّت راسها ببطء، ونظراتها ثابتة ع تقى وبتدعيلها بالشفا.
فـ اللحظة دي، تقى أنَّت بخفوت، وجسمها اتحرك حركة خفيفة، شفايفها ارتعشت وهي بتهمس بصوت متقطع، مكسور وموجوع
بابا.. ماما.. سبتوني ليه.. سليم.
كريم قلبه وجعه وهو سامع نبرة الانكسار والوجع اللى فـ صوتها، قرب منها أكتر بيحاول يطمنها ويخليها تفوق:
تقى.. انتي سامعاني؟ افتحي عينك يا تقى.
كارم دخل فـ اللحظة دي وهو شايل المحاليل، وناولهاله بسرعة وهو مش فاهم حاجة:
خد يا كريم.
كريم اتحرك فورًا وأخدهم منه بسرعة، جهّز المحلول وابتدى يركّبه لها بإيد ثابتة، رغم إن جواه كان متلخبط وبيصرخ عكس كدا تمامًا، لكن عينيه كانت مركزة فـ كل تفصيلة صغيرة.. الوريد، الإبرة، تدفّق المحلول.. كأنه بيهرب من اللي حاسس بيه جواه، أما اللى حواليهم.. الكل واقفين فـ دايرة صامتة، محدش بيتكلم، أنفاسهم نفسها كانت مسموعة من كتر التوتر.
_______________________
فـ القاهرة_ بيت منصور الراوي
خرج محمود وزينب من شقتهم بخطوات سريعة فيها نفاذ صبر واضح، وطلعوا السلم وهم بيتبادلوا نظرات مشحونة، كأن كل واحد فيهم شايل همّ تقيل فوق كتفه. وقفوا قدام باب شقة زيدان، مد محمود إيده ضغط ع الجرس، وفضل واقف يضرب الأرض برجله مستني الرد.
الباب اتفتح، وظهرت فدوى بابتسامة واسعة، فتحت الباب ع الآخر وهي بترحب بحماس:
اهلا اهلا يا عمي نورت.
وبصت لـ زينب، وابتسمت لها ابتسامة مكر، ونبرة صوتها كلها خباثة:
حبيبتى يا ماما زينب، نورتي يا حماتي المستقبلية.
محمود رفع حاجبه وبص لها بنظرة فيها إعجاب وسخرية خفيفة، وهز راسه وهو بيضحك:
بنت ابوكي صح يا بنت زيدان، كويس انك طلعتيله وما طلعتيش لـ البأف اخوكي.
فدوى رفعت دقنها بثقة، وابتسامتها وسعت:
اومال يا عمي، لو ماطلعتش لـ أبويا يعني، هطلع لمين؟!.
زينب وقفت مكانها، جسمها كله شد، وعينيها لمعت بغيظ، وجزّت ع أسنانها وهي بترد:
تطلعي لـ امك يا حبيبة امك.
وفجأة خرجت فوزية من الأوضة، خطواتها سريعة وصوتها مليان تهكم:
ومالها امها يا ام سليم، غيظاكي فـ ايه؟ قارشة ملحتي ليه يا ولية؟!.
زينب لفت لها بجسمها كله، وبصتلها من فوق لتحت بنظرة متعالية: وانتي مين ياختى عشان اتغاظ منك، لا عشتي ولا كنتي يا حبيبتي، قال غيظاني قال.
فدوى اتحركت خطوة لقدام، وقفت بين الاتنين بتغذي النار بدل ما تطفيها، وعينيها فيها لمعة تحدي:
بقولك ايه يا مرات عمى؟ انتي حبيبتي آه، وراسمة انك تجوزيني سليم بعد ما غارت اللى ما تتسمى عشان تضمني كل فلوس عمي منصور فـ كرشك انتي والمحروس، ع عيني وراسي، لكن تدوسي ع طرف جلابية امي، لأ يا زينبو، صحصحي كدا وشوفي انتي بتكلمي مين.
زينب حركت شفايفها يمين وشمال بسخرية، ورفعت إيدها تهز صوابعها قدامها:
هكون بتكلم مع مين يا حسرة، حيّة بنت حرباية.
فوزية ولـ*ـعت، وقربت بخطوات تقيلة قعدت ع الكنبة بعصبية، وربعت رجليها وهي بترمي كلامها بحدة:
يا ولية اتلمي، هو انتى طالعة بيتنا تشتمينا؟ لما احنا مش عاجبينك ياختى عايزة تناسبينا ليه؟ حِكم.
محمود دخل وقعد ع طرف الكرسي، عينه بتتنقل بينهم بتسلية باردة، وسايبهم يو*لعوا فـ بعض من غير ما يتدخل.
وفجأة، باب الحمام اتفتح، وطلع زيدان وهو بينشف وشه، ملامحه متضايقة، رمى الفوطة ع وش فوزية بحركة سريعة، وزعق:
هو انتوا الاتنين مش ناويين تجبوها لبر؟ مافيش يوم يعدي عليكم الا ما تتخانقوا فيه.
وبص لمحمود بغيظ:
وانت قاعد تتفرج عليهم وساكت؟.
محمود مال بجسمه لورا باسترخاء مصطنع، ورفع كتفه بلا مبالاة: عايزيني اعملهم ايه يعني؟ سيبك منهم دول نسوان فاضية، خليهم ياكش يخلصوا ع بعض الاتنين ونجيب غيرهم، ههههههههههه.
زيدان قرب خطوة، وهو مكشر:
ده بدل ما تشخط فيهم وتشكمهم، بدل قلبة المخ بتاعة كل يوم دي.
زينب لفت له بسرعة، صدرها بيطلع وينزل من كتر العصبية، وعينيها بتلمع بغل:
يشكم مين يا ابو عبده؟ ليه قالولك علينا سايبين ولا ايه، قال يشكمنا قال.
وبصت لجوزها بنظرة كلها غيظ ونبرة مليانة عصيبة:
بقى يا راجل يا دِني عايز مرات اخوك تخلص عليا عشان تتجوز غيري؟.
قرب زيدان بخطوات تقيلة، شد الكرسي اللي جنب محمود وقعد عليه بعصبية، كتافه مشدودة وعينيه فيها ضيق مكتوم، رفع إيده لـ فدوى، شاور لها تدخل تعمل قهوة،
ولفّت ع طول، لكن عينيها عدّت ع زينب بنظرة سريعة فيها معنى مش مفهوم، ودخلت المطبخ.
مسح زيدان وشه بإيده وسند دراعه ع رجله، وميل لقدّام شوية، ونفخ بنفاذ صبر وهو بيتكلم بعصبية:
فكك من الحوارات التافهة دي يا زينب دلوقتي، خلينا فـ المهم.
زينب اتحركت فـ مكانها بسرعة، عدلت قعدتها وكأنها داخلة صفقة، حطت إيديها ع رجليها وضغطت عليهم، وعينيها اتعلّقت بيه بتركيز، وصوتها خرج متحفز:
ايوااا، ايه هو بقى المهم ده يا سي زيدان، قول ياخويا، كلنا آذان صاغية.
فوزية رفعت حاجبها بسخرية، وبصتلها بنظرة طويلة مستفزة، وهزت راسها بعدم تصديق:
شوف ياخويا الولية! دلوقتي بقى سي زيدان؟! ولا عشان ما عارفة اللى فيها يا زينب؟
زيدان لف وشه ناحيتها بنظرة واحدة قاطعة، سكتتها فـ لحظتها، عينيه كانت كفيلة تقفل أي كلام.
فوزية اتجمدت مكانها، واكتفت بنفخة غيظ وهي ساكتة.
رجع زيدان بوشه لـ محمود وزينب وحط كوعه ع ركبته، وصوته بقى أهدى بس أتقل:
دلوقتي احنا حطينا إيدينا ع معارض منصور الله يرحمه وكمان المصنع والورشة، بعد ما حنان رفضت تاخد نصيبها منهم، انما السيولة اللى فـ البنك بقى مش هنعرف ناخدها إلا بإعلام وراثة، وهى رافضة تدينا صورة بطاقتها، الحل ايه بقى؟
محمود مال بجسمه لورا براحة مبالغ فيها، وحط رجل ع رجل، وابتسامة خبيثة ظهرت ع وشه، وهو بيبص لـ زيدان بثقة، وبيرد بنبرة فيها استهانة:
يا عم بسيطة، سيد جوزها طماع وهيتجن منها عشان مش عايزة تاخد حاجة، عشمه انت بس بكام ألف قصاد انه يجيبلك بطاقتها.
وبنظرة تفاخر وتباهي، رفع دقنه لـ فوق:
وسيب الباقي، ع المتر سليم، ابني هو اللى هيحلها.
وبعدين لف راسه يمين وشمال كأنه بيدور ع حد، ورجع بص لـ زيدان مرة تانية وبنبرة سخرية:
اومال مش شايف المحروس ابنك يعني، ايه لسة عامل فيها زعلان ع منصور؟ وقاعد جنب حنان فوق، ولا ايه؟.
زيدان شد ضهره، واتعدل فـ قعدته، وعينيه لمعت بكبرياء، ورد بنفس نبرة التباهي والتعالي:
البشمهندس عبد الرحمن ابني، سافر الواحات، عنده شغل هناك، ماسك مشروع كبير اوي، وهيترقى بسببه لما يرجع.
زينب ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن عينيها كانت بتلمع بخبث واضح، وميلت راسها شوية وهي بتبص لـ زيدان:
وماله يا ابو عبده، يرجع بالسلامة ان شاء الله.
سكتت لحظة، وبلعت ريقها ببطء بترتب كلامها، وبعدين كملت:
بقول ايه ياخويا، ما تيجي نحط زيتنا فـ دقيقنا، وناخد عبدالرحمن لـ رحمة، زي ما هناخد فدوى لـ سليم، قولت ايه؟.
فوزية اتنفضت من مكانها فجأة، كأن عقرب لسعها، ووقفت مرة واحدة، عينيها وسعت وصوتها طلع عالي ومشحون بالغضب:
لاااااا والنبي ما يحصل، وتبقي انتي حمات عيالي الاتنين؟! ده بعيد عن شنبك، كله الا عبده، أبعدي عنه يا ولية انتي وبنتك.
زينب رفعت حاجبها وابتسمت ببرود، ونبرتها خرجت ناعمة بس مليانة سم:
طب ليه كدا يا سلفتي، يعنى انا اخد بنتك وانتي ما تاخديش بنتي؟
فوزية قربت خطوة، وصوتها بقى أوطى لكن مليان احتقار، وكل كلمة بتطلع تقيلة من الغيظ:
طب بنتي خبيثة زيكم، وهتعرف تعيش وسطكوا، انما عبدالرحمن غلبان مش قد بنتك وخبثها، روحي يا حبيبتي شوفيلها واحد خبيث زيها يتجوزها.
زيدان ضرب بكفه ع دراع الكرسي بعصبية، وصوته رجّ البيت، خلّى الكل يسكت ووقفهم عند حدهم، وبص لهم الاتنين بنفاذ صبر وغضب واضح:
انتوا اييييييه؟ مش ناويين تتلمووا انتي وهي، احنا فـ ايه ولا فـ ايه؟ بطلوا شغل السلايف ده خلّوها تعمررر، وإلا يمين بعظيم تتغوّروا ع بيوت أهاليكم انتوا الاتنين.
وبعدين لف وشه بسرعة ناحية محمود، ونبرته بقت حاسمة وقاطعة:
وانت! شوف جوز اختك وقوله يجيب لك صورة بطاقتها، وفهّم المتر ابنك يعمل معاه ايه، خلينا نخلص من الليلة دي، جاتكم القرف عيلة هم.
وبعدها، الكل سكت وساد صمت تقيل.. بس مش صمت هدوء، لأ، ده صمت مليان اتفاقات خفية، ونيّات أسوأ من الكلام، وكل واحد فيهم بدأ يحسبها بطريقته، والحكاية بقت أكبر من مجرد ورث.
________________________
طنطا_ بيت تقى
سافر عبدالرحمن وهو فكره مشغول بتقى، كان سايق طول الطريق وهو بيكلم نفسه وبيسابق أسوأ احتمالات ممكن تيجي فـ دماغه، أول ما وصل طنطا ووقف قدام بيتها، حس إن في حاجة غلط من قبل حتى ما ينزل من عربيته ويدخل البيت.. طلع السلم بسرعة، وخطواته متوترة، ومع كل درجة القلق كان بيزيد جواه، وصل قدام الشقة، بابها كان مفتوح ع وسعه، وصوت همهمات ناس مالية المكان،
دخل بخطوة مترددة، وعينه بتلف بسرعة ع الوشوش الغريبة الموجودة، والتوتر باين فـ ملامحه، رمى السلام بصوت مهزوز:
السلام عليكم؟!
حمزة لفّ له بسرعة، حاجبه اترفع باستغراب واضح، وخطى ناحيته خطوة حذرة وهو بيحاول يفهم هو مين، ورد بنفس النبرة:
وعليكم السلام ورحمة الله، مين حضرتك؟
عبدالرحمن سمع السؤال، لكن ما ردش، عينه كانت بتلف فـ المكان بسرعة جنونية لحد ما لمح تقى، متمددة ع الكنبة، وشها باهت، المحلول متعلق فـ إيدها، ودموعها نازلة ع خدها وهي مغمضة عينيها.. وشاف كريم قاعد جنبها، قريب منها زيادة عن اللزوم، قلبه اتقبض وجري عليها بخطوات سريعة ومتلخبطة وهو مش شايف غيرها، وصوته خرج مليان خوف ولهفة:
تقى! حبيبتي.. مالك يا نور عيني فيكي ايه؟.
تقى أول ما سمعت صوته، فتحت عينيها ببطء، وكأنها كانت مستنياه، أول ما شافته، قامت نص قومة، واترمت فـ حضنه، شبكت إيديها حوالين رقبته بقوة، وانهارت فـ عياط مكتوم اتحول فجأة لهستيريا، شهقاتها كانت عالية وموجوعة، كسرت هدوء المكان، وهزت قلب كل اللي واقفين.
عبدالرحمن ضمها فـ حضنه بقوة، إيده بتتحرك ع ضهرها بسرعة ونفسه بقى تقيل، ونبرته كلها خوف وندم:
اشششش، أهدي.. أهدي.. خلاص انا هنا جنبك يا حبيبتي ما تخافيش، حقك عليا والله، أسف إني اتأخرت عليكي.
كريم كان قريب منهم، شايف الموقف كله، ملامحه اتجمدت، وفـ ثانية واحدة، نـ*ـار الغيرة ولّـ*ـعت فيه، حاجة تقيلة قفلت صدره وخنقته، بلع ريقه بصعوبة ولّف وشه وبص بعيد بيحاول يسيطر ع نفسه بس ما قدرش، قام وقف وخرج بسرعة خطواته كانت سريعة زيادة عن الطبيعي كأنه بيهرب من غير ما حد ياخد باله.
عمر وحمزة حسّوا فـ نفس الوقت بإحساس غريب جواهم لما شافوا عبدالرحمن، حاجة بين القلق والضيق ع غيرة خفيفة، ويمكن خوف من اللي جاي، بس ولا واحد فيهم نطق.
أم عمر قربت خطوة بحذر، ملامحها فيها قلق واستغراب، وبصت لـ عبدالرحمن وهي شايفاه حاضن تقى، ونبرة صوتها كلها استنكار:
انت مين يا ابني؟ وداخل كدا هاجم ع البنية من غير لا إحم ولا دستور ليه؟.
عبدالرحمن رفع عينه ليها، وفيها خوف واضح، وصوته كان متوتر رغم محاولته انه يهدّي نفسه:
انا ابن عمها يا حاجّة، وكنت جاى اطمن عليها واتخضيت لما شوفتها بالحالة دي.
سكت لحظة، بياخد نفسه بالعافية، وبص حواليه بيحاول يفهم:
هى مالها؟ حصل لها ايه؟
عمر كان واقف بعيد شوية، متابع الموقف وهو حاطط إيد فـ جيبه والتانية بيحركها وهو بيرد، قلبه مش مرتاح، بس صوته خرج هادي بالعافية:
وقعت من طولها فوق السطوح واغمى عليها، وجه الدكتو......
وفجأة سكت، لأنه خد باله إن كريم مش موجود، بص لـ حمزة بسرعة:
هو كريم راح فين؟
حمزة كان واقف، حاطط إيده فـ جيوبه، هز كتافه باندهاش وهو بيبص حواليه:
مش عارف، لسة كان هنا، ومعرفش اختفى فين؟
عبدالرحمن ضيّق عينيه وبص لهم بقلق، خصوصًا وهو شايف نظراتهم ليه، ودراعه لسة محاوط تقى خايف عليها وبيحاول يطمنها:
طب معلش يعني، ممكن تقولولي حضراتكم مين؟ وعرفتوا ازاى اللى حصل لها؟
عمر بص له بغيظ مكتوم، وغيرة خفيفة لمعت فـ عينه رغم هدوء نبرته:
انا جارها ساكن معاها فـ البيت، وحمزة ابن عمي وصاحبي، وكنا عند دكتور كريم صاحبنا ع سطوح البيت اللى فـ قدامنا وشوفناها وهي بتقع.
حمزة كمل بنفس الهدوء، بس نبرته فيها شوية حدة:
اول ما شوفانها خدنا السلالم جري عشان نلحقها، واعتقد حضرتك شوفت بنفسك، دكتور كريم عمل اللازم وكمان أهالينا موجودين حواليها يا استاااذ؟
عبدالرحمن اتنهد تنهيدة راحة، وبعدين هز راسه بخفة، وصوته هدي شوية:
انا عبدالرحمن.. معلش سامحوني يا جماعة، اصلكم ما تعرفوش تقى بالنسبة لي ايه!
وهو بيتكلم، رنة تليفونه شقت سكون اللحظة فجأة، ارتبك لجزء من الثانية، وبص للشاشة بسرعة، أول ما لمح اسم شريف، استأذن منهم بإشارة خفيفة، مسك الفون فتح المكالمة وإيده فيها رعشة خفيفة ورد بنبرة مهزوزة حاول يخليها ثابتة لكن صوته خانُه:
السلام عليكم، ايوا يا شريف.
شريف سكت لحظة، مركز مع النبرة أكتر من الكلام وحس فورًا إن في حاجة تقيلة مستخبية، فسأله بقلق:
مالك يا عبده فيك ايه؟
عبدالرحمن مرر إيده ع وشه بسرعة، وسحب نفس قوي وخرجه ببطء كأنه بيكتم حاجة جواه، ورد وهو بيهرب بعينه بعيد كأن شريف شايفه:
مافيش حاجة يا شريف، انا بس تعبان شوية.
شريف اتنهد بحزن، صوته هادى لكن فيه وجع واضح:
ما عرفتش حاجة عن تقى يا عبده؟
عبدالرحمن لفّ بعينه ناحيتها تلقائي، شافها بين إيديه، ضعيفة ومكسورة، ملامحه لانت، وقرب منها بهدوء، باس جبينها بحنية:
لسة يا شريف، لما اوصل لـ حاجة هقولك، ويا ريت تنزل أجازة، امك هتتجنن عليك، ما تسيبهاش لوحدها وسط الغيلان اللى فـ البيت.
ع الناحية التانية، شريف كان قاعد ساند بإيد ع المكتب والتانية رافع بيها الفون ع ودنه، شكله من الظاهر هادي، بس من جواه الدنيا بتغلي،
اتنهد تنهيدة حزن طويلة، وصوته خرج كله احساس بالعجز:
مش قادر يا عبدالرحمن، من يوم موت خالي منصور، وامي جليلة وطرد تقى وانا مش قادر ارجع البيت.
عبدالرحمن ضغط ع الفون بإيده، وفجأة الغضب انـfـجر جواه، وصوته علي من غير ما يحس، لدرجة انه لفت انتباه كل اللي حواليه:
هو يعني ما عشان خالك منصور وامك جليلة ماتووووا، تسيب امك لوحدها، لـ ابوك واخوالك يستفردوا بيها يا شريييييف.
شريف جزّ ع أسنانه، ورد بعصبية:
يا عبده افهمني، انا لو رجعت البيت هرتكب جناية ومش بعيد احسّر ابوك وعمك ع سليم بسبب اللى عملوه ف تقى.
عبدالرحمن وقف مرة واحدة فجأة، غضبه بيكبر، وصوته بقى يعلى من شدة الغضب:
انت ظابط انت؟ اومال ضبط نفس ايه وزفت ايه اللى قارفنا بيه طول الوقت.
شريف رد بسرعة بنبرة صوت حاسمة يقطع بيها أى نقاش:
انا قولت اللى عندي يا عبده، مش راجع البيت.. ولو رجعت هخلص ع سليم.
عبدالرحمن قعد مكانه مرة تانية وضغط ع الفون بعصبية أكتر، وصوته بقى حاد:
يا أخي يلعن أبو سليم ما طرح ما هو قاعد، ما تخلنيش اغلط بقى يا شريف، واقفل عشان ما اولّـ*ـعش فيك وفيه.
فـ نفس اللحظة تقى سمعت اسم سليم، جسمها اتنفض فجأة، وإيدها كلبشت فيه، وخرجت منها صرخة بهيستيريا:
لااااااا، سليم لا يا عبده، ابعده عني عشان خاطري، ابوس ايدك خليه يبعد عني.
عبدالرحمن اتخض عليها، قلبه وقع فـ رجله، ضمها فـ حضنه بقوة وكأنه بيحاول يخبيها جوة ضلوعه من كل اللى أذوها، وباس جبينها مرة تانية: إهدي يا حبيبتي ما تخافيش، مافيش حد يقدر يقربلك طول ما انا عايش، لا سليم ولا أبوه ولا حتى أبويا.
عمر كان واقف متابع كل حاجة، ملامحه هادية، بس عينه فيها قلق واضح وغيظ خفي مش فاهم سببه، قرب خطوة ناحيتها، وصوته خرج هادي باهتمام:
حمدالله ع سلامتك يا انسة تقى.
وبص لأمه وخطيبته وأم كريم:
طب يا جماعة يلا بينا، الحمد لله اطمنّا عليها.
وبعدين رجع بنظره لـ عبدالرحمن:
سؤال معلش قبل ما ننزل.
عبدالرحمن رفع عينه ليه، وهو لسة ضامم تقى بين إيديه:
اتفضل.
عمر سأله بهدوء ظاهري، بس في غليان جواه:
حضرتك هتعرف تغير لها المحلول وتشيل الكانيولا؟ ولا ابعت لدكتور كريم؟
عبدالرحمن رد فورًا، بنبرة فيها ثقة: ما تقلقش يا استاذ، أكيد عارف.
عمر أخد نفس تقيل، وتنهيدة خفيفة خرجت منه فيها غيظ مكتوم:
طيب تمام، ان كان كدا بقى، نستأذن احنا.
لفّ وشه بسرعة، وشاور لحمزة يتحرك، خرجوا برة الشقة، والخطوات كانت سريعة بس تقيلة.
أم عمر وقفتهم فجأة، وبصت حواليها بقلق واضح:
بقول ايه يا جماعة؟ ما ينفعش نسيب تقى لوحدها مع ابن عمها، هو مهما كان قريبها بس برضو ما يصحش، ولا ايه؟
أم كريم هزت راسها موافقة:
والله يا ام عمر عندك حق، المفروض حد يفضل معاهم.
عمر بص لـ أمه بضيق:
ايوا يا أمي يعني هتعملي ايه ولا هترجعي تاني ازاى بعد ما قولنا اننا نازلين؟
أم عمر وقفت بثبات، وعدلت طرحتها، ونبرتها بقت حاسمة:
ولا أى حاجة، هقول الحقيقة، أبوها موصيني عليها ومش هقدر اسيبها غير لما اطمن عليها، ده غير ان ما ينفعش اسيبها لوحدها معاك، والأصول ما تزعلش حد.
قربت أم وفاء خطوتين من أم عمر، وحطّت إيدها ع دراعها بتهدّيها، لكن نبرة صوتها كانت واضحة فيها اعتراض ممزوج بقلق:
لا يا أم عمر أنا مش معاكي فـ الموضوع ده، الواد من ساعة ما دخل، واسم الله عليها تقى ماسكة فيه ومش سيباه.
أم عمر لفّت وشها لها ببطء، بتحاول تفهم، ونبرتها خرجت متحفّزة وفيها تساؤل:
قصدك ايه ياختي؟
أم وفاء أخدت نفس هادي، وبصّت ناحية باب الشقة شايفة تقى وعبدالرحمن قدامها، وردت بهدوء فيه يقين:
قصدي انها مطمنة بوجوده معاها، لو كان في حاجة ما كانتش كلبشت فيه كدا.
حمزة اتحرك خطوة لـ قدام بسرعة، وعينه لمعت بغيرة حاول يخبيها، لكن نبرته فضحته وهو بيتكلم بنوع من الحدة هو مش فاهمها:
يعني حضرتك عايزة تقولي اننا نسيبهم لوحدهم عادي كدا وننزل؟.
أم وفاء بصّت له بنظرة أم حنينة، وابتسمت ابتسامة خفيفة تهدّي توتره، وردت بنبرة هادية وعقلانية:
يا حمزة يا ابني، هو قريبها وأكيد هيخاف عليها أكتر مننا، وأكيد في بينهم كلام كتير محتاجين يتكلموا فيه، وأكيد برضو احنا مش هنسيبهم لوحدهم طول الوقت، أنا هنزل أعملهم لقمة وهطلع أطل عليهم بحجّتها، وشوية كمان ومرات عمك تطلع لأي سبب، وبكدا نبقى اديناهم مساحتهم وكمان ما سيبناهمش، ولا كلامي غلط؟.
عمر سحب نفس طويل، بيهدّي نفسه، وبص لـ حماته بنظرة فيها ضيق لكنه متفهم، وبنبرة هادية:
لا يا خالتي، عداكي العيب.
وبعدين لف وشه للباقيين، وشاور بإيده ع السلم وهو بيحاول ينهي الموقف قبل ما يكبر أكتر:
يلا يا جماعة ننزل، وكمان شوية خالتي أو أمي أي واحدة فيهم تبقى تطلع تطمن ع أنسة تقى وتنزل.
وبالفعل نزلوا كلهم، وسابوا وراهم جو تقيل، مش بس خوف ع تقى..
لكن كمان بداية صراع بين الشباب مش مفهوم، وكل واحد فيهم، شايل إحساسه جواه وساكت.
برد الرحيل بقلمي
&: انت جراااالك اييييييه؟ من أمتى وانت بتفكر بالطريقة ديييي؟ من أمتى وانت بتتخلى عن واجبك؟ وعشان مييييين؟
يتبــــــــع