📁 آخر الروايات

رواية فتنة زكريا الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد

رواية فتنة زكريا الفصل الثالث 3 بقلم نور محمد



— "ز.. ز.. زكـ..ـريا."
الكلمة نزلت على قلب زكريا زي المطر على الأرض العطشانة. سجد على الأرض في مكانه شكر لله، وهو بيبكي من الفرحة.. النطق رجعلها، وأول كلمة نطقتها كانت اسمه.
صدى الحروف اللي طلعت من شفايفها كان بيتردد في ودان "زكريا" كأنه تسبيح. فضل ساجد على الأرض ودموعه بتنزل تغسل قلبه من الخوف عليها والشفقة على حالها.
"فتنة" كانت واقفة بتبصله باستغراب شديد. هي متعرفش يعني إيه بُكا، ولا تفهم ليه الماية بتنزل من عينيه. نزلت على ركبها ببطء قدامه، ومدت إيدها المرتعشة، وبنفس الطريقة اللي هو لمس بيها خدها من شوية، حطت صوابعها على خده ومسحت دمعة نزلت منه.
رفعت صباعها قدام عينيها، شافت الدمعة بتلمع، فقالت بصوت متقطع وضعيف:
— "ما.. مايه؟"
زكريا رفع راسه، وبصلها بابتسامة واسعة رغم دموعه، وهز راسه:
— "أيوة يا فتنة.. دي دموع، بس دموع فرحة.. عشان سمعت صوتك."
ملامحها فضلت جامدة، لسه مش مستوعبة المشاعر المعقدة دي، بس حست إن "زكريا" مبسوط، وده خلاها ترتاح.
روايه فتنة زكريا بقلمي نور محمد
عدى باقي اليوم بهدوء، زكريا كان بيحاول يعلمها أسامي الحاجات الأساسية حواليها. "معلقة.. كوباية.. مية.. باب". كانت بتسمع بتركيز شديد، عينيها بتراقب حركة شفايفه، وتحاول تقلدها بصوت مبحوح كأنه طالع من بير مهجور.
لما الليل دخل، الجو بدأ يبرد تاني، وصوت الهوا بره بقى عالي. زكريا كان قاعد بيقرأ كتاب، و"فتنة" قاعدة على السجادة بتلعب في شراشيب المخدة.
فجأة.. صوت كلب بره نبح بشراسة، وراه صوت خبطة قوية في صفيحة زبالة معدن في الشارع.
الصوت كان عالي ومفاجئ. وفي ثانية واحدة، "فتنة" اتحولت.
صرخت صرخة رعب هزت حيطان البيت، حطت إيديها على ودانها بقوة كأنها بتعاقب نفسها، وبدأت تضرب راسها في الحيطة اللي وراها بهيستريا!
— "فتنة! حاسبي!"
زكريا رمى الكتاب وجري عليها، حاول يمسكها بس كانت بتنتفض زي المذ*بوحة، بتخربش في أي حاجة تطولها، وبتطلع أصوات انين. كانت في عالم تاني.. عالم ضلمة، مليان ضرب، وقسوة، وكلاب بتنهش فيها. الذاكرة الملعونة رجعتلها في لحظة.
— "يا فتنة أهدي.. أنا زكريا! مفيش حاجة بره، ده كلب ومشي.. أنا هنا!"
لكنها مكنتش سامعاه. زحفت بسرعة البرق واستخبت تحت السرير، اتكورت على نفسها، وفضلت ترتعش وتعيط بصوت مكتوم بيقطع نياط القلب.
زكريا وقف مكانه حاسس بالعجز. أي محاولة إنه يخرجها بالعافية هتزود رعبها وتخليها تفقد الثقة اللي لسه بتبنيها فيه. نزل نام على بطنه على الأرض قدام السرير، وبصلها في الضلمة.
— "أنا مش هجبرك تخرجي.. بس أنا مش هسيبك لوحدك."
فرد دراعه تحت السرير، وخلى إيده مفتوحة على مسافة قريبة منها. فضل نايم على البلاط الساقع بالساعات، بيقرأ قرآن بصوت واطي ومطمن، لحد ما حس بلمسة باردة جداً.
ببطء، "فتنة" مدت إيدها، ومسكت في صباع واحد من إيده، كأنها غريقة بتمسك في طوق نجاة. زكريا قفل إيده على إيدها بحنية، وغمض عينيه ونام مكانه على الأرض، راضي ومطمن إنها حست بالأمان معاه.
تاني يوم الصبح، زكريا صحي مكسر. كان لازم ينزل يروح "المشتل" بتاعه، مصدر رزقه الوحيد، وكمان محتاج يشتري أكل وحاجات للبيت. بس إزاي يسيبها لوحدها؟ مستحيل. دي ممكن تأذي نفسها، أو تفتح الباب وتخرج تضيع للأبد.
— "فتنة.. إنتي هتيجي معايا."
جاب عباية سودا واسعة جداً من بتوع والدته، لبسهالها فوق هدومها، وجاب طرحة سودا كبيرة، لفها على راسها ودارى بيها شعرها الطويل، وخلى الطرحة نازلة على وشها شوية عشان تداري ملامحها وجمالها اللي ممكن يجيبله مصيبة في القرية.
كانت متضايقة من الهدوم الكتير وبتحاول تشد الطرحة، بس زكريا مسك إيديها:
— "عشان خاطري سيبيها.. بره في ناس.. الناس ممكن تأذيكي لو شافوكي. دي هتحميكي."
كلمة "تأذيكي" خلتها تسكن فوراً، وبعنيها العسلي الواسعة بصتله بخوف، ومسكت في طرف الجاكت بتاعه.
ركبوا العربية النقل، والمرة دي قعدت على الكرسي جنبه، بس كانت منكمشة وماسكة في هدومه.
وصلوا المشتل.. مكان واسع جداً مليان شتلات ورد، وأشجار فاكهة، ونباتات زينة، وريحة الخضرة والياسمين مالية الجو. المشتل كان على أطراف القرية ومفيش عمال بتيجي بدري كده، المكان كان فاضي تماماً.
نزل زكريا وفتح لها الباب. أول ما رجليها لمست الأرض الزارعية، ورفعت عينيها شافت الألوان دي كلها.. الأخضر، والأحمر، والأصفر.. حصلها حالة ذهول.
سابت جاكت زكريا، وبدأت تمشي بخطوات بطيئة وسط الورد. رفعت إيدها لمست ورقة شجرة ليمون، شمت ريحتها، وعينيها لمعت. شافت زهرة "عباد شمس" كبيرة، قربت منها، وحطت وشها فيها وغمضت عينيها بسلام.
زكريا كان واقف بعيد بيراقبها ومبهور. لأول مرة يشوفها هادية وطبيعية ومفيش في عينيها نظرة الرعب. فجأة، سمع صوت طلع منها.. مكنش كلام، كان "همهمة" بلحن غريب، لحن حزين بس شجي جداً، كأنها بتغني للورد بلغتها الخاصة!
ابتسم زكريا، وراح يشتغل في ترويق الشتلات، وعينه عليها كل ثانية.
وهي ماشية، الطرحة شبكت في فرع شجرة ووقعت لورا، فظهرت رقبتها. زكريا لمح السلسلة الفضة اللي فيها اسمها بتلمع في الشمس.
قرب منها بالراحة:
— "فتنة.. ممكن أشوف دي؟"
شاور على السلسلة. بصتله شوية، وبعدين ميلت راسها لقدام كأنها بتسمحله.
مسك زكريا الدلاية الفضة. مكتوب عليها من قدام "فتنة مرزوق". قلب الدلاية عشان يشوف ظهرها، وهنا دمه نشف في عروقه.
ظهر الدلاية مكنش سادة، كان محفور عليه ختم غائر.. رسمة "عقرب" جواه حرف "النون".
زكريا بلع ريقه بصعوبة. الختم ده مش غريب عليه. ده ختم "عيلة النجعاوي".. عيلة من أخطر عائلات الجبل اللي مشهورين بتجارة السلاح والآثار الممنوعة، وعليهم تار ودم مع نص عائلات الصعيد.
إيه جاب بنت زي دي، بالبراءة والضياع ده، لعيلة زي النجعاوي؟ وليه مكتوب عليها اسمها بالختم ده كأنها "مُلكية خاصة"؟ ومين اللي خطفها ورماها في الشارع وليه؟
روايه فتنة زكريا بقلمي نور محمد
وقبل ما أفكاره تاخده لبعيد، سمع صوت فرامل عربية جيب سودة وقفت فجأة بفرملة قوية قدام باب المشتل.
قلب زكريا وقع في رجليه. شد الطرحة بسرعة غطى بيها وش وشعر فتنة، وخبّاها ورا ضهره، وهو بيبص للرجالة الضخمة اللي نزلوا من العربية، وداخلين عليه بخطوات سريعة وعينيهم بتدور في المكان كأنهم بيدوروا على حاجة ضايعة منهم! وو
يتبع.. نور محمد



الرابع من هنا
تعليقات