📁 آخر الروايات

رواية فتنة زكريا الفصل الرابع 4 بقلم نور محمد

رواية فتنة زكريا الفصل الرابع 4 بقلم نور محمد


صوت خطوات الرجالة الضخمة على الزلط بتاع المشتل كان بيقرب زي دقات طبول الحرب. كانوا تلاتة، لابسين عبايات سودا، وملامحهم قاسية ومخيفة، واحد فيهم كان بيبص يمين وشمال كأنه صقر بيدور على فريسته.
"زكريا" حس بقلبه هيقف، لكنه استجمع كل ذرة إيمان وشجاعة جواه. رجع إيده لورا، ومسك إيد "فتنة" اللي كانت بترتعش بعنف، وعصر عليها بخفة عشان يطمنها، ووقف بجسمه كله مداريها ورا ظهره العريض.
— "يا صاحب المشتل.. يا باشمهندس!"
الصوت كان أجش ومخيف. زكريا رسم على وشه ابتسامة هادية مصطنعة، ورد بثبات:
— "أهلاً يا رجالة.. أؤمروا، المشتل كله تحت أمركم."
الراجل اللي في النص، واللي باين عليه إنه الكبير بتاعهم، قرب من زكريا وعينيه بتفرز المكان حتة حتة:
— "لا مؤاخذة يا هندسة، إحنا مش جايين نشتري.. إحنا بندور على حاجة ضايعة مننا. عربيتنا عطلت على الطريق الزراعي امبارح بالليل في عز المطر، ومضيعين أمانة غالية.. مشوفتش حاجة غريبة وإنت مروح؟ حد غريب، أو.. بنت؟"
كلمة "بنت" نزلت على "فتنة" زي الصاعقة. رغم إنها ورا زكريا ومتغطية بالطرحة، لكن ريحة الرجالة دي، وصوتهم، فتحوا جواها أبواب الجحيم.
ذكريات الضرب، السلاسل، والعتمة هجمت عليها في ثانية. بدأت تنهج بصوت مسموع، وجسمها كله بينتفض تحت العباية، وطلعت منها أنة مكتومة جداً، أنة رعب حقيقية!
الراجل الكبير لقط الصوت، وعينيه ضاقت بشك، وبص على الكيان الأسود اللي مستخبي ورا زكريا:
— "مين اللي وراك دي يا باشمهندس؟ وليه بترتعش إكده؟"
الراجل خطى خطوة لقدام، ورفع إيده كأنه هيمدها يكشف الطرحة!
في اللحظة دي، زكريا متأخرش ثانية.. بذكاء وسرعة بديهة، خبط برجله قصرية زرع فخار كبيرة كانت جنبه، القصرية وقعت على الأرض اتدشملت ميت حتة، وعملت صوت عالي جداً خلى الرجالة ترجع لورا بخضة.
— "يا ساتر يا رب!"
قالها زكريا وهو بيمثل الخضة، وبعدين بص للراجل بملامح حادة وجادة جداً:
— "دي أختي يا محترم.. عيانة ومسحورة، وفيها مس من الجن، ومبتحتملش تشوف حد غريب ولا تسمع دوشة، وإنتوا خضيتوها.. خير؟ في حاجة تانية أقدر أساعدكم بيها؟"
الراجل بص للزرع المكسور، وبعدين بص لزكريا اللي ملامحه كانت صارمة وفيها غيرة الصعيدي على أهل بيته. تراجع الراجل خطوة، وقال بخشونة:
— "لا مؤاخذة يا هندسة، ربنا يشفيها.. عموماً، لو لمحت حد غريب ولا بنت تايهة، اتصل على الرقم ده.. وفي مكافأة عشرين ألف جنيه للي يلاقيها."
رمى كارت على الترابيزة الخشب، ولفوا ظهرهم ورجعوا للعربية الجيب. بمجرد ما العربية اتحركت واختفت من المكان، زكريا ركب ركبه على الأرض، وحس إن روحه بتتسحب منه.
لف لـ "فتنة".. كانت قاعدة على الأرض في الطين، ضامة نفسها، وحاطة إيديها على ودانها بتسدها بكل قوتها، وبتبكي بدموع صامتة بس بتشوي القلب.
زكريا مقدرش يستحمل يشوفها كده، نزل جنبها ومسك إيديها نزلهم من على ودانها بالراحة:
— "مشوا.. مشوا خلاص والله.. أنا هنا، مفيش حد هيلمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس."
شالها بين إيديه وهي منهارة، ودخلها العربية، وقفل المشتل ورجع بيها على البيت بسرعة. مكنش ينفع يفضلوا بره دقيقة واحدة.
أول ما دخلوا وقفل الباب بالمفتاح والترباس، "فتنة" جريت استخبت تحت السرير زي ما بتعمل كل مرة تخاف فيها. بس المرة دي، زكريا مكنش هينفع يسيبها.
السلسلة الفضة اللي في رقبتها دي مش مجرد اسم.. دي العلامة اللي ممكن توصلهم ليها في أي وقت. لازم تتشال فوراً.
راح جاب "قصافة سلك" حديد كبيرة من عدة الشغل بتاعته، وقرب من السرير. نزل على الأرض وبصلها.
— "فتنة.. اطلعيلي.. عشان خاطري."
بصتله بعيون غرقانة دموع ومردتتش.
مد إيده، ومسك طرف العباية بتاعتها وشدها بالراحة. استجابتله المرة دي وطلعت ببطء، بس عينيها وقعت على القصافة الحديد اللي في إيده.. شهقت برعب، وحاولت ترجع لورا! الأدوات الحديد بالنسبة لها معناها "تعذيب".
— "لا لا.. متخافيش.. بصي.. بصي!"
زكريا بسرعة جاب حتة حبل قديم، وربطه حوالين معصم إيده هو، ومسك القصافة وقطع الحبل قدامها. الحبل وقع.
— "شايفة؟ دي بتفك الخنقة.. أنا عايز أفك الحديدة اللي بتخنقك دي، عايز أحررك منها."
بصت للحبل المقطوع، وبعدين بصت لعينيه اللي كانت مليانة رجاء وحنية. الثقة اللي اتبنت بينهم في الكام ساعة اللي فاتوا كانت أقوى من خوفها.
قربت منه ببطء شديد، ورفعت راسها لفوق، وميلت رقبتها كأنها بتقدم رقبتها باستسلام تام للي هيعمله.
الموقف كان بيقطع قلب زكريا. إيده كانت بتترعش وهو بيقرب القصافة الحديد من رقبتها البيضا الرقيقة.
— "بسم الله.. استحملي.. ثانية واحدة."
دخل القصافة في حلقة السلسلة الفضة التخينة، وضغط بكل قوته. السلسلة كانت قديمة ومصمتة، خدت مجهود كبير منه لحد ما سمعوا صوت قوي.. السلسلة اتقطعت!
زكريا سحب السلسلة بالراحة، ووقعت في إيده.
"فتنة" حطت إيدها على رقبتها بسرعة.. مفيش حديد، مفيش خنقة، مفيش تقل كان ملازمها من وهي طفلة! فضلت تحسس على رقبتها بذهول، وبعدين بصت لزكريا، وبصت للسلسلة المرمية على الأرض، كأنها مش مصدقة.
لأول مرة، ومن غير أي مقدمات، "فتنة" هي اللي بادرت. رمت نفسها في حضن زكريا!
لفت دراعاتها الضعيفة حوالين رقبته، ودفنت وشها في كتفه، وبدأت تعيط. بس دي مكنتش عياط رعب ولا وجع، ده كان عياط إنسانة كانت مسجونة في قفص ضلمة ولقيت اللي يكسر القفل ويفتح الباب للنور.
صوت بكاها كان بيزلزل البيت، وزكريا، اللي اتفاجئ تماماً وتصلب في مكانه لثواني، مقدرش يمنع نفسه. رفع إيده المرتعشة، وطبطب على ظهرها بحنية الدنيا كلها، ودموعه كانت بتنزل على حجابها الصوف وهو بيهمس:
— "أنتي حرة يا فتنة.. أنتي حرة وفي أمان ربنا، حقك عليا من كل وجع شُفتيه."
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
بعد ما هديت ونامت من كتر التعب والبكا، زكريا قعد على الترابيزة في الصالة، وولع اللمبة الصغيرة، ومسك الدلاية الفضة التقيلة.
الختم بتاع "عائلة النجعاوي" كان بارز. مسك مفك صغير من عدته، ولاحظ إن الدلاية دي عبارة عن جزئين مقفولين على بعض زي الكتاب الصغير بس متلحمين.
قعد يحاول يفك اللحام بالمفك بحذر شديد عشان ميبوظهاش. بعد ربع ساعة من المحاولات، الغطا الفضة اللي ورا اتفك ووقع.
زكريا قرب الدلاية من النور. مكنتش فاضية من جوه!
كان فيها حتة ورقة صغيرة جداً، متطبقة كذا تطبيقة لحد ما بقت قد عقلة الصباع، ولونها أصفر من كتر القدم.
بإيدين بتترعش، زكريا فرد الورقة بالراحة عشان متتقطعش.
الورقة مكنتش رسالة.. كانت صورة!
صورة صغيرة مقصوصة من صورة أكبر، لست في قمة الجمال.. جمالها هو هو بالظبط جمال "فتنة"، كأنها هي بس أكبر في السن، والست دي كانت لابسة لبس هوانم راقي جداً مش لبس صعيدي، ومبتسمة ابتسامة فيها حزن.
أما ظهر الصورة، فكان مكتوب عليه بخط إيد بحبر أحمر كأنه مكتوب بالدم:
"بنتي وحتة من روحي.. لو في يوم حد لقاكي ولسه فيكي الروح، دوري على عمك 'راشد الكيلاني' في الإسكندرية.. هو الوحيد اللي هيحميكي من شياطين النجعاوي.. متنسيش اسمك، أنتي مش جارية، أنتي فتنة الكيلاني."
زكريا قرأ الكلام، وحس إن الأوضة بتلف بيه.
دي مش مجرد بنت اتخطفت.. دي وراها تار، وعائلات كبرى، وقصة دم! عائلة النجعاوي في الصعيد، وعائلة الكيلاني في إسكندرية! وهو، الشاب البسيط بتاع المشتل، بقى في نص الإعصار ده.
بص لـ "فتنة" اللي نايمة بسلام على السرير بعد ما ارتاحت من السلسلة. ملامحها البريئة متستاهلش الجحيم ده كله.
طبق الصورة، ورجعها في جيبه، وقام وقف وهو حاسس بمسؤولية جبال نزلت على كتافه.
البيت ده مبقاش أمان، والقرية كلها مبقتش أمان. لو النجعاوية شموا خبر إنها معاه، مش بس هياخدوها، دول هيمحوه من على وش الأرض هو والمشتل بتاعه.
لازم يهرب بيها. بس هيروح فين؟ ولإسكندرية إزاي وهو ميعرفش حد هناك؟
وقبل ما يكمل تفكير، سمع صوت خبطتين تقال جداً على باب البيت الخارجي.. خبطات مش بتاعت جيران، خبطات ناس جاية تقتحم!
يتبع.. نور محمد



تعليقات