رواية وريثة العرش المفقودة الفصل الثالث 3 بقلم منه الله ابو طالب
تسمرت أدريانا في مكانها، وسقط السيف الخشبي الذي كانت تمسكه من فرط الصدمة. انفتحت عيناها بذهول صاعق وهي تنظر إلى الرجل الجالس داخل الغرفة الصخرية في نهاية السرداب..
أما ملاك، فكانت تدير عينيها الزرقاوين بين أمها الباكية،
وخالتها المصدومة، وهذا الرجل الغامض الذي رغم علامات الإعياء الشديد والسحر الأسود الذي يظهر في عروقه البارزة،
إلا أن ملامحه كانت تحمل هيبة الملوك وجبروت الأسياد!
أدريانا بصوت مرتعش يملؤه البكاء: "أ.. أطلس؟! الملك أطلس؟! مش ممكن.. إزاي؟! أنت عايش السنين دي كلها؟!"
ركعت أدريانا على ركبتيها أمامه وهي غير مصدقة، بينما تقدمت صفية (كلارا) بدموع ونظرت إليه بحنان جارف وقالت:
"سامحيني يا أدريانا.. السكندرا لما طعنه زمان، الطعنة كانت مسمومة بسحر أسود ملعون.. أنا قدرت أنقذه في آخر لحظة وأهرب بيه هنا لعالم البشر. وبمساعدة الحجر الأزرق عملت السرداب المعزول دا، لأن طاقة أطلس لو ظهرت فوق الأرض، السكندرا هيحدد مكانه في ثانية ويقضي عليه وهو في حالته الضعيفة دي."
التفتت ملاك، وكانت نبضات قلبها تتسارع وكأنها في سباق، نظرت إلى الرجل الذي طالما حلمت به، وتغير لون عينيها للون أزرق دافئ ،
وهمست بنبرة تخنقها الدموع:
"بابا؟!"
نظر إليها أطلس، وارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة دافئة، وحاول رفع يده الضعيفة المرتعشة ليمسح دموعها وقال بصوت مبحوح ووقور هز كيانها:
"ملاكي.. كبرتي يا حبيبتي.. وبقيتي أجمل من حوريات الممالك السبعة.. السنين دي كلها وأنا مستحمل الوجع والسحر اللي بياكل في جسمي بس عشان أشوف اليوم ده.. يوم ما ترجعي حقنا."
ملاك بكت بشدة وارتمت في حضنه، ولأول مرة شعرت بأمان غريب لم تشعر به من قبل، ورغم ضعفه الشديد، كان حضنه دافئاً كالجمر الملكي.
وقفت أدريانا بسرعة ونظرت لصفية بجدية:
"بس يا كلارا، السحر الأسود ده خطير وبياكل في الروح، إزاي فضل عايش 19 سنة والسحر جواه؟!"
أطلس تنهد بضعف ورد هو بنفسه:
"الحجر الأزرق والسرداب بيبطئوا مفعول اللعنة يا أدريانا.. لكن ما بيقضوش عليها.. أنا قوتي بتنتهي بالبطء.. وفاضل شهر واحد بس.. الشهر الموعود.. لو ملاك مأخدتش العرش وفكت اللعنة في ليلة اكتمال القمر، أنا هنتهي للأبد."
نظر أطلس لعيني ملاك الزرقاوين وقال وعيناه تلمعان بنور ملكي:
"ملاك.. في ليلة اكتمال القمر بعد 30 يوم، قوتك المكبوتة هتنفجر.. دمك الملكي النقي هو العلاج الوحيد ليا، وهو السلاح الوحيد اللي هيحرق السكندرا..
السلسلة اللي في رقبتك مش مجرد زينة، دي فيها 'نواة طاقة المملكة'.. والسكندرا قالب الدنيا عليها عشان لو أخدها، محدش هيقدر يقف قدامه."
أمسكت ملاك بالسلسلة بقوة، وفجأة عيونها الزرقاء تحولت للون غامق يشبه عاصفة البحر الهائجة، وقالت بشجاعة وقوة هزت أركان السرداب:
"وعد عليا يا بابا.... السكندرا مش هياخد اللي هو عايزه، والـ 30 يوم دول هيكونوا كابوس عليه هو مش علينا.. أنا من النهاردة هتدرب، وهطلع كل قوتي، والعرش هيرجع لصاحبه الأصلي."
ابتسمت أدريانا بفخر وقالت:
"وأنا معاكي يا بنت أطلس.. مفيش وقت للراحة، لازم نستعد من بكرة الفجر."
في صباح اليوم التالي..
كانت ملاك تسير في ممرات كليتها، بالها مشغول بكل ما حدث بالأمس في السرداب وصورة والدها المصاب لا تفارق خيالها. كانت تمشي وعيناها شاردتان وهي تفكر في ليلة اكتمال القمر، حتى اصطدمت فجأة بجسد قوي كالجدار الصخري.
تراجعت خطوة للخلف وهي تفرك جبهتها بضيق:
"آسفة.. مأخدتش بالي."
رفعت عينيها لتنظر لمن اصدّمت به، وفجأة شعرت برعشة غريبة تسري في جسدها بالكامل، وسلسلتها المخفية تحت ملابسها بدأت تنبض بحرارة مفاجئة غريبة!
كان شاباً في منتهى الوسامة والجاذبية، طويل القامة، ذو جسد رياضي ممشوق، وعينين حادتين كالصقر بلون الرمادي الغامق، ينبعث منه غموض مريب وهدوء يجبر أي شخص على احترامه والالتفات إليه.
تأمل الشاب عينيها الزرقاوين لثوانٍ وكأنه يدرس ملامحها، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال بصوت عميق ورصين:
"ولا يهمك يا دكتورة.. بس ياريت تركزي في الطريق بعد كده عشان متتأخريش على محاضرتك."
ملاك استغربت نظرته وثباته الغريب، وسألته بتحدي وعناد وهي تضيق عينيها:
"أنت جديد هنا؟ أول مرة أشوفك في الدفعة."
ابتسم الشاب بثقة وهو يتحرك من جانبها ويتابع سيره:
"أنا 'زين'.. منقول جديد.. وهتشوفيني كتير الفترة اللي جاية."
سابها ومشي، وملاك فضلت واقفة مكانها مستغربة ضربات قلبها السريعة المفاجئة، وسلسلتها اللّي لسه دافية فوق صدرها! حاولت نفض الأفكار من رأسها ودخلت مدرجها.
وفي اليوم التالي في الكلية..
دخلت ملاك المدرج وقعدت في مكانها المعتاد بالصف الأول. فجأة، دخل الدكتور وبص للطلاب وقال:
"صباح الخير يا دكاترة، معاكم زميلكم الجديد منقول من جامعة ثانية.. 'زين'."
أول ما الدكتور نطق الاسم، ملاك رفعت رأسها بسرعة..
لقت "زين"
داخل بخطوات ثابتة ورزينة، لابس قميص أسود بسيط، وله هيبة خلت المدرج كله يسكت وعيون البنات تتابعه بشغف.
تابع الدكتور كلامه:
"وبسبب ظروف نقله المتأخرة، العميد وجه إنه يشارك في الأبحاث والمذاكرة العملي مع أولى الدفعة.. الدكتورة ملاك. اتفضل يا زين اقعد جنب زميلتك."
ملاك اتصدمت والدم اتجمد في عروقها وهي تراه يتجه نحوها. مشي زين بخطواته الهادئة، وقعد في الكرسي الفاضي اللي جنبها مباشرة. التفت ليها، وبص لعينيها الزرقاوين الواسعتين، وابتسم ببرود وقال بصوت واطي وله رنة عميقة:
"الظاهر إن الحظ معايا.. وهنشتغل سوا يا دكتورة ."
ملاك بصتله بضيق وتحدي وقالت بنبرة حادة وهمس:
"ياريت يكون شغل وبس يا دكتور زين، ومبحبش حد يشتتني في دراستي."
زين ساند ظهره على الكرسي وبص قدامه للدكتور اللّي بدأ يشرح، وابتسم بثقة وقال بهمس لم يسمعه غيرها:
"متقلقيش.. أنا هكون زي ظلك بالظبط، مش هتحسي بيا."
وفي نفس اللحظة دي.. السلسلة في رقبتها نبضت بحرارة قوية تاني وكأنها بتتفاعل مع وجوده، وملاك ضغطت عليها بإيدها وهي بتبص لزين بطرف عينها بحيرة وتقول في سرها: "الشاب ده مش مريح.. وراه حاجة كبيرة.. وأنا لازم أعرفها!"
"ااااسسسسستوووووووووووووووب!"