رواية ظل البراء الفصل الثالث 3 بقلم آية احمد عرفة
لبارت3 ـ شباب تحت الشبهه
"ما خُذلت ظنونك بالله أبدًا... الأمل كان هنا، ينتظر فقط أن تفتحي له الباب.
لم يكن الأمر سهلًا، ولم تكن الليالي خفيفة، لكنها مرّت.
والآن، بدا وكأن الحزن تعب من المكوث، وقرّر أن يرحل بهدوء.
ربما لا تزال الندوب حاضرة، لكن ثمة نور صغير بدأ يتسلل... وكفى به نورًا يُخبرك أن القادم، رغم كل شيء... أفضل."
ـــــــــــــــــ
ذهب الدكتور، لينظر الاستاذ الجامعي إلى براء قائلًا:
ــ أستاذن أنا، وربنا يطمنك عليه.
ثم أضاف:
ــ عاوز أقولك إن حمزة من أكفأ الطلبة اللي عندي، وهو في حاله ومش بيحب يختلط بس زي ما انت عارف... الجيل اتغير، وهو مختلف عنهم. عشان كده بيقابل صدمات في حياته، بس صدقني... هو أحسن منهم.
تنهد براء، ثم قال بهدوء:
ــ دا أخويا، وأنا عارف إنه أحسن منهم... بس زي ما حضرتك قولت، التنمر بيدمّر البني آدم ببطء
أردف الدكتور:
ــ عندك حق، عن إذنك.
قال ذلك وانصرف، ليظل براء يقف وحده حتى سمع صوت "سكن" تردف:
ــ محتاجة أسأل حضرتك شوية أسئلة عشان أعرف شخصية حمزة أكتر. أنا قرأت الملف، بس برضو... إنت أخوه الكبير، فأكيد اللي هتقوله هيبقى مختلف.
أومأ براء بهدوء، ليجلس، وجلست هي أيضًا ولكن على بُعدٍ منه، ثم أخرجت دفترًا صغيرًا من جيب البالطو، وقالت دون أن تنظر إليه:
ــ هل كثرة التنمر اللي بيتعرض له هي السبب إنه بيفقد أعصابه على أي مشكلة؟.
ردّ براء وهو ينظر للأمام بهدوء:
ــ الموضوع مش كده... حمزة وهو صغير كان هادي جدًا، بس لما دخل المدرسة، ابتدأت المشاكل. طبعًا عشان هو سابق سنّه، كان عنده كم معلومات مش طبيعي يكون عند حد في سنّه. غير الأرقام، مهما تديه مسائل، بيحلها في وقت قياسي، مش بيدي فرصة لنفسه يفكر.
وتابع:
ــ من هنا بدأت المشاكل... زمايله في المدرسة مش متقبلينه عشان هو مختلف عنهم، وكمان هو انطوائي جدًا، مش بيحاول حتى يعمل صداقات.
سُكن وهي تدون بعض الاشياء لتقول: ــ أمم... طيب، حتى معاكم؟
هتف بنفى:
ــ لا، إحنا بالذات لا، يعني معانا غير... أكيد عشان إحنا أهله، بس هو مش بيقبل يتعامل مع حد غريب. وهو صغير، اضطريت أعمله ورق يخليه يحضر بس الامتحانات، منعًا للمشاكل، خصوصًا بعد ما لاحظت إنه بدأ يفقد أعصابه على اللي يضايقه.
سُكن بهدوء: ــ وبعدين؟
تنهد وهو يتابع حديثه: ــ لما خلص الابتدائي ودخل الإعدادي، حاولت أغيره، حاولت أخليه يواجه، بس للأسف... ما عرفتش. عشان أتجنب المشاكل تاني، عملت نفس الورق، ويحضر بس الامتحانات. لحد ما وصل للثانوية، وضغطت عليه عشان يحضر، رفض. قاللي: "أنا مش حابب أواجه قساوة العالم الخارجي".
صمت قليلًا، ثم تابع: ــ لما سمعت الجملة دي، قررت للمرة التالتة إني أخليه يحضر بس الامتحانات، لحد تالتة ثانوي. جاب مجموع كبير جدًا، كنت متوقع إنه هيقفل، جاب ١٠٠٪. لدرجة إن في حد كلمني وقاللي: "لو بإيدي، كنت زوّدت كمان".
ابتسم بحزن: ــ وصل للكلية، واختار هندسة. قال إنه حابب المجال دا، بس أنا صممت يخش ويحضر. عشان كبر، وهييجي عليه وقت، وأنا مش هكون موجود، فكان لازم يواجه العالم ويتعايش مع الناس اللي حواليه.
سُكن وهي تقفل الدفتر وتضعه في جيبها: ــ ولاقَيت نتيجة؟
براء: ــ ٤٠٪، آه... نزل معايا المحل، وبيوقف في الأيام اللي ماعندوش فيها محاضرات. من وجهة نظري، في تحسن في طبعه، بس الكلية صعب يتحسن مع زمايله اللي فيها. للأسف، الجيل دا بقى صعب، مش بيراعي بعضه... كأنهم بيشوفوا العيب عند الشخص ويدوسوا عليه. بس أنا شايف أخويا ميزة مش عيب... بس أوصل دا ليهم إزاي؟ هما لو ما اتنمروش، يحسوا إن في حاجة غلط!
2
أكمل بحُرقة: ــ مع إن أي حد بيتنمر... هو اللي عنده نقص، وبيكمله بأفعاله.
أُعجبت سُكن بلُباقته وحديثه العميق، فأردفت بابتسامة: ــ عندك حق يا أستاذ...
ليقول بهدوء: ـــ براء
هزت رأسها بهدوء لتسترسل حديثها: ــ أستاذ براء، إحنا عايشين في زمن صعب. البني آدم المختلف... بيشوفوه عيب، مع إنه، زي ما حضرتك قولت، هو ميزة. حتى المجتمع، بيشوفه كأنه شخص غير سوي، مع إنه ممكن يكون أَسوى وأكفأ منهم بمراحل!
ثم تابعت حديثها بثقة: ــ عمومًا، أنا هتابع حالة حمزة. لو ممكن ييجي لي المستشفى كل يوم حد، أتكلم معاه شوية... يمكن دا يفرق في نفسيته كتير. صدقني، المهدئات والعلاج مش هيجيبوا النتيجة اللي ممكن الكلام يجيبها.
هزّ براء رأسه بهدوء: ــ تمام... هقنعه الأول.
لتقوم قائلة: ــ هستناه أكيد، وهو قرب يفوق. تقدر تدخله، وأنا هعدي أشوفه قبل ما يمشي... عن إذنك.
قالت ذلك وغادرت، ليقوم هو ويدلف إلى الداخل.
كان حمزة مستلقيًا على الفراش، وجهه شاحب، جلس براء على الكرسي المقابل له، ينظر إليه بحزن.
ـــــ
داخل بيت علوان، جلس "أدهم" أمام الشاشة يتابع قناة إخبارية تنقل مشاهد من غزة؛ معاناة لا تُحتمل، وحياة بالكاد تُسمّى حياة.
خيامٌ بدلًا من البيوت، نقصٌ حاد في الطعام، أمراضٌ تتفشّى بلا علاج، وأطفال يموتون جوعًا، وكبار سن يتألمون في صمت داخل خيام بالية.
العدو لم يكتفِ بهدم البيوت... بل هدم الأرواح، قتل الأحلام، وأطفأ نور الطفولة في عيون الأبرياء. كلّ عائلة فقدت نصفها، وكلّ قلب ذاق مرارة الفقد والخذلان.
أطلق "أدهم" زفرة طويلة، وكأن صدره ضاق بكل هذا الألم. همس في نفسه:
ــ "ياااه... قد إيه هما صابرين بعد اللي عاشوه!"
لو كان بيده أن يفعل شيئًا، لفعل دون لحظة تردد، لكنه عاجز... لا يملك إلا الدعاء فقط
ـــــ
داخل المستشفى ،بعد فتره قليله بدأ يفتح عينيه ببطء، ليرمش عده مرات يحاول تذكر ما حدث لهو
ليأتي صوت "براء" :
حمدالله على السلامه يا حبيبي
نظر حمزة اليه:
ــ الله يسلمك
لينظر اليه وهو يقترب منه:
ــ تطمني عليك عامل ايه دلوقتي
ليتنهد بضيق:
ــ كنت أتمنى إني ما صحيش تاني...
حزن علي حديثه ليأخذ نفس عميق حتى لا يغضب عليه:
ــ ما تقولش كده.. إنت غالي يا حمزة، غالي أوي.
لينظر حمزه إلي السقف بشرود:
ــ أنا تعبت يا براء... كل يوم أحاول أكون طبيعي، بس كل حاجة حواليا بتفكرني إني مش زيهم... الناس بتبصلي بنظرة غريبة... حتى في الكلية!
هز رأسه بهدوء:
ــ عارف... بس مش لازم تبقى زيهم، لإنك أحسن منهم.
نظر حمزة اليه بدموع:
ــ طب ليه بيتعاملوا معايا كأني عيب؟ ليه كل ما أتكلم يضحكوا؟ وليه كل ما أجاوب سؤال صح يبصولي كأني من كوكب تاني؟ أنا زهقت!
امسك يد أخيه يحاول أن يخفف عنه:
ــ لأنهم خايفين منك، خايفين من اللي مختلف، من اللي عنده موهبة حقيقية. التنمر دا مش عيب فيك، دا عيب فيهم... الناس الضعيفة بس هي اللي بتدوس على غيرها عشان تحس إنها قوية.
حمزة بحزن:
ــ وأنا مش قوي يا براء... أنا بضعف... كل ما بخرج من البيت، بحس إني صغير... لوحدي... مش قادر أتنفس أنا كرهت اشوف الناس كرهت الكليه بسببهم.
لكنه قال برفق ممزوج بالحنان:
ــ وإنت مش لوحدك، أنا جنبك، وهفضل جنبك... إحنا هنعدي دا سوا، وهتروح لطبيبة نفسية هتسمعك من غير ما تحكم عليك، وهتخرج اللي جواك، وهتتعلم إزاي تتعامل من غير ما تؤذي نفسك.
ليرد بصوت شبه هامس:
ــ بس أنا مش عايز أتعالج... أنا عايز الناس تبطل
تأذيني بكلامهم الي بيتردد في كل مرحله بحياتي
براء بهدوء وهو يحاول اقناعه:
ــ مش دايمًا نقدر نغيّر الناس، بس نقدر نغيّر رد فعلنا ليهم. العلاج مش علشان تعترف إنك مكسور، لا... دا علشان ترجع توقف على رجلك، أقوى من زمان، وتعرف ترد من غير ما تأذي نفسك افهم بقا انا خايف عليك هو أنت مش عارف غلاوتك عندي
صمت لحظه كأنه يفكر في حديثه :
ــ عارف اكيد......لو وافقت... هتيجي معايا؟
ليرد مسرعا:
ــ هاجي، وهستناك برّه كمان حمزه افهم أنا عاوزك احسن حد في الدنيا عاوزك تتحكم في غضبك
عشان كده انتي بتأذي نفسك
هزّ حمزة رأسه له بهدوء تدل على موافقته
ثم تنهد براء براحة، إذ شعر أنه أخيرًا استطاع إقناعه، ليدعو له بالهداية في سره.
في تلك اللحظة، دق أحدهم الباب، ثم دخلت فتاة بخطوات ثابتة ونظرة هادئة، كانت هي "سُكن". نظرت إلى حمزة قائلة: ــ حمدلله على السلامة
ردّ بنبرة خافتة: ــ الله يسلمك
سألته باهتمام: ــ عامل إيه دلوقتي؟ أحسن؟
أجاب وهو يشيح بوجهه: ــ اخرج
نظرت إليه باستغراب: ــ نعم؟
أكمل بضيق واضح: ــ أنا عاوز أخرج... عاوز أخرج من هنا مش قادر افضل اكتر من كده.
هزّت رأسها برفق، ثم قالت:
ــ آه، أكيد تقدر تخرج... بس خلينا نتعرّف الأول.
ثم أردفت بابتسامة بسيطة:
ــ أنا الدكتورة سُكن، المسؤولة عن حالتك.
نظر إليها بضيق، وقال بتهكم:
ــ هو أنا بقيت "حالة" كمان؟
حاولت السيطرة على الموقف سريعًا:
ــ لا، مش قصدي كده... أنا بس جيت أطمن إنك فوقت، وأكيد هستناك يوم الحد الجاي.
أنهت كلماتها وغادرت الغرفة، بينما نظر حمزة إلى أخيه متسائلًا:
ــ دي دكتورة؟
هزّ براء رأسه
: ــ آه، الدكتوره سكن مالها؟
حمزة وهو يتأمل:
ــ اسم سُكن مألوف ليا... دي أخت صاحب مهاب، صح؟ سكن علوان؟
نظر براء كأنه يحاول التذكر:
ــ عارف لما سمعت اسمها، حسّيت إنه مألوف، بس مش فاكر... إنت صح، أخت أدهم صاحب مهاب
حمزة وهو يحدّق أمامه:
ــ أنا مش بنسى حاجة.
ابتسم براء وقال وهو يداعب شعره بحنو:
ــ عارف.
تأمّله حمزة قليلًا، ثم سأله:
ــ بس انت ليه بتمثل إنك طبيعي؟
تفاجأ براء من سؤاله، وقال:
ــ أنا كويس
هزّ حمزة رأسه نافيًا:
ــ أنا عارفك... إنت مش كويس يا براء، واضحة أوي. على فكرة، انت دايمًا بتقول "عينك ميزان يا حمزة"، وأنا ميزاني قالها... حالك مقلوب وحزين، بس بتحاول تبان عكس كده.
خفض براء عينيه قائلًا:
ــ مش قادر أتكلم دلوقتي.
ابتسم حمزة وهو يمزح:
ــ خلاص، متزعلش... روح احجز أنت كمان عند الدكتورة سكن، إيه رأيك؟
ضحك براء بصخب على تلقائيه حديثه
ليكمل حمزة بنفس النبرة:
ــ أنا بتكلم جد، مش بهزر على فكرة.
براء وهو يهز رأسه:
ــ حبيبي، أنا كويس... متقلقش.
حمزة بهدوء:
ــ هعمل مصدقك، بس مش هصدقك تمام.
ثم نهض براء بتثاقل، وقال:
ــ يلا نمشي.
ردّ حمزة وهو يتأفف:
ــ اممم، أساسًا أنا مش بحب المستشفيات.
ـــــــ
داخل بيت الزيني، وتحديدًا في المطبخ، كانت "أميرة" تقف منشغلة بإعداد الغداء، حين دخلت "هند" بعد أن نزلت من عند والدتها، واقتربت منها قائلة:
ــ ده أنا كنت نازلة أعمل الأكل.
نظرت إليها أميرة بابتسامة هادئة:
ــ عادي... أنا عملته.
نظرت "هند" إليها بإدِّزار، وقالت:
"شكلك خلاص نويتيها!"
1
حدقت فيها "أميرة" بدهشة، متسائلة:
"نويّت إيه؟"
أومأت "هند" بضيق ظاهر على وجهها:
"إنك هتقعدي عندنا."
شعرت "أميرة" بالانزعاج من تلميحاتها، وردّت بهدوء:
"أنا بس كنت..."
قاطعتها "هند" بحزم:
"مش عاوزة تبريرات يا أميرة! الواحده يا حبيبتي تستحمل جوزها أحسن ما تبقى مطلقة، وكمان على كتفك عيلة، وهتقعدي عالة على أخوكي... مش كده كتير برضو؟! أنا لو مكانك أستحمل نصيبي."
تجمّعت الدموع في عيني "أميرة"، ليأتي صوت "مهاب" من الخلف بعدما سمع حديثهما، قائلاً بحدة:
ــ على كده بقى، يعني لو أخويا بيضربك كنتي هتكملي معاه وتقولي "نصيب" يا مرات أخويا؟
ولا عشان اللي إيده في الميه مش زي اللي إيده في النار؟!
ابتلعت "هند" لعابها، خائفة من أن يخبر "مهاب" شقيقه "براء"، فقالت مسرعة:
"لا يا مهاب، أنا مش قصدي... أنا بس كنت..."
قاطَعها بضيق واضح لا يقبل النقاش:
"ابقي برّري لأخويا لما ييجي، عشان أنا هقوله... هو يخليكي تعرفي حدودك إيه."
ثم نظر إلى "أميرة":
"أختي هنا في بيتها... فاهمة؟ مش قاعدة عند حد!"
وأكمل وهو يشير إلى "هند":
"اعملي اللي انتي عاوزاه يا أميرة. أصل هي فكرت نفسها عايشة في ملكها عشان تتحكم فينا! فوقي يا مرات أخويا، وشوفي بتقولي إيه ولمين. وعامةً... حسابك مع أخويا لما ييجي."
نظرت إليه "هند" بغضب:
"عاوز تخرب بيتي زي أختك؟!"
قالتها وذهبت وهي منفعلة، بينما التفتت "أميرة" إلى "مهاب" والقلق يملأ وجهها:
"لا، مش هتقول لبراء حاجة يا مهاب... أرجوك!"
قال "مهاب" باستنكار:
"هو انتي عاجبك كلامها يعني؟!"
أميرة، وهي تنفي بسرعة:
"لأ، بس كفاية... أنا بيتي هيتخرب، ومش عاوزة أعمل مشاكل بين أخويا ومراته، ولا حتى أكون سبب فيها... عشان خاطري، ما تقولش حاجة."
هز رأسه على مضض، وهو ما يزال متضايقًا من كلام "هند"، ثم قال:
"أنا نازل المحل."
أوقفته "أميرة":
"أمال كنت طالع ليه؟"
ردّ بهدوء:
"نسيت... كنت طالع أشرب وأتوضى، عشان العصر هيأذّن."
ثم ذهب إلى الحمام.
ـــــــ
في الأسفل، توقفت السيارة، ونزل "براء" و"حمزة". ومع ارتفاع أذان العصر، التفت "براء" إلى أخيه قائلاً:
ــ تعال نصلّي.
ذهبا إلى الجامع، توضآ، وبدأا الصلاة خلف الإمام. وبعد انتهاء الصلاة، بدأ الناس في المصافحة، إلا "حمزة" الذي لا يحب أن يلمسه أحد لا يعرفه، فرفض المصافحة، ثم التفت إلى أخيه قائلاً:
ــ أنا هروح.
هز "براء" رأسه له، فذهب "حمزة" وبقي "براء" في مكانه يسبّح، حتى جلس بجانبه الشيخ قائلاً:
ــ مالك؟
نظر إليه "براء":
ــ كويس.
ابتسم الشيخ:
ــ مش هتوه عنك يا ابن الغالي... قول، يا شيخ براء، مالك شايل الهم ليه؟
ابتسم براء بخفة:
ــ أنا مش شيخ.
ضحك الشيخ وهو يربت على كتفه:
ــ كنت مستنيك تقول كده، بس هنعمل إيه؟ الناس شايفاك كده. هو الزمن اتغيّر، وبقى الشخص الملتزم اللي بيمد إيده لمساعدة غيره وبيحافظ على دينه، بيبقوا شايفينه شيخ! عشان الفتنة بقت كتير أوي...
خلينا في الموضوع، قولي مالك.
قال "براء" بصوت خافت يمتزجه الحزن:
ــ عارف لما الواحد يكون بيتمنى حاجة من الدنيا، بس مش قادر يوصل لها؟
مع إني صبرت واتحملت كتير أوي، وبرجع أقول "الحمد لله على كل حاجة"
بس أنا بتمنى إنها تحصل، ومفيش في إيدي غير الدعاء.
نظر إليه الشيخ بثبات:
ــ كل حاجة ليها وقتها هو أنا اللي هقولك؟ ربنا بيجبر، وبيحقق الأماني حتى لو فات عليها سنين.
ابتسم "براء" ابتسامة حزينة:
ــ بس أمنيتي استحالة تتحقق. أبدًا.
نظر إليه الشيخ مطولًا، ثم قال بهدوء:
ــ استحالة عندك ولا عند ربنا؟
نظر "براء" إلى الأرض ولم يرد، فتابع الشيخ بنبرة حكيمة:
ــ ربنا قال في كتابه:
"ولا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون."
عارف معناها؟ يعني مفيش مؤمن بيفقد الأمل في رحمة ربنا. لو الدنيا كلها قفلت في وشك، هو يقدر يفتحلك باب محدش يوصله غيرك.
همس "براء" بصوت مختنق:
ــ بس أنا تعبت تعبت من الانتظار كل مرّة أفتكر إن ده وقت الإجابة... ويعدي كأنه ماكانش موجود
هز الشيخ رأسه بأسى، ثم قال:
ــ هو قال: "ادعوني أستجب لكم"، بس ماقالش هتستجاب الدعوة إمتى ولا إزاي...
وفي آية تانية جميلة أوي، دايمًا بحبها:
"وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون."
انت بتتمنى... بس هو شايف حاجه أنت مش شايفها، بيصرف عنك شر يمكن كان يكسرك. أو بيحضّرلك لحظة تجبرك، بس في وقتها.
تنهّد "براء" :
ــ بس أنا حاسس إني خلاص فقدت الأمل يعني بدعي وبحاول أكون كويس، وبرجع كل يوم كإني ما اتحركتش من مكاني.
ابتسم الشيخ وقال بهدوء:
ــ "فإن مع العسر يُسرا. إن مع العسر يُسرا."
يعني اليسر جاي، جاي. يمكن دلوقتي حاسس بضيق، ربك ما بيخيبش ظن حد لجأ له بقلبه كله.
ابتسم له قائلًا:
ــ أنا محتاج أصدق ده... محتاج أصدق إن لسه في أمل.
ابتسم الشيخ وهو يربت على كتفه بلطف:
ــ وإحنا كلنا محتاجين ده، بس أول خطوة... إنك تقوله "يا رب" وإنت مصدّق فعلاً إنه هيقولك "نعم يا عبدي".
براءه براحه:
ونعما بالله العلي العظيم
ــــــــ
عاد "براء" من المسجد، وكان ذهنه مشغولًا بحديث الشيخ، لكن قلبه هدأ قليلًا، رغم أن ملامحه ما زالت مرهقة. فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل.
كانت "أميرة" ووالدته يرصّان الأطباق على السفرة، فنظر إليهما:
"أمال هند فين؟"
فردت والدته بهدوء:
"جوا في الأوضة."
دخل "مهاب" أيضًا بعد أن أغلق المحل:
"مساء الخير."
أجاب الجميع:
"مساء النور."
بعد فترة، في الصالة، جلس "براء" على الأرض بجانب الترابيزة، يحتسى الشاي، بينما "مهاب" جالس ممسكًا هاتفه يعبث بها، ويبدو عليه الملل الشديد.
نظر "مهاب" إلى السقف وقال:
"تحس إن في حاجة غلط في الجو... هدوء كده مش طبيعي... افتكر عشان مرات أخويا نايمة."
نظر براء إليه بهدوء معتبر الأمر مجرد مزحة:
"طب اعدل بقي"
ثم تابع "مهاب" بمزاح:
"اعمل إيه يعني! أنا حاسس إنها عالطول بتزعق على أي حاجة. المهم إنها تزعق وخلاص."
وواصل وهو يضحك:
"أنا عندي نظرية إن فيه زرار في المطبخ لو اتضغط بالغلط، هند بتظهر فجأة وتزعق! بتحب الصوت العالي، مش عارف ليه!"
هز "براء" رأسه بيأس، مدركًا أنهم ليسوا على وفاق.
ثم خرج "حمزة" من غرفته، ملامحه ثابتة وهادئة جدًا، ماسكًا ورقة تحتوي على أرقام ومعادلات، ووقف أمامهم قائلا بجديّة:
"إحنا هنطردها إمتى؟"
براء ومهاب فجأة اتجمدوا في مكانهم، وهما يتطلعوا الي بعضهم لبعض، ليوجهوا نظرهم له في صدمة.
براء بعدم فهم:
ــ هـ... هـنطرد مين يا حمزة؟
حمزة وهو ينظر في الورقة بتركيز:
ــ مراتك. أنا حسبت إنها بتزعق ٩ مرات في اليوم،
ومتوسط الضربات الصوتية ٧٣ ديسيبل...
ده أعلى من الحد المسموح بيه في البيوت بنسبة ٤٣٪
يبقى المفروض نطردها يوم السبت الساعة ٥:٣٢!
سقط مهاب من أعلي الاريكة من كثرة الضحك، وبراء كتم ضحكته وقال بهدوء:
ــ حمزة... يا حبيبي، احنا بنهزر، مين قال نطردها؟
حمزة بجديّة شديدة:
ــ ده دليل سلوكي واضح على وجود تأثير سلبي مستمر بسبب وجودها ،وأنا بذاكر على بيئة مريحة نفسياً، لو مش هنتصرف، أنا هلبس سماعاتي للأبد!
3
ابتسم براء له ووضع يده على رأسه قائلا بنفاذ صبر:
ــ يا ابني انت في يوم هتقلب البيت دولة مستقلة!
1
ضحك مهاب وأكمل:
ــ لا ما هو مش طبيعي... حمزة طلع بيحسب "السعادة" بالمعادلات!
رف حمزه حاجبه قائلا بكل بجدية عبقرية وهو يتطلع إليه:
ــ المشاعر أرقام... بس الناس مش بتحب تعترف.
لينظر مهاب الي براء:
ــ قوم حضر كرسي وزارة الداخلية... أصل شكله ناوي يوزن لنا كل اللي بنحس بيه!
ضحكوا هما الإثنين، اما حمزه كان يتطلع إليهم بكل جدية، كأنه مازال ينتظر منهم أمر بقرار الطرد.
ليقوم براء بعد فتره دلف الي غرفته كانت تجلس على الفراش تمسك الهاتف وتتصفح الانترنت لينظر اليها:
ــــ بدام صاحيه مجتيش تقعدي برا ليه
رفعت نظرها إليه:
ـــ عادي قولت تقعد مع اخواتك براحتك
هز رأسه بهدوء
لتنظر إليه:
ــ مالك... في حاجه
ليهز رأسه بنفي:
ـ لا مفيش حاجه خالص
هزت راسها بمكر فهي من الأساس تعرف سبب عبوثه ولو يكن يريد أن يخبي فلتدعي عدم المعرفة اهم شئ هذه النظره التي ترتسم بعينه نظره خيبه الامل
هذا يرضيها كثيرا احسن ما تكون هي التي بمكانه
وتعيش هذه المشاعر المؤلمه
2
ــــــــ
في الليل، وداخل بيت "علوان"، كان أدهم جالسًا مع "سُكن"، فنظر إليها قائلًا:
ــ سيادة المحققة... في حاجة حابة تضيفيها؟
ردت سكن بلهجة لينة:
ــ أدهم، بلاش الأسلوب دا... أنا قصدي لو في حاجة مضايقاك، قول. يمكن أقدر أساعدك.
صمت لعدة ثوانٍ، ثم نظر لها وقال بنبرة مختنقة:
ــ لا... مفيش.
أنا بس مخنوق... حاسس إني كل ما آخد خطوة عشان أتقدم، الحياة تديني ضربة أقوى من اللي قبلها، كأنها بتقولي "خليك كدا، عاوزينك ميؤوس من كل حاجة." وأنا تعبت، وبدأت أستسلم عشان زهقت
حاسس إني مبقاش عندي طموح زي الأول، ولا بقا عندي عزيمة إني أناضل في حاجة بتتعبني.
أنا جبت آخري من اللي شُفته وعيشته يا سكن
حاسس إن الدنيا معانداني أوي.
حاولت أن تهوّن عليه بحديثها، فقالت:
ــ ليه مش تقول إن دا ابتلاء؟ ربنا بيختبرك وبيشوف صبرك يا أدهم يبقى لازم تكون قد الابتلاء دا، وتجتازه كمان.
هزّ رأسه بخفوت وهو يقول:
ــ هحاول
ردّت عليه بحزم:
ــ لا... مش هتحاول، هتعمل كدا فعلًا
ثم تابعت برفق:
ــ بص، أنا قدمت الـ CV بتاعك لتلات مستشفيات، ومنهم المستشفى اللي أنا شغالة فيها... يا رب تتقبل عندي عشان تبقى معايا، يا دكتور.
نظر إليها بعدم تصديق:
ــ وصلتي للـ CV إزاي؟
ابتسمت بخفة:
ــ عادي... دورت في أوضتك وإنت مش موجود، لاقيته في درج الكومودينو. مش قصة يعني سحبتهم في ايميل عندي وسجلت كل حاجة وبعت
نظر لها مطولًا:
ــ قلت بتنفعي محققة مش بتصدقيني.
ابتسمت عقب حديثه:
ــ ما أنا بستخدم التحقيق في شغلي كمان!
رفع حاجبه مستغربًا:
ــ إزاي؟
قالت بفخر خافت:
ــ أنا دكتورة نفسية، وشغلي علّمني إزاي أُسحب الكلام من المريض شفت أحلى من كدا؟!
هزّ رأسه وهو يبتسم، ولكن فجأة دق الباب بقوة.
كادت "سندس" أن تذهب لتفتحه وهي تضع الخمار على عجل، لكن "أدهم" أوقفها قائلًا:
ــ ادخلوا جوا انتوا الاتنين.
دلفت سندس وسكن إلى الغرفة، وفتح أدهم الباب.
كانت الشرطة أمامه قال أحدهم بجدية:
ــ إنت أدهم علوان؟
هزّ رأسه بعدم فهم فقال الضابط بصرامة:
ــ هاتوه.
أخذوه وهو لا يفهم شيئًا استمعوا لما حدث، فاندفعت سكن بسرعة لتبدّل ثيابها وتنطلق وراءه.
قالت "سندس" بقلق:
ــ هاجي معاكي.
ردت سُكن بسرعة:
ــ لا، خليكي عشان بابا بلاش يحس بحاجة ويتعب. خليكي، وأنا هطمنك.
ـــــــــــــــ
داخل بيت "الزيني"، كان "براء" في غرفته، و"أميرة" جالسة مع "مهاب" الذي يلاعب فريده إبنه اخته، و"حمزة" كعادته يقرأ الكتب ليكوّن معلوماته، بينما والدتهما ترتاح في غرفتها.
دق الباب بقوة، فذهب "مهاب" مسرعًا ليفتح.
خرج "براء" و"حمزة" من غرفتَيهما في الوقت نفسه.
نظرت الشرطة إليهم وسأل أحدهم بحدة:
ــ مين فيكم مهاب الزيني؟
نظروا إلى بعضهم، ثم قال مهاب بثبات وعدم فهم:
ــ أنا.
قال الضابط:
ــ هاتوه.
أخذوه وسط صدمتهم، وبكاء والدته التى لا تفهم شيئا.
انطلق "براء" مسرعًا، أخذ سيارته وتبعهم، وهو خائف على أخيه... فهذه أول مرة يتعرضون فيها لموقف كهذا.
ـــــــــــــــ
هكذا تتحرك الأحداث في صمت، وكأننا محاصرون بين جدران لا تُرى.
كل كلمة تقول، وكل نظرة تُرسل، تصبح قيدًا يثقل القلب.
الجو من حولنا ضيق يضغط على النفس، فلا نعرف إلى أين يتجه كل شيء.
ــــــــــــــــ
تفتكروا إيه سبب القبض على "أدهم" و"مهاب"؟
ــ مين اكتر شخصيه كرهتوها لغايه دلوقتي ؟
5
ــومين اكتر شخصيه اتعلقتوا بيها بما اننا في الأول؟