رواية ست قوارير الفصل الثالث 3 بقلم امينة محمد
الفصل الثالث
|مشاعر مُثقلة|
شئت أم أبيت الحياة ستأخذ منك كل ما تحب في يومٍ ما.. لذلك تأقلم
هناك بعض اللحظات الفاصلة في الحياة لا تحتاج الى صراخ او تفسير فيما بعد؛ بل تحدث ثم يتبعها صمت ثقيل يحمل كل المعاني..
لم يكن تميم يفكر في العواقب حين اندفع نحو ذلك الابلة، كانت حركته نحو الشاب الذي اعترض طريق أخته سريعة وحاسمة، انفجار لغضب مُحتجز وجد سبيله أخيرًا بلكمة قوية استقرت على وجه بدر.
تداعى بدر وسقط أرضًا، وتوقف العزف فجأة ثم تبعه صمت ثقيل غمر المكان ونظرات متوجسة توجهت نحو ما يحدث
بينما سجى وقفت حيث كانت واتسعت عيناها، فكانت قبل قليل تتحدث مع هذا الغريب حتى لا يُدخن في المكان، والآن لم تعد ترى بهذا الغريب مجرد ضيف يخترق قواعد المكان، الآن فقط رأت فيه قوة جامحة لن تستطع السيطرة عليها.
وقفت نور خلف اخيها ويدها بحثت عن سترته تمسكها بقوة، تبحث عن حماية مما وقعت به؛ رأت فيه الحائط المتدفق بالقوة الذي لا يمكن ان يخرقه احد..
نهض بدر بصعوبة وهو يمسح الدماء التي بدأت تسيل من شفته، كان الغضب والخزي يغطيان ملامحه المهانة:
"مين أنت عشان تعمل كده؟ أنت متعرفش أنا مين؟"
قالها بنبرة مشتعلة.
بينما تميم لم يكلف نفسه عناء النظر إليه، التفت إلى نور وبهدوء حقيقي سكن نبرته التي كانت قبل قليل مدوية:
"أنت كويسة؟"
_"أنا كويسة، متقلقش"
أجابته نور، وصوتها يُعبّر عن امتنان لا حدود له.
وجهت نظرها بعدها لصديقتها تنظر لها بأسفٍ عما حدث منها هي وأخيها في حفلة عيد الميلاد تلك، التي كانت من تنظيم سجى الساخطة هي الأخرى بسبب ما حدث الآن في حفلة من المفترض أن تكون هادئة والأجواء فيها سعيدة لا مشحونة بالغضب والتوتر!
عاد تميم ببرود غريب يوجه حديثه نحو بدر:
"لو فكرت تقرب من أختي أو تضايقها تاني، هتشوف مني اللي يخليك تنسى اسمك الحقيقي"
في هذه الأثناء اخترقت سجى الوضع المتوتر وتقدمت خطوتين نحو تميم، تجاوزت الشاب المدمي وعيناها لم تريا سوى الجهد المهدور لحفلها.
"يا أستاذ أنت لازم تمشي فورًا بوظتلي الحفلة! المكان ده مش حلبة مصارعة عشان حضرتك تقوم زي الهمجي كدا تضرب الناس وكان المفروض تقف تتناقش بهدوء!"
قالتها سجى بنبرة غضب لم تخلو من انزعاج عميق، نبرتها كانت تحمل توبيخ وتحميله ذنب ما حدث في هذه الحفلة
"الحفلة دي بتاعتك أنت؟"
سألها تميم ونظرته التقطت فيها شيئًا من التحدي المشترك الذي يراه في نفسه، ثم طالع تفاصيل الحفلة مجددًا بعينين لا مباليتين وأكمل:
"ما في داهية حفلتك عادي مادام فيها ناس قليلة الأدب لازم تتربى، اسألي النجم كان بيعمل إيه عشان ياخد مني الضربة دي!"
هنا تدخلت صديقة نور -صاحبة عيد الميلاد- بتذمر قائلة:
"دي اسوأ حفلة عيد ميلاد اتعملتلي بجد، شكرًا يانور انتِ وأخوكِ عالفضايح دي"
هل هم معاتيه؟
سؤال وحيد منه لنفسه عن كونهم لم يهتموا لأي شيء آخر سوى أن حفلتهم تحولت لشجار عنيف وأصبح جوها مشحون!
استفاق على صوت بدر يهدده قبل أن يتحرك:
" صدقني اللي حصل ده بحساب، وأنا هوريك إزاي هاخد حقي وإنك تمد إيدك عليا وتهيني كدا"
ثم وجه نظرة مشتعلة بالحقد نحو نور هي الأخرى قبل أن يتحرك مغادرًا ومعه بعض أصدقائه، ثم تبعه واحدًا تلو الآخر وحتى صديقتها رحلت!
وقفوا في المكان هم الثلاثة يتبادلون النظرات
واحدة خائفة بتوتر
ثانية مشتعلة بالغضب
والثالث لا مبالٍ بكل تأكيدٍ بما حدث سوى أنه استرد حق أخته أمام الجميع حتى لا يقترب منها ذلك الوغد مجددًا.
_"حضرتك أتمنى تكون فرحان باللي حصل ده، الحفلة لسه في بدايتها وباظت، وده مش موضوعنا حتى لو عايز تجيب حق أختك عالأقل تراعي إنك في مكان له صحاب بوظتلهم فرحتهم"
كانت تحاول أن تجعل ضميره متأنبًا لكن لا حياة لمن تنادي، هو في الأساس لا يهتم لكل ذلك ولا يهتم لمشاعر أي شخص.
أجابها بحدة وهو يقترب خطوة نحوها يطالعها بتفحصٍ أكبر حيث قاطعه الوغد وهو يتفحصها في المرة الأولى، يرى بنطالها الأسود الواسع وكنزتها اللامعة بلونها الفضي تناسب هكذا مناسبة، بينما شعرها الأسود..
لون الليل الحالك!
"بقولك إيه يا سنيورة، أنا خدت حقي بس لا اكتر ولا أقل مع إني كان المفروض اخده أحسن من كدا تالت ومتلت، بس ملحوقة إن شاء الله، ولو عايزة تعويض ياستي يا ألف نهار مراحب.."
أخرج بطاقة من جيبه لم تكن سوى بطاقة عمل تحمل اسمه وعمله ومكان عمله تحديدًا وهو يقدمها لها قائلًا:
"أنا تميم السعدون، منظم حفلات برضو وعندي كافية تقدري تيجي نعوضك بحفلة تانية من عنينا يا سنيورة!"
يا له من حقير مستفز!
هكذا عبرت عنه بداخلها وقالت بحدة:
" يعني أنت حد مسلطك تبوظلي حفلتي!"
_"نظرية المؤامرة اشتغلت، سنيـورة.. انزلي من على دماغي وسكتك خضرا يلا!"
هكذا علق، وقبل أن تحتد تلك المحادثة تدخلت نور بنبرتها الخافتة تبرر لها بإحراج:
"أنا بعتذرلك جدًا يا استاذة..."
_"سجى"
اجابتها باسمها وهي تشيح ببصرها من عليه ثم وجهته لها، بينما هو كرر الاسم بين شفتيه بابتسامة لعوب
_"بجد سوري يا أستاذة سجى إحنا والله محدش فينا قصده إنه يبوظلك الحفلة، حتى نرمين صاحبتي أصلًا صاحبة العيد ميلاد وباظ وزعلت مني بس والله الموضوع كان كبير وكان لازم يتحل بتدخل أخويا"
بررت لها بتنهيدة بينما تنهدت سجى هي الأخرى وعلقت قائلة:
"أنا أكيد مكنتش هحب إن يحصلك حاجة وحشة وأمنع اخوكِ يتدخل، إن شاء الله تكوني كويسة!"
ثم وجهت نظرها لتميم بسخطٍ عكس تلك النظرة اللينة التي طالعت بها أخته قبل قليل، والتفتت لتغادر ولكنها نظرت له مجددًا وجذبت من يده البطاقة خاصته وقالت:
"يمكن تعوضني فعلا بحفلة تانية في الكافية بتاعك"
ولت ظهرها له وغادرت وهو يبتسم، يحب المتمردين أمثاله، يحب أولئك الذين لا يتركون لهم حقوقًا عند أحدٍ حتى إن كان بمجرد الكلام فقط!
ـــــــــــــــــــ
كان الصمت في بيت آل فوزان صمتًا مترفًا، هنا، كان الصمت وليد القواعد الرصينة التي تنظم كل شيء، كان لدرجة أن الكلمات لا تخرج إلا بعد تفكيرٍ طويل، كلماتٍ مرتبة غير عشوائية!
جلس ماجد للتو بين والديه بعد وجبة العشاء يتناولون بعض التسالي التي وضعت أمامهم مِمَن يعملون لديهم من الخدم، بينما جلست ليلى وزوجها رأفت وابنتهما الصغيرة إيلا على الأريكة المقابلة.
كانت ليلى ترمق اخاها بنظرات تحمل عتابًا مبطنًا، أما الوالدان فكانا يحاولان استكشاف ما يختبئ خلف برود ملامحه التي زادت برودًا بعد ليلة الأمس وعودته دون نطق بكلمة بل واستيقظ في الصباح الباكر ذاهبًا لعمله.
انطلقت إيلا الصغيرة نحوه، كانت طفلة تملأ المكان بالدفء الذي يفتقده ماجد، احتضنته باندفاع طفولي خالص، ليرد هو الاحتضان بذات القوة، وتزول عنه للحظات قشرة الجليد التي غلفت قلبه.
"وحشتني يا خالو"
قالت إيلا بنبرة محببة، بينما يدغدغ خدها باطراف اصابعه.
"أنت وحشاني أكتر يا روح خالو"
أجابها بنبرة لم تخرج منه إلا لذوي القربى.
جلست بين أحضانه كما اعتادت، تحبه كثيرًا ودومًا ما تتغلل بلطافتها لقلبه، لم يحب يومًا أحد كحبه لإيلا ابنة أخته، فكانت دومًا تذكره بطفولته رفقتها وكيف كان يحميها..
المرء لا يختار منافذه الاخيرة من العالم، وكانت إيلا بالنسبة لماجد تلك النقطة الوحيدة التي يسمح له فيها أن يكون هادئًا، ان يتخلى عن ثقل الملامح المصنوعة، هي وحدها دون محاولاتٍ منها وبعفوية كانت تذيب تلك البرودة الهائلة التي أتقن بناءها حول قلبه الجريح، وتعيد اليه شعور الامان المفقود.
وجه الاب -صالح- حديثه الى ماجد، نبرته كانت تحمل قلقًا خفيًا:
"ايه حكاية الحادثة اللي سمعت عنها يا ماجد؟ ليلى حكتلي إنك اتأخرت بسببها"
هز ماجد كتفه بلامبالاة مصطنعة، يتناول قطعة صغيرة من الحلوى يأكلها:
"مفيش حاجة يا بابا، دي كانت خبطة بسيطة جدًا، سوء تقدير من البنت اللي عدت الطريق مش اكتر، بس أنا اتأكدت إن مفيش إصابات خطيرة"
تحدثت الأم -سهير- هذه المرة:
"طب متصلتش بحد من السواقين ليه يروح معاك المستشفى؟ كنت لوحدك؟"
_"أيوه كنت لوحدي، بس الأمر مكنش محتاج، أنا دفعت التكاليف كلها واعتذرت، وخلاص الموضوع اتقفل"
أجاب ماجد بإيجاز قاطع، محاولًا إنهاء التفاصيل التي لا تهمه، لكن ليلى لم تمنحه هذه الفرصة.
كانت عيناها تنطقان باللوم قبل فمها:
"الموضوع اتقفل إيه؟ أنت نسيت إن كان وراك معاد مهم؟ أنا كنت مرتبالك مع البنت اللي قولتلك عليها، دي من عيلة محترمة جدًا، وناس بتوع أصول!"
زفر ماجد بصوتٍ خافت، محاولًا السيطرة على نبرته:
"أنا بعتذر إن المعاد باظ، بس مكنش ينفع أسيب البنت في الشارع لوحدها وهي مصابة"
تدخل رأفت زوج ليلى محاولًا التخفيف من حدة الموقف: "حصل خير يا ماجد، عوض ربنا احسن، المهم متتأخرش تاني"
لكن ليلى كانت مصرة على هدفها:
"أنا عايزة أفهم أنت ليه بتهرب من الجواز لحد دلوقتي؟ دي فرصة متتعوضش، البنت دي... دي مش زيها، ومينفعش تشبه كل البنات بيها وتفكرهم زيها يا ماجد!"
قالتها ليلى بنبرة مشحونة، تلميحًا الى الماضي القاسي الذي يهرب منه، فرفع ماجد عينيه وكانت نظرته تحمل ثقلًا يشبه برودة الجليد المتراكم فوق قلبه.
لم يصرخ لكن نبرته كانت اشد صرامة من اي صراخ:
"ليلى!"
ناداها بحدة خفيفة:
"مفيش أي بنت تاني ولا مواعيد خلاص، ولا في اي تفكير في الموضوع ده دلوقتي، أنا مش فاضي للحوار ده خالص، ومش عايز اي مواعيد مدبرة تاني، ياريت الموضوع ده يتقفل، لأني كنت غلطان إنه اتفتح من الأول وقولتلكم لما احب اتجوز هتجوز"
لم يكن هروبه هذه المرة من مواجهة ليلى، بل كان هروبًا من مواجهة نفسه، شيء ما في لقاء ليلة الأمس، في ذلك الصدام البارد مع تسبيح، ربما أضاء في داخله شعورًا جديدًا؛ شعورًا بانه لا يبحث عن امرأة تنسيه الماضي، بل يبحث عن قوة قادرة على مواجهة ماضيه معه. وأدرك الآن ان هذا البحث يتطلب منه هدوءًا أكبر بكثير مما كانت تسمح به مواعيد ليلى المدبرة.
ساد صمت طويل الآن، فهمت ليلى أن قراره هذه المرة كان حاسمًا، بينما اكتفى الوالدان بتبادل نظرات القلق الصامتة.
عاد ماجد بظهره للخلف يستند، بينما كانت إيلا الصغيرة تمسك بيده، دافئة هادئة، المرسى الوحيد الذي لم يقرر بعد الهرب منه.
ــــــــــــــــــــ
حل المساء على منزل آل الخطاب، عائدًا بهم إلى روتينهم اليومي؛ روتين يغلفه الحب، لكنه ممزوج بالتوترِ اليومي وكثرة المسؤولية المُتزايدة.
كان البيت فارغًا إلا من سجود التي وصلت وأفنان الجالسة بقدمها وتستعدُ للمذاكرة، وسلسبيل -طالبة الثانوية العامة- التي كانت مُنهكةً من يوم دراسي مُجهدٍ.
_"عارفين اللي مفرحني إيه، إني هيبقى عندي 17 سنة كمان يومين يعني حاجة قمة الحلاوة!"
قالتها سلسبيل بابتسامة عريضة، لتهدم طموحاتها أفنان عدوتها اللدودة:
"وهو اللي كبروا خدوا إيه، ياريتنا نفضل صغيرين"
نبست سجود بهدوء تقطع بينهما ذلك الشجار غير المكتمل:
"قومي ذاكري بالله عليكِ وبلاش كلام فاضي وحوارات"
وصلتْ تسبيح قبل أن ترد سلسبيل، وألقت حقيبةَ عملِها على أقرب كرسي بتعب واضح، لم تعد قادرة على إبقاء قناع المهندسة الصارمة الذي واجهتْ بهِ ماجد فوزان وأمثاله وجميع من بالخارج أكثر!
كانت في حاجة إلى الصمت لكن صوت التذمر الصادر من إحدى الغرف كان أقوى
"يا سجود أنا مش قادرة أذاكر، أنا رجعت من الدرس راسي هتنفجر!"
صاحتْ سلسبيل، صوتها يحمل ضغط عامِها الدراسي كله.
"إيه اللي مضايقك دلوقتي؟"
سألت تسبيح بصوتٍ حادٍ بعدما تقدمت نحو الغرفة الجانبية لهن، لم تعد تحتمل المزيد من الشكوى.
"مضايقني إن مفيش حد بيحس بيا! أنا ثانوية عامة، ومش قادرة أذاكر والبيت ده دوشة"
قالتها سلسبيل بانهيار بسيطٍ.
لم تكد تجيبها حتى فُتح الباب وولجت سجى هي الأخرى في هذه الساعة المتأخرة بعيناها التي كانت تلمعان بإرهاق غريبٍ، يختلف عن إرهاق العمل.
ألقت سجى جسدها على الأريكة بتعبٍ، لكن عقلها كان ما يزال يدور حول تميم، لكمته، وكلماته معها الأخيرة، حتى تلك الكلمة المميزة:"سنيورة!"
وبدلًا من توبيخ سلسبيل كان الأهم الآن هو الاستفسار عن سجى وأحوالها تلك التي جعلتها تعود للمنزل الآن!
_"سجى أنتِ كنتِ فين لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على 11!"
انفجرت تسبيح فيها، غضبها على سجى كان في الحقيقة هو ضغط كثير وشديد على كتفيها تحاول إخراجه هكذا دومًا دون دراية منها أنها هكذا تجعلهم ينفرون منها.
_"كنت في الحفلة ولسه مخلصة ترتيبة الكافيه بعد الكوارث اللي حصلت"
ردتْ سجى بحدةٍ وبساطة في آن واحد، عقلها لم يكن حاضرًا كليًا مع الشجارِ.
"كوارث إيه اللي حصلت؟"
سألتْ أفنان بفضول، محاولة أن تجعل مصيبتها في الساق أقل أهميةً الآن من ضجرها بجلوسها بالمنزل، وهي التي اعتقدت أنها إن تغيبت عن الجامعة سترتاح.
_"سجى، أنتِ المفروض ترجعي بدري! أنتِ مش صغيرة عشان تفضلي برة لحد وقت متأخر كده"
وبختها تسبيح ونبرتها تحمل ثقل ما حدث من يوسف الخطّاب والدهن في الليلةِ الماضية.
"مين اللي بيقول مش صغيرة؟"
تفوهت سجى بغضبٍ متزايد:
"يا تسبيح، أنا عندي 24 سنة، أنا مش محتاجة أرجع بدري عشان سيادتك تحسي بالأمان! أنتِ اللي عايزة تتحكمي في حياتنا عشان أنتِ خايفة!"
هذهِ كانتْ الضربة التي أصابت وترًا حساسًا عند تسبيح!
_"أنا خايفة؟"
ردت تسبيح بصوت ارتفع فجأة:
"أيوة خايفة عليكم! خايفة من العالم اللي برة ده، خايفة من الرجالة اللي بتشوفيهم، اللي واحد منهم كان هيدمر أختكِ امبارح بسبب تهوره!"
"تهوره إيه؟ أنتِ بتتكلمي عن مين؟"
تدخلت سلسبيل فالمشهد أصبح أكثر إثارة من أي مذاكرة.
"ميخصكيش دلوقتي أنتِ التانية، لسه هتاخدي من اللي فيه النصيب يا سلسبيل عشان مذاكرتك دي!"
ثم عادت توجه بصرها لسجى تكمل حديثها:
"تمام! وأنتِ راجعة من حفلة مجهولة، وبتتعصبي عليا؟ أنا عايزة النظام في البيت ده، وعايزة كل واحدة ترجع بدري، أنتِ فاهمة يا سجى؟"
"مين أنتِ عشان تحطيلي قواعد؟ أنتِ فاكرة إنك مكان ماما؟"
صرخت سجى بنبرة لاذعةٍ وهي ترمي في وجه تسبيح كل ثقل الأمومة المُنتحلة، حينها فقط توقفت تسبيح عن الكلام، هذه المرة لم يكن الأمر مجرد شجارٍ إنما اعترافٍ بمكانتها كحائطٍ صد للعائلة.
تعلم أنها دومًا ما تضغط عليهن بتحكماتها ولكن ذلك لم إلا خوفًا عليهم، لذلك انسحبت.. انسحبت تمامًا من بينهن وتوجهت نحو غرفتها..
ـــــــــــــــــــ
الرجل القوي لا يجد لنفسه مأوى إلا في صدر صديقٍ قديمٍ، يعرف حجم التضحيات ووزن الخوف.
وتحديدًا عند السيد يوسف والدهن، كان يشعر أنه يقف وحيدًا أمام عواصف ست من البنات، كل واحدة منهن تحملُ عالمًا كاملًا لا يستطيع اختراقه.
كان ثقل الأبوةِ يزداد مع كل استقلال جديد لبناتِه.
خرج من الورشة خاصته ليجد بعض الهدوء في صحبة صديقه القديم "أحمد"، في مقهى شعبي هادئ.
جلس يوسف وأحمد متقابلين، بينما كانتْ رائحة الشاي بالنعناعِ تملأُ المكانَ، كان وجه يوسف يحمل أثر التعب والخذلان الذي سببه شجار الليلة، بل تحديدًا شجار كل ليلة!
_"حملهم بقى تقيل أوي يا أحمد، تقيل فوق ما تتصور"
قال يوسف بصوتٍ منهكٍ، يمسك كوب الشاي وكأنه يمسك آخر قطعة من صبره.
_"ربنا يقويك يا يوسف، البنات دول حسناتك في الدنيا" أجاب أحمد بهدوء، متفهمًا حجم الضغط.
_"أنا خايف عليهم من الدنيا، خايف عليهم من المرمطة، من كسرة القلب، من العناد بتاعهم، حاولت اكبرهم على حب بعض لوحدي بس كل حاجة ماشية بالعكس، هما بيحبوا بعض بس كل واحدة فيهم شايفة نفسها هي الصح، أنا خايف عليهم من تسبيح"
اختتم يوسف حديثه بتلك الجملة ونبرته تحمل مزيجًا من الحب والغضب
_"تسبيح؟ إيه اللي خلاك تقول كده؟"
تنهد يوسف يسترجعُ مشهد عودتها من المستشفى وغضبه عليها، متفوهًا بتعبٍ:
"تسبيح عايزة تتحكم فيهم كلهم، هي فاكرة إنها أمهم، كل حاجة بقرار منها، ومفيش رجوع ليا في أي كلمة، حتى حادثة أفنان امبارح راحت واتصرفت مع راجل غريب من غير ما ترفع سماعة التليفون تقولي!"
"هي بتحبك وبتخاف عليهم يا يوسف، بس هي شايلة كتير من صغرها"
حاول أحمد أن يلطف الأجواء بتحليله لموقف ابنة صديقه.
"عارف، عارف إنها شايلة، بس خوفي عليها إنها تكون نسيت إن ليها أب هنا، أنا مش عايزها تشيل حملي وحمل أخواتها، أنا عايزها تعيش حياتها"
نظر يوسف إلى كوب الشاي أمامه، وفجأة تحول صوته إلى همسٍ بعيدٍ يحمل الشجن:
_"أنت عارف يا أحمد... أنا من بعد ما هي مشيت... أنا بحاول أعمل كل حاجة عشان مفيش واحدة فيهم تحس إن في حاجة ناقصاها"
الماضي لا يموت، هو فقط يختبئ خلف قلوبنا، ينهش بها سرًا ويسمها ببطءٍ يومًا بعد يومٍ.
_"أكيد يا يوسف وأنت أحسن أب في الدنيا، مفيش حد يقدر يعمل اللي أنت عملته مع ست بنات، متقلقش البنات بتحبك، وتسبيح بتحبك، بس هي بتتصرف من خوفها" واساه أحمد يضع يدهُ على كتف صديقه في حركة صادقة.
أومأ يوسف يستعيد شيئًا من تماسكه:
"إن شاء الله خير بس يارب الحوارات دي تعدي على خير"
تناول يوسف رشفة من الشاي، يشعر بأن وزنه قد خف قليلًا بعد هذا البوحِ، كان هذا هو روتينه؛ أن يفرغ حمولته عند أحمد، ثم يعود إلى بيته ليتقلد مجددًا دور الأبِ الواقفِ الذي لا ينكسر.
_"صحيح هيــثم ابنك عامل إيه؟ الغربة أكيد وكلاه!"
سأله يوسف باطمئنان ليتنهد أحمد قائلًا:
"والله يا يوسف وكلاه وتعبان في غربته بس هيعمل إيه، حياته بناها في الغرب بشغله اللي مش هيقدر يتخلى عنه دلوقتي، ربنا يقويه على حاله"
ابتسم يوسف يطمئنه قائلًا:
"ربنا يحفظه ويقويه، هيثم اتربى على ايدي برضو مع البنات، كان هو وسجى خلف خلاف!"
قهقه أحمد هو الآخر يسترجع مع تلك الذكريات:
"عشان كانوا في سن بعض ودايمًا بيختلفوا على وجهات النظر، أيام زمان دي متتعوضش والله"
هكذا كان الحال، عائلات يغطيها الدفء وفجأة تلبستها البرودة، وحاوطت قلوبهم لأجل الأحبة وفراقهم!
ــــــــــــــــــــــ
في الزاوية الهادئة من ورشة النجارة القديمة التي يملكها يوسف قسمت ترتيل عالمها الخاص هنا لتهرب من ضجيج العالم وضجيج أفكارها أولًا
لم يكن مرسما تقليديًا، إنما كان ركنًا مضاءً بعيدًا عن الغبار، كانت الأدوات بسيطة؛ حامل لوحات خشبي قديم، ورفوف صغيرة مكدسة بأنابيب الألوان التي تتوهج تحت ضوء المصباح.
كانت الأجواء تختلف تمامًا عن ضجيج البيت، هنا كانت السكينة هي السائدة، رائحة الخشب وزيت الكتان تمتزج بعبق الإلهام، تخلق حولها هالة من العزلة الجميلة.
جلست ترتيل على مقعدها الخشبي المريح، كانت ترتدي ملابس العمل الملطخة بالالوان، وحركتها كانت سلسة وهادئة.
عيناها البنية اللتان تحملان وداعة تشبه الصباح، كانتا تتنقلان بين اللوحة، وفرشاتها الدقيقة، وابتسامتها الرقيقة تلك، كانت الأشد رقة بين إخوتها، والأشد سكينة بينهن أيضًا، تراه تشعر براحة كبيرة بداخلك.
في حياة العواصف التي خُلقت بها توجد أرواح خُلقت لتكون الملاذ لك، وهي وجدت ملاذها هنا في مرسمها المتواضع.
لم يكن هروبها الى المرسم هروبًا من العائلة، بل كان هروبًا من الفوضى نحو الكمال الذي تبحث عنه في لوحاتها المميزة، كانت فنانة تُخرج أناملها إبداعًا كبيرًا برسوماتٍ تعبيرية تكاد تقسم أنها تصفك إن رأيتها، لأنها كانت ترى في الألوان لغة اصدق من الكلمات.
كانت لوحتها الجديدة على وشك الانتهاء، كانت ترسم منظرًا طبيعيًا هادئًا؛ نهرًا صغيرًا ينساب بين صخورٍ داكنة، بينما تغطي الأفق سحب بيضاء محملة بضوء خجول.
لم تكن لوحة صاخبة، بل كانت تعبيرًا عن السلام الداخلي الذي تفتقده عائلتها، مسكت ترتيل فرشاتها الاخيرة وهي تمسح بها لمسة دقيقة من اللون الابيض على حافة النهر لـ تضيئه.
ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها، شعرت بأنها قد أكملت هذا العالم الصغير الذي بنته على القماش، وضعت فرشاتها ثم سحبت قلمها الرصاص، ثم انحنت قليلًت نحو الركن السفلي من اللوحة لتتدلى خصلاتها الناعمة البنية، وكتبت توقيعها بخط انيق وهادئ: "م.ت"
كان التوقيع إعلانًا بانتهاء المرحلة وبداية أخرى؛ إعلان بأن العمل قد أُنجز، وأن الروح قد استراحت الآن!
ـــــــــــــــــــــــ
كل حركاته كانت تنبع بالسيطرة والاستحقاقية
هكذا خُلق وهكذا كبُر،
هكذا هو الآن
رمادٍ نتج عن نيران أكلته هو ونفسه!
كان مكتب فيصل السعدون في طابقٍ عالٍ يعكس المدينة أمامه من خلف الزجاج؛ بناء من الزجاج والرخام الأسود، منظم حتى التفاصيل الدقيقة، لا يسمح للفوضى بأي تسرب في مكانه هنا.
شركة السعدون كانت عملاقًا في مجال التطوير العقاري وبناء المنتجعات السياحية الفاخرة.
وقف فيصل امام الجدار العريض، حيث علقت حديثًا لوحة ضخمة، تتوهج بضوء الظهيرة الباردة؛ اللوحة كانت هيبة مطلقة، تُصور جرفًا صخريًا هائلًا من الجرانيت المصقول، حاد الزوايا، يكتسحه اللون الرصاصي المكتمل.
كانت صلابة الجرف تملأ الاطار، توحي بالقوة والثبات، لكن في قاع تلك الكتلة الصلدة، عند نقطة صدع دقيقة كخيط الشعر، نمت وردة صحراوية؛ ألوانها نارية مشرقة، قلب ينبض بالتمرد المتألق، يرفض الموت والانكسار!
كان فيصل يتأملها ببرودٍ، عيناه العسليتان الثاقبتان تستكشفان العلاقة بين الصلابة والنار، كان يرى في الجرانيت ذاته، وفي الوردة يرى ربما تميم، او ربما تلك الرغبة الملحة التي يدفنها تحت ضغوط المسؤولية.
كان به جانب من الداخل يحب اللوحات والرسم، يعشق وضعها في غرفته ومكتبه ليتأملها كل حينٍ، ويرى بها نفسه!
قطع تركيزه صوت نقرة خفيفة على الباب الزجاجي:
"اتفضل"
قال فيصل بصوت هادئ ولم يلتفت عن اللوحة بعد، دخلت ميار محامية الشركة، كانت تحمل ملفًا كبيرًا يخص مشروعًا جديدًا.
كانت تظهر بثبات يوازي ثباته، ملابسها الرسمية الانيقة تحمل طابعًا عمليًا لا يلين كان هذا هو لقاؤهما الثالث حيث عُينت عن جديد في الشركة، وكان بينهما نظراتٍ من نوعٍ آخر، تحمل جانبًا يشبهه منها، وجانبًا يشبهها منه!
توقفت ميار على بعد مسافة تراقب اللوحة لثوانٍ قبل أن توجه حديثها:
"صباح الخير يا مستر فيصل، الملف ده فيه دراسة مخاطر العقود الجديدة، كنت عايزني ارجعلك في نقطة البنود الجزائية!"
قالت ميار بنبرة واضحة ومركزة.
وأخيرًا قرر فيصل أن يلتفت، نظرته الحادة التقطت تفاصيل وجهها، ثم تراجعت الى عينيها الواثقتين، البرودة على ملامحه تخففت قليلًا، ظهرت على شفته ابتسامة جانبية سريعة.
"صباح النور يا ميار، حطي الملف هنا"
أشار لها فيصل، بعينيه إلى مكتبه، ثم عاد بنظره الى اللوحة، بينما ميار وضعت الملف، ولم تغادر مباشرة بل نظرت اليه باهتمامٍ:
"اللوحة دي جديدة؟ حلوة اوي"
_"وصلت النهاردة"
أجاب فيصل وعينيه ما زالت تقدر تناقض الصخر والورد، ثم عاد يسأل:
"أنت شايفة إيه فيها؟"
سأل سؤالًا لم يكن غرضه المعرفة بل المقاربة بين وجهتي نظره ونظرها لذلك هي لم تتردد في إجابتها:
"شايفة ان الحاجة القوية دايما بيبقى في قلبها حاجة ضعيفة بتنورها"
رفع فيصل حاجبه في اعجاب خفي، لم يتوقع منها هذا العمق السريع، ثم عادت تلك الابتسامة الجانبية تظهر ببطء على شفته ونبس:
"ممكن، آه صحيح والبند الجزائي في الصفقة؟ إيه رأيك؟"
أعادها فيصل الى العمل مجددًا، لذلك كانت هي الأخرى سريعة الملاحظة لنبرته المتغيرة من هادئة لجدية حادة:
_"رأيي إننا محتاجين نغير تركيبة العقد كلها عشان نضمن حقنا في حالة اي تمرد من الطرف التاني"
قالت ميار بجدية وابتسامة خفيفة تزين ثغرها
"تمام، ده اللي كنت عايز اسمعه"
قالها فيصل، بينما كانت نبرته تعلن الرضا ثم وجه بصرخ نحوها مجددًا، كانت نظراتهما تتبادل الرسائل في صمت غريبٍ ومختلف..
"أي حاجة تانية يا مستر فيصل؟"
سألت ميار محاولة انهاء اللقاء قبل ان تنهار قواعد الثبات التي تجيدها أمامه هو وقوة وجوده على شخصيتها
"لأ دلوقتي، تقدري تتفضلي"
أجاب فيصل، لكنه وبمجرد خروجها عاد ليقف أمام اللوحة مبتسمًا وكأن وردة جديدة قد بدأت لتوها في التفتح داخل الجرف الصخري القاسي.
ــــــــــــــــــــــــ
الروحُ العنيفة التي ترفض الانكسار
هي الأكثر حاجةً إلى الحنان.
بعد أن هدأت عاصفة الشجار، لم تجد سجى سبيلًا لراحةِ قلبها إلا في غرفةِ تسبيح، كانت تعرف أن كلماتها اللاذعةَ (أنتِ فاكرة إنك مكان ماما؟) قد اخترقت درع الأخت الكبرى.
فتحتْ سجى باب الغرفة بهدوءٍ، ولم تجد تسبيح تبكي بصوت، بل لم تكن تبكي بالأساس كما توقعت
بل وجدتها تجلس على طرف سريرها، ظهرها مسند على الحائط، تحدق في نقطة ثابتة، كانت تبدو هَشةً لأول مرةٍ منذ زمنٍ طويلٍ، خاليةً من صرامة العملِ وصرامة الأمومة المفقودة.
تقدمتْ سجى بخطواتٍ بطيئةٍ، تتقدم وتتقلص تلك المسافة التي كانت دومًا بينهما، بين الكبيرتان اللتان عشتا من الضغوط الكثير والكثير، كانت تحكي سنواتٍ من سوء الفهم والمسؤولية المُشتركة.
جلست بجوار تسبيح، دون أن تقول شيئًا، بل مدّت يدها بهدوء، ووضعتها على يد أختها، كان لمسها الأول بمثابة اعتذار صادث لا تحتاج معه الكلمات.
"أنا آسفة يا تسبيح"
همستْ سجى بصوتٍ بالكاد مسموعٍ، ندمها على كلماتها كان واضحًا في رعشة نبرتها، بينما تسبيح لم تنظر إليها، لكن يدها تحركت لتعتصر يد سجى بشدةٍ، كانت تلك الضغطة تحمل قبول الاعتذارِ، وقبول الضعفِ.
"أنتِ عارفة كويس أوي إني بعمل كل ده عشانكم"
قالت تسبيح بنبرة هادئةٍ، باتت خالية من القسوة التي دومًا تُظهرها!
"عارفة، بس صعب إننا نبقى طول الوقت كده... عايشين على أعصابنا"
ردت سجى ثم التصقت بجسد أختِها، ودونِ ترتيب مسبقٍ، ضمّتها إليها!
كانَ العناق قويًا، احتضانًا يجمع ما فرقته الضغوطُ التي عاشاها سويًا، بدأ الدمعُ يتسربُ بصمتٍ من عينَي تسبيح، تلك التي لم يروها تبكي يومًا، لم تعرف عيناها سوى قسوة ظاهرية، تجمد الدمع لديها من سنينٍ، وحاولت مرارًا البكاء لترتاح لكن دون جدوى، والآن فقط دمعت عيناها!
لم تكن شهقات أو بكاء عال، بل كانت دموعًا باردة تنساب على خدها، تمسح تعب الروحِ التي شقت وتعبت أكثر من اللازم
"أنتِ عارفة اللي كسرَنا بجد يا سجى؟"
همست تسبيح، بينما صوتها كان بالكاد مسموعًا كأنها تتحدث مع نفسها
لم ترد سجى بل شدت على الاحتضان وعيناها ايضا بدأت تدمع وتهبط الدموع رغمًا عنها!
_"كسرنا إننا لازم نبقى مكان ماما في كل حاجة... ومهما عملنا، عمرنا ما هنعرف نكونها"
الكلمات الاخيرة من تسبيح كانت هي نقطة الانهيار الصامت، كان هذا هو اعتراف تسبيح الاول بفشلها في ملء ذلك الفراغ الهائل، كانت دموعها الآن هي دموعها ودموع الاب ودموع الأخوات الخمس الاخريات.
اغمضت سجى عينيها وهي تشعر بثقل غياب الأم يتراكم فوق كاهلهما المشترك، كانت تعرف تفاصيل الماضي وكانت تعرف أن هذا الجرح هو أصل كل القواعد والأوامر في هذا البيت.
صمت طويل خيم عليهما، صمت بارد تقطعه فقط دموع الوجع القديم، دموع تتحدث عن العائلة التي كانت، وعن العائلة التي اصبحت بعد رحيل الغائبة.
ــــــــــ