رواية لمن يهتف القلب الفصل الثالث 3 بقلم داليا الكومي
3- عشاء ملوكى ..
جلست في سيارته كما امرها كهرة مرتعشة تنتظر مصيرها .. خيرها بين السجن وبين العمل لحسابه في عمل نهايته السجن ايضًا لكن ربما بعد فترة وليس اليوم ..
اليوم ستراقبهم وهم يأكلون حتى الشبع ووقتها ستكون تضحيتها تستحق ..
حينما يكون الطعام فقط هو سببًا للتضحية !!
ربما صرف مسعود واصر علي ايصالها ليطلعها علي تفاصيل اكثر لكن كيف ستطلب منه التوقف لشراء الطعام ..
مع مسعود الامر اكثر سلاسة وتطلب منه ما تريد ببساطة لكن هذا الغريب المخيف يوترها ويخيفها فكيف ستتعامل معه ..؟؟
حتى أنها تجلس متخشبة في السيارة وتخشي لمس أي شيء فتلك السيارة العجيبة بالتأكيد لا تشبه سيارة مسعود الخردة وربما تتسبب في كارثة اذا ما تحركت ..
اغمضت عينيها بسلام تسترجع تفاصيل الحفل .. اكتشفت موهبة التمثيل في نفسها وموهبة اخري هى اصلاح الملابس .. لم تكن تتوقع أن تؤدى الدور بسهولة كما فعلت ولا أن تقابل تلك الفئة من الناس والتى لم تكن حتى تعلم عن وجودهم ..
من اكثر ما لمس قلبها الليلة هو حالة ملاك والحزن الدفين في عينى والدتها ومن اكثر ما اثار انتباهها هو خطيبة باسم الحسناء ..
حينما انصرف مسعود قادها للحفل مجددًا لتجد فتاة رائعة الجمال تعتذر له عن تأخرها عن الحفل واعطت ملاك دبدوبًا اسفنجيًا ضخمًا كهدية لها لكن ملاك وضعته جانبًا بلا مبالاة ووجهت كلامها لخالها ..- شكرًا علي الحفل الرائع .. ورفعت ساعديها في اتجاهه في اشارة منها لرغبتها في عناقه فانحنى بلطف يحتضنها بحنان ويقول بحب ..- من الجيد أنه اعجبك حبيبتى فمن الصعب أن نطلب خدمات الأميرة مجددًا ..
احمر وجهها بخجل وتتبعت احد الخدم للمرآب حينما اشار لها باسم في الخفاء لتفعل وقادها للسيارة تنتظره هناك ..
بالتأكيد يودع خطيبته الفاتنة التى طلبت منه بدلال أن يوصلها لكنه اعتذر بلطف وتعلل بالعمل ..
كم هى جميلة تلك الفاتنة التى ارتدت اجمل الثياب واعتمدت احدث تسريحات الشعر وجلست باغراء تتدلل علي خطيب ثري يعود لطبقة الملوك ..
وعاد قلبها لخفقانه الجنونى حينما عاد تتبعه الخادمة والتى كانت تحمل صندوقًا كرتونيًا ضخمًا غطى علي وجهها ..
كان قد تخلي عن سترته وربطة عنقه ورفع كمى قميصه الأبيض الناصع البياض للكوعين فبدا اقل رهبة من مظهرة السابق ..
اشار للخادمة فوضعت حملها في صندوق السيارة وغادرت مباشرة وفور انضمامه لها في السيارة تحرك بها علي الفور ..
سألها فور انطلاقه ..- هل تستطعين ارشادى لمنزلك أم علي استخدام " الجى بي اس "؟؟
سألته ببلاهة ..- تستخدم ماذا ؟؟
تنبه فجأة لأمر فسألها مجددَا .. - في أي صف أنتِ في المدرسة ..؟؟
خفضت عينيها قبل أن تجيب بخجل وبصوت بالكاد سمعه ..- أنا تركت المدرسة بعد الاعدادية ..
- اذًا هل تعرفين طريق المنزل ؟؟ هل تستطعين ارشادى إليه ..؟؟
انها تلك الفتاة البسيطة الغير متعلمة والغير جميلة لا ميزة لها علي الاطلاق فلماذا يهتم بها ؟؟
لماذا لم يطلعها علي ما يريده منها ولماذا تكبد عناء توصيلها لمنطقة لم يسمع عنها من قبل ويعتذر لخطيبته عن توصيلها ويترك حفلة ابنة شقيقته التى لم تنهى بعد ..
- من هنا لا بالتأكيد لكنى استطيع ارشادك بمجرد وصولنا للحارة التى نقيم فيها في صفط اللبن .. لكن لا داعى لتوصيلي حتى باب المنزل فقط انزلنى عند محل المشويات علي ناصية حارتنا فأولا سأشتري طعامًا للعشاء قبل الذهاب إلي المنزل ..
ابتسم بسخرية وهو يسألها .. - هل تعتقدين أنه بامكانك التجول هكذا ..؟؟
لطمت جبهتها بيدها في اشارة علي انتباهها لما يقول .. في ذروة حماستها وتفكيرها في اقتراب شراء الطعام نست ما تريديه وربما كان السبب الاساسى لرغبتها في عدم دخوله الحارة هو الحد من القيل والقال .. حينما تهبط في الحادية عشر ليلا من سيارة فارهة ستلوك الألسنة بسيرتها ..
قالت بيأس ..- أنت السبب .. لماذا لم تترك مسعود ليوصلنى ..؟؟ كان سيهبط هو لشراء الطعام ثم كان سينزلنى عند المنزل .. ماذا سأفعل أنا الآن ..؟؟
وفي النهاية لا يمكن أن اسمح لك بايصالي حتى المنزل .. ماذا سيقول الجيران عنى ..؟؟
قاطعها بصوت حازم ..- اصمتى قليلا يا فتاة .. أنت ثرثارة صغيرة .. سأتدبر أنا امر الطعام لكن اجبيبنى بصدق .. لماذا لم تتناولي الطعام في الحفل ..؟؟
اجابتها السابقة لم تعجبه أو لم تقنعه .. كل المدعويين بالتأكيد لم يكونوا جائعين فامثالهم لا يعرف الجوع لكنهم تناولوا الطعام حتى ولو القليل منه ..
هو يريد الحقيقة وستخبره مالم يكن يتوقع سماعه .. الحقيقة القاسية التى ستصدمه .. كيف يعلم هو أن البعض قد يقضى ايام بلا طعام أو كيف في بعض الاحيان يمر اليوم بجنية واحد هو كل رأس مالها لتطعم به ستة افواه مفتوحة ..
لكن تلقي أنت ايضًا مفاجأة أنا ايضًا لم اكن اعلم عن عالمك حتى اليوم .. في هذا نحن متساويان علي الاقل ..
- لأننى مسؤلة عن خمس اطفال جائعين لم يتذوقوا الطعام منذ ايام فكيف كنت سأشبع أنا وأنا اعلم أن اشقائى وشقيقاتى جوعى ..
سألها بشك .. - هل هى كذبة اخري من كذباتك ؟؟
نفت بقوة ..- مطلقًا .. أنت من سألنى وحينما سألتنى سابقًا اخبرتك بأننى لم اكن جائعة وأنت من يفرض نفسك علي حياتى الآن .. دعنى ارحل ولن ازعجك بمشاكلي ..
- وأين والدكِ ؟؟
اجابته بحزن ..- والدى توفي منذ ثلاث سنوات ووالدتى توفت منذ قرابة الشهرين بعد ولادة اخى الصغير محمود ..
وجدته يضحك بتهكم ...- ها قد عدتى لكذبك ايتها الكاذبة .. كيف توفي والدك منذ ثلاث سنوات ولديك شقيق صغير لم يتعد الشهرين ..؟؟
احمر وجهها واصبح بلون احمر قانى .. لكنها مع ذلك الشعور بالخجل الذى جعلها علي وشك توقف قلبها دافعت عن نفسها وعن والدتها بكبرياء .. - حينما تأزمت الامور وافقت والدتى علي الزواج من عامل بناء ليساعدها في الحمل لكنه كان نذلًا ورحل للخليج ولم يسأل عنها أو عن ابنه ..
المسافة في سيارته لم تكن بذلك الطول الذى قضته في رحلة القدوم بالتأكيد السيارات الحديثة لها سرعتها وربما بسبب حديثه الذى تركها مستنزفة ..
كان يستعلم عن تفاصيل حياتها باهتمام ولم تحمل تعابير وجهه أي ازدراء أو قرف ..
حتى أنها انتبهت فقط حينما شاهدت محل المشويات يمر ولم يتوقف عنده .. صرخت بلهفة ..
- توقف .. علي شراء طعام ..
لكنه تجاهل لهفتها ليسألها بلهجة آمرة .. - يمين أم يسار ...؟
اجابته باستسلام ..- لليسار ..
ماهذا الغبي الذى اوقعها حظها معه ..؟؟
لكن اليأس لا يعرف طريقه في قلبها .. ستبدل ملابسها وستعود سيرًا علي الاقدام لشراء الطعام .. هى وعدتهم وستفي بوعدها مهما كلفها الامر ..
لكن للآن ورغمًا عنها انصاعت لحكمه المستبد حتى يغور من طريقها وتتصرف بحرية ..
يسار في يمين في يسار .. من زقاق لزقاق دلته لطريق منزلهم .. بالتأكيد لم يكن يتخيل وجود مكان كهذا حتى أن سيارته الضخمة اصبحت علي وشك لمس المنازل المتهالكة التى اصطفت علي الجانبين,, وبوجود سيارة مثل تلك بالطبع خرج الجميع من نوافذ منازلهم يتابعون باذهلال تقدم السيارة للحارة ..
بعد اليوم سيظن الجميع فيها السوء وعلي مسعود التفسير وإلا فكيف سترفع رأسها مجددًا ..
فور توقف السيارة أمام البناية غادرت السيارة تركض في اتجاة البوابة القديمة الضيقة ولدهشتها وجدته يستوقفها قائلا ..- اريد الدخول لبعض الوقت ..
شهقت بارتياع وهى تشير بيدها في اشارة تدل علي الرفض ..- مطلقًا .. هذا لا يجوز .. لا استطيع استقبالك في المنزل .. كيف اسمح لرجل غريب بدخول منزلي ولا يوجد محرم ؟؟
تجاهل اعتراضها وحمل الصندوق الكرتونى من سيارته و تقدم في اتجاه البوابة التى اغلقتها بجسدها لكنه واصل طريقه وحمل الصندوق بخفة بيده اليسري وازاحها بسهولة بيده اليمنى ليصبح بداخل البناية قبل أن يقول .. - من أي اتجاه ؟؟
من أين اتى هذا الغبي ..؟؟
وحينما لم يتلق ردًا ما هتف بغضب ..- هيا تقدمى لمنزلك وإلا اقسم بالله سأطرق علي جميع الأبواب حتى اجد منزلك بنفسي ..
ذلك المجنون الذى ابتلاها الله به .. بغض النظر عن أنه لا يجوز شرعيًا دخوله لمنزلهم إلا أنه ايضًا لا يجوز دخوله نفسيًا .. كيف ستدخله لمنزلهم الحقير العفن ذلك الذى اعتاد المعيشة في القصور؟؟ لكنه مصر ولن يتراجع بل وسيفضحها في كل البناية ..
بغضب طرقت علي باب شقتهم حتى كادت تحطمه من عنف الطرقات لتسمع صوت "علي" يهتف من خلف الباب ..
- من هناك ؟؟
لقد ارعبت الصغير .. صوتها تحول للحنان وهى تقول برفق ..- انها أنا علي افتح الباب ..
كادت تقسم أنها استمعت لصوت تنهداته التى علت بارتياح .. اخيرًا عادت لتستلم الحمل عنه ..الحمل الثقيل يكون اخف بكثير حينما يتشارك فيه الجميع ..
وحينما دخلت من الباب دخل خلفها كظلها وترك الباب مفتوحًا ..
لا يكفي أن يكون الشخص خيرًا ويعطى الحسنات والصدقات .. لا يكفي أن يظل في برجه العاجى وطالما لايرتكب المحرمات فهو مستقيم ..
الاستقامة نابعة من الداخل .. من الشعور بالاخرين,, بالتفاعل معهم .. بمحاولته تغيير حياة البعض للأفضل ..
لكى تحمل لقب انسان عليك السعى لتستحقه فمجرد أنك حى تأكل وتشرب وتنام يجعلك لا تختلف كثيرًا عن الحيوانات ..
لم يكن يتوقع وجود منزل كهذا في حياته ولا كل تلك الازواج من العيون التى ارتصت فوق بعضها تراقبه بفضول ثم لينضم إليهم صغير اخر وضعه مسعود عبر المفتوح علي اريكة مهترئة في الصالة الصغيرة ويفر هاربًا دون أن يتجرأ بفتح فمه ..
كان فقط يتخلص من مسؤليته,, بالتأكيد ضجت زوجته بصراخه وبمسؤليته ..
- حبيبي افتقدتك ..
هرولت إليه تحمله بالقرب من قلبها .. تلك الحقيرة اعادته بحقيبته وبها نفس الغيارات والصغير متسخ ..
حملته قرب قلبها ولم تهتم للفستان الذى سوف يفسده محمود .. انتهى الحفل ولتعيد له فستانه بقاذورات محمود جزاءً له علي تطفله علي حياتهم ..
لأول مرة يشعر بذلك التأثر والشعور بالدونية .. جميعهم اطفال حتى الكبيرة فيهم طفلة في حد ذاتها ..
طفلة تحمل مسؤلية اطفال اخرون .. مسؤلية امنهم واكلهم وتعليمهم ..
اشار لعلي بالاقتراب فاقترب بحذر وسمعته يقول ..- أنت تسمى "علي" اليس كذلك ؟؟ حسنًا علي سنترك شقيقتك تهتم بنظافة الصغير وأنت عليك مساعدتى في تقديم العشاء للجميع ..
كانت قد تقدمت في اتجاه الحمام حاملة محمود وغياراته حينما توقفت ..عشاء ..؟؟!! هل قال عشاء ...؟؟
رائحة الطعام الشهى التى ملئت الجو فور فتحه للصندوق غطت علي رائحة محمود التى بالتأكيد شمها وعلم منها حاجته للغيار ..
هل ما تظنه حقيقيًا ؟؟
هو دبر امر الطعام منذ أن قرر توصيلها .. لو الامتنان له ثمن لكانت قدمت له الملايين والملايين ..
نفس الطعام الذى حرمت نفسه منه يقدم لها وللصغار بل وكل انواع الحلويات الغريبة التى شاهدتها هناك ..
نظرات الامتنان في عينيها كانت كافية ولم يحتج منها للتعبير فواصلت طريقها للهروب من الدموع التى تساقطت وغشت عنها الرؤية .. " الحمد لله "
**
ليلتها تتحول بشكل رهيب .. ليلة بدأت من الخامسة عصرًا وانتهت في الثانية عشرة ليلًا كسندريلا هبطت عليها جنية بعصى سحرية لتغير حياتها ..
ليلة مرت فيها بكل المشاعر الانسانية الموجودة علي ظهر الكون .. رهبة قلق توتر اثارة خوف رعب ثم في النهاية سعادة ورضا ..
امنيتها الوحيدة تحققت باطعام الصغار قبل خلودهم للنوم .. ما ابسط الحياة واجملها حينما تتحق فيها الامنيات ..
وعلي الرغم من جوعها إلا أن سعادتها سببت لها احساس بالشبع بل بالتخمة لا يوجد افضل من رؤيتها لهم وهم يشبعون ويتمتعون بما لذ وطاب وكانت افضل مفاجأة في الليلة كلها حينما اختفي اثناء ابدالها لملابسها ولملابس محمود لبعض الوقت وطلب منهم انتظاره قبل البدء في الاكل ليعود بعد حوالي عشرين دقيقة بالتمام حاملا علبة من الحليب الصناعى ورضاعة جديدة لمحمود ويطلب منها غسلها وتحضير رضعة له..
يفكر في كل شيء ولم ينسي محمود فدبر له عشائه هو ايضًا .. اصر أن ينام الجميع ممتليء البطون حتى محمود ..
طوال حياته القصيرة التى لم تتعد الشهرين كانت تصنع له رضعات بنسب غير صحية علي الاطلاق لتحتفظ بعلبة الحبيب الوحيدة لديها لاطول وقت وكانت تكمل الرضعات بماء فقط أو باعشاب كالكراوية.. كانت تحاول سد جوعه وبالطبع كان يبكى طوال الوقت ولم يكن وزنه يزداد ..
اذًا هذه هى السعادة التى يتحدثون عنها .. لأول مرة تعرف ماذا يعنى مصطلح السعادة .. انها ببساطة أن تري الفرحة في نظرات اشقائها وشقيقاتها وتنام ومعدتها ممتلئة ولديها نقود ستدفع منهم الايجار ..
ولدهشتها الشديدة شاركهم الامير الطعام .. لم يترفع أو يشعر بالقرف من تواضع منزلهم ولم يطلب منها غسل الصحون قبل الأكل فقط جلس ارضًا مثلهم جميعًا واكل كما يأكلون ..
وظلتا رويدا وعائشة تأكلان حتى راحتا في نوم عميق وبقايا الحلويات في كفيهما ..
تأخر الوقت بما يكفي وعليه الرحيل الآن لكن هل ستطرده؟؟؟
أنه لا يطرد ويفرض رأيه بالقوة ولا قبل لها بمواجهته ..
محمود ايضًا غرق في نومه ربما لأنه لأول مرة يرضع حتى الشبع بكمية غير محدودة من الحليب ..
وكأنه اخيرًا قرر أن يطلق سراحها فنهض ببطء ووضع يد في جيب سرواله واخرج مبلغًا ضخمًا من المال وضعه في يدها برفق وهو يقول باهتمام ..- دبري نفسك بهذا المبلغ وامنى احتياجات اشقائك وسأعود خلال أيام لافهمك طبيعة عملك الجديدة ..
وكما اقتحم حياتها فجأة غادرها فجأة ليترك فراغًا لا يملئه إلا ملك ..
جلست في سيارته كما امرها كهرة مرتعشة تنتظر مصيرها .. خيرها بين السجن وبين العمل لحسابه في عمل نهايته السجن ايضًا لكن ربما بعد فترة وليس اليوم ..
اليوم ستراقبهم وهم يأكلون حتى الشبع ووقتها ستكون تضحيتها تستحق ..
حينما يكون الطعام فقط هو سببًا للتضحية !!
ربما صرف مسعود واصر علي ايصالها ليطلعها علي تفاصيل اكثر لكن كيف ستطلب منه التوقف لشراء الطعام ..
مع مسعود الامر اكثر سلاسة وتطلب منه ما تريد ببساطة لكن هذا الغريب المخيف يوترها ويخيفها فكيف ستتعامل معه ..؟؟
حتى أنها تجلس متخشبة في السيارة وتخشي لمس أي شيء فتلك السيارة العجيبة بالتأكيد لا تشبه سيارة مسعود الخردة وربما تتسبب في كارثة اذا ما تحركت ..
اغمضت عينيها بسلام تسترجع تفاصيل الحفل .. اكتشفت موهبة التمثيل في نفسها وموهبة اخري هى اصلاح الملابس .. لم تكن تتوقع أن تؤدى الدور بسهولة كما فعلت ولا أن تقابل تلك الفئة من الناس والتى لم تكن حتى تعلم عن وجودهم ..
من اكثر ما لمس قلبها الليلة هو حالة ملاك والحزن الدفين في عينى والدتها ومن اكثر ما اثار انتباهها هو خطيبة باسم الحسناء ..
حينما انصرف مسعود قادها للحفل مجددًا لتجد فتاة رائعة الجمال تعتذر له عن تأخرها عن الحفل واعطت ملاك دبدوبًا اسفنجيًا ضخمًا كهدية لها لكن ملاك وضعته جانبًا بلا مبالاة ووجهت كلامها لخالها ..- شكرًا علي الحفل الرائع .. ورفعت ساعديها في اتجاهه في اشارة منها لرغبتها في عناقه فانحنى بلطف يحتضنها بحنان ويقول بحب ..- من الجيد أنه اعجبك حبيبتى فمن الصعب أن نطلب خدمات الأميرة مجددًا ..
احمر وجهها بخجل وتتبعت احد الخدم للمرآب حينما اشار لها باسم في الخفاء لتفعل وقادها للسيارة تنتظره هناك ..
بالتأكيد يودع خطيبته الفاتنة التى طلبت منه بدلال أن يوصلها لكنه اعتذر بلطف وتعلل بالعمل ..
كم هى جميلة تلك الفاتنة التى ارتدت اجمل الثياب واعتمدت احدث تسريحات الشعر وجلست باغراء تتدلل علي خطيب ثري يعود لطبقة الملوك ..
وعاد قلبها لخفقانه الجنونى حينما عاد تتبعه الخادمة والتى كانت تحمل صندوقًا كرتونيًا ضخمًا غطى علي وجهها ..
كان قد تخلي عن سترته وربطة عنقه ورفع كمى قميصه الأبيض الناصع البياض للكوعين فبدا اقل رهبة من مظهرة السابق ..
اشار للخادمة فوضعت حملها في صندوق السيارة وغادرت مباشرة وفور انضمامه لها في السيارة تحرك بها علي الفور ..
سألها فور انطلاقه ..- هل تستطعين ارشادى لمنزلك أم علي استخدام " الجى بي اس "؟؟
سألته ببلاهة ..- تستخدم ماذا ؟؟
تنبه فجأة لأمر فسألها مجددَا .. - في أي صف أنتِ في المدرسة ..؟؟
خفضت عينيها قبل أن تجيب بخجل وبصوت بالكاد سمعه ..- أنا تركت المدرسة بعد الاعدادية ..
- اذًا هل تعرفين طريق المنزل ؟؟ هل تستطعين ارشادى إليه ..؟؟
انها تلك الفتاة البسيطة الغير متعلمة والغير جميلة لا ميزة لها علي الاطلاق فلماذا يهتم بها ؟؟
لماذا لم يطلعها علي ما يريده منها ولماذا تكبد عناء توصيلها لمنطقة لم يسمع عنها من قبل ويعتذر لخطيبته عن توصيلها ويترك حفلة ابنة شقيقته التى لم تنهى بعد ..
- من هنا لا بالتأكيد لكنى استطيع ارشادك بمجرد وصولنا للحارة التى نقيم فيها في صفط اللبن .. لكن لا داعى لتوصيلي حتى باب المنزل فقط انزلنى عند محل المشويات علي ناصية حارتنا فأولا سأشتري طعامًا للعشاء قبل الذهاب إلي المنزل ..
ابتسم بسخرية وهو يسألها .. - هل تعتقدين أنه بامكانك التجول هكذا ..؟؟
لطمت جبهتها بيدها في اشارة علي انتباهها لما يقول .. في ذروة حماستها وتفكيرها في اقتراب شراء الطعام نست ما تريديه وربما كان السبب الاساسى لرغبتها في عدم دخوله الحارة هو الحد من القيل والقال .. حينما تهبط في الحادية عشر ليلا من سيارة فارهة ستلوك الألسنة بسيرتها ..
قالت بيأس ..- أنت السبب .. لماذا لم تترك مسعود ليوصلنى ..؟؟ كان سيهبط هو لشراء الطعام ثم كان سينزلنى عند المنزل .. ماذا سأفعل أنا الآن ..؟؟
وفي النهاية لا يمكن أن اسمح لك بايصالي حتى المنزل .. ماذا سيقول الجيران عنى ..؟؟
قاطعها بصوت حازم ..- اصمتى قليلا يا فتاة .. أنت ثرثارة صغيرة .. سأتدبر أنا امر الطعام لكن اجبيبنى بصدق .. لماذا لم تتناولي الطعام في الحفل ..؟؟
اجابتها السابقة لم تعجبه أو لم تقنعه .. كل المدعويين بالتأكيد لم يكونوا جائعين فامثالهم لا يعرف الجوع لكنهم تناولوا الطعام حتى ولو القليل منه ..
هو يريد الحقيقة وستخبره مالم يكن يتوقع سماعه .. الحقيقة القاسية التى ستصدمه .. كيف يعلم هو أن البعض قد يقضى ايام بلا طعام أو كيف في بعض الاحيان يمر اليوم بجنية واحد هو كل رأس مالها لتطعم به ستة افواه مفتوحة ..
لكن تلقي أنت ايضًا مفاجأة أنا ايضًا لم اكن اعلم عن عالمك حتى اليوم .. في هذا نحن متساويان علي الاقل ..
- لأننى مسؤلة عن خمس اطفال جائعين لم يتذوقوا الطعام منذ ايام فكيف كنت سأشبع أنا وأنا اعلم أن اشقائى وشقيقاتى جوعى ..
سألها بشك .. - هل هى كذبة اخري من كذباتك ؟؟
نفت بقوة ..- مطلقًا .. أنت من سألنى وحينما سألتنى سابقًا اخبرتك بأننى لم اكن جائعة وأنت من يفرض نفسك علي حياتى الآن .. دعنى ارحل ولن ازعجك بمشاكلي ..
- وأين والدكِ ؟؟
اجابته بحزن ..- والدى توفي منذ ثلاث سنوات ووالدتى توفت منذ قرابة الشهرين بعد ولادة اخى الصغير محمود ..
وجدته يضحك بتهكم ...- ها قد عدتى لكذبك ايتها الكاذبة .. كيف توفي والدك منذ ثلاث سنوات ولديك شقيق صغير لم يتعد الشهرين ..؟؟
احمر وجهها واصبح بلون احمر قانى .. لكنها مع ذلك الشعور بالخجل الذى جعلها علي وشك توقف قلبها دافعت عن نفسها وعن والدتها بكبرياء .. - حينما تأزمت الامور وافقت والدتى علي الزواج من عامل بناء ليساعدها في الحمل لكنه كان نذلًا ورحل للخليج ولم يسأل عنها أو عن ابنه ..
المسافة في سيارته لم تكن بذلك الطول الذى قضته في رحلة القدوم بالتأكيد السيارات الحديثة لها سرعتها وربما بسبب حديثه الذى تركها مستنزفة ..
كان يستعلم عن تفاصيل حياتها باهتمام ولم تحمل تعابير وجهه أي ازدراء أو قرف ..
حتى أنها انتبهت فقط حينما شاهدت محل المشويات يمر ولم يتوقف عنده .. صرخت بلهفة ..
- توقف .. علي شراء طعام ..
لكنه تجاهل لهفتها ليسألها بلهجة آمرة .. - يمين أم يسار ...؟
اجابته باستسلام ..- لليسار ..
ماهذا الغبي الذى اوقعها حظها معه ..؟؟
لكن اليأس لا يعرف طريقه في قلبها .. ستبدل ملابسها وستعود سيرًا علي الاقدام لشراء الطعام .. هى وعدتهم وستفي بوعدها مهما كلفها الامر ..
لكن للآن ورغمًا عنها انصاعت لحكمه المستبد حتى يغور من طريقها وتتصرف بحرية ..
يسار في يمين في يسار .. من زقاق لزقاق دلته لطريق منزلهم .. بالتأكيد لم يكن يتخيل وجود مكان كهذا حتى أن سيارته الضخمة اصبحت علي وشك لمس المنازل المتهالكة التى اصطفت علي الجانبين,, وبوجود سيارة مثل تلك بالطبع خرج الجميع من نوافذ منازلهم يتابعون باذهلال تقدم السيارة للحارة ..
بعد اليوم سيظن الجميع فيها السوء وعلي مسعود التفسير وإلا فكيف سترفع رأسها مجددًا ..
فور توقف السيارة أمام البناية غادرت السيارة تركض في اتجاة البوابة القديمة الضيقة ولدهشتها وجدته يستوقفها قائلا ..- اريد الدخول لبعض الوقت ..
شهقت بارتياع وهى تشير بيدها في اشارة تدل علي الرفض ..- مطلقًا .. هذا لا يجوز .. لا استطيع استقبالك في المنزل .. كيف اسمح لرجل غريب بدخول منزلي ولا يوجد محرم ؟؟
تجاهل اعتراضها وحمل الصندوق الكرتونى من سيارته و تقدم في اتجاه البوابة التى اغلقتها بجسدها لكنه واصل طريقه وحمل الصندوق بخفة بيده اليسري وازاحها بسهولة بيده اليمنى ليصبح بداخل البناية قبل أن يقول .. - من أي اتجاه ؟؟
من أين اتى هذا الغبي ..؟؟
وحينما لم يتلق ردًا ما هتف بغضب ..- هيا تقدمى لمنزلك وإلا اقسم بالله سأطرق علي جميع الأبواب حتى اجد منزلك بنفسي ..
ذلك المجنون الذى ابتلاها الله به .. بغض النظر عن أنه لا يجوز شرعيًا دخوله لمنزلهم إلا أنه ايضًا لا يجوز دخوله نفسيًا .. كيف ستدخله لمنزلهم الحقير العفن ذلك الذى اعتاد المعيشة في القصور؟؟ لكنه مصر ولن يتراجع بل وسيفضحها في كل البناية ..
بغضب طرقت علي باب شقتهم حتى كادت تحطمه من عنف الطرقات لتسمع صوت "علي" يهتف من خلف الباب ..
- من هناك ؟؟
لقد ارعبت الصغير .. صوتها تحول للحنان وهى تقول برفق ..- انها أنا علي افتح الباب ..
كادت تقسم أنها استمعت لصوت تنهداته التى علت بارتياح .. اخيرًا عادت لتستلم الحمل عنه ..الحمل الثقيل يكون اخف بكثير حينما يتشارك فيه الجميع ..
وحينما دخلت من الباب دخل خلفها كظلها وترك الباب مفتوحًا ..
لا يكفي أن يكون الشخص خيرًا ويعطى الحسنات والصدقات .. لا يكفي أن يظل في برجه العاجى وطالما لايرتكب المحرمات فهو مستقيم ..
الاستقامة نابعة من الداخل .. من الشعور بالاخرين,, بالتفاعل معهم .. بمحاولته تغيير حياة البعض للأفضل ..
لكى تحمل لقب انسان عليك السعى لتستحقه فمجرد أنك حى تأكل وتشرب وتنام يجعلك لا تختلف كثيرًا عن الحيوانات ..
لم يكن يتوقع وجود منزل كهذا في حياته ولا كل تلك الازواج من العيون التى ارتصت فوق بعضها تراقبه بفضول ثم لينضم إليهم صغير اخر وضعه مسعود عبر المفتوح علي اريكة مهترئة في الصالة الصغيرة ويفر هاربًا دون أن يتجرأ بفتح فمه ..
كان فقط يتخلص من مسؤليته,, بالتأكيد ضجت زوجته بصراخه وبمسؤليته ..
- حبيبي افتقدتك ..
هرولت إليه تحمله بالقرب من قلبها .. تلك الحقيرة اعادته بحقيبته وبها نفس الغيارات والصغير متسخ ..
حملته قرب قلبها ولم تهتم للفستان الذى سوف يفسده محمود .. انتهى الحفل ولتعيد له فستانه بقاذورات محمود جزاءً له علي تطفله علي حياتهم ..
لأول مرة يشعر بذلك التأثر والشعور بالدونية .. جميعهم اطفال حتى الكبيرة فيهم طفلة في حد ذاتها ..
طفلة تحمل مسؤلية اطفال اخرون .. مسؤلية امنهم واكلهم وتعليمهم ..
اشار لعلي بالاقتراب فاقترب بحذر وسمعته يقول ..- أنت تسمى "علي" اليس كذلك ؟؟ حسنًا علي سنترك شقيقتك تهتم بنظافة الصغير وأنت عليك مساعدتى في تقديم العشاء للجميع ..
كانت قد تقدمت في اتجاه الحمام حاملة محمود وغياراته حينما توقفت ..عشاء ..؟؟!! هل قال عشاء ...؟؟
رائحة الطعام الشهى التى ملئت الجو فور فتحه للصندوق غطت علي رائحة محمود التى بالتأكيد شمها وعلم منها حاجته للغيار ..
هل ما تظنه حقيقيًا ؟؟
هو دبر امر الطعام منذ أن قرر توصيلها .. لو الامتنان له ثمن لكانت قدمت له الملايين والملايين ..
نفس الطعام الذى حرمت نفسه منه يقدم لها وللصغار بل وكل انواع الحلويات الغريبة التى شاهدتها هناك ..
نظرات الامتنان في عينيها كانت كافية ولم يحتج منها للتعبير فواصلت طريقها للهروب من الدموع التى تساقطت وغشت عنها الرؤية .. " الحمد لله "
**
ليلتها تتحول بشكل رهيب .. ليلة بدأت من الخامسة عصرًا وانتهت في الثانية عشرة ليلًا كسندريلا هبطت عليها جنية بعصى سحرية لتغير حياتها ..
ليلة مرت فيها بكل المشاعر الانسانية الموجودة علي ظهر الكون .. رهبة قلق توتر اثارة خوف رعب ثم في النهاية سعادة ورضا ..
امنيتها الوحيدة تحققت باطعام الصغار قبل خلودهم للنوم .. ما ابسط الحياة واجملها حينما تتحق فيها الامنيات ..
وعلي الرغم من جوعها إلا أن سعادتها سببت لها احساس بالشبع بل بالتخمة لا يوجد افضل من رؤيتها لهم وهم يشبعون ويتمتعون بما لذ وطاب وكانت افضل مفاجأة في الليلة كلها حينما اختفي اثناء ابدالها لملابسها ولملابس محمود لبعض الوقت وطلب منهم انتظاره قبل البدء في الاكل ليعود بعد حوالي عشرين دقيقة بالتمام حاملا علبة من الحليب الصناعى ورضاعة جديدة لمحمود ويطلب منها غسلها وتحضير رضعة له..
يفكر في كل شيء ولم ينسي محمود فدبر له عشائه هو ايضًا .. اصر أن ينام الجميع ممتليء البطون حتى محمود ..
طوال حياته القصيرة التى لم تتعد الشهرين كانت تصنع له رضعات بنسب غير صحية علي الاطلاق لتحتفظ بعلبة الحبيب الوحيدة لديها لاطول وقت وكانت تكمل الرضعات بماء فقط أو باعشاب كالكراوية.. كانت تحاول سد جوعه وبالطبع كان يبكى طوال الوقت ولم يكن وزنه يزداد ..
اذًا هذه هى السعادة التى يتحدثون عنها .. لأول مرة تعرف ماذا يعنى مصطلح السعادة .. انها ببساطة أن تري الفرحة في نظرات اشقائها وشقيقاتها وتنام ومعدتها ممتلئة ولديها نقود ستدفع منهم الايجار ..
ولدهشتها الشديدة شاركهم الامير الطعام .. لم يترفع أو يشعر بالقرف من تواضع منزلهم ولم يطلب منها غسل الصحون قبل الأكل فقط جلس ارضًا مثلهم جميعًا واكل كما يأكلون ..
وظلتا رويدا وعائشة تأكلان حتى راحتا في نوم عميق وبقايا الحلويات في كفيهما ..
تأخر الوقت بما يكفي وعليه الرحيل الآن لكن هل ستطرده؟؟؟
أنه لا يطرد ويفرض رأيه بالقوة ولا قبل لها بمواجهته ..
محمود ايضًا غرق في نومه ربما لأنه لأول مرة يرضع حتى الشبع بكمية غير محدودة من الحليب ..
وكأنه اخيرًا قرر أن يطلق سراحها فنهض ببطء ووضع يد في جيب سرواله واخرج مبلغًا ضخمًا من المال وضعه في يدها برفق وهو يقول باهتمام ..- دبري نفسك بهذا المبلغ وامنى احتياجات اشقائك وسأعود خلال أيام لافهمك طبيعة عملك الجديدة ..
وكما اقتحم حياتها فجأة غادرها فجأة ليترك فراغًا لا يملئه إلا ملك ..