📁 آخر الروايات

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم هالة محمد

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم هالة محمد


37 = حلال ولكن مرفوض - حقيقة صاحب الظل -37 /
للجميع@
مرحبًا بك يا رفيق الحكاية،
شكرًا لأنك لا تزال هنا، تتابعني وتمنحني من وقتك واهتمامك.
أتمنى أن تجد في هذا الفصل ما يلامس روحك، وأن تسافر معي بين اسطوره كما لو كنت أحد أبطاله.
سأنتظر رأيك ككل مرة، فهو يعني لي الكثير.
*****************************
في أحد المقاهي، كانت هالة تجلس هادئة، ترتشف من كأس العصير برقةٍ متناهية، وابتسامة صغيرة تتسلّل إلى وجهها كلما تذكّرت ما فعلته بمديحة وأحمد. كانت ملامحها تشع خفةً ومرحًا، غافلةً عن يحيى الذي
يجلس أمامها يرمقها بنظرةٍ يملؤها الغيظ.
وأخيرًا، انتبهت له، فرمقته باستغراب قائلة:
"مالك يا يحيى، متعصب ليه؟"
وقبل أن يجيب، أدركت هالة سبب غضبه، فقد استطاعت الإفلات منه، ولم يتمكّن من اللحاق بها، فضحكت ضحكةً عاليةً صافية، كأنها موسيقى تسري في المكان.
نظر إليها يحيى، فارتجف قلبه من سحر ضحكاتها، وقال بصوتٍ يفيض عشقًا:
"حين تلمس الابتسامة شفتيكِ الجميلتين، يخرج منها عبيرٌ محمّل بسحرٍ لا يوجد في العالم مثيله، يسرّني ويجعلني أذوب في عشقك، وأصبح في هواك مجنونًا.
"
شعرت هالة بعد كلماته وكأنها في عالمٍ آخر، بعيدٍ عن الزمان والمكان، عالمٍ ترفرف فيه مشاعر الحب النقي. كانت كلماته تتسلّل إلى قلبها كدفء الربيع، ومع كل همسةٍ منه، كانت دقات قلبها تتسارع حتى شعرت أنها ستنفجر من شدّة الفرح.
نظرت إليه بوجهٍ يفيض نورًا، وعيونٍ لامعة كأنها نجومٌ في ليلٍ صافٍ، تنفست بعمقٍ مسموع ثم قالت بسرعةٍ
غلبها فيها الحياء:
"يحيى أنا موافقه أتجوزك إن شاء الله دلوقتي!"
ساد صمتٌ مدهش، وارتفعت الأنفاس، والتقت النظرات في لحظةٍ حبٍ نادرةٍ لا تُنسى.
لم يصدق يحيى ما سمعه؛ لقد اعترفت له أخيرًا بمشاعرها علنًا، بعد عذابٍ طويلٍ وحرمان.
أما هالة، فبدأت توبّخ نفسها في سرّها: كيف قالت ذلك دون خجل؟
لم تستطع الجلوس أكثر، فنهضت فجأة وركضت إلى الخارج.
تفاجأ يحيى من ما تفعل لم يتنظر دقيقه لحق بها مسرعًا وهو يدعو الله ألا تكون قد تراجعت عن كلامها.
بعد لحظاتٍ قليلة، وجدها تقف على بُعد خطواتٍ من المقهى، اقترب منها بابتسامةٍ تجمع بين العتاب والحب، وقال:
"ايه اللي انتي عملتيه ده؟ دي برضو عمايل ناس عاقلين؟ اتسيبين وتجري قدام الناس؟ يقولوا علينا ايه؟"
لم تُجبه، بل ظلت تحدّق في الأرض بصمتٍ مربك. اقترب منها حتى صار بمستواها، وقال بلطفٍ متردد:
"هاله أنا عكلمك، مش بتردي ليه؟"
"يحيى أنا عاوزه أروح."
"هتروحي بس منه تقوليلي عملتِ كده ليه؟"
"عشان اللي عملته غلط وعيب، ما كانش ينفع أقول كده."
قطّب حاجبيه، وتحدث بلهجةٍ غاضبة تخفي خلفها خوفًا عميقًا من فقدها:
"هو إيه ما كانش صح؟ انتِ رجعتي في كلامك تاني ولا إيه؟ هو أنا لعبة معاكي كل شوية لا آه ولا لأ هو في ايه ؟!
"
رفعت رأسها بسرعة وهي تلوّح بيديها نافية، ووجنتاها تشتعلان خجلًا:
"لا يا يحيى، انت فهمت غلط، أنا موافقه بس... بس يعني عيب يعني إن أنا أقول لك، يعني..."
كانت كلماتها تتعثّر تحت وطأة الحياء، وصوتها يكاد يختفي وسط خفقان قلبها.
تنفّس يحيى بارتياح، حين أدرك أنها ما زالت متمسكة به، فقط تخجل من اعترافها. نظر إليها بمكرٍ دافئ وقال:
"إيه ده يا كنزي، انت بتتكسفي زي البنات ولا إيه؟"
ضيّقت عينيها، ورفعت يدها لتضربه، فأمسكها سريعًا وقال ضاحكًا:
"لا ما هو مش كل مرة، المرة اللي فاتت خدتيني على إخوانه!"المر دي لا
رمقته بغيظٍ وهي تسحب يدها، فتعالى ضحكه بصوتٍ صادقٍ مليءٍ بالفرح، ثم قال:
"بس تعرفي، شكلك وإنتي مكسوفه كده وشك أحمر عسل! إحنا نروح لفاطمة وتشوف لنا حل عشان نتجوز ونتلم بدل قلة الأدب اللي إحنا فيها دي !"
ضحكا معًا، كأن الدنيا لا تسعهما، ثم ذهبا إلى المنزل بخطواتٍ يغمرها الأمل، وهما يدعوان الله أن تدوم سعادتهما، وأن يتوّج حبهما بالرباط المقدّس، فلا تفصلهما الأيام مرةً أخرى.
********************************
في منزل يحيى الجديد، كانت مديحة تذرع المكان ذهابًا وإيابًا، تتحدث بارتباك شديد قائلة:
ـ اللي عملته هالة دا عيب، وما يصحّش! دا شغل عيال. بس الغلط مش عليها، الغلط عليك إنت. ما إنت لو ما كنتش عملت اللي عملته من الأول، ما كانش دا حصل.
رمقها بنظرة غيظ، لكنه ظل صامتًا ينظر إلى الأرض، وملامح وجهه يكسوها الألم. اقتربت منه بعصبية وقالت:
ـ إنت يا راجل؟ أنا مش بتكلم مع نفسي، رد عليّ!
نظر إليها بعينين ذابلتين ووجهٍ شاحب، حاول التحدث، لكن أنفاسه كانت متقطعة. نظرت له مديحة برعب، ودقات قلبها تتسارع خوفًا، فصرخت:
ـ مالك يا أحمد؟ فيك إيه؟ رد عليّ!
رفع يده مشيرًا إلى كأس الماء، فأسرعت مديحة تمسك بالكأس وتقربه من فمه. كان يتنفس بصعوبة. هرعت إلى المطبخ، وأعدت له مشروبًا من الأعشاب وأجبرته أن يرتشفه. تقطب وجه أحمد من مرارته، فوضعت الكوب على الطاولة فرمقته بتحذير، فأمسكت بالمشروب وجعلته يشربه دفعة واحدة. وبعد قليل بدأ يتنفس بشكل طبيعي، ثم قال:
ـ شكرًا يا أم عامر.
فردت بعصبية:
ـ بلا شكرًا بلا زفت! إنت وقّعت قلبي في رجلي! مش كنت بتقول إن صحتك حديد؟ ولا كنت بتكدب؟
ابتسم أحمد وقال:
ـ لا والله، أنا ما عنديش أي حاجة، والحمد لله. ده غير إني راجل رياضي… بصّي.
نظرت إليه مديحة، فرأت أنه رغم كِبر سنّه، إلا أنه ما زال يحتفظ بجسدٍ رياضيٍّ طويل القامة، في رأسه خليط من الشعر الأبيض والأسود، وملامحه رجولية وسيمة.
حين رآها صامتة تتأمله، تبادل معها النظرات، يتفحّص ملامحها. كانت امرأة ذات بشرة قمحية، وعيون سوداء، وملامح بسيطة، لكن رغم بساطتها كان فيها سحر خاص ووجه بشوش يبعث الراحة والألفة.
هكذا كان أحمد يشعر كلما رآها.
انتبهت مديحة إلى نظراته لها، فحوّلت وجهها سريعًا إلى الجهة الأخرى، وارتفعت حرارة وجهها خجلًا، كأنها مراهقة صغيرة خجلت من نظرات أحدهم.
تنحنح أحمد وقال بنبرة صادقة:
ـ أنا آسف يا مديحة، لأني دايمًا بحطّك في مواقف محرجة. والله أنا مش عارف ليه بعمل كده، بس أول ما بشوفك، قلبي هو اللي بيتصرف مش عقلي. أنا عمري ما كنت كده.
تحدثت مديحة بضيق:
ـ خلاص يا دكتور أحمد، بلاش كلام حب ومشاعر. أنا مش عيلة صغيرة هتضحك عليها بكلمتين. إنت ما حبتنيش أصلاً.
نظر إليها أحمد بعينين يغمرهما الحزن وقال بصوت مكسور:
ـ يا مديحة، محبتِكش إزاي؟ بعد كل اللي عملته علشانك؟
فأجابته:
ـ أيوه، محبتنيش. إنت عملت إيه؟ إنت سبتني في أول موقف، سبتني ومشيت، رغم إنك كنت عارف إن ظروفي صعبة ولسه فيها
انفعل أحمد وقال بغضب:
ـ أنا ما كنتش همشي غير لما عامر يطلع بالسلامة! واللي خلاني أفكر أمشي إني حسّيت إنك كرهاني ومش عايزة تشوفيني أنا ولا بنتي.
ازدادت غضبًا، ووقفت تهدر به وتحرك يديها بعشوائية
ـ وانت ما صدّقت! أول ما لقيتني زعلانة شوية، كنت عايز تاخد مريم وتمشي! اسمع يا راجل، مريم مش هتمشي، فاهم؟ عايز تمشي، امشي لوحدك. روح اتجوز واحدة أجنبية! ما إنت أكيد عارف ستات أجانب كتير!
ابتسم أحمد وهو يلمح الغيرة في حديثها، ثم قال بمغازلة ناعمة:
ـ بس أنا مش عايز ست أجنبية… أنا عايز ست مصرية جدعة، بنت الملوك، حفيدة المصريين القدماء.
السمرا اللي لونها شبه القمح وشمس مصر الحلوة… أم عين سودا زي ليل الشتا، فيها عاشق سهران والغرام طيّر النوم من عينه.
اختفى الغضب من ملامحها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة.
نظرت إلى الجهة الأخرى تهرب من عينيه اللتين تربكانها.
قال أحمد مبتسمًا:
ـ إيه رأيك يا بنت الملوك… توافقِي تتجوزيني؟
جلست مديحة على أحد المقاعد، ولحق بها أحمد ينظر إليها بعينين تملؤهما الرجاء والحب، ينتظر منها الكلمة.
أخذت نفسًا عميقًا، وقالت بجدية:
ـ بص يا أحمد… أنا ست طول عمري عايشة لوحدي، وربّيت ابني لوحدي، وكبرت. أنا مش صغيرة. ولا مراهقه
تفتكر بعد العمر ده كله، أتجوز ليه؟ خصوصًا إن
جوازتي الأولى كانت تجربة سيئة، وما خرجتش منها غير بابني. الناس لما تشوف واحدة في سني تتجوز، وابنها راجل، هيقولوا عليها إيه؟
ابتسم أحمد بأسى وقال:
ـ هيقولوا شرع الله يا مديحة. أنا عارف كل اللي هتقولي، وعارف إن الناس مش هتسيبنا في حالنا، بس إحنا ما بنعملش حاجة غلط ولا حرام.
الناس بتحلل وبتحرّم على كيفها.
أنا مش عايز منك غير كلمة واحدة، وبعد كده سيبي كل حاجة عليّا.
أما عامر، فأنا هقنعه. وكلام الناس… الناس دايمًا بتتكلم، وانتي عارفة ده كويس، خصوصًا انك ست مطلقة وعايشة لوحدك. أكيد الناس كآنت بتكلم عليكي بالباطل لمجرد إنك مطلقه
صمتت مديحة، وشعرت بالحزن يعتصر قلبها، تتذكر كيف عاملها الناس بعد طلاقها فبعض
النساء ابتعدن عنها خوفًا على أزواجهن، وأخريات رمينها بالكلام والباطل، دون أن يعرفن ما مرت به أو كيف انتهى زواجها.
تنهدت ونظرت إليه بعينين يملؤهما العتاب وقالت:
ـ علشان كده يا أحمد، مع أول موقف تقول مسافر ومهاجر؟
أنا بعد العمر ده كله يوم ما افكر أتجوز لازم يكون راجل يستاهل ني و يتمسك بيا، مش واحد أول ما تحصل مشكلة يسيبني.
أحسّ أحمد بالخجل من نفسه. لم يكن يومًا ينوي التخلي عنها، لكنه اختار الابتعاد حين رأى صغيرته في حالة سيئة.
اقترب منها ونظر في عينيها قائلًا بصدق:
ـ حقك عليّا يا مديحة. أنا عمري ما كنت أقدر أتخلى
عنك، لو في العمر بقيّة.
بس أنا عملت كده علشان مريم… لما شفتيها وهي واقفة على بابك بتترجاك، قلبي ما استحملش.
إنتي أكتر واحدة هتفهميني… زي ما عامر هو دُنيتك، مريم هي حياتي.
بس خلاص، أنا عرفت… لا أنا ولا مريم نقدر نستغنى عنك.
أنا مستعد أواجه الدنيا كلها علشانك، بس إنتي اديني أمل حتى لو صغير…
نظرت له، فرأت الصدق في عينيه، فابتسمت بخجل وقالت:
ـ أنا أهم حاجة عندي ابني، لو هو وافق

توقفت فجأة، فنظر إليها أحمد، يبتلع ريقه وكأنه عطشان في صحراء، قلبه يخفق بسرعة، ونظراته ترجوه وتتوّسلها.
فعطفت عليه أخيرًا وقالت بابتسامة خفيفة:
ـ لو وافق عامر، أنا موافقة.
تنفس أحمد بارتياح، ثم قال وهو يرفع يده إلى رأسه:
ـ الحمد لله! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
حرام عليكي يا شيخة… نشّفتي دمي!
لمعت عيناه، وارتسمت على وجهه ابتسامة صافية، ثم قال بحماس:
ـ وعد يا مديحة… والله ما هقول أسافر ولا أهاجر تاني مهمه حصل
هفضل جنبك لحد ما أتجوزك.
رفرف قلبها من السعادة، فلم تسمع مثل تلك الكلمات في حياتها من قبل. شعرت كأنها عادت سنوات إلى الوراء، لزمن كانت تتمنى فيه أن يأتي من يحبها بصدق ويفعل المستحيل من أجلها.
واليوم، بعد كل تلك السنوات، منحها الله رجلاً يحبها ويقدّرها. لست مهمه متا تتحقق الأمنيات المهم انها تأت
*********************************
كانت مريم تجلس داخل السيارة وهي تبحث عن شيء تتماسك به، كانت تشعر أنها سوف تطير خارج السيارة من شدة السرعة التي يقودها بها عمر. نظرت إليه بعينين يملؤهما الرعب وتحدثت بصوتٍ مرتجف وهي تموت خوفًا فقالت:
– يا عمر ممكن تهدي السرعة شوية؟ أنا خايفة والنبي يا عمر!
ولكن عمر لم يكن معها، كان جسده متشنجًا، وعروقه بارزة من شدة الغضب، وكان يحدث نفسه بصوتٍ مرتفع فقال:
– بقى أنا اللي كنت ناوي أوقف في وش علتي عشان أتجوزها؟ تطلع الهانم مستخفلاني ورايحة تهاجر؟ دي آخرتها؟ أنا عمر العامري! حتة بنت تضحك عليا!
وقف السيارة بشكلٍ مفاجئ، فانزلقت مريم ووقعت داخلها.
تنفس عمر بصوتٍ مرتفع مليئًا بالغيظ، ثم شعر بشيء عند قدميه، فنظر إلى الأسفل ليجد مريم تحتضن ساقيه بقوة، وشعرها الفوضوي يغطي وجهها بشكلٍ مرعب.
ارتجف عمر لحظة وتراجع إلى الخلف وهو يصرخ بها، فتركت مريم قدميه وأزاحت خصلاتها عن وجهها، ثم بدأت تبكي بصوتٍ مرتفع يشبه بكاء الأطفال.
تنهد عمر بضيق، ثم مد يده لها بلطفٍ وجعلها تجلس على المقعد بجواره، وظل يحاول أن يجعلها تتوقف عن البكاء ولكن دون فائدة، فزاد نحيبها وارتفع صوتها أكثر، فهدر بها بحدةٍ قائلاً:
– بس يا مريم بدل ما أديك بقفا إيدي! أنا على آخري منك!
وضعت مريم يدها فوق فمها بسرعة وهي تنظر إليه بعيونٍ مفتوحة يملؤها الخوف.
اقترب منها ووجهه محتقن بالغضب وتحدث قائلاً:
– بتضحكي عليا يا مريم؟ ده ما فيش واحدة قدرت تعملها، وفي الآخر إنتِي تعمليها معايا أنا؟ كده
هزت رأسها نفيًا وهي تبكي، فصرخ بها بصوتٍ مرتفع وهو يسحب يدها من على فمها قائلاً:
– انطقي! عملتِ كده ليه؟!
تحدثت وهي دموعها عالقة فوق وجنتيها فقالت:
– أنا ما ضحكتش عليك يا عمر، أنا حبيت آخد اللي باقي من كرامتي وامشي في هدوء، لأني تعبت. من سنين طويلة وأنا بعيط بسببك. عارفة إن مالكش ذنب، الذنب ذنبي أنا، كان لازم أحكم عقلي الأول وما أمشيش ورا قلبي.
ضاق صدره وتألم قلبه من أجلها، ثم تحدث معها بهدوءٍ قائلاً:
– مريم، أنا كنت هكلم أهلي في موضوع جوازنا، يعني ما كنتش ناوي ألعب بيك ولا أتسلى. إنتِ ليه عملتِ كده؟
تحدثت بصوتٍ مبحوح وهي تمسح دموعها فقالت:
– علشان كنت خايفة، خايفة بعد ما أفرح تيجي تقولي أنا آسف، أهلي ما وافقوش. ساعتها قلبي هيتكسر أكتر من دلوقتي.
تنهد عمر بثقلٍ وقال:
– كنتي استني وشوفي، كنتِ تعرفي أنا هقدر أقنعهم ولا لأ. مريم، أنا لو ما كنتش واثق إني هعمل المستحيل عشان أقنع أهلي بالجواز، ما كنتش اتكلمت معاكي من أصله.
نظرت إليه وابتسمت بخجلٍ وهي تشبك أصابعها في بعضها، ثم تحدثت قائلة:
– يعني إنت يا عمر كنت هتعمل المستحيل علشاني؟
رمقها بغيظٍ ثم ابتسم بسخريةٍ قائلاً:
– ده كان زمان، قبل ما تقرري تهاجري من ورايا! يلا، اتفضلي روحي هاجري!
رمقته مريم بغيظٍ شديد ثم اقتربت منه وهي تصرخ به قائلة:
– طب اسمع بقى يا واد العامري! إنت هتتمسك بيا وهتعمل المستحيل علشاني، ومش بس كده، ده هتفضل تتحايل عليا وتقولي: أنا بحبك يا مريم، اتجوزيني! والله لو ما عملتش كده يا اروح، أقول لجدك إنك بتاع نسوان!
نظر إليها عمر ثم انفجر ضاحكًا، وظل يضحك حتى دمعت عيناه.
توقف بصعوبةٍ وهو يمسح دموعه وتحدث قائلاً:
– طب مدام أنا بتاع نسوان، عايزة تتجوزيني ليه؟
ثم نظر إليها بخبثٍ واضح.
صمتت مريم وهي تموت خجلًا على ما فعلته، ظلت تهرب بعينيها يمينًا ويسارًا وهي تتحاشى النظر إليه.
رقّ عمر لها وتحدث بجديةٍ قائلاً:
– طيب يا مريم، أنا هحاول أنسى اللي عملتيه، بس في شوية شروط. أول حاجة: تنسي موضوع السفر نهائي.
تاني حاجة: دي أول وآخر مرة تعملي حاجة من ورايا، لأن لو عملتيها تاني مش هتعرفي هعمل فيك إيه.
والأهم... لبسك يتغير وتلبسي حجاب، تمام؟
رفعت يدها بخوفٍ وهي تطلب التحدث وقالت بصوتٍ مرتبك:
– هو لازم يا عمر؟ يعني البس الحجاب
أنا مش بعترض، أنا بس بقول سيبني لغاية ما ألبسه عن اقتناع...
أمسك بيدها بعصبيةٍ قائلاً:
– يا أختي عنك ما اقتنعتي! هو في إيه؟ أنا بقولك تعالي أشتغلك رقاصة؟ هو إنتِي مش مسلمة؟ وده فرض! ولا إنتِي بتعبدي البقرة وأنا مش عارف؟
!
تركها ثم تراجع للخلف واضعًا يده فوق جبهته. ظل صامتًا لبعض الوقت ثم تنهد وقال:
– طيب يا مريم، بصي، تعالى نتفق. أنا هسيبك تفكّري براحتك وتشوفي نفسك، هل إنتي ِ مستعدة تنفّذي كل شروطي، وأهمها تلبسي الحجاب وتعيشي معايا على عاتدي وتقاليدي زي أي ست في الصعيد ولا لأ؟
لو قلتي أه، أنا مش بس هعمل المستحيل، أنا مش هتخلى عنك طول العمر.
لكن لو قلتي لأ، يبقى كل واحد فينا يروح لحاله.
هزت مريم رأسها وهي تشعر بالحزن والخوف والفرح في آنٍ واحد، ثم رفعت نظرها إلى السماء تدعو الله في سرها أن يدلها على الطريق الصحيح وأن يهديها للخير والثواب.
قاد عمر سيارته بعدها، وعاد بها إلى المنزل في صمتٍ ثقيل لا يُسمع فيه إلا صوت المحرك وأنفاسهما المضطربة.
********************************
عادَت هالة ويحيى إلى المنزل، فوجدَا فاطمة جالسة أمام التلفاز تستمتع بمشاهدة مسلسلها الهندي المفضل.
اقترب يحيى منها بخفة، ثم مد يده وأغلق التلفاز.
رمقته فاطمة بنظرة غيظ، ثم صاحت بصوت مرتفع:
"انت يا واد! افتح التلفزيون خليني أشوف المسلسل، عايزه أعرف إسواره هتعمل إيه!"
ابتسم يحيى وهو ينظر إليها، فهي دائمًا تقضي أوقات فراغها أمام تلك المسلسلات.
قال لها ممازحًا:
"انتي حاضرة المسلسل دي كم مرّة يا فاطمة؟ هو في حد هيتفرج على الهنديين؟ هو إنتي غاويه نكد؟"
ردّت بلهجة عنيدة وهي تشير بيدها:
"ما لكش دعوه! أنا بحبهم، هات المسلسل، البنت رايحه تتجوز!"
ضحك يحيى بخفة وقال:
"سيبك من البت، خليكي في أنا وبنتك، إحنا اللي هنتجوز. ركزي في فرحنا يا فاطمة، وأنا هعمل لك فرح أحلى من فرح الهنديين مية مرّة. بنتك أخيرًا وافقت بعد ما طلّعت عيني!"
تفاجأت فاطمة، ونظرت إلى ابنتها التي خجلت فأنزلت بصرها إلى الأرض، بينما ابتسمت فاطمة ودموع الفرح تلمع في عينيها.
ثم قالت بمزاح لطيف:
"بس أم العروسة لسه ما وافقتش يا ولد العامري، ولا أنا رأيي مش مهم؟"
اقترب منها يحيى بخطوات ثابتة وقال بلهجة دافئة:
"هو أنا عندي أهم من أم العروسة في الدنيا ؟ فاطمة يا بنت العمدة، أنا طالب إيد بنتك منك. قلتِ إيه؟"
قهقهت فاطمة قبل أن ترد، لكن فجأة فُتح باب المنزل ودخل عمر، كانت نظراته غاضبة وصوته يحمل سخرية مرّة:فقال
"ويا ترى هتعزمونا على الفرح؟ ولا وجودنا مش مهم زي ما رأيي مش مهم في جواز أختي؟"
اشتدّ فَكُّ يحيى غيظًا من ابن عمه، بينما رمقته فاطمة بنظرة عتاب.
اقتربت هالة من شقيقها وجلست إلى جواره على الأرض، ثم أمسكت بيده بمحبة وقالت:
"مين قال إن موافقتك مش مهمه؟ أنت أخويا وحبيبي وسندي، أحنّ واحد عليا في الدنيا. ماقدرش أعمل حاجه من غير رضاك."
تنهد عمر بضيق، ونظر إلى شقيقته بعينين يملؤهما الحزن وقال:
"بس انتي وافقتي وانتي عارفه إني مش موافق.
لو رأيي مهم عندك زي ما بتقولي، ما كنتيش وافقتي."
ارتجف صوتها وهي تردّ عليه، وقد لمعت الدموع في عينيها:
"موافقتي ملهاش لازمه طول ما إنت مش موافق."
ضم عمر يديها بين يديه بقوة وقال:
"يعني لو قلت لك ترفضي، هترفضي؟"
صمتت هالة لوهلة، ثم نظرت نحو يحيى الذي وقف ينظر إليها، وعيناه تتوسلان ألا تخذله.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة وكأنها تبعث إليه برسالة خفية: "ما تخافش."
ثم أعادت بصرها إلى شقيقها وقالت بثقة ومحبة:
"هستنى لغاية ما يحيى يقنعك، إن شاء الله لو فضل سنين.
يا إنت توافق، يا هو يزهق ويسيبنا."
تنفّس يحيى بارتياح، واطمأن قلبه الذي كان يرتجف خوفًا من الفراق.
اقترب من عمر وقال بحزم وهدوء:
"وأنا عمري ما هسيبها يا عمر. فقولي، إنت رافض ليه؟ وسيبك من التلت سنين الي مالهمش لازمه.
قول يا أبو عمو، عاوز أعمل إيه علشان توافق؟"
تبادل الاثنان النظرات بتحدٍّ، وكأنهما خصمان في ميدان واحد.
ابتسم عمر بسخرية وقال:
"اللي أنا عايزه انت مش هتقدر عليه يا واد العامري."
ردّ يحيى بابتسامة مماثلة:
"لا، قول وما تخافش.
ولا إنت ما عندكش حاجه تقولها وبتتلكك عشان ترفض وخلاص؟"
استفزه يحيى أكثر وهو يقول:
"تقدر تجيب الحاجه أمينة، أمّك، اللي كل يوم بتكلمك عشان تقنعك ما تتجوزش هالة، تخطب أختي؟"
اتسعت عينا يحيى بدهشة، كيف له أن يعرف ما يدور بينه وبين أمه؟
وضع عمر يده على كتف يحيى وقال بابتسامة باهتة:
"ما تفكرش كتير يا يحيى، وما تستغربش أنا عرفت منين.
هي كانت بتكلمني زي ما بتكلمك، ومش عاوز أقولك كانت بتقول إيه،
بس كنت بسكت علشانك... وعلشان هي مرات عمي سليم، الله يرحمه."
احمرّ وجه يحيى غضبًا، وانتفخت عروقه، بينما كانت هالة تبتلع ريقها بمرارة، تتذكر كلمات زوجة عمها التي ما زالت تؤلمها.
وبعد لحظة صمت، قال يحيى بقوة:
"موافق يا عمر على طلباتك.
أمي هتجي وتطلب هالة، ومش بس أمي، كمان نسمة وجدّي، وكل اللي تطلبوه أنا موافق عليه من قبل ما أعرفه.
المهم عندي هالة، أي حاجه تانيه مش مهمه."
نظر عمر إلى ابن عمه، ثم إلى شقيقته، يسمع دقات قلبيهما المتوترة.
اقترب منها، واحتضنها قائلًا بسخرية:
"هو عاجبك فيه ايه الواد ده؟ حتى دمه تقيل، على طول مكشّر."
ابتسمت هالة بخجل، وقد فهمت من لهجته أنه وافق أخيرًا.
أما يحيى، فنظر له بتواعد .
قال عمر وهو يشير إليه بغرور مصطنعًا
"خلاص يا ابني، هعطف عليك وهوافق... بس ممكن أرجع في كلامي عادي!"
لم يكد يُكمل كلمته حتى اندفع نحوه يحيى غاضبًا، قبض على يد هالة وسحبها بعيدًا، ثم لكم عمر بقوة في بطنه.
صرخ عمر من الألم، وهرعت فاطمة نحو ابنها، تضمها إلى صدرها وتقبل وجنتيها، والدموع تملأ عينيها.
ثم أطلقت زغرودة قوية هزّت البيت، فالتفت نحوها عمر بدهشة.
وهو يئنّ وقال لوالدته:
"انتي يا وليّه! زغرتي وفرحانه وولدك هيضرب حوش التور دي من عليا؟! والله لأرجع في كلامي!"
رمقته فاطمة بعدم اهتمام، ثم أشارت بيدها في لامبالاة، وأطلقت زغرودة أخرى أعلى من الأولى، تعبّر بها عن فرحتها وسعادتها.
وفي تلك الأجواء التي امتلأت بالضحك والصخب والفرح،
كان هناك من يقف خلف الباب، يراقب بصمتٍ قلبه يشتعل بالحقد،
عيناه تتقدان بنار سوداء من الكراهية،
يتمنى لو يقدر يشعل النار في الجميع...
فالنار التي في داخله باتت تحرقه قبل أن تحرق غيره.
************************************
في الصباح الباكر داخل منزل يحيى.
كان يحيى يغوص في نومٍ عميق داخل غرفته. دقّ جرس الباب بقوةٍ خفيفة، فتقلّب يحيى على الفراش، أمسك بالوسادة ووضعها فوق أذنه، محاولًا أن ينام مرة أخرى. لكن الطارق على الباب استمرّ بإلحاحٍ شديد.
قام يحيى برمي الوسادة على الأرض بغضب، وذهب ليرى من على الباب، ليتفاجأ بريم، وجهها منتفخ وعيونها زابلة ومليئة بالخطوط الحمراء.
كانت أنفاسها تصعد وتهبط وهي تنظر ليحيى بغضبٍ أوشك على الانفجار، فتحدثت من بين أسنانها وقالت:
عاوز إيه؟ اتصلت وقلت لي ابقي تعالي لي، نعم؟
ذهب يحيى للداخل وهو يشير لها أن تتبعه، جلس وعيونه ما زالت يسيطر عليها النوم.
وضعت حقيبتها فوق الطاولة بعنف، فذهب النوم من عينيه بعد ذلك الصوت. نظر لها، فوجدها تضع قدمًا فوق الأخرى وتهز قدميها بعصبية شديدة.
تحدث يحيى وهو يفرق عيونه بيده ثم قال لها:
مالك يا ريم متعصبة ليه كده على الصبح؟ وبعدين مال وشك وعينيك؟ انتي كنتِ عتبكي ولا إيه؟ في أحد زعلك؟
رمقته بنظرةٍ مليئة بالحزن وتحدثت بصوتٍ متألم فقالت:
ليه هي يا يحيى؟ ليه مش أنا؟ ده أنا حتى أصغر منها وأحلى منها!
أخذ يحيى نفسًا عميقًا وهو يحاول ألا ينفعل ثم قال:
ريم، بلاش تتكلمي على هاله بالطريقة دي عشان ما ازعلكش مني. ولو على الجمال والعمر، أنا شايف هالة أحلى واحدة في الدنيا. حتى لو هي مش كده، بس هي في عيوني أحلى واحدة.
ولو على عمرها، فأنا ساعات بشوفها طفلة لما بتضحك وتهزر، ولما تحصل مشكلة بشوف فيها شريكة الحياة اللي أقدر أعتمد عليها وقت المِحن.
أنا بحبها على بعضها، بعيوبها قبل مميزاتها.
خرّجي هالة من دماغك يا ريم، وانسي اللي انتي فيه، ده مش حب.
مع كل كلمة، كان غضبها يزداد وحقدها يتضاعف. هزت رأسها بقوة وقالت:
لا لا لا، ده مش حب! ده سحر، زي ما قالت نسمة. أيوه سحر!
يحيى، انت معمول لك عمل، انت مش حاسس.
ده انت كنت بتكرهها جدًا، وتشتم عليها، إزاي دلوقتي حبيتها؟
بُص، أنا ونسمة وخالتي هنشوف لك شيخ زين، يفهم في السحر.
بعد كده، انت أكيد هترجع لطبيعتك تاني، ما تقلقش.
أشفق يحيى عليها، فاقترب منها وتحدث بهدوء:
مافيش حاجة اسمها سحر. ربنا سبحانه وتعالى قال "كذب المنجمون ولو صدقوا".
حبيت هالة بعد ما كنت بكرهها، فدي حاجة من عند ربنا.
وبعدين أنا عمري ما كنت بكرهها، يمكن كان بيننا خلاف في وجهات النظر، بس كره؟ لا.
هالة بنت عمي، متربيين سوا، مستحيل أكرهها.
فقامت ريم بضربه بكفيها في صدره بعنف وهي تصرخ بجنون كأنها فقدت عقلها، وقالت:
لا! ده سحر! انت اللي مش عارف حاجة!
انت لو طبيعي مستحيل ترفض واحدة حلوة زيي علشان تاخدها، بعد ما فيش حد في البلد راضي يبص في وشها ولا يعبرها، لغاية ما عَنِسَت!
بس أنا كل شباب البلد هيموتوا عليا!
وبعدين هي مش زي ما انت فاهم، دي بني آدمة قلبها أسود وحقود
رمقها يحيى وهو في حالة من الذهول، لم يتوقع يومًا أن تكون ابنة خالته بتلك البشاعة وبهذه الأخلاق السيئة، والقلب المليء بالشر.
قبض يحيى على يديه بقوة حتى بيّضت مفاصله، محاولًا ألا تفلت أعصابه منه حتى لا يفسد كل شي
ثم تحدث بهدوءٍ يشبه العاصفة وقال:
ريم، خشّي الحمام، اغسلي وشّك عشان هاخدك أحل لك مشكلة السكن. عامر خلاص هيخرج، ومينفعش تقعدي مع مديحة تاني.
تركها وذهب، غافلًا عن تلك العيون التي اشتعلت مثل عيون الشياطين، يملأها الغدر والحقد.
ذهبت إلى المرحاض، وبعد قليل
تحدث يحيى من الخارج بصوت مرتفع قليلًا:
ريم، هجيب حاجة من تحت وهاجي، يا ريت تجهزي نفسك عشان آخدك ونمشي على طول.
كانت ريم داخل المرحاض تنظر إلى نفسها في المرآة ودموعها تتساقط.
ظلت تنظر إلى جسدها ذي الأنوثة الطاغية وملامح وجهها الجميلة، غير مصدقة كيف يرفض فتاة مثلها ويحب هالة التي هي أقل منها جمالًا وأكبر منها سنًا.
ظلت تهز رأسها بجنون، وفجأة ظهر طيف هالة في المرآة أمامها، فازداد جنونها.
تحولت عيناها إلى لونٍ أحمر قاتم، ونظرت خلفها تبحث عنها وهي تشتعل كالنيران.
ظلت تصرخ وتنادي باسمها، ثم التفتت مرة أخرى إلى المرآة، فوجدتها تضحك لها.
لم تعد ريم تتحمل، فقامت بضرب المرآة بيديها ظنًّا منها أنها تطردها.
ظلّت تضرب حتى تهشمت المرآة وتهشمت يدها، واختلطت دماؤها بزجاجها المتناثر.
جلست ريم على الأرض بين الزجاج المحطم الذي يشبهها. لقد تحطم كل شيء داخلها: قلبها، روحها، وعشقها ليحيى.
ظلت جالسة تنظر أمامها بشرود دون أن تحرك ساكنًا، حتى صدح رنين الهاتف.
ومع رنين الهاتف، تحولت ملامح ريم كليًا، من ملامح منكسره إلى ملامح تشبه الأفاعي التي قررت أن تلدغ الجميع وتنشر سمومها، ولن تترك أحدًا يفلت منها.
وقفت ريم وخرجت من المرحاض، نظرت حولها لتتأكد أن يحيى ليس في المنزل، ثم ذهبت إلى إحدى الغرف، وظلت تتنقل من غرفة إلى أخرى حتى وجدت ما تبحث عنه، فأخذته وغادرت المنزل.
**********************************
وقفت سيارة الأجرة أمام يخت ضخم في الميناء. خرجت ريم من السيارة، ثم اتجهت إلى داخل اليخت
لتجده جالسًا يمسك بتلك السيجارة ويُخرج دخانها باستمتاع. وعندما رآها ظل ينظر إليها بشهوانية تنهشها، وضغط على شفتيه مثل الذئب الجائع.
ابتسمت ريم داخلها بسخرية، فكيف لكل الرجال لا يستطيعون السيطرة على أنفسهم حين يروها؟ أمّا يحيى الذي تعشقه، فلا يراها من الأساس.
جلست ريم ثم قالت:
– الأوراق اللي إنت كنت عايزها معايا، بس مش هتاخدها غير لما أضمن انم هتعمل لي اللي أنا عايزاه.
رد قائلًا وهو ما زال ينظر لها بتلك النظرة:
– اللي إنتِ عاوزاه يا ريم، ومن غير أوراق. أنا دايمًا بحب أخدم الحلوين اللي زيك، وأحقق لهم كل اللي بيحلموا بيه... دلوقتي قولي عايزة إيه؟
نظرت له بعيون قاتمة تشتعل من أجل الانتقام، وتحدثت بصوت يفيض كراهية فقالت:
– هالة العامري عايزاها تروح في ستين داهية، عايزاها تشوف مصيبة تاخدها وما ترجعش منها، يا ريت لو تتقتل يكون أحسن.
ابتسم جاسر بسعادة، وأُعجب بتلك الشيطانة الصغيرة ذات النفس المريضة المحمّلة بالكراهية والحقد على الآخرين، ثم قال:
– وده طبعًا كله عشان خاطر يحيى؟ سؤال يا ريم، لما إنت بتحبي يحيى قوي كده ليه وافقتِ تساعديني وتنقلي لي كل أخباره؟ مش بس كده، دي إنتِ كمان
جبتي لي كل الأوراق بتاعة نور من مكتب الكلب عامر ومن بيت أمه، ودلوقتي كمان جايبة لي الأوراق من بيت يحيى اللي علشانها ساب شغله بعد ما اىكلب حسام سرقهم من سارة. مش شايفة إن دي خيانة؟ المفروض بتحبيه.
تحدثت ريم بانفعال وغضب، وكأنها تبرر لنفسها أفعالها فقالت:
– أنا ما عملتش حاجة غلط! لما أبويا طلب مني أساعدك وأنقل أخبار يحيى كلها ليك، دي كانت الطريقة الوحيدة قدامي الي أقدر أعيش بيها معاه في نفس المكان، لأن أبويا عمره ما كان هيسمح لي أقرب من يحيى
أصلًا. كنت فاكرة لما أعيش معاه كده هقدر أقرب منه وهيحبني، بس طلع غبي بيحب واحدة عانس! أنا ما أذيتش يحيى، هو اللي كان بوقع نفسه في نصايب علشان خاطر صاحبه...
سكتت لحظة ثم أكملت بانفعال:
– وأنا ما كنتش هجيب لك الأوراق اللي في بيت يحيى، بس بعد اللي عمله فيَّ يستاهل.
أنهت حديثها وهي تبحث داخل الحقيبة، ثم أخرجت الأوراق ووضعتها أمام جاسر، الذي أخذها بلهفة وبدأ يقلبها بسرعة.
تغيّرت ملامحه فجأة وتحولت إلى ملامح تشبه الوحوش الجائعة.
قام برمي الأوراق في وجهها بعنف، وهو يخبط على الطاولة بيده ويصرخ قائلًا:
– دي مش الاورلق الأصلية يا روح أمك! بتضحكي عليا يا بنت الغول؟! ده أنا أطلع روحك وروح اللي جابوكي!
تجمّد جاسر فجأة حين رأى ذلك الذي اقتحم اليخت، ينظر له بشماتة ويتحدث بهدوء كالجليد قائلًا:
– مالك يا جاسر؟ متعصب ليه؟ ما تخافش على الأوراق... هي دلوقتي في النيابة، اللي بعد شوية هتشرف فيها إن شاء الله.
تجمدت ريم مكانها وهي تنظر إلى يحيى بعيون واسعة ووجه شاحب. فتحت فمها أكثر من مرة تحاول أن تتحدث، لكن لم تستطع؛ كانت أنفاسها هاربة مثل ما هربت منها الكلمات.
أما جاسر، فكانت أنفاسه تتلاحق وجسده متشنجًا، والدماء تغلي في عروقه حتى أوشكت على الانفجار.
اندفع جاسر نحو يحيى مثل الثور الهائج، فوقع يحيى أرضًا وجاسر فوقه، ولكمه في وجهه بقوة. صرخت ريم بخوف.
أمسك يحيى بيدي جاسر بقوة، وظل الاثنان ينظران إلى بعضهما بتحدٍ وغضب.
رفع يحيى رأسه قليلًا، ثم ضرب جاسر بعنف. شعر جاسر بدوار، وفي تلك اللحظة انقلبت الموازين، فأصبح جاسر تحت ويحيى يعتليه.
لكم يحيى فمه بلكمات متتالية جعلته ينزف دماءً، وكلما تذكّر يحيى ما فعله ذلك الحقير بصديقه، ازداد ضربه عنفًا وغلاً.
لكن جاسر لم يكن خصمًا سهلًا؛ مدّ يديه واستغل قرب يحيى منه ثم وضعهما حول عنقه وبدأ يخنقه بقوة شديدة، نابعة من نفس مريضة محمّلة بالكره.
احتقن وجه يحيى ولم يعد يستطيع التنفس، وظل يحاول التخلص من قبضة جاسر عن عنقه لكنه لم يستطع.
قوّر يحيى قبضته ثم وجّه ضربة قوية إلى أنف جاسر، فتألّم بشدة. وترك يحيى
وقف يحيى ونظر حوله بسرعة، ثم أمسك بمقعد قريب وضربه بعنف فوق جاسر.
صرخ جاسر من الألم، لكن يحيى لم يتركه، ظلّ يضربه بالمقعد ثلاث مرات متتالية.
في تلك الأثناء، اقتحم عمر المكان وركض نحو ابن عمه وأمسك به بقوة وهو يقول:
– بس يا يحيى، سيبه! هيموت في إيدك! بلاش تضيع نفسك عشان الكلب دي! يلا من هنا، الشرطة جاية في الطريق... بدل ما تروح في داهية!
كان يحيى يضغط على أسنانه من الغضب وجسده يرتجف من الانفعال، ظل يتنفس بقوة ثم رمق ريم التي كانت تحاول الهروب من المكان.
أزاح يحيى عمر وركض نحوها، أمسك حجابها وسحبها إلى خارج اليخت وهو يجرّها بعنف.
كانت ريم تصرخ وتحاول الإمساك بأي شيء لتفلت منه، لكنها لم تستطع.
ضربها يحيى برأسه فلم تتحمل وسقطت أرضًا، ثم حملها ووضعها داخل السيارة.
صرف عمر سائق الأجرة الذي أتى به، فقد كان ذاهبًا إلى منزل يحيى ورآه وهو يتبع ريم، فطلب من السائق أن يمشي خلف ابن عمه.
دخل عمر سيارة يحيى وانتظرا داخلها حتى أتت الشرطة، التي ألقت القبض على جاسر.
************************************
وبعد مرور أيّام،
في منزل مديحة، دقّ الباب.
فتحت مديحة، فلم تجد سوى يحيى وعمر يقفان أمامها.
تحدّثت مديحة بلهفة وقالت:
"عملتوا ايه؟ رحتوا للمحامي؟ ايه قال؟ عامر خرج امتى؟ ما ترد عليّا؟ إنتم ساكتين ليه؟"
لحظة صمت قصيرة، ثم ظهر عامر من خلفهما.
شهقت مديحة، ثم اندفعت نحوه واحتضنته بقوة، وكأنها تخشى أن يفلت من بين ذراعيها.
امتلأت عيناها بالدموع، لكنها هذه المرة كانت دموعًا محمّلة بالفرح.
أمطرت وجهه بالقبلات وهي تقول:
"يا حبيبي يا عامر، يا حبيبي يا ابني، يا قلب أمك، كنت خايفه ما اشوفكش تاني يا عامر!"
قبّل عامر رأس أمه، ثم نظر إلى أصدقائه وهو يبتسم شاكرًا لله على نعمة الصداقة والوفاء، قائلًا:
"البركه في عيال العامري، من غيرهم ما كنتش هطلع."
شارك عمر الحديث بمزاحٍ ضاحكًا:
"كل علشان عيون مديحه حبيبة قلبي! ما تخليك جدع ياض يل عامر واتجوزني أمك!"
لم يضربه تلك المرة، بل انفجر ضاحكًا، وعمّ المكان جوّ من الفرح بعد حزنٍ طويل.
جلس الأصدقاء الثلاثة، ومديحة ما زالت تحتضن ابنها، تخشى إن تركته أن تستيقظ من حلم جميل وتعود إلى كابوسها القديم.
ثم نظرت مديحة إليهم فجأة وكأنها تذكرت شيئًا، وقالت بغضبٍ واضح:
"الكلب المجرم اللي اسمه جاسر! إيه اللي حصل له؟ لازم يروح في ستين داهية تاخده!"
تحدث يحيى بنبرةٍ يملؤها الرضا بانتصار الحق على الظلم، وقال:
"ما تخافيش يا مديحة، أنا خدت حق عامر منه. هو دلوقتي مرمي في السجن زي ما كان عايز يرمي عامر، وغير إنه اترفض من شغله، المنصب اللي كان فيه واللي كان بيبلطج على الناس بيه، بدل ما يحمي الناس خلاص ما بقاش ينفع يحمي نفسه"
رفعت مديحة يديها إلى السماء والدموع ما زالت تنهمر على وجهها، وقالت بخشوع:
"الحمد لله يا رب، الحمد لله يا ما أنت كريم."
ظلّت مديحة تحمد ربها على خروج ابنها من تلك المحنة، وتشكر أصدقاءه الأوفياء، أولئك الذين من الصعب أن تجد مثلهم في هذا الزمان؛ زمن قلّ فيه الوفاء، وصار الصديق المخلص عملة نادرة.
وفي منزل أحمد،
كانت مريم تجلس وهي تحتضن دميتها، تتحدث معها بجديةٍ كأنها بشرٌ وليست مجرد لعبة.
دق جرس الباب، فذهبت مريم وهي ما زالت تحتضن دميتها.
فتحت الباب دون اهتمام، ثم همّت بالعودة إلى الداخل، لكنها توقفت حين لمحتها واقفة أمام الباب.
عادت بسرعة، وصرخت بصوتٍ مرتفع وهي تحتضنها بقوةٍ ومحبة:
تبادلت نور ومريم الأحضان، فبرغم المدة القصيرة التي عرفتا فيها بعضًا، أصبحتا مثل الأشقاء.
ابتسم أحمد وهو يرى المشهد، ثم ضمّ الاثنين إلى حضنه، حضنًا أبويًا مليئًا بالحنان، ورفع بصره إلى السماء وهو يشكر الله أنه أخرج ابنت شقيقته من تلك المحنة، ويتمنى أن يخلّصها من ذلك الكابوس الذي يُدعى "جاسر"، وألا يعود لحياتها مرةً أخرى.
أما في منزل فاطمة وهالة،
كانت فاطمة تجلس أمام التلفاز كعادتها.
رنّ الهاتف، وخرجت هالة من الحمام.
نظرت إلى الرقم، وحين رأت اسم شقيقها على الشاشة، لم تردّ في البداية، أغلقت الهاتف
رنّ مرةً الهاتف أخرى، ثم ثالثة، بإصرارٍ غريب.
فتحت أخيرًا، لتسمع صوت شقيقها المليء بالحزن.
نزلت دموع هالة من عينيها كحبات المطر، وصرخت باسم أبيها في هلع.
نظرت فاطمة إلى ابنتها، وحاولت أن تقوم لكنها لم تستطع، إذ شعرت أن قدميها قد شُلّتا من الخوف.
سمع يحيى وعمر صوت هالة من الخارج، فخرجا مسرعين من منزل مديحة واقتحما المنزل بخوفٍ وذعر، يخشيان أن تكون كارثة قد حلّت بالعائلة.
كانت دموع هالة لا تتوقف، ولم تستطع أن تقول سوى جملة واحدة فقط:
"احنا لازم ننزل سوهاج حالا
ووويتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات