📁 آخر الروايات

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم هالة محمد

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم هالة محمد



38 = حلال ولكن مرفوض - دفء العائله -
للجميع@
"مرحبًا عزيزي القارئ، 🌺
شكرًا لك على هذا الدعم الجميل.
لنبدأ رحلتنا معًا في أحداث حكاياتنا...
وإن ظننتَ أن القصة أوشكت على الانتهاء،
فأنتَ مُخطئ يا عزيزي،🦋
فنحن ما زلنا في البداية."🌸
************************************
في محافظة سوهاج، كان نوار يجلس منكسر الرأس، ملامحه منهكة من الهموم والحزن. جلس أمام غرفة والده في المشفى، ذلك المكان الذي لم يفارقه منذ أن خطت قدماه .
أما خارج المشفى، فكان الجميع يركض، وتركض معهم قلوبهم التي تموت رعبًا. وصل الجميع، وشعر بهم نوار، فرفع رأسه ونظر ليجد أمه، وقد كبرت ألف عام فوق عمرها، تستند على شقيقه الذي يحاول التماسك ويخفي الدموع التي تريد أن تفرّ من عينيه.
أما يحيى، فكالعادة يرتدي قناع القوة والصلابة، لكن تلك المرة خانته ملامحه، إذ بدا عليه الحزن العميق وكأن من في الداخل هو والده وليس عمه فقط. بدأ نوار يقص لهم ما حدث، فلم تستطع هالة الوقوف،
كانت تخطو بقدميها بصعوبة وكأنها مقيدة. فتحت باب الغرفة، وحين نظرت إلى الداخل، وجدت والدها جالسًا على الفراش بجسد منهك ووجه شاحب كشحوب الموتى. سالت دموعها كنهر جارف، تسير على وجنتيها، ودقات قلب جابر تتسارع كأنها تحاول أن توقظه من سباته.
فتح جابر عينيه ليجد ابنته تقف عند الباب، عيناها لا تريان من كثرة الدموع. لم يصدق ما يرى، ظنه حلمًا، فرفع يده ليشير إليها ويتأكد، لكن خانته يده فلم تتحرك. حاول أن ينادي باسمها، لكن لسانه توقف، ولم تعد الحروف تخرج.
اقتربت هالة من أبيها بخطوات واسعة، ثم ارتمت بين أحضانه، وكانت تلك المرة الأولى التي يحتضن فيها جابر ابنته. كأن دائمًا أبًا قاسيًا، جامدًا كالصخر، فكيف له أن يحرم نفسه وابنته من هذا الشعور الجميل الذي شعر به حين احتواها بين ذراعيه؟
أما هالة، فكانت في عالم آخر، كأنها وجدت الأمان المفقود أخيرًا. لأول مرة تشعر بالراحة، رغم أن جسدها يهتز من البكاء من أجل والدها، ذلك الرجل ذو الهيبة الذي كان يخطوا على الأرض شموخًا، وقد خانته صحته اليوم، فلم يعد يستطيع الوقوف ولا حتى التحدث.
فُتح الباب، ودخل الجميع، أولهم يحيى، الذي اقترب من عمه، فقبّل رأسه ويده، ودموع الأسف تمتلئ عيونه ابتسم جابر ابتسامة منكسرة في وجه ابن أخيه.
ثم تحدثت فاطمة بصوت مختلط بالبكاء:
«ألف سلامة عليك يا جابر، بعد الشر عليك من العايه انشاء الله اللي يكره! يا رب
حين سمع جابر تلك الكلمات الطيبة من زوجته السابقة التي ظلمها وتخلى عنها، لم يستطع الصمود، وانفجر باكيًا مثل الطفل الصغير. اقترب منه أبناؤه، وقبلوا رأسه ويديه، وهم يبكون مثله بل أشد.
ترك يحيى المكان بخطوات تشتعل غضبًا، متجهًا إلى منزل عائلة العامري.
بعد ساعات، في منزل العامري، دق الباب دقات عنيفة تشبه دقات الحرب. صرخت نِسمة من الداخل بعصبية على الطارق، وفتحت الباب لتجد شقيقها أمامها، ملامحه يملؤها الغضب، يده ممدودة كأنه يمنعها من الاقتراب، ثم أبعدها عن طريقه بعنف، وظل يصرخ مناديًا:
«يا جدي!.. يا جدي!»
خرجت أمينة من المطبخ، تقول:
«يحيى! مالك يا ولدي؟»
نظر إليها بنظرة عتاب فرمقته بعند وكانها لم تفعل شي خطأ ابتسم يحيى بسخريه
وأكمل بحثه عن جده حتى وجده جالسًا في الحجرة الكبرى، متكئًا على عصاه.
جلس يحيى أمامه وقال:
«عارف يا جدي، عمر كان دايم يقول إنك بتحبني أكتر منهم، بس ما كنتش بصدقه، وكنت بتخانق معاه أقول له إن جدي راجل عادل وبيحبنا سوا. كلنا زي بعض.
بس لما هالة دخلت المستشفى وكانت بين الحياة
والموت، استغربت إنك ولا مرة جيت تشوفها، ولا حتى سألت عنها! كنت بكذّب نفسي وأدورلك على مبرر، لحد النهارده... لما نزلنا كلنا علشان نشوف عمي، كنت فاكر هلاقيك أول واحد موجود، زي ما كنت أول واحد لما أنا اتضربت بالنار.
بس لا... كبير عيلة العامري اللي دايمًا يقول إن الكبير لازم يكون ميزان العدل، ما يميلش كفته، عشان لو مالت هيبقى ظالم، والظلم يخرب البيوت العمرانه ويخلي الإخوات أعداء!»
نظر إليه الجد بعين حزينة، ثم تنهد بثقل وقال:
«شايفني ظالم يا يحيى؟ علشان بحبكم بقيت غلطان؟ دلوقتي بقت المحبة زنب؟ أنا يا ولدي ما كنتش عايز أحسسكم باليُتم، كنت عاوز اكون لكم الأب قبل الجد ما كنتش عايزكم تبقوا في الدنيا لوحدكم. عرف ليه بحبكم أكتر؟ عشان إنتو الباقي من سليم، الله يرحمه... ولدي اللي خدُه الموت وخد معاه روحي.»
قال يحيى بصوت مبحوح:
«وعمي يا جدي، مش ولدك برضو؟»
تصلبت ملامح الجد، وضرب عصاه على الأرض بغضب، وصاح بصوت حاد ارتجف له المكان: فقال
«جابر ولدي، بس هو اللي خرج عن طوعي، هو اللي غلطان مش أنا! العيل الصالح يسمع كلام أبوه ويقول حاضر!» وبس
نظر يحيى الي جده بذهول ضغط على أسنانه محاولًا كتم غضبه وقال:
«عمي مش غلطان يا جدي، هو عمل الصح، عمل اللي المفروض أي راجل يعمله بعد ما عرف غلطه.»
اقتربت أمينة منه، تمسك بذراعه وتقول برجاء:
«ما لكش دعوة بعَمّك، اسمع كلام جدك اللي عيحبك، يا يحيى بلاش تتجوز هالة، مش هتنفعوا مع بعض يا ولدي، وديك شُفت البيت خِرب بسببها، وا بسبب جوازك منها!»
أبعد يده عنها وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بمرارة:
«الحاجة أمينة. اللي حجه بيت الله اللي كانت دايمًا تقول إن هي اللي مربيا هالة وإنها زي نِسمة بالظبط، وتدعي لها في كل صلاة ربنا يرزقها بالزوج الصالح...
بس لما الزوج ده بقى ابنيها، بقت هالة عانس وبايرة ووحشة، وفيها كل حاجة وحشة
!
كل ده ليه؟ عشان فرق ثلاث سنين؟ ولا عشان ابنك لازم ياخد واحدة صغيرة، زي العروسة الحلوة اللي كانت مختارها نِسمة!»
صمتت أمينة، وشعرت بالعجز أمام كلمات ابنها التي كشفت لها أنها تحولت إلى امرأة أخرى لا تشبه نفسها، امرأة لم تعد تخاف الله كما كانت.
أما نِسمة، فبلعت ريقها بخوف، تخشى أن يفضح شقيقها حقيقتها أمام جدها الذي يظنها فتاة ضعيفة يتيمة لا تجد من يدافع عنها. ابتسم يحيى بسخرية، نظر إليها ثم إلى جده وقال:
« الحج العامري، كبير عيلة العامري... بنت ولدك، حبيبة قلبك، كانت مفهمه ريم بنت الغول! إني ناوي أتجوزها
ريم اللي سافرت القاهرة وسكنت في نفس العمارة اللي أنا فيها، عشان تنقل أخباري لناس كانوا هيقتلوني أنا وعمر! وبسببهم كان هيقعد عامر في السجن طول عمره!
إيه رأيك بقى في العروسة اللي كانت مختارها لي بنت ولدك؟!»
اقترب الجد من حفيدته بخطوات ثقيلة، يتأمل ملامحها، يرجو أن يكون كلام أخيها كذبًا، لكن حين رأى نظرة الخوف في عينيها، ورجفة جسدها، علم أن يحيى لم يكذب. احمر وجهه، واشتعلت عيناه غضبًا، رفع
العصا وضربها بها صارخًا بصوت هزّ جدران المنزل
«عايزة تجوّزي ولد ولدي لبنت الغوازي؟! عايزني أنا أُناسب بيت الحلب؟!
عاوزة أخوكي يتجوز قليلة الترباية اللي ناقصة تبين جسمها وسط الرجالة من غير خِتشا ولا حي!»
ومع كل كلمة غاضبة، كانت العصا تهوي على جسد نِسمة، فارتفع صراخها حتى ملأ المكان.
ركضت أمينة نحو ابنها، تتوسله بعينين دامعتين: فقالت
«يا يحيى، الحق
أختك! جَدّك هيموتها علشان خاطري يا ولدي ورحمة أبوك يا يحيى
لكن يحيى ظل واقفًا، الغضب يعميه، يرى في نِسمة كل ما قصت إليه ريم عن شقيقته من أفعال واكاذيب في ذهنه، لكن حين رأى دموع أمه تنهمر، ويديها تتوسلانه عند قدميه، لم يستطع البقاء صامتًا.
اقترب من جده واحتضنه بقوة، محاولًا إبعاده عنها. كانت أنفاس الجد تتسارع، وجهه أحمرّ من شدة الانفعال.
اقتربت أمينة من ابنتها وهي ، تحاول مساعدتها على النهوض، فصرخت نِسمة حين لامست يدها المصابة، لم تستطع الوقوف على قدميها من أثر الضرب.
اقترب يحيى منها ثم حملاها بين ذراعيه، ينظر إليها بغيظ ممزوج بالغضب، وقلبه يشتعل عاطفة وحماية في الوقت نفسه.
*********************************
في منزل الغول، طرقت زينب باب غرفة ريم ثم. فتحت الباب وهي تحمل بين يديها العديد من المقبلات، وعلى وجهها ابتسامة بشوشة، وقالت
:
"مساء الخير يا ريمو، أنا قلت بمل إنك لكي أسبوع هنا مش هتطلعي من أوضتك. جيت أنا أقعد معاك ونتسلى شوية. بصراحة كده أنا فلسانة من قعدة البيت، أنتِي
عارفة إن أنا كنت بشتغل بس طلعت مش راضي، يخلّيني أرجع الشغل تاني. بصي، أنا جبت بيبسي وشيبسي وشوكولاتة وفاكهة، في التلاجة هروح أجيب طبق وأجي."
رمقتها ريم بنظرة غاضبة ثم انفجرت بها قائلة:
"أنتي إيه؟ رغي رغي رغي ماسورة واتفتحت؟ شايفاني ساكتة مش عرد عليك؟ تبقي تفهمي يا جاموسة إن أنا مش طايقاك فتغوري من وشي واحدة غبية!"
ثم نظرت إلى المقبلات بعصبية وأمسكت بها، وظلت تقذفها على زينب، بعنف قائلة
"خدي يا بقرة كليها — ما أنتِي زي الجاموسة طول النهار مفيش غير الحش! مش بتبصي على نفسك في المراية؟"
ركضت زينب من غرفة ريم وهي في حالة انهيار. دخلت إلى غرفتها ثم أغلقت الباب. جلست متكئةً بجسد يرتعش، ودموعها تنساب فوق وجنتيها بلا توقف بسبب كلمات ريم السّامة التي اغتالت قلب وروح تلك
المسكينة بلا رحمة. ارتفعت شهقاتها؛ وضعت يدها فوق فمها لكي لا يسمعها أحد. بكت طويلاً، ثم حاولت النهوض بخطىٍ مرتعشة. وقفت أمام المرآة ونظرت إلى جسدها الذي حاولت معه كثيرًا أن تنقص من وزنه دون أي فائدة. ظلت زينب تفكر ماذا تفعل حتى يتركها
الناس في حالها. لقد وافقت أن تتزوّج بشخص مثل طلعت — مدمن مخدرات وفاسد — أملاً أن يرحمها الناس ويكفّ عن إيذائها وتسميعها تلك الكلمات السامة.
جلست زينب يائسةً وتضرعَت إلى الله أن يرحمها من نفوس عبّاده المريضة المحمّلة بالكراهية والتي لا تعرف معنى الرحمة.
أما في غرفة ريم، فقد كانت تكسِر كل شيء حولها؛ لم تترك شيئًا سليماً. ارتفع رنين الهاتف أثناء ذلك الإعصار من الغضب الذي انتاب ريم، وحين رأت اسم "نسمة" يضيء على شاشة الهاتف، أمسكته وكسرته ثم داست عليه بقدمها. انطلق غضبها في كل شفة وملامح، تعود بها الذكريات إلى ما فعله بها يحيى قبل أيام.
، في منزل يحيى وجدت ريم نفسها أمام يحيى الذي يجلس وهو ينظر إليها ببرودٍ . ابتدأت دقات قلبها ترتفع من الخوف.
ابتسم يحيى حين رأى كل ذلك الخوف في عيونها، وقال:
"أول مرة يا ريم أشوف الشيطانة يِتخاف لما أنتِي لسه في أولى جامعة وعملت كده؟ أمال لما تكبري شوية يا بنت الغول هتعملي إيه؟"
ارتدت ريم قناع البراءة الزائف وامتلأت عيونها بدموع التماسيح، ثم قالت:
"أنا عملت ده كله عشان بحبك يا يحيى، صدقني."
قام يحيى وهو يضغط على شفتيه بغيظ، ثم اقترب منها وبصفعه قوية هوا به فوق وجهها ثم أمسك بخصلاتها. وهو يخرج هاتفه ويفتح، وقال لها:
"لو سمعت كلمة 'بحبك' دي مرة تانية هقطع لسانك. بصي كده — شايفة نفسك منوّرة إزاي وإنتِي بتسرقي الأوراق؟"من بيتي
التفتت إليه ووجدته ينظر إلى الهاتف بذهول، ارتفعت ضحكاته. قال:
"مالك يا ريم مصدومة كده؟ ليه؟ مفروض تكوني فهمتي من أول ما لقيت إن الأوراق مزيفة إني كاشفك من بدري. شايفة الفيديو الحلو ده؟ هيفضل معايا. لو عملتي أي حركة أو جيتي ناحية هالة، هقدّمه للنيابة وهخليك تشرفي مع الكلب جاسر."
ودلوقتي تحكي كل حاجه بينك أنتي ونسمه
علمت ريم أن فرصتها مع يحيى قد انتهت. لذلك قررت الانتقام من نسمة، التي كانت دائمًا توعدها بالزواج من شقيقها، وجعلتها ترسم الأحلام الوردية معه. أخذت نفسًا عميقًا ثم قصة كل شيء مبنية على أكاذيب وافتراء من نسمة بحق هالة؛ لم تترك نسمة فعلًا — كبيرًا أو صغيرًا — إلا وقصته ليحيى. بعد ذلك طرد يحيى ريم من منزله ومن حياته إلى الأبد. عادت
ريم من ذكراها وهي تعدّ العدة للانتقام من عائلة العامري وعلى رأسهم يحيى.
**********************************
في منزل زهراء، دقّ الباب. خرجت نادية من غرفتها بملامحٍ تظهر عليها آثار المرض الشديد، وهي تحاول أن تستند إلى حيطان المنزل. منذ دخول زوجها السجن
وهي طريحة الفراش. فتحت الباب لتتفاجأ بطلعت مبتسمًا في وجهها بشماتة. حاولت نادية أن تُغلق الباب في وجهه، لكن لم تستطع؛ فقد أزاح طلعت الباب بعنف وقال لها:
"عتقفلي الباب في وشي يا حماتي دي اصول برده"
نظرت له نادية بغِلٍ، وتحولت ملامحها من وهن المرض إلى صلابةٍ وشراسة مفاجئة. صاحت به قائلة:
"اصول ايه يا واد الغوازي انتم اللي زيكم يعرفوا اصول يا صنف واطي اطلع من بيتي ما تخشش البيت تاني بدل ما اكسر لك رجلك"
ارتفعت أنفاس طلعت وهو يرمق نادية بنظرات مشتعلة. ثم قام بضربها بتلك العصا التي في يده على رأسها. صرخت نادية، ولم يتركها حتى وقعت أرضًا. ارتفعت أصواته البغيضة قائلاً:
"دي علشان تتكلمي مع سيادك زين يا مره يا بنت الكلب ابوك على ابو بيتك على ابو اللي جابك يا مره يا جعانة انا هدخل اخد بنتك قليلة الربايه زيك مش هخليك تشوفي وشها تاني داهيه تاخدك
امسكت بقدميه"
وهيَ تصرخ بصوتٍ مرتفع وتنادي على الناس تستغيث بهم التف . طلعٌت ثم وجّه ضرباتٍ بعصاه فوق يدي نادية حتى تتركه، أكمل طريقه متجهًا إلى غرفة زهراء التي كانت تحاول جاهدةً أن تُغلق الباب، ووضعت
وراءه أشياءً كثيرةً لتمنع طلعت من الدخول. بدأ الباب يهتزّ بسبب محاولات طلعت في فتحه من الخارج. ارتعش جسد زهراء بخوف شديد، وامتلأت عيناها بالدموع. فتحت الباب فتحَةً بسيطةً فارتفعت دقات
قلبها. نظرت حولها تبحث عن مخرج، فوجدت نافذةً تطلّ على أراضٍ زراعية. لم تَفكّر؛ ركضت وفتحت النافذة وخرَجت منها فكان. منزل زهراء بسيطًا، وليس مرتفعًا، فانطلقت راكضةً إلى الحقول.
دخل طلعت الغرفة وهو يبحث عنها كالمجنون راه تركض. خرج خلفها من النافذة واركض خلفها ، وبدأ الاثنان يركضان في الحقل؛ أحدهما يركض هاربًا لإنقاذ روحه، والآخر يطارده شَبَعهُ من شرٍّ مريض. لم تفصل بين
زهراء وطلعت سوى خطواتٍ بسيطة، فصرخت زهراء طلبًا للنجاة. في هذه الأثناء كأن يحيى يمرُّ بالطريق فسمع الصوت وتوقف وهو يبحث عن مصدر الصوت
انقطعت الانفاس في صدر زهراء من شدة الخوف والمجهود. أمسك بها طلعت من حجابها وبدأ يخنقها.
كانت زهراء تضربه بيديها الصغيرتين بعشوائية محاولةً منها أن تنجو، لكن محاولاتها باءت بالفشل. كان ذلك المريض يمسك بها بقوة، مبتسمًا وكأنّه يتلذذ بالعنف بلا ذرة ندم. انقطعت أنفاسها وتحولت عيناها إلى بياض أزرق، وكسرتْ الحياة حدودها لبرهة قصيرة — بين الموت والحياة شعرَة واحدة فكتب الله لزهراء حياةً جديدة.
فجأةً شعر طلعت بكفين قويتين ممسكتان بعنقه يضغطان عليه بعنف هربت أنفاس. طلعت وفي تلك اللحظة ترك زهراء التي سقطت على الأرض تحاول التقاط أنفاسها الهاربة، فُتِحت فمها تلهث لتمتصّ الهواء
. كأن قدمي طلعت يتلوّيا على الأرض من الاختناق. اقترب منه الذي يمسكه من الخلف وقال له بلهجة مرعبة:
"ايه رايك يا طلعت لما أطلع روحك وأخلص الدنيا من وساختك ووساخت بيت الغول يا اخي انتوا بيت ما فيش حد فيه عادل كلكم عيله زباله"
ثم تركه وهو ينظر إليه بشمئزاز، كأنّه شيء قذر. اقترب يحيى من زهراء وساعدها على الوقوف. رمق طلعت يحيى بنظرة مليئة بالحقد والغل، وبينما كان يتنفس بصعوبة توقّف، ثم أمسك أحد الحجارة من
الأرض وقذَفها بعنف على ظهر يحيى. احتقن وجه يحيى من الألم والغضب، ثم التفت إلى طلعت. ارتدى طلعت قناع الشجاعة الزائف، وحين وجد يحيى يقترب منه أمسك ببعض الحجارة من الأرض ورماها عليه كطفل صغير. أصابت إحداها رأس يحيى فبدأ ينزف الدم، فابتسم طلعت بشماتة وقرر أن يعيد الضرب قائلاً
:
"الواطي هو اللي يدخل بين راجل ومرته يا ابن العامري واحد عيربي مرته انت مالك ولا انت عتحب دايما تعمل نفسك راجل قدام الحريم"
لكنه فجأة صمت حين رَكَلَهُ يحيى بقوة فأوقعه أرضًا، ثم وضع قدميه فوق وجهه وغرز وجهه في التراب. قال يحيى بحدة وهو يضغط عليه:
"وأنت راجل قوي يا طلعت عامل راجل على عيله صغيره يا صنف الغوازي"
كانت زهراء تنظر إلى طلعت بشماتة؛ لقد انتقم لها يحيى مما فعل هذا الحقير بها وبأمها. وحين رأى طلعت نظرة الشماتة في عيني زهراء، تعهّد لها ولنفسه أن يجعل حياة زهراء جحيماً إلى الأبد.
ترك يحيى طلعت وهو يتبادل معه التهديد بالنظرات، ثم أمر زهراء أن تمشي أمامهم ليُعيدها سالمَة إلى المنزل.
دخلوا المنزل فوجدوا أمها مغمى عليها. ركضت زهراء وهي تحتضن أمّها وتبكي، وروت ليحيى كل ما حدث. اتصل يحيى بهشام وأخبره بما جرى، وطلب من زهراء أن تحضر جميع أغراضها وأغراض أسرتها لأنهم سيذهبون معه إلى منزل الضيوف الخاص بعائلة العامري.
***********************************
وفي صباح يوم جديد في القاهرة
في العمارة السكنية، كان عامر عائدًا إلى منزله، يتحدث مع يحيى عبر الهاتف الذي طلب منه أن يأتي إلى الصعيد لمساعدة والد زهراء.
أنهى عامر المكالمة وأكمل طريقه، لكن فجأة سمع صراخًا عاليًا قادمًا من منزل أحمد.
توقف في مكانه، ثم اندفع نحو الباب يطرقه بقوة، وقلبه يخفق بعنف، يخشى أن تكون أصابها مصيبة.
ذلك الصوت... يعرفه جيدًا، إنه صوتها، الصوت الذي يحفظه قلبه عن ظهر غيب.
فتحت له الباب، وفي يدها ورقة، ثم صرخت بسعادة وهي تقول:
ــ انا اطلقت يا عامر! انا اتطلقت! انا خلاص خلصت من جاسر! انا بقيت حرة! همشي في الشارع براحتي، ما حدش هيراقبني تاني!
ضحكت وهي تبكي، تتكلم بصوت يختنق بالبكاء:فقالت
ــ اصل انت مش عارف يا عامر، هو كان بيراقبني في كل حتة، حتى وانا نايمة كان بيحطلي كاميرات مراقبة في اوضة النوم
انا هنام براحتي يا عامر، مش هشوف كوابيس تاني.
كنت كل ما بنام بصحى على كابوس من كتر اللي عمله فيا.
عارف يا عامر؟ انا حاسة إن ليا سنين ما نمتش، بس دلوقتي... دلوقتي هنام وانا حاسة بالأمان، مش خايفة من حاجة، عشان خلاص، ما بقاش في جاسر... وانا ما بقيتش مراته.
كان عامر يستمع إليها بملامح متجمدة، لكن قلبه كان يعتصر ألمًا مع كل كلمة.
ابتسم بسخرية تحمل وجعه، فطوال السنوات الماضية كان يظن نفسه الضحية، لكنه الآن يدرك أن الضحية الحقيقية هي نور...
هي من تألمت، وهي من تجرّعت العذاب بصمت.
قبض عامر كفه بغضب حتى ابيضّت مفاصله، وكلما تذكّر ما فعله ذلك الحقير بها، غلت الدماء في عروقه، وتمنى لو استطاع أن يجعله يدفع الثمن ألف مرة.
مسحت نور دموعها بعنف، ثم تنهّدت قائلة:
ــ لا، كفاية دموع كده... انا مش هعيط تاني. عامر، انت ساكت ليه؟
رمقها بنظرة دافئة وابتسامة حنونة، ثم قال:
ــ مبروك يا نور، ألف مبروك. إن شاء الله أيامك الجاية تكون كلها سعادة.
لمعت عيناها ببريق الحب وهي تنظر إليه، ثم أزاحت شعرها عن وجهها بحركة عفوية، ليظهر الجرح الذي ترك علامة مشوّهة على وجنتها.
شعر عامر بخنجرث في قلبه حين رآه، اقترب منها وملامحه يغمرها الحزن، وقال بصوت هادئ:
ــ نور، انتي ليه رافضة تعملي عملية التجميل؟
دكتور أحمد قالي إنه اتكلم معاكي أكتر من مرة، بس انتي رافضة، حتى مريم بتحاول معاكي... ليه يا نور؟
ارتعشت يدها وهي تضعها على الجرح، ونظرت أمامها بشرود وقالت:
ــ عشان ما ارجعش زي زمان يا عامر...
إنسانة طماعة، فاكرة إن علشان ربنا إداني شكل حلو يبقى لازم أعيش في قصور.
الجرح ده هيفضل علامة تفكرني كل ما نفسي تضعف.
امتلأت عيناها بالدموع، وبدأت تتساقط مثل حبات المطر.
نظرت حولها بارتباك، كأنها تبحث عن شيء، ثم خرجت مسرعة من المنزل وهي تقول:
ــ عامر، معلش ممكن تقفل الباب؟ انا دورت على المفتاح مش لاقياه... أنا لازم أروح لماما.
تجمّد عامر في مكانه، ينظر إليها بذهول لا يفهم ما الذي حدث لها، ثم أغلق الباب وركض خلفها.
رآها تستقل سيارة أجرة، فزفر بضيق، ثم أخذ سيارته التي كانت تقف أمام العمارة وانطلق خلفها.
وبعد ساعات من القيادة، توقفت السيارة أمام أحد المقابر.
خرجت نور، وبدأت تبحث في حقيبتها عن مال لتدفع للسائق، لكنها أدركت فجأة أنها لا تملك شيئًا.
نظرت إليه بخجل وهي تبتلع ريقها، ثم لمحت عامر يقترب ويعطي السائق الأجرة بدلاً عنها.
فتحت فمها محاولة أن تتحدث، لكنها لم تجد ما تقول، فاكتفى عامر بالإشارة لها بالدخول.
دخلت نور وجلست أمام قبر أمها، وضعت يدها على القبر بشوق عميق، وأخذت نفسًا طويلًا وقالت بصوت مبحوح:
ــ ماما، انا اتطلقت يا حبيبتي... خلصت من جاسر.
مش بس كده، جاسر دخل السجن! ربنا قبل دعائك يا ماما وخلصني من الكابوس اللي اسمه جاسر.
كمان بقى عندي عيلة بتحبني، يعني ما بقيتش لوحدي.
خالو أحمد ومريم طلعوا طيبين جدًا، بيحبوني قوي.
حتى عامر، رغم كل اللي عملته فيه، ساعدني ووقف جنبي.
ثم ارتمت على القبر بقوة، تبحث فيه عن حضن أمها الدافئ، عن الحنان الذي افتقدته.
اهتز جسدها، وانفجرت في بكاء مرير.
لم يحتمل عامر المشهد، فدمعت عيناه وتألم قلبه، وتقدمت خطواته حتى اقترب منها، أمسك بها محاولًا إخراجها من المكان.
رفعت نور رأسها، ونظرت إليه، فالتقت العيون في نظرة حزينة صامتة.
قال عامر بصوت مبحوح من البكاء:
ــ كفاية يا نور، مامتك مش هتكون مبسوطة وهي شايفاك بالشكل ده... وبعدين مش انتي قلتي مافيش دموع تاني؟
يلا بينا.
أومأت برأسها بصمت، وسارت معه بخطوات بطيئة نحو الخارج.
ذلك اليوم كان نهاية صفحةٍ مثقلة بالآلام في حياة عامر ونور، وبداية صفحة جديدة...
لكن، هل سيسمح لهما الماضي بفرصة أخرى في الحاضر؟
أم سيظل يطاردهما إلى الأبد
**********************************
في مشفى سوهاج، كان عمر داخل الغرفة يحاول أن يفهم ما يريد والده، ولكن دون فائدة، فقد أُصيب جابر بجلطةٍ جعلته عاجزًا عن الكلام والحركة.
دخلت فاطمة، فاعتصر قلبها الألم حين رأت جابر في تلك الحالة، ثم خرجت من الغرفة وهي تحاول كبت دموعها.
غابت قليلًا، ثم عادت تحمل بيدها كوبًا من الشاي، وعلى وجهها ابتسامة دافئة تشبهها.
ضربت ابنها بخفة وهي تقول له:
ــ بس ياد انت، صدّعت أبوك بالكدب! ليه ساعة يقول لك عايز كباية شاي، وانت لا فاهم ولا ساكت!
ثم بدأت تُساعد جابر في ارتشاف الشاي، فابتسم عمر ثم غمز لأمه بشقاوة قائلًا:
ــ أنا مش فاهم، بس إنتِي يا بطّة بتفهمي من أول نظرة! أوعدني يا رب بواحدة تحبني وتفهمني من أول نظرة.
رمقته أمه بنظرة غضبٍ ممزوجة بالخجل، فقهقه عمر ولم يكفّ عن مشاكستها وقال:
ــ إنتِ لسه بتتكسفي يا بطّة؟! طب ده حتى جابر مش غريب، ده معرفة قديمة، وإنتِي ِ جايبة منه تلاتة!
ارتبكت فاطمة واحمرّ وجهها، ثم فرت هاربة من المكان وهي تتوعد ابنها المشاكس.
نظر جابر لابنه بيأس، فابتسم عمر وقال مازحًا:
ــ بقول لك يا حاج، الست دي أمي! يعني جو الغمازات والنظرات دا ما ينفعش معانا، انت عاوزها؟ ادخل البيت من بابه. ما تخافش، إحنا بنشتري راجل، مش هنطلب منك حاجات كتير. إنت برضه شاب ولسه في بداية حياتك.
ضحك جابر على مزاح ابنه، ثم صمت فجأة وسكن الحزن ملامحه.
رأى عمر في عيني والده نظرة مليئة بالندم، فتنهّد بثقل وقال بصوتٍ حزين
ــ عارف يا أبوي، لما كنت أشوف معاملتك القاسية مع أمي، كنت بسألها وأقول: "إنتِي ليه ما طلبتيش الطلاق؟"
كانت تسكت وما تردش عليّا.
بس بعد ما اتطلقتوا، كنت كل يوم أشوفها في أوضتها وهي قاعدة تبكي.
ولما عرفت باللي حصل لك، ما قدرتش توقف على رجلها. مش بس كده، ده من زعلها عليك تعبِت في الطريق وإحنا جايين، ووديناها للدكتور.
ساعتها عرفت الإجابة اللي دورت عليها سنين…
عرفت إن أمي كانت بتحبك رغم كل حاجة.
توقف عمر عن الحديث حين شعر بقطراتٍ ساخنةٍ تسقط فوق يده.
رفع نظره، فرأى عيني والده تفيضان بالدموع التي انحدرت على وجنتيه، دموعًا محمّلة بالندم على ما فعله في حق زوجته.
وبخ عمر نفسه بشدة، كيف لم يراعِ حالة والده الصحية؟
ظل ينظر إليه، غير مصدق أن جابر العامري، ذلك الرجل القاسي الذي كان يرى الدموع ضعفًا لا يليق بالرجال، أصبح اليوم رجلًا باكيًا منكسرًا.
اقترب عمر، وقبّل رأس والده باحترامٍ وحنانٍ قائلًا:
ــ حقك عليّا يا حاج، أنا ما كنتش أقصد أزعلك. أنا بس كنت عايز أفهمك إن أمي، رغم كل حاجة، بتحبك.
وإنت لما عرفت غلطك، ليه ما ترجعوش لبعض؟ نعيش كلنا تحت سقف واحد… بس بيت يكون مليان حب ورحمة، عيلة بجد، مش مجرد ناس عايشين في بيت واحد ويقربو البعض على الورق بس.
هزّ جابر رأسه موافقًا، ثم أمسك بيد ابنه وابتسم له.
ضحك قلب عمر قبل شفتيه، فقد تحقق حلمه أخيرًا… أن يعيش في عائلةٍ محبة، عائلةٍ حقيقية.
ثم عاد لمزاحه وقال ضاحكًا:
ــ يا عم، وما تقلقش من بطّة دي، هبلة ! يدضحك عليها بكلمتين انت بس وديها الهند، ومش بس هترجعلك، دي هتعمل لك تمثال كمان!
ظل جابر وعمر يضحكان معًا، يعيشان لحظاتٍ من الفرح لم يعرفاها من قبل.
أما في الخارج، في حديقة المشفى،
كانت فاطمة تراقب أبناءها من بعيد، تدعو الله أن يزول الخلاف بينهم.
جلس نوار على المقعد أمام شقيقته هالة، يرجوها أن تسامحه على ما فعله بحقها.
قال بصوتٍ مملوء بالندم:
ــ هالة… حقك عليّا يا بنت أبوي. طب قولي لي يا أختي، عايزة إيه وأنا أعمله لك؟
ما إحنا مش هنفضل متخاصمين طول العمر.
أنا عارف إني غلطت، وغلطتي كبيرة، بس هعملك أي حاجة، بس تسامحيني.
التفتت هالة إليه، ونظرت في عينيه، ولأول مرة ترى فيهما الندم الحقيقي.
ظلت تنظر إليه وهي تتساءل:
هل تغيّر شقيقها؟
هل لم يعد ذلك القاسي، صاحب القلب الحجري، الذي غرس في صدرها خنجرًا دون أن يرف له جفن؟
أخذت نفسًا عميقًا محمّلًا بالآلام، ثم قالت بنبرة مكسورة:
ــ واللي يضمن لي إنك اتغيرت يا نوار؟
إنت فاكر إن لما غرست فيّا السكينة وكنت عاوز تقتلني هي دي بس اللي مزعلاني منك؟
قول لي يا نوار، إنت إمتى كنت حنين عليّا؟
إمتى أخدتني في حضنك؟
إنت طول عمرك قاسي عليّا، حتى ما دافعتش عني لا من كلام مراتك ولا من ظلم جدّك وأبوك.
ضاق صدرها، وامتلأت عيناها بالدموع، ثم انفجرت في بكاءٍ مرير.
وقف نوار واقترب منها، واحتضن شقيقته رغم اعتراضها، ثم قبّل رأسها بحبٍ مليءٍ بالعطف والندم.
اقتربت فاطمة من أبنائها، وضعت يدها فوق كتف ابنتها بحنان وقالت:
ــ سامحي أخوكِ يا هالة، هو اتغير.
نوار ولدي، وأنا عارفة زين، لو ما كانش اتغير، ما كنتش طلبت منك تسامحيه أبدًا.
اقترب نوار، وأمسك بيد أمه، وظل يقبّلها وهو يقول بصوتٍ مبحوحٍ من الدموع:
ــ وحشاني يا حاجة فاطمة، وحشاني يا ست الكل… أخيرًا حنيتي عليّا.
ابتسمت فاطمة واحتضنت ابنها بشوقٍ كبير.
رمقتهم هالة، ورأت السعادة التي غمرت وجه أمها وشقيقها، فتنهّدت وقررت أن تعطيه فرصةً أخرى، متمنيةً من الله ألا يخيب ظنها.
أمسكت فاطمة بيد ابنتها، وضمتها إلى صدرها، ثم جمعت بين يديها يدي ابنائها وضمتهم معًا.
نظر الأشقاء في عيون بعضهم البعض،
أحدهم يطلب السماح،
والأخرى تطلب ألّا تُخذل مرةً أخرى.
**********************************
في منزل عائلة العامري،
دخلت فرحة غرفتها، وكانت نِسمة — تلك الأفعى — تجلس على الفراش بجسدٍ منهك، بعد أن نالها ضربٌ مبرح من جدها.
رمقتها نِسمة بنظراتٍ يملؤها الغضب، ثم صاحت بها قائلة:
– فين اللي اتفقنا عليه يا ست فرحة؟! انتي ناسيه أنا جايباك هنا ليه؟
رفعت فرحة رأسها ببرودٍ تام، وابتسامة ساخرة على شفتيها، ثم قالت:
– واحنا اتفقنا على إيه يا نِسمة؟
لو انتي ناسيه، فأكّرك…
انتي جيتي بيتي، وقلتيلي إن عمك عايز يتجوزني بس مستني لما جدك يوافق.
قلتيلي تعالى البيت وساعديني في شغل البيت، عشان لما جدي يشوفك شاطرة وجدعة يوافق… صح يا نِسمة؟
حرّكت نِسمة فمها يمينًا ويسارًا بغضبٍ مكتوم، ثم قالت باستهزاء:
– وانتي زي الحمارة! مش عارفة تعملي حاجة غير الخدمة وبس! ما فيش كلمة حلوة تقوليها للراجل؟
ارتفعت أنفاس نِسمة، وضغطت على شفتيها بقهرٍ حتى كادت تبكي، ثم نظرت إلى الأمام بعينين تمتلئان بالكراهية وهي تقول:
– أهي راجعة تاني هي وبنتها… تكتم على نفسي وتديني أوامر!
مش كفاية ولدها اللي عايز يتجوز عليّا! يا ريت كان عمي مات، ولا فاطمة بنت العمدة ما ترجعش البيت تاني!
تجمّدت فرحة في مكانها، لم تتوقع أن الحقد في قلب نِسمة بلغ هذا الحد، ثم ابتسمت بخبثٍ وشماتة.
كانت في داخلها تعرف أن الوقت حان لتردّ الصاع صاعين، فهي لم تأتِ إلى بيت العامري من أجل جابر كما يظن الجميع، بل كان جابر وسيلتها الوحيدة للدخول إلى هذا البيت.
ولم تكن يومًا تقترب منه كزوج، بل رسمت بينهما حدودًا لا تُكسر، فهناك شخص آخر هو السبب الحقيقي وراء وجودها هنا.
تركت فرحة الغرفة، ومضت بخطواتٍ ثابتة لتُكمل ما بدأت به.
وفي غرفة أخرى داخل المنزل،
كان يحيى يجلس إلى جوار جده، يمسك بيديه برجاءٍ صادق وهو يقول:
– جدي، روح لعمي في المستشفى وخليه يرجع هو وعياله البيت.
أزاح الجد يده بعنف، وهزّ رأسه ساخرًا وقال:
– عشان هو يرجع فاطمة، وانت تتجوز بنته!
صح يا يحيى؟
ونوار يطلق أختك؟
صمت يحيى لحظة، ثم مسح وجهه بكفّيه، وأخذ نفسًا عميقًا وقال بنبرة متماسكة:
– وهو يعني يا جدي لما عمي يرجع مراته، دي حاجه غلط مش دي فاطمة بنت العمدة صاحبك؟
اللي زمان رفضت إن عمي يتجوز خالتي نعمة عليها
رمقه الجد بنظرة غيظٍ، ثم أدار وجهه بعيدًا عنه.
ضغط يحيى على أسنانه من شدّة الغضب، ثم انتقل ليجلس في الجهة الأخرى، ينظر إلى عيني جده مباشرةً وقال:
– جدي، مرات عمي عملت ده كله عشان تحمي بنتها…
اللي انتو كنتوا هتقتلوها ظلم!
انت لو كنت مكانها، كنت عملت أكتر من كده!
ضرب الجد عصاه في الأرض بغضبٍ، وصاح بنبرة حادّة:
– عتعمل ده كله علشان عتحبها يا يحيى؟
من متى يا يحيى وانت عتحبها؟
انتم ما كنتوش تقعدوا على الطبليّة واحدة؟
كنه سحرَتْلك بنت فاطمة زي ما بيقولوا!
خفق قلب يحيى بشوقٍ حين سمع اسمها، ولمعت عيناه ثم ابتسم وقال بثقة:
– أيوه، مسحور يا جدي…
بس مسحور في حبها!
وطالب الحلال لا هو عيب ولا حرام.
وبعدين مش انت اللي قلتلي زمان: نقي لولدك خال، ولما تناسب ناسب رجال؟
وقف الجد بغضبٍ وصاح بصوتٍ قاسٍ:
– وبرضه هتتجوزها؟!
حتى وأخوها عايز يتجوز على أختك؟
ومش بعيد يطلقها!
وقف يحيى بدوره، وضع يده في جيب بنطاله وتنفّس بثقلٍ، وقال بنبرةٍ حزينة:
– نِسمة أختي يا جدي، وأنا زعلان عليها وعلى بيتها اللي هيخرب…
بس هي السبب!
لو أنا مكان نوار، أعمل أكتر من كده!
ما فيش راجل حر يقبل على كرامته اللي هي عملته!
تقدم خطوة ثم أضاف بهدوءٍ موجع:
– بدل ما تغلط نوار، اتكلم معاها وخليها تلحق بيتها قبل ما يخرب.
افتكر يا جدي إن هالة حفيدتك برده زي نِسمة… وإحنا كلنا واحد.
ثم خرج يحيى من الغرفة، تاركًا جده جالسًا ينظر أمامه بشرودٍ، تتصارع في صدره الحيرة والكبرياء.
************************************
وبعد مرور الأيام، ذهب يحيى برفقة الجد وزهراء إلى المشفى.
في الغرفة التي كان يرقد فيها جابر، جلست هالة إلى جوار والدها تُطعمه وتمازحه بابتسامةٍ دافئة.
وقف الجد عند الباب يتابع المشهد في صمتٍ عميق، بينما تقدّم يحيى ينظر إليها بشوقٍ قائلاً:
هي مش وحشه يا جدي زي ما انت فاكر
هزّ الجد رأسه صامتًا، ثم دخل الغرفة. توقفت هالة حين رأته، فرماها الجد بنظرةٍ غاضبة وقال:
مالك واقفه عندك متخشبه ليه؟ ما فيش ازيك يا جدي، ولا كنت بايت معاك ياك؟
نظر إليها يحيى برجاءٍ خفي، فابتسمت في وجه جدها وقالت:
ازيك يا جدي، عامل ايه؟ يا رب تكون صحتك كويسه، أسيبك تقعد مع أبويا براحتك.
ثم خرجت من الغرفة بصحبة يحيى.
وعند الأبناء، تَلين القلوب وتنهار الحواجز. ارتجفت شفتا الجد، وانحدرت دموعه بغزارةٍ على وجنتيه، واعتصر قلبه الألم حين رأى تلك الحالة التي اصبح فيها ابنه. قال بصوتٍ تخنقه العبارة:
كده يا جابر! وأنا اللي كنت أقول الحمد لله، جابر طالع لي قوي، مش زي سليم اللي كان طالع لأمه الله يرحمها. أقل حاجه تهزك، طلعت في الاخر زي اخوك
وأمك كلمتين مسخين يخلوك تنام في الأرض.
قوم يا واد واضرب المرض بأوسخ جزمه، ده انت واد العامري، انت اللي فاضل لي، سندي بعد ما كل الغاليين راحوا وسكنوا التراب!
اغرقت عيناه بالدموع، ثم أشار لابنه برأسه وهو في حالةٍ من العجز الشديد. اقترب الأب بخطواتٍ مرتعشة لم تعد قدميه تقدر على حمله، فاحتضنه، وبكيا معًا بكاءً مُرًّا كأن الزمن انكسر داخلهما.
وفي حديقة المشفى، ظهرت زهراء من خلف هالة وهي تصرخ باسمها بفرحٍ عارم:
استاذه هاله! وحشتيني قوي قوي!
تجمّدت هالة في مكانها، واتّسعت عيناها دهشةً وذهولًا، ولم تصدّق أن تلميذتها المحبوبة تقف أمامها.
ارتميا في حضن بعضهما طويلٍ دافئٍ، وانطلقت منهما ضحكاتٌ ودموعٌ كالأطفال. تركهما يحيى ومضى يجلس مع أبناء عمه.
قالت هالة بلهفةٍ وهي تُقبّل وجنتيها:
يا زهراء يا حبيبتي، أخيرًا شفتك! عامله ايه؟ أخبارك؟ بطّلت تكلميني ليه يا زهراء؟ أنا سمعت إن الكلب ده اتجوزك احكي لي كل حاجه، ايه اللي حصل معاكي؟
عند السؤال، تغيّرت ملامح زهراء، وسالت دموعها كحبات المطر، وارتجف صوتها وهي تقول:
انا تعبانه قوي يا ابله… طلعت وأمه ضربوني، ريم كانت عملاني خدامه ليها، وأبويا دخل السجن ظلم وطلعت جي البيت كان هيقتلنا وضرب امي ، لولا عمي يحيى.
انقبض قلب هالة من شدّة الألم، فضمّت تلميذتها إلى صدرها مرةً أخرى. اشتعلت عيناها بنارٍ لا تخمد، ورفعت بصرها إلى السماء تدعو الله أن يمنحها الفرصة لتقتص من عائلة الغول على ما فعلوه في الماضي والحاضر بمن تُحب.
وفي ساحة المشفى، كان أبناء العم يجلسون يتبادلون المزاح، بينما وقف الجد فوق رؤوسهم يقول بصرامةٍ حادة:
قوم يا واد، منك ليه، واحد فيكم يروح يجيب المأذون وياجا!
لم يصدق يحيى ما سمعه، اقترب من جده وقبّله على رأسه، ثم انطلق كالسهم ليأتي بالمأذون ويتمم فرحته بمن أحب.
أما نوار، فذهب ليجلب أمه وشقيقته وأطفاله ليشاركونه تلك الفرحة.
أما ذلك المشاكس، فاقترب من جده واضعًا ذراعيه فوق كتفه وقال:
أخيرًا يا جدي هتجوزني وتلّمني! أصل واحد صايع زيي ما لوش غير الجواز، عشان لو سبتوني من غير جواز، أنا هجيب لكم العار! يرضيك عيلة العامري يركبها العار؟
انفجر الجد بغيظٍ شديد، فرفع عصاه وضرب عمر بخفييه، ثم تركه ومضى غاضبًا.
قهقه عمر وهو ينادي على جده:
طب خلاص يا جدي ما تزعلش! تعالى هجوزك انت الأول، أنا عارف إن لك زمان من غير جواز، تعالَ!
ركض خلف جده وهو يمازحه، بينما هزّ الجد رأسه بيأسٍ من ذلك الشقي، وقد امتزج في عينيه الحنانُ بالضجر، كمن يعرف أن شقاوته قدرٌ لا يُصلَح.
وهنا…
سكن كل شيء للحظةٍ كأن المشفى يبتلع أنفاسه.
فهل تدوم السعادة؟ وهل يختفي شرّ عائلة الغول؟
أم أن أسرار الماضي ستقلب الحاضر رأسًا على عقب؟
فمن سينتصر — الماضي وأسراره، أم الحب والعدل
ووويتبع


التاسع والثلاثون من هنا 
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات