رواية حلال ولكن مرفوض الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم هالة محمد
36 = حلال ولكن مرفوض - جابر وضياع أسرة -36 /
للجميع@
أهلًا بك يا عزيزي القارئ،
وجودك هنا يعني لي الكثير، فكل دعم منك يمنحني طاقةً جميلة تدفعني للاستمرار.
لنبدأ رحلتنا معًا بين السطور، رحلةً تحمل المشاعر والدهشة،
أتمنى أن تستمتع بكل لحظة منها.
*********************************
توقف عمر أمام المجرمين بقلب شجاع لا يهاب شيئًا. نظروا إليه باستهزاء، فبرغم جسده الرياضي وطول قامته، إلا أنهم كأنوا يتفوقوا عليه في القوة والصلابة.
اخرج أحد المجرمين، “ مضرب حديدي”، من السياره، ثم اقترب من عمر ورفع المضرب الحديدي ليهوي به فوقه. ابتعد عمر سريعًا، لكن المجرم كرر ضربته، واستطاع عمر الإفلات مرة أخرى.
ركض مجرم آخر مستغلًا انشغال عمر، وضربه ضربة قوية أسقطته أرضًا. ثم هجم عليه بشراسه
ابتسم المجرم الثاني بخبث، و رفع المضرب الحديدي
وهوى به على بطن عمر. شهق عمر من الألم وعض على شفتيه ليكتم أنينه. لم يتركوه، فوضع أحدهم قدمه فوق يد عمر المصابة، بينما ضربه الآخر مرة أخرى في بطنه بعنف.
كانت مريم تصرخ بجنون ودموعها تتساقط بغزارة، وهي تحاول فتح باب السيارة الذي أغلقه عليها عمر. صراخها جعل قلب عمر يعتصر ألمًا،
انتبه أحد المجرمين لمريم واقترب من السيارة، ونظر إليها بنية خبيثة، ثم التفت إلى عمر بابتسامة شريرة. ضرب زجاج السيارة بقوة، فارتعشت مريم ووضعت يديها على وجهها لحماية نفسها من الشظايا المتناثرة كالرمال.
مد المجرم يده وفتح الباب بعنف، ثم سحب مريم من شعرها حتى سقطت أرضًا على وجهها. ظل المجرم يمسك بها ويجذبها بلا رحمة، وهي تصرخ وتبكي بلا حول ولا قوة.
في تلك الأثناء، كان عمر يلتقط أنفاسه بصعوبة، جسده متألم ويداه تتشنجان من الإجهاد. جلس أحد المجرمين فوقه واضعًا قدمه على يد عمر المصابة، يضرب وجهه بلكمات عنيفة متتالية. شعور بالعجز اجتاحه حين رأى مريم في هذا الوضع.
غلت الدماء في عروقه، واشتعلت النار في صدره من الغضب. أفلت بيده السليمة من يد المجرم التي كانت تمسك به، وغرز أصابعه في عينيه بقوة. صرخ المجرم من الألم ولم يعد يرا أمامه
أزاحه عمر بصعوبة عن جسده، ثم أمسك بمفتاح تصليح السيارات وضربه به على رأسه، فانفجرت الدماء وسقط المجرم فاقد الوعي.
تجمّد عمر حين رأى المجرم الآخر يضع السلاح الناري فوق رأس مريم، ممسكًا بذراعها بعنف. وجهها احمرّ وعيونها تدمع، وجسدها يرتجف من الرعب الشديد.
صرخ المجرم بصوت غليظ:فقال
"هات التقرير اللي معاك بدل ما أطير راسها!"
هزّ عمر رأسه بهدوء، ثم اقترب من السيارة ليجلب الأوراق. وقعت عيناه على المضرب الحديدي بين الزجاج المهشم، فمد قدمه نحوه بحذر شديد.
قبل أن يصل إليه، أطلق المجرم رصاصة بين قدميه، فارتد عمر سريعًا إلى الخلف، بينما صرخت مريم باسمه بارتجاف. عبس وجه المجرم وتنفس بغضب شديد، وقال مهدّدًا:
"المرة الجاية الرصاصة هترشق في نفوخك، هات التقرير وبلاش حركات تجيب أجلك!
"
ابتلع عمر ريقه، وتحركت تفاحة آدم في عنقه من التوتر. نظر إلى مريم التي كانت ترتجف من الخوف، عينها تدمع وجسدها مشدود. شعور بالوجع اجتاح قلبه عليها، فاستسلم للأمر وبدأ يبحث في السيارة عن الأوراق.
في تلك اللحظة، وصل يحيى إلى المكان، ورأى المشهد بعينيه: سيارات مبعثرة، دماء على الأرض، وفوضى مرعبة.
أدرك أن المجرمين اقتربوا من عمر، فأغلق السيارة على هالة محاولًا حمايتها، لكنها أزاحت الباب بعصبية وهي تصرخ:
"إنتَ عتعمل إيه؟ أنا رجلي على رجلك، سامع؟!"
نظر لها بغيظ وقال بصوت حاد:
"تاجي معايا فين؟ هو أنا عارف في إيه جوه؟ خليكي مكانك عشان أعرف أتصرف!"
لكنها لم تعبأ بكلامه، كل ما كان يشغلها هو شقيقها عمر. قلبها كان يموت رعبًا عليه.
أمسك بها يحيى بقوة وقال بصرامة:
"تمام، هاخدك، بس ما تتحركيش من جنبي خطوة واحدة مهما حصل. اللي أقوله تعمليه، ولو شفتيني أنا أو عمر بنموت، وقلتلك امشي… تمشي، فاهمة؟!"
هزّت رأسها بالموافقة وهي تبكي.
دخل الاثنان إلى الداخل بهدوء، وفجأة دعست هالة على شيء ما، فنظرت أسفلها لتجد صاحب المكان غارقًا في دمه. صرخت، فوضع يحيى يده على فمها ليكتم صراخها.
التفت المجرم وهو يبحث عن مصدر الصوت، بينما ظل ممسكًا بمريم بقوة. اختبأ يحيى وهالة خلف إحدى السيارات، في حين عاد المجرم إلى تهديد عمر.
تسلّل يحيى بخطوات خفيفة واقترب من المجرم دون أن يشعر، لكن المجرم التفت فجأة! فقفز يحيى فوق سيارة مجاورة وركل يده التي تمسك السلاح بقوة، فانزلق السلاح منه.
ولكن مازال المجرم ممسك بمريم ولف ذراعه حول عنقه. كانت مريم تختنق، وجهها أزرق، وعيناها تتسعان رعبًا.
وقفا يحيى وعمر وأهم عاجزين عن فعل شي وقع نظر يحيى علي ذلك السلاح في الارض
فأشار لعمر أن يرمي له السلاح في الخفاء، فرماه عمر بسرعة، فأمسكه يحيى بإحكام، ثم أطلق رصاصة على قدم المجرم، فسقط صارخًا من الألم.
أسرع عمر إلى مريم التي كانت شبه غائبة عن الوعي، وأسندها في حضنه، بينما هالة ركضت نحوها واحتضنتها تبكي.
أخذ عمر المضرب الحديدي وضرب المجرم ضربات متتالية حتى لم يعد فيه أي قوة للحركة.
اقترب يحيى من صاحب المكان وحاول إفاقته، وقال
له:
"اتصل بالشرطة، وقل إن في مجرمين اعتدوا عليك وعلى الزباين.
هز الرجل رأسه هو يلتقط انفاسه بصعوبة
بدأت مريم تستعيد وعيها وهي تبكي، فأخرج يحيى هالة ومريم بسرعة من المكان قبل وصول الشرطة.
أما عمر، فأخذ التقرير وسلمه ليحيى وقال:
"خدهم وامشوا."
لكن يحيى رفض بشدة، وأصر على البقاء حتى جاءت الشرطة وأخذت المجرمين.
وبعدها خرجوا جميعًا متجهين إلى المشفى، ومعهم صاحب المخزن ومريم التي كانت لا تزال ترتجف من الرعب، بينما عمر ويحيى يتنفسان الصعداء بعد هذا الكابوس.
********************************
في منزل عائلة العامري، جلس الجميع حول مائدة الطعام. كان الصمت سيد المكان، فكل واحد منهم غارق في عالمه الخاص.
نَسمة، تلك الشيطانة التي يغلي الغضب في صدرها، كانت تكاد تحترق كلما تذكّرت هجر نوار لها. لقد تركها وغادر إلى المنزل وأصبح يجلس في منزل الضيوف، ونفّذ ما قاله من قبل: أنها لن تكون سوى أم أولاده،
وزوجة على الورق فقط. كانت تموت من الغيرة والغيظ كلما عادت إلى تهديده القديم بأنه سيتزوج عليها امرأة أخرى. تعاهدت في سرّها، أنه إن فعل، ستقتله بيدها دون أن يرفّ لها جفن.
أما أمينة، فلم يكن حالها أفضل من حال ابنتها. جلست تحدق في الطعام بشرود، تشعر بضيقٍ يخنقها كلما تذكرت ابنها الذي ما زال مصرًّا على الزواج من ابنة عمّه. كانت تتحدث إليه كل يوم عبر الهاتف، ترجوه أن يتراجع لأنها تكبره بثلاث سنوات.
كانت أمينة تشتعل غضبًا كلما تذكرت تمسك يحيى بهالة. فكيف لابنها الوحيد أن يتزوج فتاة تراها “عانسًا”، رغم علمها أن هالة ليست سيئة الخُلق؟ لكنها رفضتها فقط لأنها تكبره سنًّا. تناست أمينة أنها لم ترفض يومًا زواج نوار من ابنتها نَسمة، رغم أنها تصغره بسنوات كثيرة.
وأحيانًا — عزيزي القارئ — من تظلمها حواء، تكون حواء مثلها.
رمقت أمينة جابر بغيظ لقد تغير جابر وأصبح يدافع عن ابنته بشراسة، لا يسمح لأحد أن يتحدث عنها أو عن أمها بسوء.
ومثل أمينة ونسمة، كان جابر هو الآخر يعيش في عالمه الخاص، يفكر كيف يمكنه جمع شمل أسرته من جديد. قرر أن يذهب إلى القاهرة ليُعيد فاطمة ويصلح
علاقته بها وبابنته. لكنه كان يخشى المواجهة. لم يكن يدرك أنه كان أبًا سيئًا لتلك الجرده، وزوجًا أسوء . ومع ذلك، قرر أن يخوض تلك المعركة، وأن يحاول الفوز بها هذه المرة، ليعود بأسرته، مهما كأن
تحدث جابر فجأة، صوته خافت لكنه حازم:
"أنا هروح أجيب هالة وفاطمة من القاهرة بعد أسبوع."
نظر إلى والده ينتظر منه جوابًا، لكن ولده ظلّ صامتًا، منشغلًا بطعامه، وكأن الحديث لا يعنيه.
عاد جابر للطعام مرة ، لكنه توقف حين سمع صوت والده القاسي يخترق الصمت:
"تعرف ليه يا جابر المرأة عتهروب من جوزها؟ وبدل ما تحب على رجله وراسه علشان يسامحها بعد عملتها
السوده، تتبجّح وتطلب الطلاق؟ عارف ليه يا ولدي؟ علشان شايفاه مش راجل. وزي ما بيقولوا: بت الخواضة تخوض ورا أمها، عشان البِت زي أمها، شايفه أبوها مش راجل!"
تجمّد جابر مكانه، وشعر بمرارة في حلقه، ليست من الطعام بل من الكلمات التي مزّقت كبرياءه.
ابتسمت أمينة وابنتها بشماتة، بينما رمقهما جابر بنظرة تحمل وجعًا لا يُقال.
وقف ببطء، ترك الطعام، ثم رفع رأسه نحو والده وقال بصوت مبحوح:
"معاهم حق يا بوي... ما أنا لو كنت راجل صح، ما كنتش سبت ولدي يقتل أخته وأنا واقف أتفرج! ما
كنتش سبت الناس تنهش في لحم بنتي وتجيب سيرتها بالكدب وأنا ساكت! بدل ما أجيب حقها، كنت عايز أرميها لحمدان! ما أنا لو راجل..."
رفع يديه المرتعشتين، وصوته اختنق بالعَبرة:
"ما كنتش رحت أخنق بنتي لحد ما كنت هطلع
روحها.
ضرب فوق صدره بعنف، كأنه يحاول إيقاف الوجع الذي يعصف بقلبه.
نظر إلى والده والدمع يلمع في عينيه:
ده حجر ما تهزش عليهآ ولا رحمها بدل ما آخدها في حضني كنت عايز أسكنها القبر
"ما أنا لو راجل، ما كنتش سبت بنتي تكسرها، وأنا واقف!" أتفرج عليها زي الغريب
اهتز جسده، وتغيّر لون وجهه، حاول أن يستند على المائدة، لكن قدميه لم تعودا تحتملانه.
سقط على الأرض، فركض نوار مسرعًا، كان قد دخل المنزل بعد أن سمع صوته الغاضب. أمسك بوالده يحاول إسناده، ثم قبّل رأسه ويده، وهو ينظر له بحزن رمق جده بغيظ شديد قائلا
"أبوي طول عمره راجل يا جدي! شايل العيلة دي على كتافه، عمره ما قالّك لا، ولا رفع صوته في وشك، ولا كسرلك كلمة، لكن إنت كل شويه عتكسره يا جدي!"
لم يهتز الجد من كلام حفيده، ظلّ قلبه مغلّفًا بالقسوة. رمق نوار بوجه يملؤه الغضب، وصوته دوّى كالرعد:
"وانت يا واد! ما اتعلمتش من أبوك إنك ما توقفش وتتبجّح في وش جدّك؟ هتديني محاضرات يا نوار؟
عامل عليا كبير؟ طب اسمع يا واد، فاطمة أمك دي مش هتخش البيت ده تاني! ولو عاوز تجيب أختك، هاتها بس بشروطي. اللي قلت عليها لأبوك، وغير كده محدش يخش بيتي!"
ابتسم نوار ابتسامة مكسورة، ونظر لجدّه بعدم تصديق، ثم قال بهدوء موجع:
"حقك يا جدي، ده بيتك وإنت حرّ فيه. وأمي وأختي مش هيدخلوا بيتك حتى أنا وأبوي هنمشي من البيت... وعيالي هاخدهم معايا."
ضرب الجدّ المائدة بعصبية، وعيناه تتقدان غضبًا:فقال
"عاوز تطلع من البيت انت وأبوك؟ روحوا! بس العيال لا!"
احمرّ وجه نَسمة، وصرخت بصوت مرتفع في وجه زوجها:
"أنا مش رايحة معاك يا نوار في حتّة! لا أنا ولا عيالي!"
نظر إليها باشمئزاز، وقال ببرودٍ قاتل:
"ومين قال إني عايزك؟ ولا حتى عاوز أشوف وشّك! بس عيالي هاخدهم... عارفة ليه يا نَسمة؟ عشان إنتِي مش أم ولا عارفة تكوني زوجة! كل اللي تعرفيه إنك تبخي سمّك في العيلة، وتولّعي في البيت! أتحرق... أهو البيت ولع عشان ترتاحي يا نَسمة!"
لم تستطع أمينة الصمود، فتركت المائدة ووقفت في وجه نوار، ورفعت يدها قائلة بغضبٍ شديد:
"اسمع يا نوار! لو فاكر عشان بتي يتيمة تعمل فيها اللي إنت عايزه ومفيش حد يوقفلك، تبقى غلطان! أنا
اللي هقفلك! عايز تطلق بنتي؟ طلّقها! بس عيالها هيفضلوا معاها! وولدي مش هيتجوز أختك العانس! هتقول علي بنتي خربت البيت؟ والله ما حد خرب البيت غير أختك!"
ارتفعت الأصوات، واشتعل الغضب بينهم. لم ينتبه أحد إلى جابر الذي كان ما يزال جالسًا، يضع يده فوق قلبه، وجهه شاحب وعرقه يتصبب، وأنفاسه تتثاقل شيئًا فشيئًا...
وفجأة... سقط جابر مرة أخرى، هذه المرة وسط دهشة الجميع —
لكن لا أحد علم بعد، هل كانت تلك سقطته الأخيرة... أم أن القدر ترك له نبضةً أخرى؟
********************************
عاد الجميع من المشفى إلى منزل يحيى الجديد. كانت هالة تجلس وهي تحتضن مريم، التي بدت في حالة إرهاق شديد، بينما جلس عمر بوجهٍ مكفهر وعينين مليئتين بالغضب كلما تذكّر ما فعله ذلك المجرم بمريم.
ظلّ يفكر أن يذهب ويُزهق روح ذلك الرجل حتى تنطفئ النيران التي تشتعل بداخله.
دقّ الباب.
توقّف يحيى وهو يشعر بالتعب من يومٍ مرهق، ثم نهض وفتح الباب ليجد مديحة وأحمد يتشاجران مثل الأطفال. رمقهما بنظرة ملل وتركهما، وعاد يجلس في مكانه.
دخلت مديحة بعد أن أزاحت أحمد إلى الخارج وأغلقت الباب في وجهه.
نظرت إلى مريم، وشعرت بالحزن من نفسها، فآلمها قلبها. كيف لها أن تقسو على تلك الفتاة الطيبة؟
اقتربت منها بخطواتٍ ثقيلة وجلست بجوارها، ثم مدّت يدها بخجلٍ ووَضعتها فوق كتف مريم.
التفتت إليها مريم ونظرت في عينيها، كانت لحظة صمتٍ تملؤها الدموع، ثم فتحت مديحة ذراعيها.
ارتمت مريم في حضنها وانفجرت في بكاءٍ مرير، بينما قبّلت مديحة رأسها وهي تحاول أن تحبس دموعها دون جدوى.
دقّ الباب مرةً أخرى.
نظر يحيى ولم يجد أحمد، فرفع حاجبه نحو مديحة التي أشارت إليه بلا اهتمام.
ذهب وفتح الباب مجددًا، فدخل أحمد غاضبًا، لكنّه صمت حين رأى ابنته في حضن مديحة. جلس ثم
تنهد بثقل وقال:
– فهمني يا يحيى، إيه اللي هيحصل دلوقتي؟ عامر ونور هيخرجوا إمتى؟ والأهم، نور تقدر تطلق من الكلب ده ولا لأ؟
أخذ يحيى نفسًا عميقًا وقال:
– اللي هيحصل دلوقتي إن المحامي قدّم طعن في شهادة تامر، غير إنه اتهمه بشهادة زور مقابل رشوة. والفلوس اللي لقيتها الشرطة بتثبت عليه التهمة. كمان التقرير اللي جابه عمر بيأكد إن نور هي اللي اتتعدى عليها، مش العكس.
صمت أحمد قليلاً وهو يفكر، ثم قال:
– طيب افرض تامر أصر على أقواله ضد نور وعامر، وقدر يثبت مصدر دخل للفلوس دي، ساعتها إيه الحل
؟
نظر يحيى إلى هالة بفخر وقال:
– يبقى وقتها هنستخدم الخطة الأساسية بتاعة هالة. نساوم تامر على التنازل عن المحضر وخروجه من تهمة السرقة مقابل إنه يغيّر أقواله، وده اللي كنا مجهزين له. الفلوس أصلًا لما الشرطة لقيتها عنده كانت صدفة، والمحامي حب يستغل الكارت ده الأول.
تدخلت مديحة قائلة باستغراب:
– معلش يعني، أنتم جبتوا منين الفكرة دي عرفتوا ازاي إنه هو سرق الفلوس؟
تنهد عمر، وما زالت عيناه لا تفارقان مريم، ثم قال:
– احنا قبل ما نعمل أي حاجة، دورنا وراه. عرفنا إنه عيل حرامي، متهم في كذا مكان قبل كده، بس ما
حدش قدر يثبت عليه حاجة. الفكرة كانت أن هالة تروح المطعم، خصوصًا إنه ما يعرفهاش، وتغريه بالفلوس لما تسيب الشنطة مفتوحة قدامه. وبعد كده تصوره، وده اللي حصل فعلاً.
ابتعدت مريم عن حضن مديحة وهي تجفف دموعها، ثم رفعت يدها وقالت بفضول:
– معلش بقى، أنا في حاجة عايزة أعرفها. إزاي صورتيه؟ وإزاي هو ما خدش باله؟ وليه بعتي الفيديو على صفحة وزارة الداخلية؟
ابتسمت هالة ابتسامة صغيرة ونظرت إليها قائلة:
– هقولك . المفروض لما يحيى يوصل قدام المطعم يرن عليا، وده اللي حصل. أول ما اتصل، أنا خدت التليفون وبصيت على العامل، وعملت نفسي بتكلم ومشغوله و استنيت شوية لما هو اطمّن وخد راحته، وأنا وقفت في مكان ما يشوفنيش منه، فتحت الكاميرا وسجلت فيديو.
، بعته على صفحة الوزارة، عشان الصفحة
دلوقتي أسرع من إنك تقدمي بلاغ في القسم.
وبعدين شاركت الفيديو في كذا صفحة، فالناس اتفاعلت، وبقى في ضغط، وده خلاهم يقبضوا عليه بسرعة وهو متلبس، وده اللي كنا عايزينه.
صمتت مريم، وتذكّرت ما فعله المجرمون بعمر، فاحتقن وجهها وقالت بغضب:
– والمجرمين الكلاب اللي ضربوا عمر وكانوا هيموتوه؟!
دول لازم يفضلوا في السجن طول عمرهم، ما فيش ولا واحد فيهم يخرج!
تفاجأت هالة وأحمد من انفعال مريم الشديد لأجل عمر، فالمعروف عنها أنها فتاة هادئة.
نظر يحيى إلى ابن عمه مبتسمًا بخبث، فبادله عمر نظرة غيظ، بينما كانت مديحة تلاحظ كل شيء وتشعر بمشاعر مريم تجاه عمر، وقررت أن تستغل تلك المشاعر لتجعل مريم تبقى ولا تهاجر.
تحدث عمر فجأة ليشتّت انتباه الجميع عن مريم، التي احمر وجهها من الخجل، فقال:
دولة خلاص هيدخلوا السجن بتهمة التعدي
– بس مش هنستفيد منهم بحاجة، بخصوص القاضية لأن جاسر هيخلي مسؤوليته عنهم تمامًا. وهما هينكروا علاقتهم بيه ، بس بعد كده هو هيخاف يبعت حد يراقبنا تاني.
وقف أحمد وقال:
– طيب الحمد لله، أنا هروح أشوف محامي نور، خلينا نخلص من الهم دي.
نظرت مديحة له بوجه عابس وقالت:
– عاوز تخلص من الهم دي ولا تاخد مريم وتهاجر؟
وقف عمر فجأة، ينظر إلى مريم بصدمة، وقال بصوت مرتفع:
– هو إيه الكلام ده إن شاء الله؟! هي مين دي اللي هتهاجر؟!
نظر أحمد له باستغراب وقال
– ما فيش يا ابني، احنا قررنا أن نروح نعيش في فرنسا، طالما في ناس هنا مش عايزانا.
ختم حديثه بنظرة حزينة نحو مديحة، وكأنه يعاتبها
، بينما نظرت له هي بنفس الحزن والعتاب. لانه تخلي عنها في أول الطريق
قال عمر بثقة:
– معلش يا دكتور، بنتك مش هتعرف تسافر ولا تروح مكان.
نظر الجميع إليه في صمت ينظرون منه استكمال حديثه
فكر عمر ماذا يقول لهم هل يقول إنه بيحب مريم ولا يريدها بجواره ولكن بشروط الخاصه؟
لكنه تراجع، ورمقها بنظرة غاضبة مليئة بالوعيد.
ابتلعت ريقها بخوف، واحتمت بمديحة التي ضمّتها بحنان.
قال عمر ببرود ظاهر يخفي اضطرابه:
– الواضح إن الآنسة مريم نسيت إن أنا موقوف عن العمل بسبب مشكلتها في الجامعة. يا ريت تيجي معايا عشان نشوف إيه اللي هيحصل في الموضوع ده، يلا
ثم تركها وخرج.
وقفت مريم في مكانها مترددة، تخاف من ردّة فعله، تنهدت بعمق ثم ذهبت
بينما كان يحيى منشغلًا بمكالمة هاتفية، ثم أنهى المكالمة فجأة وغادر.
ولم يتبقَّ في المكان سوى هالة ومديحة وأحمد، وكل منهم غارق في أفكاره.
********************************
كان محمود يسير في طرقات القرية كطفلٍ ضائعٍ لا يعرف طريق العودة.
ظلّ يمشي بلا هدفٍ حتى أنهكت قدماه.
رأى شجرةً على جانب الطريق، فجلس تحت ظلّها، ممسكًا عصاه، يرسم بها خطوطًا على التراب وهو شارد النظرات، يبحث عن مخرجٍ ينقذ به ابنته من طريق الظلام الذي قادها إليه.
شعر محمود بالذنب بعد حديث زوجته، الذي كان كصفعةٍ قاسيةٍ أيقظته على حجم الكارثة التي ارتكبها.
فجأة، لاح أمامه ظلّ يقف فوق رأسه كغمامةٍ ثقيلة.
رفع نظره فوجد المنشاوي، خادم الشيطان المطيع.
قطّب محمود حاجبيه وعبس وجهه من وجود ذلك البغيض، بينما رمقه المنشاوي بنظرةٍ ساخرةٍ وقال:
ـ مالك يا محمود؟ عاتلوي بوزك ليه أول ما شفتني؟
ده حتى المثل بيقولك: لاقيني ولا اتغدّيني!
نفخ محمود بضيقٍ وردّ بلهجةٍ حادّة:
ـ بقولك إيه يا منشاوي، حل عن نفوخي!
أنا لا طايقك ولا طايق روحي.
روح يا أبو العمّ، روح عند اللي مشغّلينك، وسيبني فحالي... مش ناقصك.
ضغط المنشاوي على أسنانه، وانتفخت عروقه وهو يحاول كتم غيظه حتى لا يقطّع محمودًا إربًا ويوزّعه على كلاب الطرقات.
لكنه تذكّر ما جاء من أجله، فابتسم بخبثٍ وقال:
ـ طيب، على العموم يا محمود، أنا جاي في كلمتين... طلعت عايز يرجّع بنتك.
ردّ محمود بازدراء:فقال
ـ
قول للكلب اللي بعتك إنّ محمود مش هيرمي بنته تاني والله يا مهملك المكان وماشي داهيه تاخد إنت وبيت الغول
ثم وقف بعصبية، ينفض التراب عن ثيابه في وجه المنشاوي، الذي رفع يده يحجب بها الغبار عن عينيه.
غادر محمود المكان متجهًا نحو منزله، وبعد قليل حين اقترب، من المنزل رأ سيارات الشرطة تقف أمام البيت
.
ارتبك محمود، ودقّ قلبه بعنفٍ من شدّة الخوف، فهذه القرى الصغيرة تموت رعبًا من كلمة "شرطة".
تقدّم بخطواتٍ مترددةٍ وقال بصوتٍ مبحوح:
ـ خير يا بيه؟
رمقه الضابط بوجهٍ جامدٍ وملامحٍ صارمة، ثم قال بصوتٍ يشبه الرعد:
ـ امسكوه! فتّشوا البيت حتة حتة، وفتّشوه هو كمان!
انقضّ عليه رجال الأمن، فصرخت نادية والأطفال، بينما ركضت زهراء نحو والدها تحاول إبعادهم عنه، تصرخ وتبكي وهي تحتضنه بقوة.
بكى محمود، لا خوفًا على نفسه، بل من أجل صغيرته التي تدافع عنه بروحها.
تذكّر ما فعله بها، حين رماها في منزل الغول وزوّجها لطلعت وهي قاصر، فدمّر أحلامها ومستقبلها.
مدّ أحد رجال الأمن يده في جيب ثوب محمود، فأخرج أكياسًا صغيرةً تحوي مادةً بيضاء.
تجمّد محمود في مكانه، لا يدري من أين جاءت تلك المخدرات.
في الداخل، قلب رجال الشرطة المنزل رأسًا على عقب، لم يتركوا شيئًا في مكانه.
دخلوا الغرفة البسيطة، قلبوا الفُرُش والأثاث، حتى تلك الجرّة المليئة بالماء قاموا بكسرها:
توجّه أحدهم إلى الحظيرة الصغيرة التي تضم بعض المواشي، فارتبكت الحيوانات وارتفعت أصواتها.
رأى الشرطي كيسًا كبيرًا مملوءًا بطعام الماشية، فتحه، فوجد بداخله كيسًا أسود صغيرًا، وعندما فتحه، اكتشف أنه مليء بالمخدرات.
تناول الرجل الكيس بيده وقد بدت عليه علامات الفخر، ثم سلّمه للمسؤول.
صرخت نادية ولطمت وجهها بعنف، حتى بُحّ صوتها وانقطعت أحبالها الصوتية.
أما محمود، فقد أُخذ مكبّلًا، وقد انعقد لسانه وبدت ملامحه كالأموات.
لم يستطع النطق بكلمةٍ واحدة من شدّة الذهول.
ركضت زهراء خلف سيارة الشرطة حافية القدمين، وشاحها الصغير يتطاير فوق رأسها.
ظلّت تركض حتى انقطعت أنفاسها وسقطت على الأرض، ووجهها يرتطم بالتراب.
فجأة، شعرت بيدٍ تُمسك بها، فرفعت رأسها لتجد أمامها رجلًا يبتسم ابتسامةً خبيثة.
ارتجف جسدها، واتسعت عيناها رعبًا.
وفي وسط الزحام، وبين وجوه الناس المذهولة، ظهر المنشاوي يبتسم بسعادةٍ خبيثة، فقد نفّذ ما أُمر به من ابن سيّده، ودمّر تلك الأسرة البسيطة.
وكعادته، لم يشعر بأيّ ذَرّة ندمٍ على ما اقترفت يداه في حقّ أناسٍ لم يذنبوا بشيء.
*********************************
كان يحيى يجلس داخل المقهى، يرتشف فنجان القهوة باستمتاع، وحين رأى الضيف الذي ينتظره، تغيّر وجهه إلى العبوس.
جلس الضيف مبتسمًا في وجه يحيى ابتسامةً سمجة، فنفخ يحيى في وجهه بضجرٍ وبصوتٍ مسموع، ثم قال بملل:
– خير يا حسام، عاوز إيه؟ عمال تزنّ تزنّ... عايز تقابلني ليه؟
وضع حسام قدمًا فوق الأخرى، ونظر إلى يحيى بنظرةٍ تحمل كراهيةً واضحة لم يستطع إخفاءها، ثم تحدث باستفزاز قائلًا:
– طب ما تسألني هشرب إيه الأول؟ ولا إنتو يا صعايدة ما تعرفوش حاجة عن الذوق؟
ضرب يحيى بيده على الطاولة بعصبيةٍ، فانسكبت القهوة، وتهشّم الفنجان على الأرض إلى قطعٍ صغيرة.
ضغط يحيى على أسنانه، وأمسك حسام من ثيابه بقوةٍ حتى كاد أن يختنق، ثم قال له بلهجةٍ حادة:
– عارف يا حسام مشكلتك إيه؟ إنك عيل لطخ، ومش قد الكلام اللي بتقوله، وأنا دلوقتي هوريك كرم الصعايدة.
وفجأةً، ضربه يحيى ضربةً قوية في رأسه أدهشت جميع من في المكان، وحاولوا إبعاده عن حسام، لكن يحيى كان مثل الثور الهائج.
كان الغضب قد استولى عليه بالكامل، وما زال ممسكًا بثياب حسام.
تحدث حسام بصوتٍ مختنقٍ وهو يلهث:
– أنا... أنا معايا حاجة مهمة تخص عامر... وتخلي جاسر يدخل السجن!
تجمّدت يد يحيى في مكانها، ونظر إلى حسام بعدم تصديق.
هزّ حسام رأسه مؤكدًا كلامه، ونظر إليه برجاءٍ واضح.
تركه يحيى وهو يحدّق فيه بعيونٍ مشتعلةٍ بالشّك والغضب.
وقف حسام وهو يحاول التقاط أنفاسه، ثم لمح النادل يمرّ وبيده كأس ماء، فأخذه منه وشربه دفعةً واحدة كأنّه كان يسير في صحراء قاحلة.
جلس بعدها، أخذ نفسًا عميقًا وقال:
– أنا عارف هي فين... مع سارة... وأقدر أجيبها منها.
رمقه يحيى بجمودٍ وعدم اهتمام، فاستكمل حسام حديثه قائلًا:
– جاسر الجيزاوي قال إن بسبب ضربة نور وعامر هو دخل في غيبوبة فترة طويلة، والكلام ده ما حصلش. كل اللي حصله من ضربة نور كان مجرد إغماء وشوية نزيف.
سارة معاها اللي يثبت كده، وأنا أعرف طريقها. نفذ اللي هقوله لك وأنا أجيبه لك.
تحدث يحيى بجمودٍ وهو يرمق حسام بنظرةٍ خاليةٍ من الارتياح:
– والمقابل يا حسام؟
ردّ حسام بثقة:
– تسيب الشركة، وتبعد عن سارة خالص.
ضحك يحيى بصوتٍ مرتفع، ظلّ يضحك حتى اشتعل الغضب في وجه حسام.
نفخ حسام بغيظ، ثم قال بانفعال:
– أنا ما قلتش نكتة علشان الضحك ده كله!
ردّ يحيى ببرودٍ ساخر:
– قولي يا حسام، إنت مش ناوي تسترجل؟ يعني بدل ما عايز تمشيني من شغلي اللي أنا تعبت فيه سنين علشان أوصل للمكان اللي أنا فيه، خليك راجل واشتغل بدل ما إنت دلدول الست، وماشي وراها في كل حتة! يمكن توصل.
طلبك مرفوض، أنا صاحبي أعرف أطلعه، وبالنسبة لسارة فهي ما تلزمنيش... خدها إنتوا الاتنين لايقين على بعض!
ضغط حسام على يده حتى ابيضّت مفاصله من شدة الغيظ، وازدادت الكراهية في قلبه ليحيى.
عزم في نفسه أن يجعله يترك العمل بأي وسيلةٍ ممكنة حتي ياخذ مكانه
وقف يحيى وهمَّ بالمغادرة، فصاح حسام من خلفه قائلًا:
– حتى لو قلتلك مين اللي بيراقبك؟
وإنه حد قريب منك جدًا... ولسه بيترقّبك الغايت دلوقتي؟
تجمّد يحيى في مكانه، ومرت في ذهنه صورة صاحب الظل، فاشتعلت في صدره نيران الانتقام.
جلس يحيى بعدها، وعيناه تحملان وعدًا خفيًا بالثأر.
لقد أقسم في داخله أن يجعل صاحب الظل يرى الجحيم كل يوم،
فأكثر ما يكرهه يحيى في هذه الحياة هو الخيانة،
ولا يغفر لمن خان، ولو طلب السماح منه ألف قرن.
**************************
في منزل يحيى، كانت هالة تمسك الهاتف وتنفخ بضيق؛ فمنذ أن خرج يحيى بشكلٍ مفاجئ وهي تحاول الاتصال به، لكنه لا يُجيب.
تفاجأت هالة بإغلاق الهاتف في وجهها، فنظرت إليه بذهول، ثم أعادت الاتصال أكثر من مرة ليُغلقه مجددًا، فألقت الهاتف بعصبية، ثم وقفت لتغادر، لكنها تفاجأت
بأحمد يرمق مديحة بنظراتٍ مليئة بالغيظ وهو يقول
:
"قولي يا هالة، مش انتي كنتِ عايزاني أمشي ومش عايزه تشوفي وشي تاني؟ زعلانة ليه دلوقتي؟"
نظرت إليه هالة باستغرابٍ شديد، لا تفهم شيئًا، وفجأة دوّى صوت مديحة الغاضب قائلة:
"ومين قال لك يا هالة إني زعلانة عليك؟ ده أنا بحمد ربنا إن كشفك على حقيقتك! طلعتِ واحدة كدابة!"
عادت هالة إلى الجلوس وهي تحاول كتم ضحكتها؛ فقد فهمت أن أحمد ومديحة يستخدمانها ليُخرجا ما في قلبيهما. وضعت كفيها على وجنتيها ونظرت إليهما بتسليةٍ واستمتاع، وكأنها تشاهد عرضًا ممتعًا.
انفعل أحمد واحتقن وجهه من الغضب، ورفع يده وهو يتحدث بعصبية:
"لا يا ست هالة! أنا مش كدّاب. أنا حبيتك بجد، وكنت عايز أتجوزك، وفضلت أجري وراكي زي العيل الصغير في كل حتة، وعملت حاجات عمري ما كنت أتخيل أعملها، واستحملت التهزيق وقلة القيمة، وبعد ده كله ولا انت هنا! وكمان بتقولي عليّا كدّاب؟!
"
وفي أثناء هذا الحوار، ارتجف الجميع من صوت الباب الذي أُغلق بعنف، لكن صوت الباب كان أرحم من صوت ذلك الثور الهائج...
اقترب يحيى بخطواتٍ حارقة، وعيونه تشتعل بلهيب الغيرة، وقال بصوتٍ كالبركان:
"إنتَ قلت إيه؟ بتحب مين؟ وعايز تتجوزها؟ قول كده تاني!"
ركضت هالة بسرعة ووقفت بين أحمد ويحيى وهي تتحدث بتوتر:
"يا يحيى، انت فاهم غلط! الموضوع مش زي ما انت فاهم خالص!"
رمقها بغضب، ثم أمسك بذراعيها حتى غرزت أصابعه في لحمها، وهزها بعنف وهو يقول:
"هو إيه اللي أنا فاهمه غلط؟! ده أنا سامع بودني! ده دا انتي يومك أسود والله يا كسر عضمك حتة حتة وأ وطلع روحك بإيدي!"
ابتلعت هالة ريقها بخوفٍ من غضبه، وكلما حاولت أن تتكلم هربت منها الكلمات.
تدخلت مديحة سريعًا حتى لا يسوء الوضع أكثر، فصرخت قائلة:
"يحيى! أحمد كان بيقصدني أنا! أهدي مفيش حاجه لكل ده إحنا بس كنا عاملين هالة كوبري!"
نظرت إليها هالة بصدمة وقالت:
"شكرًا يا مديحة، كلك ذوقك!"
ابتسمت لها مديحة بخجل، ثم رمقت أحمد بنظرة غيظ وقالت:
"عاجبك كده؟ يا ريت تبطل عمايل العيال الصغيرة دي! عيب على سنك!"
نظر أحمد إلى الأرض وهو يشعر بخجلٍ شديد من نفسه.
كان دائمًا رجلًا يحترمه الجميع، لكن منذ أن ظهرت مديحة في حياته تغيّر كثير، وأصبح يتصرف بطيشٍ لا يليق به.
خطا بخطواتٍ بطيئة نحو الخارج، متمنيًا لو يختفي من أمامهم جميعًا.
وقفت هالة في وجهه تمنعه من الرحيل قائلة:
"دكتور أحمد، أنا آسفة. حقك عليّا. يحيى مايقصدش اللي قاله، هو بس لما بيتعصب ما بيعرفش يقول إيه."
ما زال ينظر إلى الأرض، وتحدث بصعوبةٍ حزينة فقال
"أنا اللي آسف... أنا آسف ليكم كلكم على كل حال حصل."
اقترب يحيى منه، يلعن غيرته التي أصبحت تتحكم به وتُعميه عن التفكير، ثم قال:
"دكتور أحمد، أنا آسف. أما بخصوص موضوع الهجرة بتاع حضرتك، فده مرفوض. أنا فاكر زمان لما كانت بتجيلك فرص تسافر وتعيش برّه، كنت دايمًا ترفض وتقول لأبوي إنك هتعيش وتموت هنا، حتى لو حياتك مش أحسن حاجة، وإنك بتكره السفر والغربة."
ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة، ووضع يده فوق كتف يحيى بحنان الأب.
أمسكت هالة بيد يحيى وهي تغمز له، فرَمقها بنظرةٍ ماكرة ورفع أحد حاجبيه بخبث،
ليتفاجأ بها تسحبه إلى الخارج وتغلق الباب على مديحة وأحمد.
دقّت مديحة الباب بغضبٍ وارتبكت من وجودها مع أحمد وحدهما، وقالت:
"افتحي الباب! بلاش حركات العيال دي يا هالة!"
فجاءها صوت هالة من الخارج:
"حركات العيال؟ أنتو اللي بدأتوا بيها يا مديحة! دلوقتي اقعدوا زي أي اتنين كبار عاقلين واتكلموا بهدوء، وخرجوا الناس والمجتمع من حساباتكم." ثم
التفتت لتجد يحيى خلفها، مشبكًا يديه ومتّكئًا على الحائط، ينظر إليها قائلًا:
"وإحنا إمتى نطلع الناس والمجتمع من حياتنا؟"
اقتربت منه ضيّقت عينيها، ثم ضربته بقوة في الامعاء وهي تقول:
"مني تبطل تقفل التليفون في وشي يا ولد العامري؟
"
ضغط يحيى على شفتيه بقوة متألم ثم رمقها بغيظ، و مدّ يده ليمسك بها،
فركضت هالة نحو الجرد، وركض خلفها يحيى وهو يتوعدها.
ووويتبع
للجميع@
أهلًا بك يا عزيزي القارئ،
وجودك هنا يعني لي الكثير، فكل دعم منك يمنحني طاقةً جميلة تدفعني للاستمرار.
لنبدأ رحلتنا معًا بين السطور، رحلةً تحمل المشاعر والدهشة،
أتمنى أن تستمتع بكل لحظة منها.
*********************************
توقف عمر أمام المجرمين بقلب شجاع لا يهاب شيئًا. نظروا إليه باستهزاء، فبرغم جسده الرياضي وطول قامته، إلا أنهم كأنوا يتفوقوا عليه في القوة والصلابة.
اخرج أحد المجرمين، “ مضرب حديدي”، من السياره، ثم اقترب من عمر ورفع المضرب الحديدي ليهوي به فوقه. ابتعد عمر سريعًا، لكن المجرم كرر ضربته، واستطاع عمر الإفلات مرة أخرى.
ركض مجرم آخر مستغلًا انشغال عمر، وضربه ضربة قوية أسقطته أرضًا. ثم هجم عليه بشراسه
ابتسم المجرم الثاني بخبث، و رفع المضرب الحديدي
وهوى به على بطن عمر. شهق عمر من الألم وعض على شفتيه ليكتم أنينه. لم يتركوه، فوضع أحدهم قدمه فوق يد عمر المصابة، بينما ضربه الآخر مرة أخرى في بطنه بعنف.
كانت مريم تصرخ بجنون ودموعها تتساقط بغزارة، وهي تحاول فتح باب السيارة الذي أغلقه عليها عمر. صراخها جعل قلب عمر يعتصر ألمًا،
انتبه أحد المجرمين لمريم واقترب من السيارة، ونظر إليها بنية خبيثة، ثم التفت إلى عمر بابتسامة شريرة. ضرب زجاج السيارة بقوة، فارتعشت مريم ووضعت يديها على وجهها لحماية نفسها من الشظايا المتناثرة كالرمال.
مد المجرم يده وفتح الباب بعنف، ثم سحب مريم من شعرها حتى سقطت أرضًا على وجهها. ظل المجرم يمسك بها ويجذبها بلا رحمة، وهي تصرخ وتبكي بلا حول ولا قوة.
في تلك الأثناء، كان عمر يلتقط أنفاسه بصعوبة، جسده متألم ويداه تتشنجان من الإجهاد. جلس أحد المجرمين فوقه واضعًا قدمه على يد عمر المصابة، يضرب وجهه بلكمات عنيفة متتالية. شعور بالعجز اجتاحه حين رأى مريم في هذا الوضع.
غلت الدماء في عروقه، واشتعلت النار في صدره من الغضب. أفلت بيده السليمة من يد المجرم التي كانت تمسك به، وغرز أصابعه في عينيه بقوة. صرخ المجرم من الألم ولم يعد يرا أمامه
أزاحه عمر بصعوبة عن جسده، ثم أمسك بمفتاح تصليح السيارات وضربه به على رأسه، فانفجرت الدماء وسقط المجرم فاقد الوعي.
تجمّد عمر حين رأى المجرم الآخر يضع السلاح الناري فوق رأس مريم، ممسكًا بذراعها بعنف. وجهها احمرّ وعيونها تدمع، وجسدها يرتجف من الرعب الشديد.
صرخ المجرم بصوت غليظ:فقال
"هات التقرير اللي معاك بدل ما أطير راسها!"
هزّ عمر رأسه بهدوء، ثم اقترب من السيارة ليجلب الأوراق. وقعت عيناه على المضرب الحديدي بين الزجاج المهشم، فمد قدمه نحوه بحذر شديد.
قبل أن يصل إليه، أطلق المجرم رصاصة بين قدميه، فارتد عمر سريعًا إلى الخلف، بينما صرخت مريم باسمه بارتجاف. عبس وجه المجرم وتنفس بغضب شديد، وقال مهدّدًا:
"المرة الجاية الرصاصة هترشق في نفوخك، هات التقرير وبلاش حركات تجيب أجلك!
"
ابتلع عمر ريقه، وتحركت تفاحة آدم في عنقه من التوتر. نظر إلى مريم التي كانت ترتجف من الخوف، عينها تدمع وجسدها مشدود. شعور بالوجع اجتاح قلبه عليها، فاستسلم للأمر وبدأ يبحث في السيارة عن الأوراق.
في تلك اللحظة، وصل يحيى إلى المكان، ورأى المشهد بعينيه: سيارات مبعثرة، دماء على الأرض، وفوضى مرعبة.
أدرك أن المجرمين اقتربوا من عمر، فأغلق السيارة على هالة محاولًا حمايتها، لكنها أزاحت الباب بعصبية وهي تصرخ:
"إنتَ عتعمل إيه؟ أنا رجلي على رجلك، سامع؟!"
نظر لها بغيظ وقال بصوت حاد:
"تاجي معايا فين؟ هو أنا عارف في إيه جوه؟ خليكي مكانك عشان أعرف أتصرف!"
لكنها لم تعبأ بكلامه، كل ما كان يشغلها هو شقيقها عمر. قلبها كان يموت رعبًا عليه.
أمسك بها يحيى بقوة وقال بصرامة:
"تمام، هاخدك، بس ما تتحركيش من جنبي خطوة واحدة مهما حصل. اللي أقوله تعمليه، ولو شفتيني أنا أو عمر بنموت، وقلتلك امشي… تمشي، فاهمة؟!"
هزّت رأسها بالموافقة وهي تبكي.
دخل الاثنان إلى الداخل بهدوء، وفجأة دعست هالة على شيء ما، فنظرت أسفلها لتجد صاحب المكان غارقًا في دمه. صرخت، فوضع يحيى يده على فمها ليكتم صراخها.
التفت المجرم وهو يبحث عن مصدر الصوت، بينما ظل ممسكًا بمريم بقوة. اختبأ يحيى وهالة خلف إحدى السيارات، في حين عاد المجرم إلى تهديد عمر.
تسلّل يحيى بخطوات خفيفة واقترب من المجرم دون أن يشعر، لكن المجرم التفت فجأة! فقفز يحيى فوق سيارة مجاورة وركل يده التي تمسك السلاح بقوة، فانزلق السلاح منه.
ولكن مازال المجرم ممسك بمريم ولف ذراعه حول عنقه. كانت مريم تختنق، وجهها أزرق، وعيناها تتسعان رعبًا.
وقفا يحيى وعمر وأهم عاجزين عن فعل شي وقع نظر يحيى علي ذلك السلاح في الارض
فأشار لعمر أن يرمي له السلاح في الخفاء، فرماه عمر بسرعة، فأمسكه يحيى بإحكام، ثم أطلق رصاصة على قدم المجرم، فسقط صارخًا من الألم.
أسرع عمر إلى مريم التي كانت شبه غائبة عن الوعي، وأسندها في حضنه، بينما هالة ركضت نحوها واحتضنتها تبكي.
أخذ عمر المضرب الحديدي وضرب المجرم ضربات متتالية حتى لم يعد فيه أي قوة للحركة.
اقترب يحيى من صاحب المكان وحاول إفاقته، وقال
له:
"اتصل بالشرطة، وقل إن في مجرمين اعتدوا عليك وعلى الزباين.
هز الرجل رأسه هو يلتقط انفاسه بصعوبة
بدأت مريم تستعيد وعيها وهي تبكي، فأخرج يحيى هالة ومريم بسرعة من المكان قبل وصول الشرطة.
أما عمر، فأخذ التقرير وسلمه ليحيى وقال:
"خدهم وامشوا."
لكن يحيى رفض بشدة، وأصر على البقاء حتى جاءت الشرطة وأخذت المجرمين.
وبعدها خرجوا جميعًا متجهين إلى المشفى، ومعهم صاحب المخزن ومريم التي كانت لا تزال ترتجف من الرعب، بينما عمر ويحيى يتنفسان الصعداء بعد هذا الكابوس.
********************************
في منزل عائلة العامري، جلس الجميع حول مائدة الطعام. كان الصمت سيد المكان، فكل واحد منهم غارق في عالمه الخاص.
نَسمة، تلك الشيطانة التي يغلي الغضب في صدرها، كانت تكاد تحترق كلما تذكّرت هجر نوار لها. لقد تركها وغادر إلى المنزل وأصبح يجلس في منزل الضيوف، ونفّذ ما قاله من قبل: أنها لن تكون سوى أم أولاده،
وزوجة على الورق فقط. كانت تموت من الغيرة والغيظ كلما عادت إلى تهديده القديم بأنه سيتزوج عليها امرأة أخرى. تعاهدت في سرّها، أنه إن فعل، ستقتله بيدها دون أن يرفّ لها جفن.
أما أمينة، فلم يكن حالها أفضل من حال ابنتها. جلست تحدق في الطعام بشرود، تشعر بضيقٍ يخنقها كلما تذكرت ابنها الذي ما زال مصرًّا على الزواج من ابنة عمّه. كانت تتحدث إليه كل يوم عبر الهاتف، ترجوه أن يتراجع لأنها تكبره بثلاث سنوات.
كانت أمينة تشتعل غضبًا كلما تذكرت تمسك يحيى بهالة. فكيف لابنها الوحيد أن يتزوج فتاة تراها “عانسًا”، رغم علمها أن هالة ليست سيئة الخُلق؟ لكنها رفضتها فقط لأنها تكبره سنًّا. تناست أمينة أنها لم ترفض يومًا زواج نوار من ابنتها نَسمة، رغم أنها تصغره بسنوات كثيرة.
وأحيانًا — عزيزي القارئ — من تظلمها حواء، تكون حواء مثلها.
رمقت أمينة جابر بغيظ لقد تغير جابر وأصبح يدافع عن ابنته بشراسة، لا يسمح لأحد أن يتحدث عنها أو عن أمها بسوء.
ومثل أمينة ونسمة، كان جابر هو الآخر يعيش في عالمه الخاص، يفكر كيف يمكنه جمع شمل أسرته من جديد. قرر أن يذهب إلى القاهرة ليُعيد فاطمة ويصلح
علاقته بها وبابنته. لكنه كان يخشى المواجهة. لم يكن يدرك أنه كان أبًا سيئًا لتلك الجرده، وزوجًا أسوء . ومع ذلك، قرر أن يخوض تلك المعركة، وأن يحاول الفوز بها هذه المرة، ليعود بأسرته، مهما كأن
تحدث جابر فجأة، صوته خافت لكنه حازم:
"أنا هروح أجيب هالة وفاطمة من القاهرة بعد أسبوع."
نظر إلى والده ينتظر منه جوابًا، لكن ولده ظلّ صامتًا، منشغلًا بطعامه، وكأن الحديث لا يعنيه.
عاد جابر للطعام مرة ، لكنه توقف حين سمع صوت والده القاسي يخترق الصمت:
"تعرف ليه يا جابر المرأة عتهروب من جوزها؟ وبدل ما تحب على رجله وراسه علشان يسامحها بعد عملتها
السوده، تتبجّح وتطلب الطلاق؟ عارف ليه يا ولدي؟ علشان شايفاه مش راجل. وزي ما بيقولوا: بت الخواضة تخوض ورا أمها، عشان البِت زي أمها، شايفه أبوها مش راجل!"
تجمّد جابر مكانه، وشعر بمرارة في حلقه، ليست من الطعام بل من الكلمات التي مزّقت كبرياءه.
ابتسمت أمينة وابنتها بشماتة، بينما رمقهما جابر بنظرة تحمل وجعًا لا يُقال.
وقف ببطء، ترك الطعام، ثم رفع رأسه نحو والده وقال بصوت مبحوح:
"معاهم حق يا بوي... ما أنا لو كنت راجل صح، ما كنتش سبت ولدي يقتل أخته وأنا واقف أتفرج! ما
كنتش سبت الناس تنهش في لحم بنتي وتجيب سيرتها بالكدب وأنا ساكت! بدل ما أجيب حقها، كنت عايز أرميها لحمدان! ما أنا لو راجل..."
رفع يديه المرتعشتين، وصوته اختنق بالعَبرة:
"ما كنتش رحت أخنق بنتي لحد ما كنت هطلع
روحها.
ضرب فوق صدره بعنف، كأنه يحاول إيقاف الوجع الذي يعصف بقلبه.
نظر إلى والده والدمع يلمع في عينيه:
ده حجر ما تهزش عليهآ ولا رحمها بدل ما آخدها في حضني كنت عايز أسكنها القبر
"ما أنا لو راجل، ما كنتش سبت بنتي تكسرها، وأنا واقف!" أتفرج عليها زي الغريب
اهتز جسده، وتغيّر لون وجهه، حاول أن يستند على المائدة، لكن قدميه لم تعودا تحتملانه.
سقط على الأرض، فركض نوار مسرعًا، كان قد دخل المنزل بعد أن سمع صوته الغاضب. أمسك بوالده يحاول إسناده، ثم قبّل رأسه ويده، وهو ينظر له بحزن رمق جده بغيظ شديد قائلا
"أبوي طول عمره راجل يا جدي! شايل العيلة دي على كتافه، عمره ما قالّك لا، ولا رفع صوته في وشك، ولا كسرلك كلمة، لكن إنت كل شويه عتكسره يا جدي!"
لم يهتز الجد من كلام حفيده، ظلّ قلبه مغلّفًا بالقسوة. رمق نوار بوجه يملؤه الغضب، وصوته دوّى كالرعد:
"وانت يا واد! ما اتعلمتش من أبوك إنك ما توقفش وتتبجّح في وش جدّك؟ هتديني محاضرات يا نوار؟
عامل عليا كبير؟ طب اسمع يا واد، فاطمة أمك دي مش هتخش البيت ده تاني! ولو عاوز تجيب أختك، هاتها بس بشروطي. اللي قلت عليها لأبوك، وغير كده محدش يخش بيتي!"
ابتسم نوار ابتسامة مكسورة، ونظر لجدّه بعدم تصديق، ثم قال بهدوء موجع:
"حقك يا جدي، ده بيتك وإنت حرّ فيه. وأمي وأختي مش هيدخلوا بيتك حتى أنا وأبوي هنمشي من البيت... وعيالي هاخدهم معايا."
ضرب الجدّ المائدة بعصبية، وعيناه تتقدان غضبًا:فقال
"عاوز تطلع من البيت انت وأبوك؟ روحوا! بس العيال لا!"
احمرّ وجه نَسمة، وصرخت بصوت مرتفع في وجه زوجها:
"أنا مش رايحة معاك يا نوار في حتّة! لا أنا ولا عيالي!"
نظر إليها باشمئزاز، وقال ببرودٍ قاتل:
"ومين قال إني عايزك؟ ولا حتى عاوز أشوف وشّك! بس عيالي هاخدهم... عارفة ليه يا نَسمة؟ عشان إنتِي مش أم ولا عارفة تكوني زوجة! كل اللي تعرفيه إنك تبخي سمّك في العيلة، وتولّعي في البيت! أتحرق... أهو البيت ولع عشان ترتاحي يا نَسمة!"
لم تستطع أمينة الصمود، فتركت المائدة ووقفت في وجه نوار، ورفعت يدها قائلة بغضبٍ شديد:
"اسمع يا نوار! لو فاكر عشان بتي يتيمة تعمل فيها اللي إنت عايزه ومفيش حد يوقفلك، تبقى غلطان! أنا
اللي هقفلك! عايز تطلق بنتي؟ طلّقها! بس عيالها هيفضلوا معاها! وولدي مش هيتجوز أختك العانس! هتقول علي بنتي خربت البيت؟ والله ما حد خرب البيت غير أختك!"
ارتفعت الأصوات، واشتعل الغضب بينهم. لم ينتبه أحد إلى جابر الذي كان ما يزال جالسًا، يضع يده فوق قلبه، وجهه شاحب وعرقه يتصبب، وأنفاسه تتثاقل شيئًا فشيئًا...
وفجأة... سقط جابر مرة أخرى، هذه المرة وسط دهشة الجميع —
لكن لا أحد علم بعد، هل كانت تلك سقطته الأخيرة... أم أن القدر ترك له نبضةً أخرى؟
********************************
عاد الجميع من المشفى إلى منزل يحيى الجديد. كانت هالة تجلس وهي تحتضن مريم، التي بدت في حالة إرهاق شديد، بينما جلس عمر بوجهٍ مكفهر وعينين مليئتين بالغضب كلما تذكّر ما فعله ذلك المجرم بمريم.
ظلّ يفكر أن يذهب ويُزهق روح ذلك الرجل حتى تنطفئ النيران التي تشتعل بداخله.
دقّ الباب.
توقّف يحيى وهو يشعر بالتعب من يومٍ مرهق، ثم نهض وفتح الباب ليجد مديحة وأحمد يتشاجران مثل الأطفال. رمقهما بنظرة ملل وتركهما، وعاد يجلس في مكانه.
دخلت مديحة بعد أن أزاحت أحمد إلى الخارج وأغلقت الباب في وجهه.
نظرت إلى مريم، وشعرت بالحزن من نفسها، فآلمها قلبها. كيف لها أن تقسو على تلك الفتاة الطيبة؟
اقتربت منها بخطواتٍ ثقيلة وجلست بجوارها، ثم مدّت يدها بخجلٍ ووَضعتها فوق كتف مريم.
التفتت إليها مريم ونظرت في عينيها، كانت لحظة صمتٍ تملؤها الدموع، ثم فتحت مديحة ذراعيها.
ارتمت مريم في حضنها وانفجرت في بكاءٍ مرير، بينما قبّلت مديحة رأسها وهي تحاول أن تحبس دموعها دون جدوى.
دقّ الباب مرةً أخرى.
نظر يحيى ولم يجد أحمد، فرفع حاجبه نحو مديحة التي أشارت إليه بلا اهتمام.
ذهب وفتح الباب مجددًا، فدخل أحمد غاضبًا، لكنّه صمت حين رأى ابنته في حضن مديحة. جلس ثم
تنهد بثقل وقال:
– فهمني يا يحيى، إيه اللي هيحصل دلوقتي؟ عامر ونور هيخرجوا إمتى؟ والأهم، نور تقدر تطلق من الكلب ده ولا لأ؟
أخذ يحيى نفسًا عميقًا وقال:
– اللي هيحصل دلوقتي إن المحامي قدّم طعن في شهادة تامر، غير إنه اتهمه بشهادة زور مقابل رشوة. والفلوس اللي لقيتها الشرطة بتثبت عليه التهمة. كمان التقرير اللي جابه عمر بيأكد إن نور هي اللي اتتعدى عليها، مش العكس.
صمت أحمد قليلاً وهو يفكر، ثم قال:
– طيب افرض تامر أصر على أقواله ضد نور وعامر، وقدر يثبت مصدر دخل للفلوس دي، ساعتها إيه الحل
؟
نظر يحيى إلى هالة بفخر وقال:
– يبقى وقتها هنستخدم الخطة الأساسية بتاعة هالة. نساوم تامر على التنازل عن المحضر وخروجه من تهمة السرقة مقابل إنه يغيّر أقواله، وده اللي كنا مجهزين له. الفلوس أصلًا لما الشرطة لقيتها عنده كانت صدفة، والمحامي حب يستغل الكارت ده الأول.
تدخلت مديحة قائلة باستغراب:
– معلش يعني، أنتم جبتوا منين الفكرة دي عرفتوا ازاي إنه هو سرق الفلوس؟
تنهد عمر، وما زالت عيناه لا تفارقان مريم، ثم قال:
– احنا قبل ما نعمل أي حاجة، دورنا وراه. عرفنا إنه عيل حرامي، متهم في كذا مكان قبل كده، بس ما
حدش قدر يثبت عليه حاجة. الفكرة كانت أن هالة تروح المطعم، خصوصًا إنه ما يعرفهاش، وتغريه بالفلوس لما تسيب الشنطة مفتوحة قدامه. وبعد كده تصوره، وده اللي حصل فعلاً.
ابتعدت مريم عن حضن مديحة وهي تجفف دموعها، ثم رفعت يدها وقالت بفضول:
– معلش بقى، أنا في حاجة عايزة أعرفها. إزاي صورتيه؟ وإزاي هو ما خدش باله؟ وليه بعتي الفيديو على صفحة وزارة الداخلية؟
ابتسمت هالة ابتسامة صغيرة ونظرت إليها قائلة:
– هقولك . المفروض لما يحيى يوصل قدام المطعم يرن عليا، وده اللي حصل. أول ما اتصل، أنا خدت التليفون وبصيت على العامل، وعملت نفسي بتكلم ومشغوله و استنيت شوية لما هو اطمّن وخد راحته، وأنا وقفت في مكان ما يشوفنيش منه، فتحت الكاميرا وسجلت فيديو.
، بعته على صفحة الوزارة، عشان الصفحة
دلوقتي أسرع من إنك تقدمي بلاغ في القسم.
وبعدين شاركت الفيديو في كذا صفحة، فالناس اتفاعلت، وبقى في ضغط، وده خلاهم يقبضوا عليه بسرعة وهو متلبس، وده اللي كنا عايزينه.
صمتت مريم، وتذكّرت ما فعله المجرمون بعمر، فاحتقن وجهها وقالت بغضب:
– والمجرمين الكلاب اللي ضربوا عمر وكانوا هيموتوه؟!
دول لازم يفضلوا في السجن طول عمرهم، ما فيش ولا واحد فيهم يخرج!
تفاجأت هالة وأحمد من انفعال مريم الشديد لأجل عمر، فالمعروف عنها أنها فتاة هادئة.
نظر يحيى إلى ابن عمه مبتسمًا بخبث، فبادله عمر نظرة غيظ، بينما كانت مديحة تلاحظ كل شيء وتشعر بمشاعر مريم تجاه عمر، وقررت أن تستغل تلك المشاعر لتجعل مريم تبقى ولا تهاجر.
تحدث عمر فجأة ليشتّت انتباه الجميع عن مريم، التي احمر وجهها من الخجل، فقال:
دولة خلاص هيدخلوا السجن بتهمة التعدي
– بس مش هنستفيد منهم بحاجة، بخصوص القاضية لأن جاسر هيخلي مسؤوليته عنهم تمامًا. وهما هينكروا علاقتهم بيه ، بس بعد كده هو هيخاف يبعت حد يراقبنا تاني.
وقف أحمد وقال:
– طيب الحمد لله، أنا هروح أشوف محامي نور، خلينا نخلص من الهم دي.
نظرت مديحة له بوجه عابس وقالت:
– عاوز تخلص من الهم دي ولا تاخد مريم وتهاجر؟
وقف عمر فجأة، ينظر إلى مريم بصدمة، وقال بصوت مرتفع:
– هو إيه الكلام ده إن شاء الله؟! هي مين دي اللي هتهاجر؟!
نظر أحمد له باستغراب وقال
– ما فيش يا ابني، احنا قررنا أن نروح نعيش في فرنسا، طالما في ناس هنا مش عايزانا.
ختم حديثه بنظرة حزينة نحو مديحة، وكأنه يعاتبها
، بينما نظرت له هي بنفس الحزن والعتاب. لانه تخلي عنها في أول الطريق
قال عمر بثقة:
– معلش يا دكتور، بنتك مش هتعرف تسافر ولا تروح مكان.
نظر الجميع إليه في صمت ينظرون منه استكمال حديثه
فكر عمر ماذا يقول لهم هل يقول إنه بيحب مريم ولا يريدها بجواره ولكن بشروط الخاصه؟
لكنه تراجع، ورمقها بنظرة غاضبة مليئة بالوعيد.
ابتلعت ريقها بخوف، واحتمت بمديحة التي ضمّتها بحنان.
قال عمر ببرود ظاهر يخفي اضطرابه:
– الواضح إن الآنسة مريم نسيت إن أنا موقوف عن العمل بسبب مشكلتها في الجامعة. يا ريت تيجي معايا عشان نشوف إيه اللي هيحصل في الموضوع ده، يلا
ثم تركها وخرج.
وقفت مريم في مكانها مترددة، تخاف من ردّة فعله، تنهدت بعمق ثم ذهبت
بينما كان يحيى منشغلًا بمكالمة هاتفية، ثم أنهى المكالمة فجأة وغادر.
ولم يتبقَّ في المكان سوى هالة ومديحة وأحمد، وكل منهم غارق في أفكاره.
********************************
كان محمود يسير في طرقات القرية كطفلٍ ضائعٍ لا يعرف طريق العودة.
ظلّ يمشي بلا هدفٍ حتى أنهكت قدماه.
رأى شجرةً على جانب الطريق، فجلس تحت ظلّها، ممسكًا عصاه، يرسم بها خطوطًا على التراب وهو شارد النظرات، يبحث عن مخرجٍ ينقذ به ابنته من طريق الظلام الذي قادها إليه.
شعر محمود بالذنب بعد حديث زوجته، الذي كان كصفعةٍ قاسيةٍ أيقظته على حجم الكارثة التي ارتكبها.
فجأة، لاح أمامه ظلّ يقف فوق رأسه كغمامةٍ ثقيلة.
رفع نظره فوجد المنشاوي، خادم الشيطان المطيع.
قطّب محمود حاجبيه وعبس وجهه من وجود ذلك البغيض، بينما رمقه المنشاوي بنظرةٍ ساخرةٍ وقال:
ـ مالك يا محمود؟ عاتلوي بوزك ليه أول ما شفتني؟
ده حتى المثل بيقولك: لاقيني ولا اتغدّيني!
نفخ محمود بضيقٍ وردّ بلهجةٍ حادّة:
ـ بقولك إيه يا منشاوي، حل عن نفوخي!
أنا لا طايقك ولا طايق روحي.
روح يا أبو العمّ، روح عند اللي مشغّلينك، وسيبني فحالي... مش ناقصك.
ضغط المنشاوي على أسنانه، وانتفخت عروقه وهو يحاول كتم غيظه حتى لا يقطّع محمودًا إربًا ويوزّعه على كلاب الطرقات.
لكنه تذكّر ما جاء من أجله، فابتسم بخبثٍ وقال:
ـ طيب، على العموم يا محمود، أنا جاي في كلمتين... طلعت عايز يرجّع بنتك.
ردّ محمود بازدراء:فقال
ـ
قول للكلب اللي بعتك إنّ محمود مش هيرمي بنته تاني والله يا مهملك المكان وماشي داهيه تاخد إنت وبيت الغول
ثم وقف بعصبية، ينفض التراب عن ثيابه في وجه المنشاوي، الذي رفع يده يحجب بها الغبار عن عينيه.
غادر محمود المكان متجهًا نحو منزله، وبعد قليل حين اقترب، من المنزل رأ سيارات الشرطة تقف أمام البيت
.
ارتبك محمود، ودقّ قلبه بعنفٍ من شدّة الخوف، فهذه القرى الصغيرة تموت رعبًا من كلمة "شرطة".
تقدّم بخطواتٍ مترددةٍ وقال بصوتٍ مبحوح:
ـ خير يا بيه؟
رمقه الضابط بوجهٍ جامدٍ وملامحٍ صارمة، ثم قال بصوتٍ يشبه الرعد:
ـ امسكوه! فتّشوا البيت حتة حتة، وفتّشوه هو كمان!
انقضّ عليه رجال الأمن، فصرخت نادية والأطفال، بينما ركضت زهراء نحو والدها تحاول إبعادهم عنه، تصرخ وتبكي وهي تحتضنه بقوة.
بكى محمود، لا خوفًا على نفسه، بل من أجل صغيرته التي تدافع عنه بروحها.
تذكّر ما فعله بها، حين رماها في منزل الغول وزوّجها لطلعت وهي قاصر، فدمّر أحلامها ومستقبلها.
مدّ أحد رجال الأمن يده في جيب ثوب محمود، فأخرج أكياسًا صغيرةً تحوي مادةً بيضاء.
تجمّد محمود في مكانه، لا يدري من أين جاءت تلك المخدرات.
في الداخل، قلب رجال الشرطة المنزل رأسًا على عقب، لم يتركوا شيئًا في مكانه.
دخلوا الغرفة البسيطة، قلبوا الفُرُش والأثاث، حتى تلك الجرّة المليئة بالماء قاموا بكسرها:
توجّه أحدهم إلى الحظيرة الصغيرة التي تضم بعض المواشي، فارتبكت الحيوانات وارتفعت أصواتها.
رأى الشرطي كيسًا كبيرًا مملوءًا بطعام الماشية، فتحه، فوجد بداخله كيسًا أسود صغيرًا، وعندما فتحه، اكتشف أنه مليء بالمخدرات.
تناول الرجل الكيس بيده وقد بدت عليه علامات الفخر، ثم سلّمه للمسؤول.
صرخت نادية ولطمت وجهها بعنف، حتى بُحّ صوتها وانقطعت أحبالها الصوتية.
أما محمود، فقد أُخذ مكبّلًا، وقد انعقد لسانه وبدت ملامحه كالأموات.
لم يستطع النطق بكلمةٍ واحدة من شدّة الذهول.
ركضت زهراء خلف سيارة الشرطة حافية القدمين، وشاحها الصغير يتطاير فوق رأسها.
ظلّت تركض حتى انقطعت أنفاسها وسقطت على الأرض، ووجهها يرتطم بالتراب.
فجأة، شعرت بيدٍ تُمسك بها، فرفعت رأسها لتجد أمامها رجلًا يبتسم ابتسامةً خبيثة.
ارتجف جسدها، واتسعت عيناها رعبًا.
وفي وسط الزحام، وبين وجوه الناس المذهولة، ظهر المنشاوي يبتسم بسعادةٍ خبيثة، فقد نفّذ ما أُمر به من ابن سيّده، ودمّر تلك الأسرة البسيطة.
وكعادته، لم يشعر بأيّ ذَرّة ندمٍ على ما اقترفت يداه في حقّ أناسٍ لم يذنبوا بشيء.
*********************************
كان يحيى يجلس داخل المقهى، يرتشف فنجان القهوة باستمتاع، وحين رأى الضيف الذي ينتظره، تغيّر وجهه إلى العبوس.
جلس الضيف مبتسمًا في وجه يحيى ابتسامةً سمجة، فنفخ يحيى في وجهه بضجرٍ وبصوتٍ مسموع، ثم قال بملل:
– خير يا حسام، عاوز إيه؟ عمال تزنّ تزنّ... عايز تقابلني ليه؟
وضع حسام قدمًا فوق الأخرى، ونظر إلى يحيى بنظرةٍ تحمل كراهيةً واضحة لم يستطع إخفاءها، ثم تحدث باستفزاز قائلًا:
– طب ما تسألني هشرب إيه الأول؟ ولا إنتو يا صعايدة ما تعرفوش حاجة عن الذوق؟
ضرب يحيى بيده على الطاولة بعصبيةٍ، فانسكبت القهوة، وتهشّم الفنجان على الأرض إلى قطعٍ صغيرة.
ضغط يحيى على أسنانه، وأمسك حسام من ثيابه بقوةٍ حتى كاد أن يختنق، ثم قال له بلهجةٍ حادة:
– عارف يا حسام مشكلتك إيه؟ إنك عيل لطخ، ومش قد الكلام اللي بتقوله، وأنا دلوقتي هوريك كرم الصعايدة.
وفجأةً، ضربه يحيى ضربةً قوية في رأسه أدهشت جميع من في المكان، وحاولوا إبعاده عن حسام، لكن يحيى كان مثل الثور الهائج.
كان الغضب قد استولى عليه بالكامل، وما زال ممسكًا بثياب حسام.
تحدث حسام بصوتٍ مختنقٍ وهو يلهث:
– أنا... أنا معايا حاجة مهمة تخص عامر... وتخلي جاسر يدخل السجن!
تجمّدت يد يحيى في مكانها، ونظر إلى حسام بعدم تصديق.
هزّ حسام رأسه مؤكدًا كلامه، ونظر إليه برجاءٍ واضح.
تركه يحيى وهو يحدّق فيه بعيونٍ مشتعلةٍ بالشّك والغضب.
وقف حسام وهو يحاول التقاط أنفاسه، ثم لمح النادل يمرّ وبيده كأس ماء، فأخذه منه وشربه دفعةً واحدة كأنّه كان يسير في صحراء قاحلة.
جلس بعدها، أخذ نفسًا عميقًا وقال:
– أنا عارف هي فين... مع سارة... وأقدر أجيبها منها.
رمقه يحيى بجمودٍ وعدم اهتمام، فاستكمل حسام حديثه قائلًا:
– جاسر الجيزاوي قال إن بسبب ضربة نور وعامر هو دخل في غيبوبة فترة طويلة، والكلام ده ما حصلش. كل اللي حصله من ضربة نور كان مجرد إغماء وشوية نزيف.
سارة معاها اللي يثبت كده، وأنا أعرف طريقها. نفذ اللي هقوله لك وأنا أجيبه لك.
تحدث يحيى بجمودٍ وهو يرمق حسام بنظرةٍ خاليةٍ من الارتياح:
– والمقابل يا حسام؟
ردّ حسام بثقة:
– تسيب الشركة، وتبعد عن سارة خالص.
ضحك يحيى بصوتٍ مرتفع، ظلّ يضحك حتى اشتعل الغضب في وجه حسام.
نفخ حسام بغيظ، ثم قال بانفعال:
– أنا ما قلتش نكتة علشان الضحك ده كله!
ردّ يحيى ببرودٍ ساخر:
– قولي يا حسام، إنت مش ناوي تسترجل؟ يعني بدل ما عايز تمشيني من شغلي اللي أنا تعبت فيه سنين علشان أوصل للمكان اللي أنا فيه، خليك راجل واشتغل بدل ما إنت دلدول الست، وماشي وراها في كل حتة! يمكن توصل.
طلبك مرفوض، أنا صاحبي أعرف أطلعه، وبالنسبة لسارة فهي ما تلزمنيش... خدها إنتوا الاتنين لايقين على بعض!
ضغط حسام على يده حتى ابيضّت مفاصله من شدة الغيظ، وازدادت الكراهية في قلبه ليحيى.
عزم في نفسه أن يجعله يترك العمل بأي وسيلةٍ ممكنة حتي ياخذ مكانه
وقف يحيى وهمَّ بالمغادرة، فصاح حسام من خلفه قائلًا:
– حتى لو قلتلك مين اللي بيراقبك؟
وإنه حد قريب منك جدًا... ولسه بيترقّبك الغايت دلوقتي؟
تجمّد يحيى في مكانه، ومرت في ذهنه صورة صاحب الظل، فاشتعلت في صدره نيران الانتقام.
جلس يحيى بعدها، وعيناه تحملان وعدًا خفيًا بالثأر.
لقد أقسم في داخله أن يجعل صاحب الظل يرى الجحيم كل يوم،
فأكثر ما يكرهه يحيى في هذه الحياة هو الخيانة،
ولا يغفر لمن خان، ولو طلب السماح منه ألف قرن.
**************************
في منزل يحيى، كانت هالة تمسك الهاتف وتنفخ بضيق؛ فمنذ أن خرج يحيى بشكلٍ مفاجئ وهي تحاول الاتصال به، لكنه لا يُجيب.
تفاجأت هالة بإغلاق الهاتف في وجهها، فنظرت إليه بذهول، ثم أعادت الاتصال أكثر من مرة ليُغلقه مجددًا، فألقت الهاتف بعصبية، ثم وقفت لتغادر، لكنها تفاجأت
بأحمد يرمق مديحة بنظراتٍ مليئة بالغيظ وهو يقول
:
"قولي يا هالة، مش انتي كنتِ عايزاني أمشي ومش عايزه تشوفي وشي تاني؟ زعلانة ليه دلوقتي؟"
نظرت إليه هالة باستغرابٍ شديد، لا تفهم شيئًا، وفجأة دوّى صوت مديحة الغاضب قائلة:
"ومين قال لك يا هالة إني زعلانة عليك؟ ده أنا بحمد ربنا إن كشفك على حقيقتك! طلعتِ واحدة كدابة!"
عادت هالة إلى الجلوس وهي تحاول كتم ضحكتها؛ فقد فهمت أن أحمد ومديحة يستخدمانها ليُخرجا ما في قلبيهما. وضعت كفيها على وجنتيها ونظرت إليهما بتسليةٍ واستمتاع، وكأنها تشاهد عرضًا ممتعًا.
انفعل أحمد واحتقن وجهه من الغضب، ورفع يده وهو يتحدث بعصبية:
"لا يا ست هالة! أنا مش كدّاب. أنا حبيتك بجد، وكنت عايز أتجوزك، وفضلت أجري وراكي زي العيل الصغير في كل حتة، وعملت حاجات عمري ما كنت أتخيل أعملها، واستحملت التهزيق وقلة القيمة، وبعد ده كله ولا انت هنا! وكمان بتقولي عليّا كدّاب؟!
"
وفي أثناء هذا الحوار، ارتجف الجميع من صوت الباب الذي أُغلق بعنف، لكن صوت الباب كان أرحم من صوت ذلك الثور الهائج...
اقترب يحيى بخطواتٍ حارقة، وعيونه تشتعل بلهيب الغيرة، وقال بصوتٍ كالبركان:
"إنتَ قلت إيه؟ بتحب مين؟ وعايز تتجوزها؟ قول كده تاني!"
ركضت هالة بسرعة ووقفت بين أحمد ويحيى وهي تتحدث بتوتر:
"يا يحيى، انت فاهم غلط! الموضوع مش زي ما انت فاهم خالص!"
رمقها بغضب، ثم أمسك بذراعيها حتى غرزت أصابعه في لحمها، وهزها بعنف وهو يقول:
"هو إيه اللي أنا فاهمه غلط؟! ده أنا سامع بودني! ده دا انتي يومك أسود والله يا كسر عضمك حتة حتة وأ وطلع روحك بإيدي!"
ابتلعت هالة ريقها بخوفٍ من غضبه، وكلما حاولت أن تتكلم هربت منها الكلمات.
تدخلت مديحة سريعًا حتى لا يسوء الوضع أكثر، فصرخت قائلة:
"يحيى! أحمد كان بيقصدني أنا! أهدي مفيش حاجه لكل ده إحنا بس كنا عاملين هالة كوبري!"
نظرت إليها هالة بصدمة وقالت:
"شكرًا يا مديحة، كلك ذوقك!"
ابتسمت لها مديحة بخجل، ثم رمقت أحمد بنظرة غيظ وقالت:
"عاجبك كده؟ يا ريت تبطل عمايل العيال الصغيرة دي! عيب على سنك!"
نظر أحمد إلى الأرض وهو يشعر بخجلٍ شديد من نفسه.
كان دائمًا رجلًا يحترمه الجميع، لكن منذ أن ظهرت مديحة في حياته تغيّر كثير، وأصبح يتصرف بطيشٍ لا يليق به.
خطا بخطواتٍ بطيئة نحو الخارج، متمنيًا لو يختفي من أمامهم جميعًا.
وقفت هالة في وجهه تمنعه من الرحيل قائلة:
"دكتور أحمد، أنا آسفة. حقك عليّا. يحيى مايقصدش اللي قاله، هو بس لما بيتعصب ما بيعرفش يقول إيه."
ما زال ينظر إلى الأرض، وتحدث بصعوبةٍ حزينة فقال
"أنا اللي آسف... أنا آسف ليكم كلكم على كل حال حصل."
اقترب يحيى منه، يلعن غيرته التي أصبحت تتحكم به وتُعميه عن التفكير، ثم قال:
"دكتور أحمد، أنا آسف. أما بخصوص موضوع الهجرة بتاع حضرتك، فده مرفوض. أنا فاكر زمان لما كانت بتجيلك فرص تسافر وتعيش برّه، كنت دايمًا ترفض وتقول لأبوي إنك هتعيش وتموت هنا، حتى لو حياتك مش أحسن حاجة، وإنك بتكره السفر والغربة."
ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة، ووضع يده فوق كتف يحيى بحنان الأب.
أمسكت هالة بيد يحيى وهي تغمز له، فرَمقها بنظرةٍ ماكرة ورفع أحد حاجبيه بخبث،
ليتفاجأ بها تسحبه إلى الخارج وتغلق الباب على مديحة وأحمد.
دقّت مديحة الباب بغضبٍ وارتبكت من وجودها مع أحمد وحدهما، وقالت:
"افتحي الباب! بلاش حركات العيال دي يا هالة!"
فجاءها صوت هالة من الخارج:
"حركات العيال؟ أنتو اللي بدأتوا بيها يا مديحة! دلوقتي اقعدوا زي أي اتنين كبار عاقلين واتكلموا بهدوء، وخرجوا الناس والمجتمع من حساباتكم." ثم
التفتت لتجد يحيى خلفها، مشبكًا يديه ومتّكئًا على الحائط، ينظر إليها قائلًا:
"وإحنا إمتى نطلع الناس والمجتمع من حياتنا؟"
اقتربت منه ضيّقت عينيها، ثم ضربته بقوة في الامعاء وهي تقول:
"مني تبطل تقفل التليفون في وشي يا ولد العامري؟
"
ضغط يحيى على شفتيه بقوة متألم ثم رمقها بغيظ، و مدّ يده ليمسك بها،
فركضت هالة نحو الجرد، وركض خلفها يحيى وهو يتوعدها.
ووويتبع