📁 آخر الروايات

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم هالة محمد

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم هالة محمد


35 = حلال ولكن مرفوض - مطاردة -35 /
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
هناك بعض الأسئلة التي تشغل عقلي وأحب أن أشاركك إياها. أولًا، هل ترى أن الفصول طويلة جدًا أم لا؟
وثانيًا، ألاحظ دائمًا أن عدد من يقرأ الفصول أكثر من ١٠٠ شخص، لكن من يتفاعل مع الرواية هم بعض الأشخاص فقط. هل هذا يعني أن الرواية ليست جذابة؟
لا أقصد هذا من أجل التفاعل فقط، لكن أخشى أن يكون في روايتي شيء يحتاج للتحسين. لهذا أقدّر أي ملاحظة منكم بصراحة، وإذا كان هناك ما يحتاج للتعديل سأعمل على تحسينه بإذن الله.
شكرًا من قلبي لكل من يقرأ ويتفاعل مع روايتي، فكل كلمة تكتبونها لي تعني لي الكثير، والرواية مكتوبة لكم ومن أجلكم.
***********************************
وقفت السيارة في أحد الأحياء الشعبية، فتحدثت بصوتٍ يملؤه القلق الشديد قائلة:
"يحيى، بلاش تنزل، إحنا نبلغ ونفضل في العربية لغاية ما الشرطة تيجي، المكان هنا ما يطمنش، وأنا مش هعرف أتصرف لو حصلت لك حاجة."
ردَّ يحيى بإصرارٍ وجديةٍ قائلًا:
"مش هينفع، لازم نتأكد إنه ما يقدرش يهرب ويتمسك متلبس، أنا هفضل مراقبه، ولو حاول يهرب من الشرطة همسكه، هات الهدوم اللي عندك وحضّري الأوردر."
تنهدت بيأسٍ وهي تمد يدها له بثيابه، نظرت إليه برجاءٍ وهو يأخذ الثياب منها، فتشبثت بها بقوةٍ وهي تهز رأسها رفضًا.
تحدث إليها يحيى بهدوءٍ وهو يحاول أن يطمئنها وينتزع ذلك الخوف منها قائلًا:
"هالة، متخافيش، أنا مش غبي علشان أعمل مشكلة وإنتِ معايا، وبعدين مش هي دي خطتك؟"
رمقته بغيظٍ وتحدثت بغضبٍ قائلة:
"لا، مش زفت خطتي! أنا قلت نبلغ عنه ونفضل نراقبه من بعيد، أنا أصلًا ما اعرفش إنك هتنزل وراه، ولو كنت أعرف إنك طالب الأكل عشان تنزل وراه ما كنتش جبته، أنا كنت فاكراك جعان وعايز تاكل!"
ختمت حديثها وهي تضربه بتلك الثياب، فأمسك يحيى بالثياب وأخذها منها بقوةٍ، ثم قام بارتدائها فوق ثيابه.
نظر إليها في المرآة، فرأى عينيها تملؤهما الخوف، فابتسم وهو يؤكد لها بنظراته ألا تخاف وتثق به.
خرج من السيارة وهو ممسكٌ بصندوق الطعام، وعلى رأسه قبعةٌ (كاب)
نظر يحيى إلى المكان بدقةٍ وتركيزٍ، فرأى إحدى السيارات تقف بالقرب من منزل العامل، فعلم أن تفكيره كان صحيحًا، وأن جاسر يراقب العامل كما يراقب الجميع، ولهذا تنكر يحيى في ثياب عامل توصيل.
اقترب من المنزل بهدوءٍ حتى لا يلفت الأنظار إليه.
حين دخل العمارة، وجد العامل يصعد الدرج، فذهب خلفه بخطواتٍ حذرة.
فجأةً، نظر العامل إليه بشكٍّ ثم توقف يراقبه.
ارتبك يحيى فكر سريعًا، ثم طرق باب إحدى المنازل في العمارة.
فتح الباب طفلٌ صغير، نظر إلى يحيى ثم وقعت عيناه على صندوق الطعام، فأخذه وركض إلى الداخل وأغلق الباب في وجهه.
اطمأن العامل وأكمل طريقه إلى الأعلى، وتنفس يحيى بعمقٍ، ثم تابع طريقه خلف العامل بحذرٍ شديد.
وحين رأى العامل يدخل منزله، اتصل يحيى بالشرطة.
في ذلك الوقت، كانت هالة ترفع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الموقع الرسمي لوزارة الداخلية، الفيديو يظهر فيه العامل بوضوحٍ وهو يسرق المال من حقيبتها.
كتبت هالة منشورًا تطالب فيه الشرطة بمساعدتها والقبض على ذلك اللص.
اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح الجميع يطالب بالقبض على العامل.
وبعد قليلٍ من بلاغ يحيى، علي مكان العامل جاءت سيارة الشرطة بسرعةٍ كبيرة.
ابتعد يحيى عندما رأى سيارة الشرطة تقتحم المنزل، ثم طرق باب شقة الصغيرة مرةً أخرى.
فتح له الطفل وهو يأكل الطعام بشهيةٍ كبيرة، ولما رأى يحيى أمسك الطعام بقوةٍ وأغلق الباب في وجهه مرةً أخرى.
ابتسم يحيى على تصرفات ذلك الطفل الغريبة.
أما في داخل المنزل، فقد كانت الشرطة تطرق الباب بقوةٍ، وكان العامل في ذلك الوقت يخفي المال الذي سرقه من هالة في إحدى الغرف.
فتحت زوجته الباب لتتفاجأ برجال الشرطة يقتحمون المنزل، فارتعبت المرأة وهي تقول:
"هو في إيه يا بيه؟"
ردَّ المسؤول بحدّةٍ قائلًا:
"ده بيت تامر مرسي؟"
ردت المرأة وهي على وشك البكاء قائلة:
"أيوه يا بيه، بس والله جوزي غلبان وماشي جنب الحيط من البيت للشغل.
هدر بها المسؤول وقال:
"بس يا ست انتي، الرغي ده كله ليه؟ إنتِ هتحكيلي قصة حياتك؟ روح يا ابني، منك لله، شوف الزفت ده فين!"
انتشر رجال الأمن في المنزل، بينما كان العامل داخل إحدى الغرف يغلق الباب بقوةٍ، ممسكًا بحقيبةٍ سوداء يحتضنها كأنها أغلى ما يملك في الحياة، غير مدركٍ أنها سبب هلاكه.
حاول رجال الأمن فتح باب الغرفة، فاتكأ العامل بجسده خلف الباب مرتجفًا خوفًا، فضربوا الباب مراتٍ عدة حتى سقط أرضًا وهو ما زال ممسكًا بالحقيبة.
أمسك به رجال الشرطة وأخذوا الحقيبة منه، فصرخ الرجل محاولًا الإفلات من قبضتهم.
فتح المسؤول الحقيبة، فتفاجأ بأنها مليئةٌ بأموالٍ كثيرة، فنظر إلى العامل ثم إلى زوجته بسخريةٍ قائلًا:
"واضح فعلًا إن جوزك غلبان!"
لطمت المرأة وجهها وصرخت فيه قائلة:
"جبت الفلوس دي منين؟! حرام عليك! منك لله، ضيعت نفسك وضيعت عيالك! حسبي الله ونعم الوكيل فيك!"
أخذت الشرطة العامل، وحين رآه يحيى يُقتاد تم القبض عليه عاد إلى السيارة.
كانت هالة تجلس كمن فوق صفيحٍ ساخنٍ من القلق، وحين رأته، تنفست بارتياح.
ابتسم لها قائلًا:
"مش قلت لك يا كنزي ما تخافيش."
قاد السيارة وهو يتبع سيارة الشرطة، وما زال داخله خوفٌ من أن يهرب ذلك اللص مرةً أخرى.
**********************************
في الصعيد
تعالى معايا عزيزي القارئ، اترك المدينة بضجيجها وزحامها واذهب معي في رحلة قصيرة إلى تلك القرى الصغيرة. لا أعلم إن كانت ستعجبك، لكن سأعرّفك على بعض العادات فيها
، في منزل الشيطان الذي دخلته زينب. من أجل أن تبدأ حياة جديدة
كانت أصوات الأغاني والموسيقى مرتفعة، والمنزل يعج بالنساء والفتيات، وارتفاع ضحكاتهن كان يعلو على أصوات الموسيقى نفسها.
وكان الملاك الذي تُدعي زينب جالسًة بثوب فاخر ومزينة بالمصوغات الذهبية، تحيط به العديد من النساء.
وفي وسط هذا الزحام، كانت الفتيات يتميلن ويرقصن على أنغام الموسيقى. اقتربت منها بعض النساء، قبلت زينب ووضعن في يدها مبالغ من المال واحدة تلو الأخرى، بينما الفتيات يواصلن الرقص والتنافس على من هي الأبرع.
طلبت عفاف من ابنتها مروه أن تصعد للأعلى وتجيب بعض المخبوزات لتلك النساء. أحضرت مروه البسكوت والكحك المعروف لهذه المناسبات، وظلت تضع العلب وتقدمها للنساء، فيما جاءت فتاة أخرى لتوزيع المشروبات على الحاضرين.
أما زينب فجلست في عالم آخر، رغم الزحام والضجيج، حيث كانت ذكريات ليلة طلعت الأولى تملأ قلبها بالألم. فقد كأن يتعطا مواد مخدرة، ولم يعاملها بمودة، بل تعامل معها بوحشية كأنها ليلة اغتصاب وليس ليلة زفاف. كانت تحبس دموعها داخل عينيها كما اعتادت دائمًا.
اقتربت عفاف، نظرت إلى ابنتها بغيظ، وقالت في أذنها:
"افرَدي، وشك! ما تفضحناش قدام الناس، مالك؟ لاويه وشك كده ليه؟ اللي يشوفك كده يفتكر مجوزنك غصب! اضحك واحمد ربك إنك ارتحت من كلام الناس
، ولا كان عاجبك كلامهم؟ كنت عاوزاه تبقي عانس زي بت العامري؟ ولا عاوزاه الناس تفضل تتريق عليك وتقول لك: خس شويه يمكن ربنا يفرج عليك بعريس
؟"
لم تكن زينب بحاجة لذلك الحديث، القاسي بل كانت تحتاج حضنًا دافئًا يخفف عنها تلك الليلة العصيبة. هربت الدموع من عينيها ولم تستطع التماسك، فانتبه لها الجميع وأطفئت الموسيقى.
ارتبكت عفاف لكنها سرعان ما تصرفت بذكاء، فاحتضنت ابنتها وملأت عينيها بالدموع الكاذبة، ثم ابتعدت عن زينب ونظرت للنساء وهي ترسم على وجهها ملامح حزن زائف، وقالت:
"ما فيش حاجة يا جماعة، أنا بس بقول لزينب إن البيت وحش من غيرك يا أمي. وهي دمعتها قريبه حبيبتي
ضحكت النساء وعدن لتشغيل الموسيقى، وظله يمزحون مع زينب، ويقولون لها أن الزواج جميل، وأنها سوف تنسى منزل عائلتها لم يدركن أنها في جحيم قاسٍ.
وفي منزل الضيوف الخاص بالرجال، جلس طلعت بين أصدقاء السوء، أمام مائدة ضخمة من الطعام المخصص لتلك المناسبات. كان مستمتعًا ويضحك ضحكات مرتفعة، ولم يعنّه ما فعله مع زينب في ليلتهم الأولى.
دخل المنشاوي بابتسامة سمجة، وجلس بجواره، ثم بدأ يأكل بشراهة، وتحدث قائلاً:
"كنت عايزني في إيه يا عريس؟"
رد طلعت بنفس مليئة بالشر:
"عايزك تخلص من الكلب اللي اسمه محمود، عايزك تجيبله مصيبة تاخد أجله وما يقومش منها تاني."
ابتسم المنشاوي وقال:
"اللي انت عاوزه يا عريس، بس كل حاجة بتمنها."
نظر طلعت له بضيقة، فهو يعرف أن المنشاوي لا يخطو خطوة دون مبلغ ضخم من المال.
ترك المجلس بغضب، وذهب للمنزل. هناك وجد إحدى الفتيات ترقص ببراعة، وظل يتأملها بنظرة شهوانية، فصرخت ووقفت عن الرقص خجلاً.
غضبت النساء وألقين عليه نظرات احتقار، ففي تلك القرى يُمنع الرجال حتى من دخول منازلهم أثناء وجود النساء . إذا اضطر أحدهم للدخول، يجب أن يستأذن، وينظر إلى الأرض، ولا يرفع عينه لأي امرأة. وإذا خالف القواعد، كما فعل طلعت، يُنظر إليه على أنه شخص حقير لا يُؤتمن.
اقتربت نعمة وأبعدته عن النساء، وقالت بلهجة حادة:
"إيه اليجابك البيت دلوقتي يا طلعت؟ انت مش عارف إن البيت كله حريم؟"
نظر إليها طلعت بلا مبالاة وقال:
"بقول لك ياه، سيبك من الحريم، يقطع الحريم واللي جابوها، أنا عايز فلوس دلوقتي!
"
حركت نعمة فمها يمينًا وقالت:
"منين يا جوز الاتنين؟ دا انت ما خليتش لا ورا يا ولا قدامي!"
اقترب منها وأمسك بيدها وقبّلها وهو يرجوها، فاستسلمت، إليه مثل العاده أخرجت المال من حقيبة صغيرة وقالت:
"خد يا طلعت، النقطه كلها، مفيش غيرها معايا."
نظر طلعت للمال بلا رضا، ثم صعد للأعلى ودخل غرفته. بحث عن مال في كل مكان، ولم يجد شيئًا. حينها وجد حقيبة عفاف، ففتحها، ووجد بداخلها المال
الذي أعطته النساء لزينب، فاستولى عليه دون خجل.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يسرق فيها، فقد كان يسرق من والده وأمه من أجل أن يجلب تلك السموم حين يمنع عنه الغول المال ، لكن هذه المرة كان الهدف ضياع أسرة كاملة.
ذهب ورمى المال لذلك المجرم، الذي ابتسم بسعادة دون أن يشعر بأي ضمير لما سيحدث لتلك الأسرة.
*********************************
كان أحمد يجلس داخل مكتب رجال الأمن ينتظر قدوم عامر.
لقد قرر أحمد أن يرا عامر رغم علمه بأن عامر يبغضه كثيرًا، ومع ذلك قرر اللقاء به من أجل أن يعتذر له عمّا حدث بسبب إبنة شقيقته.
فُتح الباب، ودخل رجل الأمن بصحبة عامر.
وحين رأى عامر أحمد، ازداد عبوس وجهه ونظر إليه بنفورٍ وغضب، ثم عاد بخطواته إلى الخارج رافضًا مقابلته.
تحدث أحمد حين رآه يهمّ بالمغادرة وقال:
– أستاذ عامر، ممكن حضرتك تديني شوية من وقتك؟ وما تخافش، اللي أنا جاي فيه هيسعدك جدًا، علشان هو الكلام اللي كنت عايز تسمعه من زمان.
توقف عامر وهو يشعر بفضولٍ شديد، ثم جلس وهو ما زال ينظر إلى أحمد بوجهٍ عابس.
نظر أحمد إلى الأرض وهو يشعر بحزنٍ عميق، فطريقة اللقاء والنفور والكراهية الظاهرة على وجه عامر أكدت له أنه اتخذ القرار الصحيح.
ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة رغم عبوس وجه عامر، ثم قال:
– أولًا أنا آسف على اللي حصل، أنا اعرف إن يمكن الاعتذار ملوش أي معنى بالنسبالك بعد اللي حصل، بس لازم أعتذر لك.
وبالنسبة لموضوع نور، أنا اتكلمت مع الناس اللي في العمارة اللي كانت ساكنة فيها نور، وهم الحمد لله موافقين يشهدوا إنك ما كنتش في العمارة يومها.
ده غير إني قدرت أتواصل مع ناس من المجتمع المحيط بجاسر، ووافقوا يشهدوا إن جاسر إنسان
مريض وسيئ، وكان بيعذّب نور، خصوصًا إن الناس دي قريبة جدًا منه، وحصل قدامهم أكتر من موقف من تعدّي وضرب بطرق وحشة حصلت من جاسر لنور.
تنهد عامر بارتياح، واختفى العبوس من وجهه بعد سماع تلك الأخبار التي ستساعده هو ونور على الخروج من تلك الأزمة.
حاول أحمد أن يستكمل حديثه الذي كان كالحجر الثقيل فوق قلبه.
لم يكن أحمد يريد الوصول إلى تلك المرحلة؛ كان ينتظر أن تمنحه الحياة فرصة أخرى لبناء عائلة صغيرة، لكنها كانت – كعادتها – قاسية.
لقد أخذت منه الحياة سابقًا زوجته وصديقه، وحرمت ابنته من حنان الأم منذ طفولتها، واليوم تأخذ منه آخر فرصة مع امرأة دقّ لها قلبه الذي كان مغلقًا منذ زمن طويل
تحدث أحمد قائلًا:
– أنا عندي لك خبر هيفرحك. أكتر
نظر إليه عامر بلفةٍ كبيرة، فقال أحمد:
– أنا خلاص ها هاجر أنا ومريم ونور، إن شاء الله لما تطلع.
أنا خلصت كل حاجة في جامعة في فرنسا متخصصة في البحوث الأثرية، بعتلهم أوراقي، والحمد لله النهارده جاتني الموافقة.
مش بس كده، أول ما نور تطلع، هاخدها وأهاجر.
ابتسم أحمد ابتسامة لا روح فيها، ثم تحدث بمزاحٍ يغلب عليه الحزن وقال:
– يعني خلاص كده يا متر، اللي انت عايزه حصل.
أنا مش بس هسيب الشقة وهبعد عن والدتك، لا، ده أنا هسيب مصر كلها، وهاخد نور معايا.
إن شاء الله ما تشوفوش حد فينا تاني، وآسف مرة تانية.
وقف أحمد وخرج وهو يشعر بثقلٍ كبير في قدميه.
كانت الحياة بالنسبة له مثل غمامةٍ سوداء تخنق أنفاسه وتغطي قلبه بالحزن.
وعند خروجه، قابل مديحة التي كانت قد جاءت لترى ابنها.
توقف الاثنان، ونظرت له مديحة باشتياقٍ عميق؛ كانت هذه أول مرة تراها منذ فترة طويلة.
ورغم أنهما يسكنان في المكان نفسه، فإن أحمد كان حريصًا جدًا على ألا يتقابل معها حتى ولو صدفة.
نظر إليها بنظرةٍ مختلفة، نظرة وداع يودّع فيها قصة حب لم تكن طويلة، لكنها كانت جميلة.
غشّت الدموع عينيه، فقرر الرحيل قبل أن تفضحه عيناه.
ابتعد سريعًا من أمامها، ونظرت له مديحة وقلبها يؤلمها، فقد شعر القلب بمن يحب.
وقفت مديحة حائرة؛ هل تذهب خلف أحمد كما يأمرها قلبها؟
أم تدخل إلى ابنها الذي تشتاق إليه؟
وفي النهاية، غلب اشتياق الأم.
مدّت مديحة يدها على باب الغرفة التي يجلس بها ابنها، وهي تحاول أن تتماسك.
**********************************
ذهب يحيى للمتجر الذي ترك أمامه السيارة بعد ما ، أن العامل أصبح بين يدي رجال الشرطة. وقف يحيى
بالسيارة الأجرة أمام الباب الخلفي للمتجر، وقام بالاتصال على صاحب السيارة. خرج الرجل فابتسم له يحيى وأخرج له مبلغًا من المال. شكر يحيى الرجل كثيرًا؛ لقد اتفق يحيى مع ذلك الرجل سابقًا أن يأجّر له السيارة بعد الوقت، وحين اقترب من المتجر لاحظ أن هناك بابًا خلفيًّا للمتجر، فطلب من الرجل أن يترك له
السيارة في ذلك المكان، ثم تاه وسط الزحام واستطاع الهروب من ذلك المجرم الذي كان يراقبه.
نظر يحيى إلى هالة التي كانت تشبّث صوابع يدها في بعضهما وتنظر حولها، كأنها تخشى شيئًا ما. ناداها فنظرت له وهي تبتلع ريقها بتوتر، ثم قالت:
— يحيى، يلا بينا من المكان ده، أكيد هم لسه هنا بيدوروا عليك. أصل طول ما العربية موجودة هم هيفضلوا يدوروا عليك في المول. خلينا نمشي.
نظر إليها يحيى وهو يشعر بالعجز؛ كان يتمنى لو يستطيع أن يأخذها بين أحضانه ويشعرها بالأمان حتى يزول عنها ذلك الخوف، لكنه لم يستطع. قرر يحيى أن يذهب للصعيد بعد أن يخرج عامر، وسوف يظل يطلبها من عمه كل يوم آلاف المرات ولن يتركه حتى يوافق.
اقترب منها وابتسم في وجهها ابتسامة دافئة، ثم قال:
— هالة، خدي نفس واهدي. هم مستحيل يجوا ناحيتي ولا يعملوا أي حاجة، لأنهم بيراقبوني ولغاية دلوقتي فاهمين إن إحنا ما كشفناهمش. بعدين أنا كم مرة أقول لكِ ما تخافيش طول ما أنا معاكي؟
تحدثت من قلبها دون أن تشعر بما تقول، فقالت:
— يا يحيى، أنا مش بخاف وأنا معاك، أنا بخاف عليك أنت. لو حصل لك حاجة أنا مش هاستحمل! إنت مش عارف إني لم شفتك وانت متعور ومضروب ساعتها حسيت إني قلبي وقف من كتر الخوف عليك.
اتسعت ابتسامة يحيى ولمعت عيناه؛ لم يكن يعلم أنها تحبه لتلك الدرجة، كان يظن نفسه هو الوحيد الغارق في حبها حتى الثمل، ولكن اليوم اكتشف أنها مثله غارقة في بحر الغرام. لم يعد
يستطيع يحيى أن يسيطر على نفسه ولا على عشقه لها، قائلاً:
— بقولك إيه، معاك بطاقتك؟
هزّت رأسها بنعم وهي لا تفهم شيئًا.
قال:
— تمام، وأنا معايه بطاقتي يلا بينا آخدك وأروح أقرب مأذون نكتب الكتاب، ولو علي الفرح متخفّيش، أعمل لك أحلى فرح، وسيبك من عيلة العامري ومن الدنيا كلها.
رقص قلبها على نغمات كلماته، وتمنت لو تستطيع الخروج والذهاب معه حيث يريد، مع من تعشقه.
— انسى يا يحيى، إنت ليا أنا وبس، فاهم؟!

التفت الاثنان لذلك الصوت
وجدا سارة واقفة وتنظر لهالة بنظرات تملؤها الكراهية؛ ولو استطاعت لتحرقها حيًا . تغيرت ملامح يحيى من سعادة إلى غضب، وضغط على أسنانه من الغيظ، ثم
أمسك بهالة كي يذهب. وقفت سارة أمامها لتمنعهما من الرحيل، ثم رفعت يدها وهي تشير لها باستهزاء قائلة:
— هي دي اللي عايز تتجوزها؟ مش حلوة! وكمان كبيرة عليك يا يحيى. يعني لو انت عايز تتجوزها، عطف أنا مستعدة أجيب لها عريس.
وعند نطق تلك الجملة تفاجأت سارة بكف قوي ينزل على وجهها لم يتركها؛ أمسكها من يدها وهزّها بعنف، وهدّر بها بصوت حاد، غير مبالٍ بالناس التي اجتمعت وتنظر لهما، فقال لها:
— حذّرتك قبل كده وقلت لكِ ما تجيبيش سيرتها على لسانك علشان ما تشوفيش مني وشّ مش هيعجبك. أنا ما بحبش أمد إيدي على واحدة ست، بس إنتي واحدة رخيصة. هي أنضف منك ومليون واحدة زيك.
ثم تركها باشمئزاز، كأنها شيء مقزّز. أمسك بهالة وتحدث بصوت قوي قائلاً:
— لو في حد محتاج عطف هنا هو إنتي، هي مش محتاجة عطف، دي جوهرة غالية ومش هجوز غيرها. أنا ما بحبش غيرها ولو مش هتجوزها هفضل من غير زواج يا ساره
صفّق جميع من في المكان، كأنهم يشاهدون عرضًا رومانسيًا، ولم يهتم أحد بسارة التي كانت في حالة من الجنون وتنظر حولها وهي تشعر بغضب شديد بعد ما قام يحيى بضربها وإهانتها أمام الجميع. صرخت به حين راته يذهب وتحدثت بصوت مرتفع نابعًا من غضبها الذي يجعلها تنفجر، فقالت:
— افتكر إن براءة صاحبك معايا يا يحيى! لو اتجوزتها يبقى انسَ إن صاحبك يطلع مرة تاني! سامع يا يحيى؟
لم يشغله كلامها؛ لم يعِره اهتمامًا. أمسك بيد هالة وذهب، لكنه وجدها تقف فجأة. نظر إليها فرأى الدموع تتساقط من عينيها دون توقف؛ كانت هالة تشعر أن الحياة باتت تخنقها. تحدثت له بصوت ضعيف منكسر، فقالت:
— هو أنا كبيرة قوي يا يحيى؟ أنا عجوزة زي ما هم بيقولوا؟
ضاق صدر يحيى من حديثها وغلت الدماء في عروقه، وتمنى لو يستطيع أن يمسك بسارة فيزهق روحها من أجلها. أمسك بيدها وأجبرها على الذهاب معه، ثم وقف أمام مرآة كبيرة داخل المتجر وقال:
— بصّي كده، شوفي كويس.
نظرت في المرآة لكنها لم ترَ سوى أحاديث الناس القاسية؛ رأت زوجة عمها، ثم ريم، وسارة، وكأن المرآة تعكس كلام الناس المؤلم. شعر يحيى بذلك، فتحدث ليخرجها من ذلك العالم القاسي المليء بأحاديث الناس الموجعة، فقال لها:
— بصّي عليّ وعليك، شوفي إحنا مناسبين لبعض إزاي. سيبك منهم أنسي كلامهم
ثم بعد أن ابتعد عنها قليلاً نادى على فتاة، فقال لها:
— لو سمحتي يا آنسة سؤال.
اقتربت الفتاة منه فوقف يحيى بجواره هالة وقال:
— تفتكري مين فينا الأكبر؟
رمقته الفتاة باستغراب وقالت:
— أنا مش فاهمة حاجة، بس أكيد إنت طبعا.
ابتسم يحيى ثم سأَل مجموعة من الفتيات اللائي كنَّ بالقرب منهما:
— إيه رأيكم؟ إحنا مناسبين لبعض؟ أصل أنا بحبها وعايز أتجوزها، بس هي بتقول إن إحنا مش مناسبين وإنها أكبر مني.
ابتسمت الفتيات بهيام ثم قالوا:
— بالعكس، أنتما عسل مع بعض، ألف مبروك!
تفاجأت هالة بإحدى النساء التي تقدمت إليها ببُقَّة من الزهور وهي تبتسم قائلة:
— دي علشانك. أنا شفت كل حاجة. نصيحة: أوعي
تسيبي واحد بيحبك علشان كلام الناس.
اجتمع العديد من الناس حولهما وهم يشجعونهما على الزواج فاقترب يحيى من هالة وسألها بصوت منخفض:
— إيه رأيك؟ نعمل الفرح؟ المعازيم وكل حاجة جاهزين.
ابتسمت هالة وهي تشعر بالخجل، لكنها ولأول مرة شعرت بالسعاده. من حديث الناس الذي كأن مشجع لها
ورأت أن خوفها من المجتمع ليس له معنى فاذا كان هناك من يرفض ذلك الزواج فهناك ايضا من يشجع ذلك قررت في تلك اللحظة أنها لن تتخلَّى عن يحيى؛ هي سوف تتزوّجه، وليذهب الجميع إلى الجحيم.
*********************************
تفاجأ بها وهي تجلس بجواره.
نظر إليها باستغراب، فمنذ آخر لقاء بينهما لم يلتقيا ولم يتحدثا. كان عمر غاضبًا من مريم، اقترب منها فتراجعت إلى الخلف. تفاجأ بها وهو يفتح باب السيارة ويتحدث معها بصرامة قائلًا:
عمر: انزلي.
فتحت فمها وعيونها مندهشة، لكنه لم يهتم وأشار لها بالخروج.
أغلقت مريم باب السيارة بعنف، ثم اقتربت منه وهي تشتعل غيظًا وصرخت قائلة:
انت بتطردني من عربيتك؟ انت فاكرني جايه أتأمل في جمالك؟ لا يا أستاذ يا محترم فوق، أنا جايه أساعدك! إنسان قليل الذوق!
رغم ارتفاع صوت مريم وغضبها، كان عمر في عالمٍ آخر؛ ينظر إليها باشتياق ويتأمل ملامحها. لم يكن يعلم أنه يشتاق لهابهذا القدر ظل ينظر لعيونها الرمادية، وذلك الشعر الفوضوي،
تعجبت من سكوته، فنظرت له، فتشابكت الأعين وتلاشى الغضب، وظل الاشتياق يملأ المكان.
كان كلٌّ منهما ينظر إلى الآخر بشوقٍ جارف، يتمنى لو يوقف الزمان عند تلك اللحظة. دقات القلوب تتسارع، والاثنان غارقان في نظراتٍ صامتة.
وفجأة، طرق أحد الأشخاص على السيارة طالبًا منهما التحرك حتى يتمكن الآخرون من المرور. ارتبكت
مريم وابتعد عن عمر وهي تشعر بالخجل الشديد لقد كانت قريبة منه للغاية.
أما عمر، فكان غارقًا في دوامة أفكاره. لم يدرك أنه يشتاق لمريم بهذا الشكل؛ كان يظنها مجرد إعجاب، لكنه اليوم تأكد أن مشاعره أعمق من ذلك.
بعد قليل، توقف عمر ولاحظ أن سيارة ما زالت تتبعه.
نظر حوله فوجد مطعمًا أمامه، حسب المسافة بين المطعم والمكان الذي يريد الذهاب إليه فوجدها المسافه قريبة، فقرر التوقف هناك ليتخلص من المجرمين.
نزل من السيارة، وتبعته مريم بصمت، تحاول ألا تنظر إليه. كلما تذكرت نظراتهما وقربهما من بعض، تمنت لو أن الأرض تبتلعها من الخجل.
جلس عمر على طاولة قريبة من المدخل، وطلب الطعام دون اهتمام، وظل يراقب الخارج في الخفاء.
لاحظت مريم ذلك، فرفعت نظرها لترى فتاة تبتسم بدلال، ثم عادت تنظر لعمر وهي عابسة الوجه ونفخت بصوت مرتفع، لكنه لم ينتبه لها.
اشتعلت مريم غضبًا، وضربت الطاولة بقوة وتحدثت بعصبية:فقالت
إنت إيه؟ مش هتتغير أبدًا؟ هتفضل طول عمرك عينك زايغة؟ طب على الأقل احترم وجودي! بس أقول إيه، انت هتفضل طول عمرك كده بتاع ستات! وأنا الغبية اللي كنت بفكر أوافق على شروطك!
صدم عمر من هجومها، حاول أن يتحدث ويفهم ماذا حدث، لكنها كانت غاضبة جدًا وبدأ صوتها يرتفع.
التفت الجميع نحوهما، وشعر عمر بالإحراج الشديد،
فوضع يده على وجهه وهو يتمتم بسبابٍ خافت، ضجرًا من تصرفاتها التي دائمًا تضعه في مواقف محرجة.
فجأة، تبدلت ملامح وجهه وظهر عليه التعب الشديد.
وضع يديه فوق بطنه وبدأ يتألم بصوت مسموع.
ارتعبت مريم واقتربت منه بخوف: قائلًا
عمر! مالك؟ فيك إيه؟ رد عليّا عشان خاطري!
نظر إليها بعينين مشتعلة من الغضب وتحدث بصوت منخفض قائلًا:
اصبري عليّا، إن ما نفختِك بعد ما أخرج من هنا يا مجنونة يا بنت المجانين...
امتلأت عينا مريم بالدموع، من الخوف عليه لا الخوف منه وبدأت تبكي، وارتفع صوتها حتى تجمع الناس حولهما.
استدعى أحدهم سيارة إسعاف، فأخذوا عمر، وذهبت مريم معه.
حاول المجرمون اللحاق بهما، لكن سيارة أخرى وقفت في طريقهم، ونشبت مشاجرة بينهم وبين سائقها، بينما كانت سيارة الإسعاف تبتعد.
بعد قليل، كان عمر مستلقيًا على السرير في المستشفى، والطبيب يقف بجواره.
ظلت مريم تكرر أسئلتها على الطبيب بقلقٍ شديد، فأكد لها أنه بخير، لكنها لم تتوقف عن السؤال حتى ضاق بها، فغادر الغرفة وأغلق الباب بعنف.
نظرت له مريم باستغراب، ثم التفتت إلى عمر وقالت:
هو ماله دي؟
صمت عمر لحظة، ثم نهض من الفراش وخلع المحلول من يده، واقترب منها وهو يمسك الأنبوب في يده وعيونه تشتعل غضبًا وقال
بقي أنا أتهزق قدام الناس وتقولي عليا بتاع ستات؟ يا أبو عين زايغة؟! وتفرجي عليا أمّه؟ لا إله إلا الله!
نظرت مريم إلى الأنبوب وابتلعت ريقها من الخوف،
فابتسم عمر بتهكم قائلًا:
شايف ده
هلفّه على رقبتك لحد ما تطلع روحك... عشان أرتاح منك ومن جنانك!
حاولت الهروب، فركض خلفها.
ظل الاثنان يركضان داخل الغرفة. تسلقت مريم التخت ووقفت فوقه وهي تلهث، ثم أشارت إليه أن يتوقف وقالت بصعوبة:
يا عمر، ما انت اللي كنت بتبص على البنت وأنا معاك! عاوزني أعمل إيه؟ أفضل ساكتة؟
رد عمر بعصبية وقال
لا تفضحيني يا بنت أحمد، صح؟
صرخت مريم حين ضربها عمر في قدميها بالأنبوب.
اقترب منها وهو يلهث بعصبية، أمسك بذراعها فكادت تبكي من الخوف لم يراف بها ثم سالها بغيظ وقال
انتِ يا بنت، مين اللي قالك تيجي معايا؟
هالة... هي اللي طلبت مني.
هز عمر رأسه متوعدًا شقيقته، ثم التفت إلى مريم قائلًا:
اسمعي، انتي تتزفّتي وتنامي هنا. مش عايز أسمع نفسك. تغطّي كويس وما تخليش حد يشوفك. وأنا لما أروح ، البيت هكسر عضمها وعضمك. معاها
خرج عمر ونظر من الباب، اطمأن أن لا أحد يتبعهم.
توجّه إلى غرفة الطبيب الذي سبق أن عالج نور حين اعتدى عليها جاسر.
طرق باب غرفة الطبيب فأُذن له الطبيب بالدخول
جلس عمر أمام الطبيب الذي ابتسم له تنحنح عمر ثم قال
دكتور، مش عارف حضرتك تفتكرني ولا لأ، بس إحنا قبل كده جبنا حالة عندك اسمها نور عزمي. كانت حالتها صعبة جدًا بسبب تعرضها للعنف الشديد ، وكمان كان عندها انهيار عصبي، حاد فكنت محتاج التقرير الطبي لحالتها.
صمت الطبيب يفكر، ثم رسم على وجهه حزنًا مصطنعًا وقال:
ا:
آسف يا استاذ عمر أنتوا يومها رفضتوا تبلغوا الشرطة، وأنا بصراحة ما احتفظتش بالتقرير. متأسف جدًا.
وقف عمر وهو يشعر بالعجز ترك الطبيب وذهب دون أن يتحدث بكلمةواحدة، وعاد للغرف التي بها مريم، فوجدها كما طلب منها، فابتسم وهو يهز راسه بيأس من تلك الفتاة
.
انتظر قليلًا، ثم عاد مرة أخرى إلى غرفة الطبيب.
دق الباب ففتح له الطبيب دخل فقال
معلش يا دكتور، نسيت موبايلي هنا
أمسك هاتفه الذي كان مخبأ جيدًا ثم ابتسم ، وخرج وجلس بجواره مريم.
فتح الهاتف الذي سبق وضعه كي يسجل به للطبيب الذي شك به من النظر الأولى
ووجد مقطع فيديو للطبيب وهو يتحدث لأحدهم قائلًا:
"التقرير معايا، هم جايين ياخدوه، لو عايزه ادفعي المبلغ اللي قولت لك عليه، غير كده هديهم التقرير
."
نظرت مريم إليه بصدمة، وقبل أن تتحدث، قال لها :
:
هو مش انتي جايه هنا عشان تساعدينا؟
هزّت رأسها بالإيجاب.
تمام
اعملي اللي قولت لك عليه بالضبط... فاهمة؟
************************************
شعر عامر أن العالم يضيق من حوله. حاول أن يأخذ نفسًا عميقًا، لكنه شعر بالاختناق، لم يشعر بهذا الضيق وهو جالسًا في زنزانته بين أربعة جدران.
كان يتمنى أن أحمد يرحل ويبتعد عن والدته، ولكن اليوم علم أن أحمد سوف يترك البلاد كلها. شعر بالضيق ولم يفهم سبب هذا الشعور. هل يعقل هي السبب ماذا كان ينتظر؟
فهو كان يتمنى راحيلها، فقد تعاهدوا على الفراق للأبد. يعلم أنه لا يزال يحبها، عاشقًا ومتيّمًا في غرامها، لكنه لا يستطيع أن يفتح معها صفحة جديدة حتي لو تطلقت من زوجها. هناك أسوار عالية بينهما تجعل الفراق أمرًا محتمًا.
تألم قلب عامر الذي لا يزال ينبض من أجلها، تمنى أن ي لو يستطيع عامر أن ، يغفر لها وأن يجمعه بمن يحب، لكن العقل رفض بشدة. لقد دعست على كرامته وحبه، ولن يسامحها، حتى لو ظل يعشقها حتى آخر يوم في حياته.
فتح الباب ليشم عامر رائحة تُخرجه من ذلك الظلام، رائحة كان يبحث عنها منذ دخوله في تلك الأزمة. رفع وجهه، فنظر ووجد والدته أمامه. شهقت مديحة،
ووضعت يدها فوق فمها حين رأت ابنها في تلك الحالة. كان وجه عامر شاحبًا، مليئًا بالأحزان والهموم، وقد أصبح ذقته كبيرًا، وشعره وملابسه غير مرتبة.
لم ينتظر عامر، اقترب من والدته، واحتضنها بقوة. بدلتها مديحة العناق، وهي تتمنى لو استطاعت أن تعيد ابنها داخلها مرة أخرى، حتى تحميه من هذا العالم.
انطلقت الدموع من عينيها دون توقف، وارتعش جسدها من البكاء وهي في حضن ابنها، الذي كان يقبّل رأسها بقبلات عديدة. بعد قليل من الأحضان، جلست مديحة وعامر، وهي تمسك يده بين كفيها وترفض أن تتركه. نظر عامر لها بخجل على ما فعله.
وضعت مديحة يدها على كتفه وقالت:
"أنا مش زعلانة منك يا حبيبي. خلاص، أنا كل الي عيزاه من الدنيا دي إنك تخرج ليا بالسلامة. أنا ما ليش غيرك يا عامر، انت دنيتي وحياتي كلها."
قبل عامر راسها والدته وهو يشعر بندم شديد، ثم قال:
"آسف حقك عليا يا ست الكل، والله ما كنتش أقصد
أكذب ولا أخبي عليك، ولا كنت عايزها تظهر في حياتي مرة تانية. حاولت أرفض مساعدتها، بس معرفتش."
قولي مش راجل وقولي مفيش عندي كرامه
"قولي اللي تحبه، أنا مش هزعل."
رفعت مديحة يدها وضربت ابنها بكف خفيف على وجهه. فجأة، نظر عامر لوالدته بدهشة، ثم قالت له بصوت حاد:
"دي آخر مرة أسمعك تقول على نفسك كده. من قال إنك مش راجل؟ انت أحسن راجل يا حبيبي. مش بقول كده عشان أنا أمك، لا يا عامر. أنت قبلت إنك تساعد
الإنسانة اللي كسرتك وجرحتك لما احتاجتك وخبطت على بابك، لأنك جدع يا قلب أمك. استحملت تشوفها
كل يوم وتفتكر كل حاجة عملتها فيك، مش علشان ما عندكش كرامة، لا يا حبيبي، علشان عندك إنسانية وقلب أبيض. وما فيش في الدنيا أحسن ولا أجدع من الراجل أبو قلب أبيض الرجل السند وأنت سند حتي للظلمتك
شعر عامر بالسعادة من كلمات والدته. لطالما نظر إلى نفسه كشخص ضعيف ومعدوم الكرامة، لكنه اليوم شعر بالفخر. لأول مرة، ارتمى عامر في حضن والدته مرة أخرى.
ثم تحدث بقلب يتألم من فراق من يحب، وقال بصوت منكسر:
"هي خلاص ماشي، بس المرة دي ماشي للأبد. هتسيب مصر، هتهاجر هي والدكتور أحمد ومريم."
تجمد قلب مديحة، وشعرت أن روحها تنكسر، أفكارها تعصف بها، وتساءلت: هل يعقل أنه لم يحبها مثل ما يقول؟ لماذا تخلى عنها في أول الطريق؟ ومريم لن
تراها مرة أخرى. صحيح أنها ليست ابنتها، لكنها تحبها مثل عامر ابنها. هي كانت غاضبة،فقط هل لا يحق لها أن تغضب لماذا الجميع تخلى عنها في أول الطريق.
شعر عامر بدموع والدته التي تهطل عليه مثل الأمطار. تراكض في حضنها ومسح دموعها واحتضنها. لم يتحدث لكي لا تخجل والدته،
لكنها هي من تحدثت بصوت يغلب عليه البكاء واليأس، وقالت:
"أنا كنت زعلانة شويه منهم يقوموا يسيبونا ويمشوا. أنا عارفة أني زعلت مريم، بس أنا بحبها يا عامر، والله يا حبيبي بحبها زيك، زي ما بحب عمر ويحيى، وبحبكم كلكم. مريم دي بنتي يا عامر، أنا بحس إنها بنتي وحته مني. أنا مش عايزاها تمشي."
لم تتحدث مديحة عن أحمد، فقد كانت غاضبة منه، وشعرت أنه لم يحبها يومًا فتخلى عنها في أول الطريق، لكنها كانت تتألم من الداخل. كانت تظن أنها ابتسمت لها الحياة، وسوف تمنحها السعادة التي تستحقها.
رد عامر:فقال
"كده أحسن لينا كلنا، احنا مش هينفع نتجمع مع بعض في مكان واحد."
كان يقصد بذلك الحديث نفسه، فهو ما زال يريد الابتعاد عن نور، ولا يريد أن يراها رغم قلبه الذي يتنفس غرامها.
دخل رجل الأمن وقطع تلك اللحظات. وقفت مديحة، وحضنت ابنها مرة أخرى، وهي تملأ وجهه بالقبلات قبل أن يغادر عامر. غادرت مديحة وهي تبكي، وعند
خروجها، رأت أحمد الذي لا يزال واقفًا بسيارته. نظرت له بغضب واقتربت منه وهي تشتعل مثل البركان، وضربت باب السيارة بقوة.
فتح لها أحمد، وقبل أن يتحدث، انفجرت فيه قائلة:
"اسمع يا راجل! انت عايز تهاجر؟ هاجر، لكن تاخد مريم معاك؟ لا! مريم دي بنتي، انت فاهم ولا لا؟ مش علشان كنت زعلانة شويه تاخدها وتمشي!"
نزل لها أحمد، فوجد مديحة في حالة كبيرة من الانفعال، ووجهها أحمر، وأنفاسها تعلو وتهبط. شعر أحمد بالخوف الشديد عليها، قال:
"اهدي يا ام عامر، واللي انتي عايزاه، أنا هعمله لك، بس اهدى."
ليتفاجأ بأنها تضربه بحقيبتها بغيظ شديد، وتقول له:
"تحرق دمي! وتقول اهدي انت إيه يا راجل! انت عايز تموتني؟ عايز تاخد البنت وتمشي؟"
ثم تركته وذهبت، دخل أحمد سيارته وذهب خلفها، ظل ينادي عليها، لكنها لم تعره اهتمامًا. توقفت سيارة الأجرة، وركبتها، وطلبت من السائق أن يمشي. نفخ أحمد بضيق من تلك المرأة "المجنونة" التي لا يعلم ماذا تريد، هل تريد القرب أم تريد الفراق والهجر؟
********************************
استدعى عمر إحدى الممرضات وطلب منها أن تجلب له ذلك الطبيب بالتحديد.
دخل الطبيب وهو ينظر لعمر بريبة، فابتسم عمر وهو يرفع يده قائلاً:
ـ دكتور، معلش ، ممكن تشوف إيدي؟ تعبانة جدًا.
شعر الطبيب بالارتياح، ولم يعد يشك في عمر. اقترب منه وأمسك بيده ليفحصها بهدوء، بينما كانت ملامح عمر ثابتة تحاول إخفاء قلقه.
أما في الخارج، فكانت مريم تنظر يمينًا ويسارًا بارتباك، وقلبها يخفق بسرعة تكاد تُسمع من شدته. فتحت باب غرفة الطبيب بحذر شديد، ثم تسللت إلى الداخل
بسرعة، وأغلقت الباب خلفها وهي تلهث، واضعة يدها على صدرها كأنها تحاول كبح أنفاسها المرتجفة.
بدأت مريم تبحث في غرفة الطبيب عن التقرير الطبي، تقلب الأدراج والأوراق بعشوائية، وكل ثانية تمرّ كانت كأنها دهر. ارتفع نفسها المضطرب حتى كاد يُفضح وجودها.
وفجأة... فُتح الباب. تجمدت مريم مكانها كتمثال من الخوف.
أما عمر، فكان يحاول أن يطيل الحديث مع الطبيب في أي شيء حتى لا يذهب إلى مكتبه فيكتشف وجود مريم. لكنه ملّ من حديثه، فتركه الطبيب وغادر.
في تلك اللحظة، نهض عمر من الفراش وركض بسرعة، يدفع الباب بيده وهو يبحث عنها بعينين يغمرهما القلق.
وفي داخل الغرفة، وجدت مريم أمامها إحدى الممرضات.
نظرت الممرضة إليها بغضب، وفتحت فمها لتصرخ، لكن مريم انطلقت بسرعة نحوها، وضعت يدها على فمها، وعيناها ممتلئتان بالدموع والهلع، وقالت بصوت مرتجف:
ـ لو سمحتي، اسمعيني الأول، والله أنا مش حرامية ولا بعمل حاجة غلط، دا عمل إنساني.
ظلت مريم ترجُوها بعينين تملؤهما الدموع، فنظرت إليها الممرضة وكأنها تفحصها بعين خبيرة، ثم رأت فتاة بسيطة، يظهر على وجهها الطيبة والبراءة.
أبعدت الممرضة يد مريم عنها، ثم أشارت لها أن تتكلم.
أخذت مريم نفسًا عميقًا، ثم أسندت نفسها على الممرضة وقد بدت قدماها عاجزتين عن حملها، وبدأت تروي لها كل شيء.
في تلك اللحظة، تذكرت الممرضة اسم "نورا"، فكانت تعرفها، وشعرت بالأسى والحزن لما حلّ بها.
قالت لمريم بصوت خافت متردد:
ـ بصي، أنا هساعدك وأجيب لك التقرير، بس لازم تطلعي من هنا دلوقتي، لأن الدكتور طلب مني أجيب له حاجات، ولو اتأخرت عليه أكتر من كده هييجي ويشوفك.
اطلعي من هنا واستنيني برة عند باب المستشفى الخلفي، وأنا هشوف التقرير وأجيبه لك، يلا بسرعة.
خرجت مريم مسرعة، تتلفت حولها بخوف، حتى رأت عمر الذي كان يبحث عنها، وعيناه تفضحان رعبه عليها.
أمسك بيدها بقوة، ولم يسألها عن شيء، فقط أخذها معه وخرج.
طلبت مريم من عمر أن يتجه إلى الباب الخلفي، فقاد السيارة وجلس ينتظر.
حكت له مريم ما حدث معها داخل الغرفة، لكنه لم يطمئن لتلك الممرضة.
أدار المحرك وهمّ بالمغادرة، فصرخت مريم قائلة:
ـ إنت رايح فين؟ استنى، هي أكيد جاية!
قال عمر بنبرة حادة:
ـ إنتِ هبلة يا مريم، صح؟ إحنا لازم نمشي، مش ممكن تكون راحت قالت كل حاجة للدكتور الزفت ده!
هزّت رأسها نافية بإصرار وقالت:
ـ لا يا عمر، دي ست باين عليها إنها طيبة جدًا.
رمقها عمر بنظرة يأس وغيظ، ثم قال بسخرية ممزوجة بالعجز:
ـ والله يا مريم، ماحدش طيب غيرك لدرجة الهبل!
عبست مريم والتفتت نحو النافذة، وفجأة لمحت الممرضة قادمة مسرعة، فصرخت:
ـ أهي! أهي جاية!
فتحت الباب لها، والتفت عمر ليجد الممرضة تلهث وهي تقول:
ـ أهو التقرير، الدكتور كان مخبيه في مكان صعب حد يوصله، بس الحمد لله قدرت أجيبه.
نظرت مريم إلى عمر بنظرة فيها مزيج من الغضب والفخر، فخرجت مريم من السيارة واحتضنتها بعفوية، قبلتها على وجنتيها وهي تقول بابتسامة صافية:
ـ والله إنتِ ملاك رحمة فعلًا، إنتِي عسل، هاتي بوسة تاني.
ابتسمت الممرضة وبادلتها العناق بخجل لطيف.
خرج عمر من السيارة، ثم أخرج مبلغًا من المال ووضعه في يد الممرضة شاكرًا، لكنها رفضت، فأصرّ، ونظرت إليها مريم برجاء، فقبلت الممرضة المبلغ وغادرت.
عاد عمر ومريم إلى السيارة.
كان الصمت يلفهما للحظات، حتى ظهرت فجأة سيارة أمامهما بشكل مفاجئ!
ضغط عمر على المكابح وحاول الانحراف، لكن السيارة الأخرى تبعته بسرعة، كأنها تترصده.
انطلق عمر بأقصى سرعة، وصوته يعلو بالقلق:
ـ مريم، حطي حزام الأمان كويس، ولو حصل أي حاجة، أوعي تتحركي من العربية، انتي سامعة؟
ورغم الخوف والارتباك، نظرت له مريم بعينين دامعتين وقالت بإصرار:
ـ لا يا عمر، أنا مش هسيبك، مهما يحصل، إن شاء الله نموت سوا.
قال بعصبية وهو يحاول المناورة بالسيارة:
ـ يوووه مريم، مش وقته جو شهداء الحب ده! اسمعي الكلام، رنّي دلوقتي على يحيى، وابعتيله اللوكيشن
بسرعة، وخلي التليفون مفتوح!
هزّت رأسها بخوف وهي تمسك الهاتف بيدين مرتعشتين، تحاول الاتصال بيحيى، وكأنها نسيت كيف تُستخدم شاشة الهاتف من شدة التوتر.
على الجانب الآخر، كان يحيى في المتجر حين دوّى رنين الهاتف.
أجاب بسرعة، فسمع صوت عمر المرتفع المليء بالهلع:
ـ يحيى، تعالى بسرعة على العنوان، ، وهم ماشيين ورايا، مش عارف أخلص منهم، شكلهم مش ناويين على خير، ومريم معايا، مش عارف أتصرف وهي معايه
قفز يحيى من مكانه، أمسك مفاتيح السيارة وخرج كالصاعقة.
صرخت خلفه هالة:
ـ يحيى، في إيه؟ مال عمر؟ رد عليا!
: رد عليها شقيقها عبر الهاتف وقال
ـ هالة، متخافيش، أنا كويس يا حبيبتي، مافيش حاجة.
ارتجف صوتها وهي تقول:
ـ عمر فين؟ طمّني عليه، والنبي يا عمر أوعى تعمل مشاكل، لو حصل لك حاجة أمك تروح فيها، علشان خاطري يا حبيبي خلي بالك من نفسك.
اشتعل الغضب داخل يحيى ضغط على دواسة البنزين بكل قوته، والسيارة تنطلق بجنون كأنها تسبق الريح.
ارتفعت أنفاسه وتصلّب فكه وهو يحدث عمر عبر الهاتف:
ـ عمر، ركّز معايا! الطريق اللي إنت فيه، خليك ماشي على طول، بعد كده ادخل يمين، في شمال، هتلاقي مخزن عربيات بتاع واحد أعرفه، ادخل فيه، وأنا هكلم صاحبه.
وخلي مريم ترنّ على موبايل هالة وتبعت اللوكيشن، وسيبوا التليفون مفتوح.
فعل عمر كما قال له، بينما يحيى اتصل بصاحب المخزن على الفور.
وصل عمر إلى المكان، وجد الباب مفتوحًا، فاندفع بالسيارة إلى الداخل.
لكن قبل أن يُغلق الرجل الباب، اقتحمت السيارة الثانية المكان بعنف!
خرج المجرمون بسرعة من السيارة، وجوههم مظلمة كأنهم جاؤوا من الجحيم.
حاول صاحب المخزن أن يمنعهم، لكن أحدهم، ضخم الجثة، أمسك به وانهال عليه بالضرب المبرح حتى سقط فاقد الوعي، فقد كان شيخًا كبيرًا لم يتحمل تلك القسوة.
نزل عمر من السيارة، أغلق الأبواب بإحكام على مريم، وقال بصوت حازم:
ـ ما تخرجيش، مفهوم؟
صرخت مريم وهي تضرب على زجاج السيارة بعنف، والدموع تنهمر من عينيها:
ـ عمر، لأ! لأ يا عمر!
وقف عمر أمام المجرمين، نظراته مشتعلة كالنار، ووجهه يفيض بالغضب
.
أما في الجهة الأخرى، كانت هالة تصرخ في الهاتف بأعلى صوتها، تنادي على شقيقها، ودموعها تهطل كالمطر في ليلة شتوية عاصفة.
زاد يحيى من سرعة السيارة حتى بدت وكأنها تطير فوق الطريق لا تلامس الأرض، وصدره يضيق من القلق والخوف على ابن عمه، ويدعو الله من أعماق قلبه:
"ان،ينجِّيه. ويصل له قبل ان يصيبه اذى
ووويتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات