رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم هالة محمد
34 = حلال ولكن مرفوض - صاحب الظل - 34 /
للجميع@
مرحباً عزيزي القارئ، شكراً من القلب على كلماتك الجميلة ودعمك للفصل السابق. هذا الفصل الجديد هدية متواضعة لكم، وأتمنى أن ينال إعجابكم
:*******************************
في إحدى أكبر القاعات بمحافظة سوهاج، كانت أصوات الموسيقى والأغاني مرتفعة داخل تلك القاعة. تجلس النساء في مكان مخصص لهن، ويجلس الرجال في الجانب الآخر، ومن بينهم حاسد، ومن بينهم حاقد،
ومن بينهم من يحزن على تلك الفتاة الطيبة.
كانت زينب تجلس بفستان الزفاف، لا تشعر بأي فرحة رغم أنها ترتدي فستان زفاف غالي الثمن والعديد من المصاغات الذهبية التي تُقدّر بالآلاف، لكنها كانت حزينة وشاردة. لم تكن تريد كل هذا، كل ما أرادت هو حفل زفاف بسيط مع شخص يحبها وتحبّه، ولكن لم يكتب لها القدر هذا، رغم أنها فتاة متعلمة وطيبة.
كان عائقها الوحيد جسدها الممتلئ بعض الشيء، ومع مرور الوقت ووصولها لسن الثلاثين، أصبح اللقب المؤذي "عانس" ملازمًا لها، وهو لقب يكسر قلوب الفتيات ويجعلهم يعيشون في ألم دائم.
اضطرت زينب أن تستمع لكلام أمها، فهي فتاة ضعيفة الشخصية. فقد تعبت من حديث الناس المستمر،
وأسئلتهم: "لماذا لم تتزوجي؟"، وأخرى تقول لها: "يجب عليك أن تنقصي وزنك". تعرضت زينب للعديد والعديد من العنصرية والتنمر بسبب وزنها وتأخر زواجها، ولهذا السبب وافقت أن تتزوج طلعت، ذلك
الشاب الفاسق مدمن المخدرات، الذي تزوج بقاصر لبعض الشهور ثم تركها في منزل عائلتها، ولم يسأل عنها، كأن طلعت يرقص مع بعض الشباب الذين يشبهونه من مدمني المخدرات.
كانت تجلس كل من نعمة وعفاف تتحدثان، فقالت نعمة بحدة:
- ما كانش ليها داعي القاعة والمصاريف دي كلها يا عفاف، ما كنا جوزناه في البيوت زي ما كل الناس عتعمل. وبعدين ليه 200 جرام دهب بحالهم؟ يا عفاف، ما تكونش بنت وزير واحنا مش عارفين.
عبس وجه عفاف من حديث نعمة، فردت عليها باللهجة الجافة قائلة:
- لا، مش بنت وزير يا أم طلعت، بس بنتي داخلة على ضرة زهراء بنت نادية، اللي انتي بنفسك لم جيتي طلبت إيد بنتي، قلتي إن ولدك هيطلقها وإن مش هتدخل البيت تاني. أهو ما فيش حاجة حصلت من كلامك، يبقى من حقي أضمن حق بنتي.
لم يعجب نعمة هذا الرد، فألقت على عفاف نظرة حارقة مليئة بالغضب.
شعرت عفاف أنها أخطأت فنعمه هي مفتاح راحت ابنتها في منزل الغول وهي الجحيم أيضًا فغيرت ملامحها بسرعة ورسمت على وجهها ملامح حزن وانكسار، ثم تحدثت بنبرة ضعيفة مزيفة مليئة قائلة:
- معلش يا أم طلعت، إنتِي مش عارفة أبو زينب عامل فيا إيه، كل شويه يفضل يقولي: "جوازتك رمحتك". لو جرت حاجة لزينب، تكون طالق بالتلات، وانا ساكتة علشانك وعلشان طلعت عارفه إنه طيب وجدع. بس نقول إيه؟ نصيبه وقع، في واحدة زي زهراء بنت نادية، ما انتي عارفة.
بهذه الطريقة، استطاعت عفاف أن تكسب ود نعمة مرة أخرى، وأن تحرضها على عائلة زهراء. ثم بدأ الاثنان يسبّان زهراء بأقبح الألفاظ.
وعلى بعد خطوات من تلك القاعة الفخمة، كان محمود والد زهراء يقف، وهو يتوعد عائلة الغول بأن يفضحهم في القرية، لكن قبل ذلك سيذهب إلى المنزل ليخرج غضبه على ابنته المسكينة، التي لا حول لها ولا قوة، تلك القاصر.
********************************
:
تحكمت الغيرة بها فلم تعد تستطيع الوقوف. اقتربت بخطوات غاضبة وهي تلقي على ريم نظرات حارقة، فتوقفت فجأة حين رأت يحيى يُبعد يدي ريم عن وجهه بصرامة.
تحدث عمر وهو ينظر إلى ابن عمه بسخرية قائلاً:
ـ "إيه الحكاية يا ولد سليم؟"
ألقى يحيى على عمر نظرة غيظ، وتحدث بجدية وصرامة قائلاً:
ـ "الحكاية إن ريم بتعتبرني زي أخوها، مش أكتر. صح يا ريم؟"
صمتت ريم ولم تُجب، ثم نظرت لعمر بتوعد، فنظر له عمر باستهزاء وابتسم بتهكم.
أكملت هالة خطواتها ووقفت بين ريم ويحيى، ثم أزاحت ريم بيدها لتبتعد عن يحيى، وفي الخفاء ضربت يحيى بيدها، فأصابت أحد جروحه في جسده. فتألم يحيى وضغط على شفتيه بقوة، ولكن رغم ألمه كان يشعر بالفرح الداخلي لأنها أصبحت تغار عليه ولم تستطيع أن تخفي غيرتها.
تحدثت هالة لريم بوجه عابس، فقالت:
ـ "بس اللي عملته ريم دا اسمه قلة أدب!
وعلشان ريم كانت تلميذة عندي، لازم أعلمها إن ما ينفعش."
ثم وضعت يديها فوق وجه ريم بقوة كأنها تصفعها، فصدم الجميع مما فعلته.
أما ريم، فكانت تغلي من الداخل، وكسا وجهها الغضب، وكانت تود أن تجذب هالة من حجابها وتصفعها آلاف المرات، لكنها لم تستطع أن تفعل هذا في وجود يحيى.
فتوعدت لها في سرها أن تجعلها تدفع ثمن هذا قريبًا.
ابتسمت هالة بغلٍّ وغيرة وقالت:
ـ "ما ينفعش تحطي إيدك على وش يحيى، ولا تقولي له يا حبيبي! دا عيب، وقلت أدب. والبنت مكسوفة الرقبة اللي تعمل كده تبقى مش مترباية، حتى لو يحيى زي أخوكي!"
ثم اقتربت منها أكثر وتحدثت بصوت منخفض، فقالت
:
ـ "بس بعد الشر على يحيى ما يبقى زي أخوك الشمام بتاع الشابو دفر يحيى بأهلك كلهم! رايحي نفسك يا بنت الغوازي مش هتاخديه."
ثم ابتعدت عنها وهي تبتسم بشماتة وانتصار، وقالت بصوت عالٍ:
ـ "مش صح يا ولد عمي!"
هز يحيى رأسه بصمت، وحين لم تستمع لصوته، التفتت إليه هالة وهي تشبك يديها في بعضهما بعصبية وتنظر له بعينين مفتوحتين تملاهما الغيظ والغضب الشديد.
تنحنح يحيى سريعًا، فقال بصوت مرتفع:
ـ "صح، كل كلمة قالتها هالة صح!"
لم تعد ريم تستطيع التحمل بعدما رأت نظرة الشماتة في عيون هالة، فصرخت بصوت غاضب:
ـ "يحيى، عايزة أتكلم معاك شوية، لوحدينا!"
وقبل أن تفتح هالة فمها، أمسكت بها أمها، التي كانت تراقب عمر في صمت، وتعلم أنه غاضب جدًا وقد ينفجر في أي لحظة.
كانت دماء عمر تغلي كالبركان، يراقب شقيقته وأفعالها، وتأكد أنها تحب يحيى، وهذا الشيء جعله يجن جنونه.
فكر أن يقوم بضربها، لكنه تراجع عن تلك الفكرة حين تذكّر ما حدث لها، فقرر أن يتحدث معها بهدوء ويجعلها ترفض هذا الزواج.
أمسكت فاطمة بابنيها الاثنين ومشت بهما، وجعلت هالة تدخل المطبخ لتلهيها عن يحيى وريم، وأخذت عمر إلى غرفته لتطمئن عليه.
أما داخل المطبخ، فكانت هالة تُخبط أواني الطعام بعنف، فلم يستطع يحيى وريم التحدث.
فأمسك يحيى بريم وأخرجها خارج المنزل، وخرجت هالة من المطبخ وهي تنظر لهما بغيظ، ثم اتبعتهما بخطوات خفيفة ووقفت خلف باب المنزل تُراقبهما من الداخل.
وقفت ريم ونظرت ليحيى وهي ترسم على وجهه البراءة الزائفة والحزن المصطنع، وقالت:
ـ "عاجبك يا يحيى اللي عملته بنت عمك دي؟ ضربتنا، بس على العموم أنا هسكت عشان خاطرها، وعشان هي أكبر مني بكتير."
كانت ريم تقصد بكلامها أنها أصبحت عانس كما يقول البعض عنها.
فهم يحيى حديثها ولماذا ترمي، ونظر لها بنظرة صارمة مليئة بالغضب، ثم تحدث:
ـ "بنت عمي مش غلطانة، إنتِي اللي غلطانة! أنا من زمان ساكت على تصرفاتك، وبقول عيلة يا يحيى، وبكرة تكبر، بس من الواضح كده إن كل ما تكبري، كل ما تصرفاتك تبقى غلط!"
تفاجأت ريم من رد فعل يحيى، لكنها لم تخجل، بل تحدثت بجرأة وهي تحاول أن تقترب منه ونظرت له، قائلة:
ـ "مدام انت واخد بالك مني ومن تصرفاتي، ليه سايبني في العذاب ده؟ ما خطبتنيش ليه لغاية دلوقتي؟ زي ما نسمه كانت بتقولي إنك هتاجي وتتقدم ليا
ألقى عليها يحيى نظرة مليئة بالغيظ، لأ استغرابه من جرأتها ومن حديث شقيقته، ثم ابتعد عنها وقال:
ـ "أنا ما أعرفش نسمه جابت الكلام ده منين! أنا عمري ما اتكلمت عنك، ولا فكرت فيك، ولا اهتميت بيك. إنتي مجرد بنت خالتي الصغيرة مش أكتر! أما بالنسبة للمسألة، أنا هتجوز مين وأحب مين، أحب أقول لك إني هتجوز بنت عمي وبحبها هي هي وبس، شيل الكلام الفارغ ده من دماغك."
ثم تركها، ودخل المنزل، رقدت تحاول أن تختبئ قبل أن يراها يحيى، ولكنه رآها وابتسم عليها
.
اقترب منها وهو ينظر لها بعينين تفيضان بالعشق، عيون تمتلئ بلمعة خاصة، لمعة الحب، ثم قال:
ـ "مش عيب إن احنا نتصنت على حد!"
ارتبكت هالة ولم تستطع التحدث، ثم ركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب.
تنهّد يحيى وهو يدعو الله أن يتزوجها في أقرب وقت.
********************************
في الصعيد
فتح والد زهراء الباب بعنف، يندفع كالمجنون، وكأن كل غضب السنوات الماضية يتراكم بداخله، ويريد أن يفرغه عبر ابنته التي لا حول لها ولا قوة. وجدها
جالسة بين إخوتها الصغار، تدرسهم بصبر وهدوء، بينما قلبها ينبض بالسعادة بعد ابتعادها عن طلعت ومنزل العذاب. واليوم، يغمرها الفرح بزواج طلعت، معتقدة أن خلاصها بات قريبًا، وأنها ستتخلص أخيرًا من الجحيم الذي عاشته.
فجأة، وبدون سابق إنذار، أخذ والدها الكتاب من يديها وبدأ بتقطيعه إلى قطع صغيرة، وعيناه مشتعلة بالغضب. ارتعشت زهراء، نظرت إلى الكتاب بعيون حزينة، وصوتها يرتجف:
"ليه كده يا بوي دا كتاب مهم قوي..."
ارتجفت أنفاس والدها، وعيناه تلمع فيها نظرة الشيطان. رفع يده وأنزل صفعة قوية على وجهها. صرخت زهراء، وأمسك بها من شعرها وسحبها بعنف. حاولت أن تبعد يده، لكنه ضرب يدها بعنف قائلاً:
"جوزك ازوج عليكي، وانتي قاعده ماسكالي أكتب! خلي الكتاب ينفعك يا أم كتاب. كم مرة أقولك ارجعي لجوزك وارجعي لبيتك وتقولي لا؟ جوزتك جوازي! الكل عيحسدك عليها بس انتي فقريه زي اللي جابتك، جيتي ترمحي وما عمرتيش، بس أنا هربيكي يا ناقصه الربايه!"
كانت دموع زهراء تتساقط بغزارة، قلبها يختنق بالخوف، وترجو ولدها أن يرحمها، لكنها لم تجد الرحمة في قلبه. لم يكتف بتدمير مستقبلها، بل ظل يبحث حولها مثل المجنون عن أي شيء يضربها به. ابتسم بسخرية حين وقع بصره على عصا غليظة، تكفي لكسر عظامها.
ارتجفت زهراء للخلف من الرعب، وظلت تبكي بلا حول ولاقوه، لم يتأثر والدها بدموعها التي روّت الأرض. رفع العصا، فاحتضنت نفسها لتحتم جسدها الصغير من ضرباته، كان المفترض أن يكون هو حضنها الدافئ وسندها في هذه الدنيا.
لكنها لم تكن وحدها، إذ وجدت أمها تحميها بجسدها، تتلقى الضربات بدلاً منها، وكل ضربة كانت تزيد حدة القسوة في قلبها. هدر الزوج بقسوة:فقال
"بعدي خليني أربيها، وبعدين هاجي أربيك انتي كمان، واكسر عضمك!"
أمسكت ناديه بابنتها، وضعتها خلف ظهرها لتقف أمام زوجها بكل قوة، ثم رفعت صوتها المليء بالغضب، غضب أم على ابنتها:فقالت
"بكفاياك يا محمود! حرام عليك! مش كفاية ظلم فيها، عاوز إيه منها؟"
ردّ محمود بسخرية:
"عاوز مصلحتها يا ناديه، عاوزها ترجع بيت جوزها وتلحق اللي فاضل قبل ما بنت حسين تاخد كل حاجة!"
قالت ناديه بحزم:
"بتي مش هترجع تاني بيت الغول يا محمود، لو على موتي مش هترجع بيت الحلب دوله!"
ابتسم محمود بسخرية، ثم رفع العصا قائلاً بغيظ:
"إيه اللي غيرك مش انتي اللي كنت تقولي الجواز ستره، والبت ملهاش غير الزواج بلا تعلم، بلا خيبة؟ كلامك ده ولا نسيت يا ناديه؟"
التفتت ناديه إلى ابنتها، عيونها مليئة بالدموع والندم، ثم نظرت إلى زوجها بعزم:
"الزواج ستره صح يا محمود، بس في سن مناسبة. الزواج ستره بس لما البت تكمل تعلمها، عشان لما جوزها يزوج عليها و يرمها زي ما طلعت عمل. تلاقي اللي يسندها علشان أحنا بقينا في زمن الأب فيه مبقاش سند
الزواج ستره بس لما العريس يكون راجل مش شمام ومدمن مخدرات. الزواج ستره بس لما تكون العيله عادله، مش زي عيله الغول. أنا فهمت غلط يا محمود، وعرفت عقبالك لما تفوق وتفهم وتبطل ظلم في بتك الغلبانه."
تجمّد محمود من حديث زوجته ولم يجد ما يقوله ، فترك المنزل هاربًا من ضميره الذي بدأ يستيقظ، ويشعر بالندم على ما فعلوه بابنتهم.
في المنزل، احتضنت زهراء أمها وهي تبكي بحرقة، لكنها كانت دموع فرح، فقد وجدت أخيرًا من يدافع عنها. شعرت بالأمان لأول مرة منذ سنوات في حضن والدتها، طلبت نادية من ابنتها السماح على ما فعلت معها سابقًا. ظل الاثنان يبكيان في حضن بعضهما البعض، متشابكين بالحب والأمان،
**********************************
في المساء، كانت هالة تقف في المطبخ، منهمكة في تحضير الطعام. كانت تحاول الانشغال بأي شيء يبعدها عن دوامة أفكارها، لكن صوت خطواتٍ غاضبة قطع سكون المطبخ.
رفعت رأسها فجأة، لتجد عمر يقف عند الباب، وجهه متجهم، وعيناه تحملان نيران الغضب.
تقدّم ببطء، ثم نطق أخيرًا بعد صمتٍ ثقيل، كأن الكلمات كانت صخرة على صدره لا يستطيع رفعها:فقال
ـ بصي يا هالة... أنا لا هتخانق ولا هعمل حاجة، بس هي كلمة واحدة... انسي موضوع يحيى نهائيًا، تمام؟
رفعت هالة عينيها إليه بيأسٍ عميق، ثم أعادت نظرها إلى الطعام، تُقلّب فيه بصمتٍ متعب.
كانت في داخلها تشعر بألمٍ يعتصرها، ألم امرأةٍ اختنقت من القيود التي تفرضها عليها الحياة، ومن نظرات الناس التي تزنها بعمرها لا بروحها.
تذكّرت بابتسامةٍ مريرة كيف أراد والدها وجدّها أن يزوجاها لرجلٍ خمسينيٍّ متزوّجٍ وله أحفاد، فقط لأنها تأخرت في الزواج، بينما الآن يرفض الجميع زواجها من ابن عمها لأنه يصغرها بثلاث سنوات.
يا لهذا المجتمع الغريب... حين تكبر المرأة الرجل بسنواتٍ قليلة يثور الجميع،
أما حين يكبرها هو بعشرين عامًا، يرون الأمر طبيعيًا، بل مثاليًا.
كم هي قاسية هذه الأعراف، وكم هو ظالم هذا الميزان!
نظر عمر إلى شقيقته، فرأى الدموع تلمع في عينيها، فارتجف قلبه حزنًا عليها، لكنه ظلّ صامتًا، يخشى عليها من خطوةٍ قد تجرّ لها وجعًا أكبر.
استدار ليغادر، لكنه فجأة، بيحيى يقف أمامه، عيناه تشتعلان غضبًا، وصوته يحمل ثقل المواجهة.
قال يحيى بحدة:
ـ مش عاوزني أتجوز أختك ليه يا عمر؟! إيه اللي فيا مش عاجبك؟!
مسحت هالة دموعها سريعًا، وحاولت أن تتحدث قبل أن يتشاجرون، لكن يحيى أشار بيده وقال بصرامة:
ـ ما تتكلميش يا هالة، نص كلمة .. أنا بسأله هو. ليه رافض جوازي من أختك؟
ضحك عمر بسخرية، وقال ببرودٍ ممزوجٍ بالغضب:
ـ عشان أنا صاحبك يا يحيى، وأكتر واحد عارفك!
إنت يا يحيى سليم العامري، يوم ما تتجوز واحدة، لازم تكون أصغر منك بعشر سنين على الأقل!
مش إنت اللي كنت دايمًا تقول إن البنت اللي عندها تلاتين سنة وما اتجوزتش أكيد فيها عيب أو ناشزج
عشان كده ما اجوزك اختي مش ده كلامك يا يحيى اللي كنت دايما تقوله
شعر يحيى بالخجل والغضب من نفسه تذكر تلك الاحاديث السخيفه الذي كأن يقولها في السابق
صمت يحيى لحظة، ، ثم تنفّس بعمق وقال بنبرةٍ يملؤها الندم:
ـ صح، ده كان كلامي زمان، وكنت غبي. كنت زي ناس كتير شايفين إن البنت اللي وصلت تلاتين خلاص ما تنفعش للجواز، أو أكيد فيها عيب.
بس بعد كده فهمت إن الجواز نصيب، وله وقته اللي ربنا بيكتبه.
وعرفت كمان إن في بنات في سن التلاتين جواهر نادرة، محتاجين اللي يقدرهم ويعرف قيمتها
وأختك عندي جوهرة نادرة... وأنا عارف قيمتها كويس.
عشان كده يا عمر، أنا عاوز أتجوز أختك، وهتقدم لها لمليون مرة ، وبعد كده كلامك يبقى معايا أنا، مش معاها.
تمام يا صاحبي؟... ده لو كنت لسه صاحبي يعني.
ظلت هالة تنظر إليه، وعيناها ممتلئتان بدموعٍ صامتة. كلماته اخترقت قلبها الموجوع من نظرات المجتمع الجارحة، التي لا ترى فيها سوى رقم العمر، لا دفء الروح.
أما عمر، فقد شعر بصدق حديثه، فهو يعرف ابن عمه، ويعلم أنه لا يكذب. ومع ذلك، بقي القلق ينهش صدره خوفًا على شقيقته.
تذكّر تلك الأفعى، "نسمة" ابنة عمّه، وحديث زوجة عمه أمينة عنها، فانعقد جبينه بالشك.
التقط يحيى النظرة، فقال بثقة:
ـ بص يا عمر، اللي بتفكر فيه متقلقش منه...
أنا مستعد لأي ضمانات تطلبها علشان تضمن بها حق أختك.
ولا هاسمح لحد يضايقها أو يقول لها كلمة. وحشه
وعلى العموم، خُد وقتك وفكّر براحتك...
بس الرفض؟... ممنوع يا ولد العامري.
رمقه عمر بنظرة استهزاء وقال بحدة:
ـ ده عند أمك يا حبيبي، دي أختي، وأنا أوافق أو أرفض براحتى. أنا اللي عارف مصلحتها!
اقترب يحيى بخطوة وقال بغيظ:
ـ طيب ابقى أفرض يا روح أمك... علشان أكسر عضمك...
وفجأة، دوّى صوتٌ من خلفهما:
ـ ما فيش تربية عندكم يا قليلين الأدب؟!
كانت فاطمة قد اقتحمت المطبخ وهي تمسك عصا خشب من أدوات الحلويات، وضربتهما ضربًا متلاحقًا وهي تقول
ـ ده يقول أمك وده يقول أمك هو إحنا لعبه معاكم
ظلت تضربهما حتي
تراجع الاثنان خارج المطبخ وهما يضحكان بينما بقيت فاطمة تزمجر في أثرهما.
وبعد قليل، اجتمع الجميع على المائدة في جوٍّ عائلي دافئ مليء بالضحك.
ألقت فاطمة نظرة على الحقيبة الموضوعة أمام غرفة يحيى وقالت:
ـ لامم خَلْقَك يا ولدي، ورايح فين؟
ابتسم يحيى بمكر، وغمز لها قائلاً:
ـ هسيبك تقعدي في الشقة براحتك يا بطوط، يمكن نفسك تلبسي حاجة كده ولا كده.
ضحكت فاطمة وقالت:
ـ حاجات إيه يا ولدي! ده أنا ما بقيتش قدره أقوم من ركبي! رايح فين يا حبيبي؟ ده بيتك يا يحيى، وإحنا ضيوف عندك.
توقف يحيى عن الطعام ونظر إليها بجدية وقال:
ـ أولًا حاجة، أنتم مش ضيوف... أنتم أهلي.
إحنا بيت واحد
وقبل ما تتكلمي يا مرات عمي،
أنا هفضل أقولك كده حتى لو اتطلقتي من عمي،
لأني عارف إنكم هترجعوا لبعض.
الشقة هنا صغيرة، مش زي بيت البلد،
وأكيد إنتِي وهالة عايزين تاخدوا راحتكم في الشقه
أنا كنت قاعد اليومين دول بس لحد ما أظبط سكن قريب منكم،
والحمد لله لقيت.
نظرت إليه هالة وهي تقلّب الطعام دون شهية،
شعرت بالحزن حين علمت أنه سيرحل،
فقد اعتادت أن تراه كل يوم، وكأن حضوره صار طمأنينتها الوحيدة.
شعر يحيى بها
فرفع صوته حتى يسمعها وقال
ـ ما تقلقيش يا بطوط... كل يوم هتلاقيني هنا.
أعجب عمر، بتصرف يحيى وقرر أخيرًا أن يفكر جديًا في أمر زواج يحيى من شقيقته.
أما هالة، فانسحبت من المائدة بهدوء، تخشى أن يفضح صوتها حزنها أمام الجميع.
لاحظ يحيى ذلك، وعرف أنها غاضبة من قراره، إنه سيصالحها لاحقًا.
بعد قليل، وقف، وأخذ حقيبته، وقال لعمر:
ـ يلا عشان توديني.
ردّ عمر وهو يلوك الطعام بصعوبة:
ـ امشي لوحدك، مش هأودي حد
أمسك يحيى بثيابه، وأجبره على النهوض والسير معه، بينما عمر يسبّه غاضبًا حتى وصلا إلى منزل مديحة.
قال له يحيى
:
ـ خبط على الباب وادخل، هات الأوراق اللي قال عليها عامر من مديحة علشان نروح للمحامي.
ضحك عمر بغيظ ووضع يده على كتف يحيى وقال:
ـ إنت جايبني معاك عشان خايف من مديحة، صح؟
بس عاوز أقولك... أنا خايف منها أكتر منك، فعشان كده أنا ماليش دعوة، هستناك تحت.
أمسك يحيى بعمر حتى يمنعه من الذهاب، وتحول الجدال إلى مشاجرة صغيرة،
حتى اندفع الاثنان نحو الباب بعنف،
وفجأة انفتح الباب وسقطا معًا على الأرض، عند قدمي مديحة التي كانت تنظر إليهما بذهولٍ وغضب.
تجمّد الاثنان في مكانهما، يتبادلان نظراتٍ محرجة.
*********************************
في منزل عائلة العامري في الصعيد
ساد الصمت أرجاء الدار الواسعة، لا يُسمع فيها سوى همس الريح بين جدران المنزل
دخلت نسمة وهي تحمل كأسًا من الشاي، وضعته أمام جدها في احترام مصطنع، ثم جلست إلى جواره، ترسم على وجهها ملامح الانكسار والضعف ببراعة، ملامح لا تمتّ بصلة لتلك الأفعى التي تسكن أعماقها.
رفع الجد رأسه نحوها، وعيناه تفتشان في وجهها كمن يبحث عن سرٍّ خفي، ثم قال باهتمام:
ـ مالِك يا نسمة؟ وصحّ قولي، مفيش حاجة جاية في السكة؟ مش ناوية تجيبي لنا سليم صغير يخاوي العامري؟
أطرقت رأسها قليلًا، وامتلأت عيناها بدموع زائفة، وتحدثت بصوت متحشرج:
ـ وأنا أخلّف تاني ليه يا جدي؟ من واحد هاجرني، حتى فرشته ما بينامش فيها! أنا عارفة إني غلطت لما زعقت فيه قدامكم، بس والله رُحت له، وحبيت على راسه، وقلت له "حقك عليا ما تزعلش مني".
بس أخته ما تنفعش لأخويا... دي أكبر منه، ولو اتجوزها بُكرة يسيبها ويتجوز غيرها.
ويقولها إنتِي، أكبر مني،
نظرت إليه بخبثٍ، تراقب أثر كلماتها في ملامحه، لكنه ظلّ صامتًا، وجهه كالحجر لا يُظهر تأثرًا ولا تعاطفًا.
فتصنّعت البكاء بصوتٍ مرتفع، وانهمرت دموعها المصطنعة على خديها وهي تقول:
ـ ضربني يا جدي! وقال لي هجوز عليكِ، وهخليكِ خدامة مدام مش راضية أخوكي يتجوز أختي!
ولما قلت له "هقول لجدي"، رد عليّ وقال: "لا خايف منك ولا من جدّك! هو علشان أنا يتيمة يعمل فيا كده
؟!"
اشتعل وجه الجدّ غضبًا، ونهض ضاربًا عصاه بالأرض حتى دوّى صوتها في أرجاء المنزل، واشتدت ملامحه صرامة وقسوة. خرج بخطوات واسعة وهو يصيح بصوتٍ هادر:
ـ جابر! يا جابر!
كان جابر يجلس في الحديقة بصمت، غارقًا في أفكاره، يسترجع كلمات ابنه التي واجهه بها بالأمس، وكيف أدرك من خلالها أنه كان أبًا قاسيًا، ظلم أبناءه وزوجته دون أن يشعر.
لطالما كان ابنًا مطيعًا لوالده، لا يرد له أمرًا، لكنه في المقابل فقد إنسانيته أمام أسرته.
شعر بالندم ينهش قلبه، وتمنى لو امتلك يومًا الشجاعة ليُصلح ما أفسده.
سمع صوت والده يناديه، فنهض متثاقلًا، وعيناه تفيضان بالحزن، وجهه شاحب كمن يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه.
لكن الجدّ لم يرَ شيئًا من ذلك، بل انفجر فيه بعنف:فقال
ـ فين المحروك ولدك؟ خلفت الهم يا جابر! داهية تاخد خلايفك كلهم، ولا واحد فيهم عاقل!
البت طول عمرها حاطة راسها براس الرجالة، وفاجرة وقليلة أدب الغايت ما بارت!
وقعدت في قرابيزني بعد ما فضحتنا في البلد، ودلوقتي راحت تلفّ على ولد عمها اللي أصغر منها!
قليلة الحيا اللي ناقص تربية!
والصغير عمال يرمح ورا بنات مصر!
والكبير اللي كنت فاكره عاقل، عايز يجوز على بنت عمه علشان العانس أخته!
بدل ما يروح يديها قلمين!
عقّل ولدك يا جابر! واعرف هو متجوز بنت مين! بنت سليم العامري؟!
كان وقع الكلمات كالصاعقة، لكن هذه المرة لم ينكسر جابر، بل رفع رأسه بثبات، وقال بصوتٍ قويٍّ
:
ـ لو هي بنت سليم العامري، هو ود جابر العامري!
جابر يا أبوي، اللي طول عمره ماشي تحت طوعك!
تقوله يمين يقول لك حاضر، شمال يقول لك حاضر!
بس كفاية ظلم يا أبوي، فيا وفي عيالي!
أنا ولدك زي ما سليم ولدك، وعيالي زيهم زي عيال سليم
مش غرب ولا جايين من الشارع، دول من بيت العامري!
غلت الدماء في عروق الجدّ، وعقد حاجبيه حتى غطى الغضب وجهه. لم يتخيل يومًا أن ابنه المطيع يقف في وجهه بهذا الشكل.
رفع عصاه وهواها على صدر ابنه بكل ما أوتي من غضب.
تراجع جابر إلى الخلف من قوة الضربة، لكن والده لم يتوقف، بل صرخ في وجهه قائلًا:
ـ عتغير من أخوك الميت يا أبو قلب أسود!
يا ريتك إنت اللي مت! هو لأ، على الأقل كان ربّى عيالك اللي مش لاقين رباية
تجمّدت ملامح جابر، وانكسر داخله شيء لا يُرمم. كانت كلمات والده كالسكاكين تمزق قلبه.
تذكّر حديثه القاسي مع ابنته ، فأدرك كام كان أباً ظالماً
.
أخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يملأ صدره بالأكسجين، لكن الهواء بدا ضيقًا خانقًا، وكأن العالم كله يضيق عليه.
ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ مملوء بالوجع:فقال
ـ ومن قال إن سليم مات يا أبوي؟ مش كل اللي مات اندفن تحت التراب... سليم عايش في قلبك وعقلك!
وأنا قدامك، بس ميت!
مدام بعد كل اللي عملته طلعت وحش، خليني وحش بالمرّة... بس على الأقل أبقى زين مع عيالي اللي طول عمري ظالمهم علشان أرضيك!
ثم ولّى ظهره، وخرج بخطواتٍ ثقيلة.
كان الباب نصف مفتوح، وخلفه وقفت نسمة تتابع ما يحدث بشماتةٍ ظاهرة.
أمسك جابر بذراعها بقوة، وغرز أصابعه في لحمها حتى شهقت من الألم.
سار بها يجرّها جَرًّا، ثم أوقفها أمام الجدّ وقال بصوتٍ غاضبٍ مدوٍّ:
ـ شايف العقربة دي؟ اللي إنت زعلان عليها؟
هي دي اللي هتخرب البيت!
بس علشان هي بنت سليم، مش هتشوف وساختها بخيتي سمك يا عقربة!
طيب، عندك فيّ؟
أنا اللي هجوز نوار!
ومش بس كده، ده كمان هوافق على جواز يحيى من هالة!
وابقي وريني هتعملي إيه!
تركها بعنفٍ وخرج وهو يُقسم في نفسه أن يُصلح كل شيء مع أسرته.
وقفت نسمة مصدومة، لا تصدّق أن عمّها الذي كان مطيعًا لجدها قد تغيّر بهذا الشكل.
أما الجدّ، فظلّ جالسًا في ذهول، لا يصدق أن ابنه الذي ربّاه على الطاعة قد ثار عليه أخيرًا.
*********************************
وقف كلٌّ من عمر ويحيى سريعًا، وعمّ الشعور بالخجل.
كانت مديحة تنظر إليهما بغضب شديد، ولكن حين انتبهت ورأت وجه يحيى الذي كان عليه آثار كدمات، ونظرت إلى يد عمر الملفوفة بشاشٍ طبي، تغيرت ملامحها لخوف وقلق ثم رمقهما بنظرة غاضبة، مدّت يدها وضربتهما وهي توبّخهما وتقول:
"مش كبرتوا على العمايل دي؟ كم مره أقول لكم بطلوا مشاكل؟ مش كفاية واحد في السجن؟ إنتوا غاويين تتعبوا قلبي معاكم ليه؟"
كانت توبّخهم كأنها أمّهم. لقد نسيت مديحة غضبها من يحيى وعمر حين رأتهما بهذا الشكل؛ تألمت من أجلهما، ولم تستطع السيطرة على مشاعر الأمومة التي تشعر بها تجاه هذين الاثنين.
ابتسم يحيى وعمر، فتحدث عمر مازحًا وهو يفتح ذراعيه قائلًا:
"مديحة يا حبيبة قلبي، الحمد لله على سلامتك يا مزّة! أنتي سامحتينا خلاص؟"
رفعت مديحة يدها ولكمته لكمة خفيفة في كتفه قائلة:
"مني تقولي ليا الاول مين عمل فيكم كده ، أبقى أشوف أسمحكم ولا لأ!"
تحدث يحيى بجدية وقال:
"مش مهم دلوقتي يا مديحة، المهم إحنا عايزين أوراق ضروري عامر قايلين عليها في أوضة. عامر! وبعدين أنتي ليه ما رحتيش لعامر ولا مرة لغاية دلوقتي؟"
جلست مديحة على أحد المقاعد، ونظرت إليهما وهي تحاول أن ترسم على وجهها ملامح القوة والصلابة. تحدثت بعد أن رفضت الاستماع لقلب الأم الذي يتألم داخلها من أجل ابنها، فقالت:
"ورحلوا ليه هو اللي عمل كده في نفسه، لما جاب اللي باعته وخانته وسكنها في بيتي . وراح رفعلها قضية طلاق كله ده من ورايا، وكأني عدوّته مش أمّه اللي خايفة عليه وعلى مصلحته!"
جلس يحيى بجوارها ثم نظر في عيونها وقال:
"أنتي السبب يا مديحة."
نظرت له مديحة بذهول، وهي غير مصدقة ما يقول. هل يعقل أن يقول إنها السبب في ضياع ابنها ورميه بين المجرمين؟ ابتسم يحيى ابتسامة صغيرة وقال:
"ما تبصّليش كده، أيوه أنتي السبب. أنتي اللي ربيتي عامر على إنه يبقى جدع مع أي حد حتى لو كان إنسان ما يستحقش. أنتي اللي دايمًا كنتِ تقولي له: أوعى في يوم تردّ بابك في وشّ حد محتاج ليك وانتي قادر تساعده."
صمتت مديحة ولم ترد؛ فحديث يحيى محق. هي التي ربّت ابنها بتلك الطريقة حتى تجعله إنسانًا صالحًا، ولكن في المقابل كان ابنها الضحية.
تنهد عمر بثقل وتحدث بلهجة جادة دون مزح فقال:
"مديحة، عامر خبّى عليكي علشان بيحبك. الظروف هي اللي أجبرت عامر على كده، وبرضه الظروف هي اللي ظهّرت نور تاني في حياة عامر. وزي ما قال يحيى، إنتي ربيتي عامر إنه يساعد الكل. روحيله يا مديحة، عامر مش عايز حاجة غير إنه يشوفك. إنتي وحشاه قوي هو ، ما وحشكِيش ولا إيه؟"
تساقطت الدموع من عيون مديحة بغزارة، دموع مليئة بالاشتياق والحزن والألم. بكت مديحة بصوت مسموع وقالت من بين شهقاتها:
"وحشني قوي يا عمر... كل ساعة بندَه عليه، بس هو مش بيرُد. كل ليلة بدخل أوضته أدور عليه، أقول يمكن اللي أنا فيه كابوس وابني نايم... بس مش بلاقيه. بيكون نايم بين المجرمين، بعد ما كان بيدافع عنهم!"
لم يتحمّل عمر أن يرى مديحة في حالة انهيار، فهو يعتبرها مثل أمّه. وقف واقترب منها وقبل رأسها، ودمعته تتساقط. أما يحيى فكان كالبركان؛ وقف وهو يضرب يده في المقعد بعنف، يتنفس بصوت مسموع، وعرقه يتناثر من الغضب، وعيونه مليئة بلهيب الانتقام.
توعّد يحيى في داخله أن يجعل من فعله في صديقه هذا سببًا ليدفع الثمن غاليًا.
وبعد قليل، حاول الجميع أن يتمالكوا أنفسهم، ومسحوا دموعهم، ثم ذهبت مديحة وفتحت غرفة عامر.
دخل عمر ويحيى إلى الداخل يبحثان عن الأوراق كما طلب منهم عامر. بحثوا في كل مكان ولم يجدوا شيئًا.
قلبوا المنزل رأسًا على عقب، لم يتركوا شيئًا في مكانه
، ومع ذلك لم يجدوا أي أثر لتلك الأوراق.
تركوا المنزل وذهبوا إلى مكتب عامر، الذي يقع في نفس العمارة السكنية. بدأوا يبحثون في كل شيء، في جميع الأوراق، ظلوا ساعات طويلة يبحثون ولم يجدوا شيئًا.
بل لاحظوا أن جميع الأوراق الخاصة بقضية نور قد اختفت!
جلس الجميع في حالة من اليأس. كان يحيى ينظر أمامه بتركيز شديد، يحاول أن يفهم أين اختفت تلك الأوراق ومن أخذها.
وجّه سؤاله إلى مديحة:
"مديحة، أنتي اديتي مفتاح مكتب عامر لحد؟ ومين دخل بيتك من ساعة ما اتقبض على عامر؟"
شردت مديحة وهي تحاول أن تتذكر.
وقف عمر وهو يفتش في الأوراق مرة أخرى، لكن لفت انتباهه شيء؛ نظر بحذر، فلاحظ ظلّ شخص يقف خلف باب المكتب المفتوح قليلًا.
أشار عمر ليحيى بهدوء كي ينتبه وينظر، ثم أشار ألا يتحدث.
كان عمر يتحدث مع مديحة بشكل طبيعي، لكن صاحب الظل كان يحاول أن يستمع لهم جيدًا.
اقترب يحيى بخطوات خفيفة جدًا من الباب، لكن حين فتحه ركض صاحب الظل إلى الأعلى!
ركض يحيى خلفه، وعمر من ورائه، بينما كان صاحب الظل يهرب بسرعة وهو يرتدي ملابس سوداء بالكامل.
هم يركضون، وهو يركض. وفجأة... اختفى!
لم ييأسوا، بل عزموا على إيجاده. وبينما كان يحيى يصعد للأعلى، اصطدم بـ ريم التي وقعت بين أحضانه.
في تلك اللحظة خرجت هالة على صوت الضجيج، فرأت المشهد، فاشتعلت غيرتها كالجنون.
اقتربت منهما بعينين تودّان أن تحرقا الدنيا، وقالت بسخرية:
"خير؟ أجيب لكم شجرة واثنين ليمون؟"
ابعد يحيى ريم عنه بعنف، ثم التفت الي هالة قائلاً:
"بصي، إنتِي فاهمة غلط خالص، وأنا هشرح لك كل حاجة... بس ده مش وقته. بعدين هقولك."
ثم تركها وذهب ليبحث عن صاحب الظل مرة أخرى.
نظرت ريم إلى هالة، ووضعت يدها على خصرها وقالت بمكر:
"مالك؟ نارك مولّعة ليّه؟ ابن خالتي، ولما لاقيني هاقع، ما هنتش عليّه راح سندنا فيه حاجة؟"
رمقتها هالة بنظرة احتقار، وقفت أمامها بثبات وقالت بقوة:
"بقولك إيه يا بت الغوازي كهن الغوازي ده ما ينفعش مع بيت العامري. لو جدّتك الغزية كانت لسه عايشة، كنتي سألتيها كم مرة حاولت مع العامري الكبير، لغاية ما زهق منها ورماها برّه البلد. ريّحي نفسك يا حفيدة الغوازي... يحيى العامري مش ليكي!"
هاجمت ريم هالة بعد هذا الحديث، وهي تحاول أن تضربها.
أمسكتها هالة بيديها، لكن ريم أمسكت بحجابها وخنقتها به بقوة وغلّ.
دخلت هالة في دوامة ذكريات مؤلمة، تذكّرت ما فعله بها والدها، فضاق نفسها أكثر، وتحولت عيونها إلى اللون الأبيض، وازرق وجهها.
وفجأة، ظهر طيف يحيى أمامها وكأنه يسحبها من تلك الدوامة.
استعادت هالة رشدها، أمسكت يدي ريم بقوة رغم ضعفها، واستطاعت أن تبعدها عنها، ثم التفتت، وبكفٍّ قوي نزلت به على وجه ريم.
وضعت ريم يدها على وجهها، ورفعتها لتضربها هي الأخرى، لكن هالة تفادت الضربة، وردّت بكفٍّ آخر.
حاولت ريم أن تهجم عليها مجددًا، فتراجعت هالة للخلف فصدمت بيحيى الذي ظهر فجأة.
نظر إليهما وقال بانفعال:
"هو في إيه؟"
ابتسمت هالة ونظرت إلى ريم بانتصار وقالت:
"ما فيش حاجة، يحيى... صح يا ريم؟"
هزّت ريم رأسها، وتركتهما وهي تغلي من الغضب كالقنبلة.
طلب يحيى من هالة أن تتبعه، وذهبا إلى شقة عامر حيث كانت مديحة وعمر بانتظارهما.
أغلقوا الباب جيدًا، ثم نظر يحيى إليهم وقال:
"إحنا مترقّبين. أنا كنت شاكك في الموضوع من ساعة ما رحت أقابل الشخص اللي كان هيجيبلي معلومات."
بدأ يحيى وعمر يسردان ما حدث معهم، وظل الجميع يفكرون:
من ذلك الذي يراقبهم داخل المنزل وفي كل مكان؟
وكيف اختفت جميع الأوراق؟
**********************************
في صباح يومٍ جديدٍ مليء بالمغامرات، كان يحيى يجلس داخل سيارته يتحدث مع عمر على الهاتف.
وعلى الجانب الآخر، كان عمر يجلس داخل سيارته، ويبدو عليه القلق الشديد، فقال بصوتٍ متوتر:
ـ يحيى... أنا قلقان على هالة، مش عارف إزاي سمعنا كلامها، أنا خايف يحصل لها حاجة.
كان عمر يشعر بالخوف على شقيقته، والأفكار السوداء لا تتركه، ظلّ يلوم نفسه: كيف استمع لكلامها هو وابن عمه، وتركها تُقحم نفسها في هذا الصراع؟
لم يختلف حال يحيى عن عمر؛ فقد استمع لابن عمه وهو يسبّ نفسه ويلعنها ألف مرة. كان رافضًا بشدة أن يدخلها في تلك المشكلة، لكنها ظلّت ليلةً كاملةً ترجوه وتتوسّل إليه، حتى استطاعت في النهاية إقناعه، فاقتحمت بنفسها الكارثة التي همّوا بها.
ضرب يحيى مقود السيارة بغضب، وردّ على ابن عمه بصوتٍ شديد الانفعال قائلاً:
ـ بص خلاص يا عمر، أنا هروح أجيبها، إن شاء الله أجرّها من شعرها وأكسر عضمها! أنا مش عارف إزاي أصلًا سمعت كلامها، بس أختك زنّانة!
صمت يحيى فجأة، ونظر في مرآة السيارة بتركيز، فرأى تلك السيارة السوداء تتبعه، فعلم أنهم يراقبونه.
نفخ بغيظ وضغط على أسنانه بعصبية، وأصبح مضطرًا أن ينفّذ فكرة هالة.
دقّ قلبه بخوفٍ عليها، لكنه لم يكن أمامه خيارٌ آخر.
كان عمر ينادي عليه عبر الهاتف، فأجابه يحيى قائلًا:
ـ أيوه يا عمر، أنا معاك، بس مع الأسف مضطرين نسمع كلام أختك. المهم ما تقلقش، أنا مش هسيبها، خلي بالك، هم دلوقتي أكيد ماشيين وراك، عشان في عربية ظهرت فجأة وماشية ورايا.
ردّ عمر عليه وهو يتوعّد قائلًا:
ـ أيوه شفتهم. ورايا أنا كمان .. أهم حاجة هالة يا يحيى، عينك عليها، أوعَى تحصل فيها حاجة، ولا حد يلمس شعرة منها. سلام.
أغلق الهاتف، وقبل أن يعود لقيادة السيارة، تفاجأ بمن اقتحمت السيارة وجلست بجواره.
نظر لها عمر بذهولٍ، غير مصدقٍ ما يراه، متسائلًا في نفسه: ماذا تفعل تلك هنا؟ وكيف علمت بمكانه؟
أما يحيى، فكان ما زال يقود سيارته، وتلك السيارة السوداء تتبعه.
توقف أمام متجرٍ ضخمٍ ودخل إليه، ثم تبعه ذلك الرجل.
حاول يحيى أن يتصرف بطبيعته رغم القلق الذي يقتله على هالة.
وجد تجمعًا كبيرًا من الناس داخل المتجر، فدخل بينهم، وحاول الرجل اللحاق به، لكن الزحام كان شديدًا.
اختفى يحيى داخل الزحام إلى الأبد، بينما ظلّ الرجل يبحث عنه دون فائدة.
وفي مكانٍ بعيد، كانت هالة تجلس داخل مطعم.
أشارت للعامل، فجاء إليها، فابتسمت له بابتسامةٍ زائفة، بينما في داخلها رغبةٌ في أن تضربه حتى تزهق روحه.
ذلك العامل الحقير عديم الضمير، الذي شهد زورًا على نور وعامر بالأكاذيب.
طلبت الحساب، ثم فتحت حقيبتها التي كانت تحتوي على مبلغٍ ضخمٍ من المال.
نظر العامل إلى الحقيبة بطمع، وتمنى لو استطاع أن يسرق منها شيئًا.
مدّت هالة يدها لتدفع الحساب، وفي تلك اللحظة رنّ هاتفها، فابتعدت لتجيب عليه بسرعة.
راقبها العامل بخبث، ومدّ يده خلسةً داخل الحقيبة، وأخذ منها ما استطاع، ثم خرج مسرعًا.
أنهت هالة المكالمة وهي تبتسم، فقد وقع ذلك الغبي في الفخ.
اقتربت من الطاولة، جمعت أغراضها، ثم نظرت من النافذة الزجاجية فرأت السيارة السوداء التي تتبعها منذ خروجها من المنزل.
ذهبت إلى المرحاض عمدًا، فظلّت السيارة تنتظرها بالخارج.
نظر الرجل إلى ساعته فوجد أنها تأخرت، فترك السيارة ودخل المطعم ليبحث عنها.
وبينما يتلفّت بين الوجوه، شعر بيدٍ تُوضع على كتفه، فالتفت فوجد سيدةً ترتدي ثياب سواد بالكامل، لا يظهر منها سوى عينيها.
أشارت له بيدها لتترك له الطريق، فابتعد قليلًا، فمرّت من خلفه وغادرت المكان.
خرجت السيدة خارج المطعم، ركبت سيارة أجرة، ثم ابتعدت.
رفعت المرأة الوشاح عن وجهها، فنظر إليها السائق قائلًا:
ـ هو في واحدة منقبة تخلع نقابها كده في العربية عادي؟
ابتسمت وهي تنظر إليه في المرآة ببريقٍ الحب وقالت:
ـ ركّز يا أُسطى في طريقك، أحسن الراجل يتوه منّي.
بادلها النظرة وهو يتنفس براحةٍ وقال:
ـ ما تخافيش... بس أهم حاجة إنتِي كويسه .
هزّت رأسها مؤكدةً له أنها بخير، ثم انطلقا في طريقهما.
ووويتبع
للجميع@
مرحباً عزيزي القارئ، شكراً من القلب على كلماتك الجميلة ودعمك للفصل السابق. هذا الفصل الجديد هدية متواضعة لكم، وأتمنى أن ينال إعجابكم
:*******************************
في إحدى أكبر القاعات بمحافظة سوهاج، كانت أصوات الموسيقى والأغاني مرتفعة داخل تلك القاعة. تجلس النساء في مكان مخصص لهن، ويجلس الرجال في الجانب الآخر، ومن بينهم حاسد، ومن بينهم حاقد،
ومن بينهم من يحزن على تلك الفتاة الطيبة.
كانت زينب تجلس بفستان الزفاف، لا تشعر بأي فرحة رغم أنها ترتدي فستان زفاف غالي الثمن والعديد من المصاغات الذهبية التي تُقدّر بالآلاف، لكنها كانت حزينة وشاردة. لم تكن تريد كل هذا، كل ما أرادت هو حفل زفاف بسيط مع شخص يحبها وتحبّه، ولكن لم يكتب لها القدر هذا، رغم أنها فتاة متعلمة وطيبة.
كان عائقها الوحيد جسدها الممتلئ بعض الشيء، ومع مرور الوقت ووصولها لسن الثلاثين، أصبح اللقب المؤذي "عانس" ملازمًا لها، وهو لقب يكسر قلوب الفتيات ويجعلهم يعيشون في ألم دائم.
اضطرت زينب أن تستمع لكلام أمها، فهي فتاة ضعيفة الشخصية. فقد تعبت من حديث الناس المستمر،
وأسئلتهم: "لماذا لم تتزوجي؟"، وأخرى تقول لها: "يجب عليك أن تنقصي وزنك". تعرضت زينب للعديد والعديد من العنصرية والتنمر بسبب وزنها وتأخر زواجها، ولهذا السبب وافقت أن تتزوج طلعت، ذلك
الشاب الفاسق مدمن المخدرات، الذي تزوج بقاصر لبعض الشهور ثم تركها في منزل عائلتها، ولم يسأل عنها، كأن طلعت يرقص مع بعض الشباب الذين يشبهونه من مدمني المخدرات.
كانت تجلس كل من نعمة وعفاف تتحدثان، فقالت نعمة بحدة:
- ما كانش ليها داعي القاعة والمصاريف دي كلها يا عفاف، ما كنا جوزناه في البيوت زي ما كل الناس عتعمل. وبعدين ليه 200 جرام دهب بحالهم؟ يا عفاف، ما تكونش بنت وزير واحنا مش عارفين.
عبس وجه عفاف من حديث نعمة، فردت عليها باللهجة الجافة قائلة:
- لا، مش بنت وزير يا أم طلعت، بس بنتي داخلة على ضرة زهراء بنت نادية، اللي انتي بنفسك لم جيتي طلبت إيد بنتي، قلتي إن ولدك هيطلقها وإن مش هتدخل البيت تاني. أهو ما فيش حاجة حصلت من كلامك، يبقى من حقي أضمن حق بنتي.
لم يعجب نعمة هذا الرد، فألقت على عفاف نظرة حارقة مليئة بالغضب.
شعرت عفاف أنها أخطأت فنعمه هي مفتاح راحت ابنتها في منزل الغول وهي الجحيم أيضًا فغيرت ملامحها بسرعة ورسمت على وجهها ملامح حزن وانكسار، ثم تحدثت بنبرة ضعيفة مزيفة مليئة قائلة:
- معلش يا أم طلعت، إنتِي مش عارفة أبو زينب عامل فيا إيه، كل شويه يفضل يقولي: "جوازتك رمحتك". لو جرت حاجة لزينب، تكون طالق بالتلات، وانا ساكتة علشانك وعلشان طلعت عارفه إنه طيب وجدع. بس نقول إيه؟ نصيبه وقع، في واحدة زي زهراء بنت نادية، ما انتي عارفة.
بهذه الطريقة، استطاعت عفاف أن تكسب ود نعمة مرة أخرى، وأن تحرضها على عائلة زهراء. ثم بدأ الاثنان يسبّان زهراء بأقبح الألفاظ.
وعلى بعد خطوات من تلك القاعة الفخمة، كان محمود والد زهراء يقف، وهو يتوعد عائلة الغول بأن يفضحهم في القرية، لكن قبل ذلك سيذهب إلى المنزل ليخرج غضبه على ابنته المسكينة، التي لا حول لها ولا قوة، تلك القاصر.
********************************
:
تحكمت الغيرة بها فلم تعد تستطيع الوقوف. اقتربت بخطوات غاضبة وهي تلقي على ريم نظرات حارقة، فتوقفت فجأة حين رأت يحيى يُبعد يدي ريم عن وجهه بصرامة.
تحدث عمر وهو ينظر إلى ابن عمه بسخرية قائلاً:
ـ "إيه الحكاية يا ولد سليم؟"
ألقى يحيى على عمر نظرة غيظ، وتحدث بجدية وصرامة قائلاً:
ـ "الحكاية إن ريم بتعتبرني زي أخوها، مش أكتر. صح يا ريم؟"
صمتت ريم ولم تُجب، ثم نظرت لعمر بتوعد، فنظر له عمر باستهزاء وابتسم بتهكم.
أكملت هالة خطواتها ووقفت بين ريم ويحيى، ثم أزاحت ريم بيدها لتبتعد عن يحيى، وفي الخفاء ضربت يحيى بيدها، فأصابت أحد جروحه في جسده. فتألم يحيى وضغط على شفتيه بقوة، ولكن رغم ألمه كان يشعر بالفرح الداخلي لأنها أصبحت تغار عليه ولم تستطيع أن تخفي غيرتها.
تحدثت هالة لريم بوجه عابس، فقالت:
ـ "بس اللي عملته ريم دا اسمه قلة أدب!
وعلشان ريم كانت تلميذة عندي، لازم أعلمها إن ما ينفعش."
ثم وضعت يديها فوق وجه ريم بقوة كأنها تصفعها، فصدم الجميع مما فعلته.
أما ريم، فكانت تغلي من الداخل، وكسا وجهها الغضب، وكانت تود أن تجذب هالة من حجابها وتصفعها آلاف المرات، لكنها لم تستطع أن تفعل هذا في وجود يحيى.
فتوعدت لها في سرها أن تجعلها تدفع ثمن هذا قريبًا.
ابتسمت هالة بغلٍّ وغيرة وقالت:
ـ "ما ينفعش تحطي إيدك على وش يحيى، ولا تقولي له يا حبيبي! دا عيب، وقلت أدب. والبنت مكسوفة الرقبة اللي تعمل كده تبقى مش مترباية، حتى لو يحيى زي أخوكي!"
ثم اقتربت منها أكثر وتحدثت بصوت منخفض، فقالت
:
ـ "بس بعد الشر على يحيى ما يبقى زي أخوك الشمام بتاع الشابو دفر يحيى بأهلك كلهم! رايحي نفسك يا بنت الغوازي مش هتاخديه."
ثم ابتعدت عنها وهي تبتسم بشماتة وانتصار، وقالت بصوت عالٍ:
ـ "مش صح يا ولد عمي!"
هز يحيى رأسه بصمت، وحين لم تستمع لصوته، التفتت إليه هالة وهي تشبك يديها في بعضهما بعصبية وتنظر له بعينين مفتوحتين تملاهما الغيظ والغضب الشديد.
تنحنح يحيى سريعًا، فقال بصوت مرتفع:
ـ "صح، كل كلمة قالتها هالة صح!"
لم تعد ريم تستطيع التحمل بعدما رأت نظرة الشماتة في عيون هالة، فصرخت بصوت غاضب:
ـ "يحيى، عايزة أتكلم معاك شوية، لوحدينا!"
وقبل أن تفتح هالة فمها، أمسكت بها أمها، التي كانت تراقب عمر في صمت، وتعلم أنه غاضب جدًا وقد ينفجر في أي لحظة.
كانت دماء عمر تغلي كالبركان، يراقب شقيقته وأفعالها، وتأكد أنها تحب يحيى، وهذا الشيء جعله يجن جنونه.
فكر أن يقوم بضربها، لكنه تراجع عن تلك الفكرة حين تذكّر ما حدث لها، فقرر أن يتحدث معها بهدوء ويجعلها ترفض هذا الزواج.
أمسكت فاطمة بابنيها الاثنين ومشت بهما، وجعلت هالة تدخل المطبخ لتلهيها عن يحيى وريم، وأخذت عمر إلى غرفته لتطمئن عليه.
أما داخل المطبخ، فكانت هالة تُخبط أواني الطعام بعنف، فلم يستطع يحيى وريم التحدث.
فأمسك يحيى بريم وأخرجها خارج المنزل، وخرجت هالة من المطبخ وهي تنظر لهما بغيظ، ثم اتبعتهما بخطوات خفيفة ووقفت خلف باب المنزل تُراقبهما من الداخل.
وقفت ريم ونظرت ليحيى وهي ترسم على وجهه البراءة الزائفة والحزن المصطنع، وقالت:
ـ "عاجبك يا يحيى اللي عملته بنت عمك دي؟ ضربتنا، بس على العموم أنا هسكت عشان خاطرها، وعشان هي أكبر مني بكتير."
كانت ريم تقصد بكلامها أنها أصبحت عانس كما يقول البعض عنها.
فهم يحيى حديثها ولماذا ترمي، ونظر لها بنظرة صارمة مليئة بالغضب، ثم تحدث:
ـ "بنت عمي مش غلطانة، إنتِي اللي غلطانة! أنا من زمان ساكت على تصرفاتك، وبقول عيلة يا يحيى، وبكرة تكبر، بس من الواضح كده إن كل ما تكبري، كل ما تصرفاتك تبقى غلط!"
تفاجأت ريم من رد فعل يحيى، لكنها لم تخجل، بل تحدثت بجرأة وهي تحاول أن تقترب منه ونظرت له، قائلة:
ـ "مدام انت واخد بالك مني ومن تصرفاتي، ليه سايبني في العذاب ده؟ ما خطبتنيش ليه لغاية دلوقتي؟ زي ما نسمه كانت بتقولي إنك هتاجي وتتقدم ليا
ألقى عليها يحيى نظرة مليئة بالغيظ، لأ استغرابه من جرأتها ومن حديث شقيقته، ثم ابتعد عنها وقال:
ـ "أنا ما أعرفش نسمه جابت الكلام ده منين! أنا عمري ما اتكلمت عنك، ولا فكرت فيك، ولا اهتميت بيك. إنتي مجرد بنت خالتي الصغيرة مش أكتر! أما بالنسبة للمسألة، أنا هتجوز مين وأحب مين، أحب أقول لك إني هتجوز بنت عمي وبحبها هي هي وبس، شيل الكلام الفارغ ده من دماغك."
ثم تركها، ودخل المنزل، رقدت تحاول أن تختبئ قبل أن يراها يحيى، ولكنه رآها وابتسم عليها
.
اقترب منها وهو ينظر لها بعينين تفيضان بالعشق، عيون تمتلئ بلمعة خاصة، لمعة الحب، ثم قال:
ـ "مش عيب إن احنا نتصنت على حد!"
ارتبكت هالة ولم تستطع التحدث، ثم ركضت إلى غرفتها وأغلقت الباب.
تنهّد يحيى وهو يدعو الله أن يتزوجها في أقرب وقت.
********************************
في الصعيد
فتح والد زهراء الباب بعنف، يندفع كالمجنون، وكأن كل غضب السنوات الماضية يتراكم بداخله، ويريد أن يفرغه عبر ابنته التي لا حول لها ولا قوة. وجدها
جالسة بين إخوتها الصغار، تدرسهم بصبر وهدوء، بينما قلبها ينبض بالسعادة بعد ابتعادها عن طلعت ومنزل العذاب. واليوم، يغمرها الفرح بزواج طلعت، معتقدة أن خلاصها بات قريبًا، وأنها ستتخلص أخيرًا من الجحيم الذي عاشته.
فجأة، وبدون سابق إنذار، أخذ والدها الكتاب من يديها وبدأ بتقطيعه إلى قطع صغيرة، وعيناه مشتعلة بالغضب. ارتعشت زهراء، نظرت إلى الكتاب بعيون حزينة، وصوتها يرتجف:
"ليه كده يا بوي دا كتاب مهم قوي..."
ارتجفت أنفاس والدها، وعيناه تلمع فيها نظرة الشيطان. رفع يده وأنزل صفعة قوية على وجهها. صرخت زهراء، وأمسك بها من شعرها وسحبها بعنف. حاولت أن تبعد يده، لكنه ضرب يدها بعنف قائلاً:
"جوزك ازوج عليكي، وانتي قاعده ماسكالي أكتب! خلي الكتاب ينفعك يا أم كتاب. كم مرة أقولك ارجعي لجوزك وارجعي لبيتك وتقولي لا؟ جوزتك جوازي! الكل عيحسدك عليها بس انتي فقريه زي اللي جابتك، جيتي ترمحي وما عمرتيش، بس أنا هربيكي يا ناقصه الربايه!"
كانت دموع زهراء تتساقط بغزارة، قلبها يختنق بالخوف، وترجو ولدها أن يرحمها، لكنها لم تجد الرحمة في قلبه. لم يكتف بتدمير مستقبلها، بل ظل يبحث حولها مثل المجنون عن أي شيء يضربها به. ابتسم بسخرية حين وقع بصره على عصا غليظة، تكفي لكسر عظامها.
ارتجفت زهراء للخلف من الرعب، وظلت تبكي بلا حول ولاقوه، لم يتأثر والدها بدموعها التي روّت الأرض. رفع العصا، فاحتضنت نفسها لتحتم جسدها الصغير من ضرباته، كان المفترض أن يكون هو حضنها الدافئ وسندها في هذه الدنيا.
لكنها لم تكن وحدها، إذ وجدت أمها تحميها بجسدها، تتلقى الضربات بدلاً منها، وكل ضربة كانت تزيد حدة القسوة في قلبها. هدر الزوج بقسوة:فقال
"بعدي خليني أربيها، وبعدين هاجي أربيك انتي كمان، واكسر عضمك!"
أمسكت ناديه بابنتها، وضعتها خلف ظهرها لتقف أمام زوجها بكل قوة، ثم رفعت صوتها المليء بالغضب، غضب أم على ابنتها:فقالت
"بكفاياك يا محمود! حرام عليك! مش كفاية ظلم فيها، عاوز إيه منها؟"
ردّ محمود بسخرية:
"عاوز مصلحتها يا ناديه، عاوزها ترجع بيت جوزها وتلحق اللي فاضل قبل ما بنت حسين تاخد كل حاجة!"
قالت ناديه بحزم:
"بتي مش هترجع تاني بيت الغول يا محمود، لو على موتي مش هترجع بيت الحلب دوله!"
ابتسم محمود بسخرية، ثم رفع العصا قائلاً بغيظ:
"إيه اللي غيرك مش انتي اللي كنت تقولي الجواز ستره، والبت ملهاش غير الزواج بلا تعلم، بلا خيبة؟ كلامك ده ولا نسيت يا ناديه؟"
التفتت ناديه إلى ابنتها، عيونها مليئة بالدموع والندم، ثم نظرت إلى زوجها بعزم:
"الزواج ستره صح يا محمود، بس في سن مناسبة. الزواج ستره بس لما البت تكمل تعلمها، عشان لما جوزها يزوج عليها و يرمها زي ما طلعت عمل. تلاقي اللي يسندها علشان أحنا بقينا في زمن الأب فيه مبقاش سند
الزواج ستره بس لما العريس يكون راجل مش شمام ومدمن مخدرات. الزواج ستره بس لما تكون العيله عادله، مش زي عيله الغول. أنا فهمت غلط يا محمود، وعرفت عقبالك لما تفوق وتفهم وتبطل ظلم في بتك الغلبانه."
تجمّد محمود من حديث زوجته ولم يجد ما يقوله ، فترك المنزل هاربًا من ضميره الذي بدأ يستيقظ، ويشعر بالندم على ما فعلوه بابنتهم.
في المنزل، احتضنت زهراء أمها وهي تبكي بحرقة، لكنها كانت دموع فرح، فقد وجدت أخيرًا من يدافع عنها. شعرت بالأمان لأول مرة منذ سنوات في حضن والدتها، طلبت نادية من ابنتها السماح على ما فعلت معها سابقًا. ظل الاثنان يبكيان في حضن بعضهما البعض، متشابكين بالحب والأمان،
**********************************
في المساء، كانت هالة تقف في المطبخ، منهمكة في تحضير الطعام. كانت تحاول الانشغال بأي شيء يبعدها عن دوامة أفكارها، لكن صوت خطواتٍ غاضبة قطع سكون المطبخ.
رفعت رأسها فجأة، لتجد عمر يقف عند الباب، وجهه متجهم، وعيناه تحملان نيران الغضب.
تقدّم ببطء، ثم نطق أخيرًا بعد صمتٍ ثقيل، كأن الكلمات كانت صخرة على صدره لا يستطيع رفعها:فقال
ـ بصي يا هالة... أنا لا هتخانق ولا هعمل حاجة، بس هي كلمة واحدة... انسي موضوع يحيى نهائيًا، تمام؟
رفعت هالة عينيها إليه بيأسٍ عميق، ثم أعادت نظرها إلى الطعام، تُقلّب فيه بصمتٍ متعب.
كانت في داخلها تشعر بألمٍ يعتصرها، ألم امرأةٍ اختنقت من القيود التي تفرضها عليها الحياة، ومن نظرات الناس التي تزنها بعمرها لا بروحها.
تذكّرت بابتسامةٍ مريرة كيف أراد والدها وجدّها أن يزوجاها لرجلٍ خمسينيٍّ متزوّجٍ وله أحفاد، فقط لأنها تأخرت في الزواج، بينما الآن يرفض الجميع زواجها من ابن عمها لأنه يصغرها بثلاث سنوات.
يا لهذا المجتمع الغريب... حين تكبر المرأة الرجل بسنواتٍ قليلة يثور الجميع،
أما حين يكبرها هو بعشرين عامًا، يرون الأمر طبيعيًا، بل مثاليًا.
كم هي قاسية هذه الأعراف، وكم هو ظالم هذا الميزان!
نظر عمر إلى شقيقته، فرأى الدموع تلمع في عينيها، فارتجف قلبه حزنًا عليها، لكنه ظلّ صامتًا، يخشى عليها من خطوةٍ قد تجرّ لها وجعًا أكبر.
استدار ليغادر، لكنه فجأة، بيحيى يقف أمامه، عيناه تشتعلان غضبًا، وصوته يحمل ثقل المواجهة.
قال يحيى بحدة:
ـ مش عاوزني أتجوز أختك ليه يا عمر؟! إيه اللي فيا مش عاجبك؟!
مسحت هالة دموعها سريعًا، وحاولت أن تتحدث قبل أن يتشاجرون، لكن يحيى أشار بيده وقال بصرامة:
ـ ما تتكلميش يا هالة، نص كلمة .. أنا بسأله هو. ليه رافض جوازي من أختك؟
ضحك عمر بسخرية، وقال ببرودٍ ممزوجٍ بالغضب:
ـ عشان أنا صاحبك يا يحيى، وأكتر واحد عارفك!
إنت يا يحيى سليم العامري، يوم ما تتجوز واحدة، لازم تكون أصغر منك بعشر سنين على الأقل!
مش إنت اللي كنت دايمًا تقول إن البنت اللي عندها تلاتين سنة وما اتجوزتش أكيد فيها عيب أو ناشزج
عشان كده ما اجوزك اختي مش ده كلامك يا يحيى اللي كنت دايما تقوله
شعر يحيى بالخجل والغضب من نفسه تذكر تلك الاحاديث السخيفه الذي كأن يقولها في السابق
صمت يحيى لحظة، ، ثم تنفّس بعمق وقال بنبرةٍ يملؤها الندم:
ـ صح، ده كان كلامي زمان، وكنت غبي. كنت زي ناس كتير شايفين إن البنت اللي وصلت تلاتين خلاص ما تنفعش للجواز، أو أكيد فيها عيب.
بس بعد كده فهمت إن الجواز نصيب، وله وقته اللي ربنا بيكتبه.
وعرفت كمان إن في بنات في سن التلاتين جواهر نادرة، محتاجين اللي يقدرهم ويعرف قيمتها
وأختك عندي جوهرة نادرة... وأنا عارف قيمتها كويس.
عشان كده يا عمر، أنا عاوز أتجوز أختك، وهتقدم لها لمليون مرة ، وبعد كده كلامك يبقى معايا أنا، مش معاها.
تمام يا صاحبي؟... ده لو كنت لسه صاحبي يعني.
ظلت هالة تنظر إليه، وعيناها ممتلئتان بدموعٍ صامتة. كلماته اخترقت قلبها الموجوع من نظرات المجتمع الجارحة، التي لا ترى فيها سوى رقم العمر، لا دفء الروح.
أما عمر، فقد شعر بصدق حديثه، فهو يعرف ابن عمه، ويعلم أنه لا يكذب. ومع ذلك، بقي القلق ينهش صدره خوفًا على شقيقته.
تذكّر تلك الأفعى، "نسمة" ابنة عمّه، وحديث زوجة عمه أمينة عنها، فانعقد جبينه بالشك.
التقط يحيى النظرة، فقال بثقة:
ـ بص يا عمر، اللي بتفكر فيه متقلقش منه...
أنا مستعد لأي ضمانات تطلبها علشان تضمن بها حق أختك.
ولا هاسمح لحد يضايقها أو يقول لها كلمة. وحشه
وعلى العموم، خُد وقتك وفكّر براحتك...
بس الرفض؟... ممنوع يا ولد العامري.
رمقه عمر بنظرة استهزاء وقال بحدة:
ـ ده عند أمك يا حبيبي، دي أختي، وأنا أوافق أو أرفض براحتى. أنا اللي عارف مصلحتها!
اقترب يحيى بخطوة وقال بغيظ:
ـ طيب ابقى أفرض يا روح أمك... علشان أكسر عضمك...
وفجأة، دوّى صوتٌ من خلفهما:
ـ ما فيش تربية عندكم يا قليلين الأدب؟!
كانت فاطمة قد اقتحمت المطبخ وهي تمسك عصا خشب من أدوات الحلويات، وضربتهما ضربًا متلاحقًا وهي تقول
ـ ده يقول أمك وده يقول أمك هو إحنا لعبه معاكم
ظلت تضربهما حتي
تراجع الاثنان خارج المطبخ وهما يضحكان بينما بقيت فاطمة تزمجر في أثرهما.
وبعد قليل، اجتمع الجميع على المائدة في جوٍّ عائلي دافئ مليء بالضحك.
ألقت فاطمة نظرة على الحقيبة الموضوعة أمام غرفة يحيى وقالت:
ـ لامم خَلْقَك يا ولدي، ورايح فين؟
ابتسم يحيى بمكر، وغمز لها قائلاً:
ـ هسيبك تقعدي في الشقة براحتك يا بطوط، يمكن نفسك تلبسي حاجة كده ولا كده.
ضحكت فاطمة وقالت:
ـ حاجات إيه يا ولدي! ده أنا ما بقيتش قدره أقوم من ركبي! رايح فين يا حبيبي؟ ده بيتك يا يحيى، وإحنا ضيوف عندك.
توقف يحيى عن الطعام ونظر إليها بجدية وقال:
ـ أولًا حاجة، أنتم مش ضيوف... أنتم أهلي.
إحنا بيت واحد
وقبل ما تتكلمي يا مرات عمي،
أنا هفضل أقولك كده حتى لو اتطلقتي من عمي،
لأني عارف إنكم هترجعوا لبعض.
الشقة هنا صغيرة، مش زي بيت البلد،
وأكيد إنتِي وهالة عايزين تاخدوا راحتكم في الشقه
أنا كنت قاعد اليومين دول بس لحد ما أظبط سكن قريب منكم،
والحمد لله لقيت.
نظرت إليه هالة وهي تقلّب الطعام دون شهية،
شعرت بالحزن حين علمت أنه سيرحل،
فقد اعتادت أن تراه كل يوم، وكأن حضوره صار طمأنينتها الوحيدة.
شعر يحيى بها
فرفع صوته حتى يسمعها وقال
ـ ما تقلقيش يا بطوط... كل يوم هتلاقيني هنا.
أعجب عمر، بتصرف يحيى وقرر أخيرًا أن يفكر جديًا في أمر زواج يحيى من شقيقته.
أما هالة، فانسحبت من المائدة بهدوء، تخشى أن يفضح صوتها حزنها أمام الجميع.
لاحظ يحيى ذلك، وعرف أنها غاضبة من قراره، إنه سيصالحها لاحقًا.
بعد قليل، وقف، وأخذ حقيبته، وقال لعمر:
ـ يلا عشان توديني.
ردّ عمر وهو يلوك الطعام بصعوبة:
ـ امشي لوحدك، مش هأودي حد
أمسك يحيى بثيابه، وأجبره على النهوض والسير معه، بينما عمر يسبّه غاضبًا حتى وصلا إلى منزل مديحة.
قال له يحيى
:
ـ خبط على الباب وادخل، هات الأوراق اللي قال عليها عامر من مديحة علشان نروح للمحامي.
ضحك عمر بغيظ ووضع يده على كتف يحيى وقال:
ـ إنت جايبني معاك عشان خايف من مديحة، صح؟
بس عاوز أقولك... أنا خايف منها أكتر منك، فعشان كده أنا ماليش دعوة، هستناك تحت.
أمسك يحيى بعمر حتى يمنعه من الذهاب، وتحول الجدال إلى مشاجرة صغيرة،
حتى اندفع الاثنان نحو الباب بعنف،
وفجأة انفتح الباب وسقطا معًا على الأرض، عند قدمي مديحة التي كانت تنظر إليهما بذهولٍ وغضب.
تجمّد الاثنان في مكانهما، يتبادلان نظراتٍ محرجة.
*********************************
في منزل عائلة العامري في الصعيد
ساد الصمت أرجاء الدار الواسعة، لا يُسمع فيها سوى همس الريح بين جدران المنزل
دخلت نسمة وهي تحمل كأسًا من الشاي، وضعته أمام جدها في احترام مصطنع، ثم جلست إلى جواره، ترسم على وجهها ملامح الانكسار والضعف ببراعة، ملامح لا تمتّ بصلة لتلك الأفعى التي تسكن أعماقها.
رفع الجد رأسه نحوها، وعيناه تفتشان في وجهها كمن يبحث عن سرٍّ خفي، ثم قال باهتمام:
ـ مالِك يا نسمة؟ وصحّ قولي، مفيش حاجة جاية في السكة؟ مش ناوية تجيبي لنا سليم صغير يخاوي العامري؟
أطرقت رأسها قليلًا، وامتلأت عيناها بدموع زائفة، وتحدثت بصوت متحشرج:
ـ وأنا أخلّف تاني ليه يا جدي؟ من واحد هاجرني، حتى فرشته ما بينامش فيها! أنا عارفة إني غلطت لما زعقت فيه قدامكم، بس والله رُحت له، وحبيت على راسه، وقلت له "حقك عليا ما تزعلش مني".
بس أخته ما تنفعش لأخويا... دي أكبر منه، ولو اتجوزها بُكرة يسيبها ويتجوز غيرها.
ويقولها إنتِي، أكبر مني،
نظرت إليه بخبثٍ، تراقب أثر كلماتها في ملامحه، لكنه ظلّ صامتًا، وجهه كالحجر لا يُظهر تأثرًا ولا تعاطفًا.
فتصنّعت البكاء بصوتٍ مرتفع، وانهمرت دموعها المصطنعة على خديها وهي تقول:
ـ ضربني يا جدي! وقال لي هجوز عليكِ، وهخليكِ خدامة مدام مش راضية أخوكي يتجوز أختي!
ولما قلت له "هقول لجدي"، رد عليّ وقال: "لا خايف منك ولا من جدّك! هو علشان أنا يتيمة يعمل فيا كده
؟!"
اشتعل وجه الجدّ غضبًا، ونهض ضاربًا عصاه بالأرض حتى دوّى صوتها في أرجاء المنزل، واشتدت ملامحه صرامة وقسوة. خرج بخطوات واسعة وهو يصيح بصوتٍ هادر:
ـ جابر! يا جابر!
كان جابر يجلس في الحديقة بصمت، غارقًا في أفكاره، يسترجع كلمات ابنه التي واجهه بها بالأمس، وكيف أدرك من خلالها أنه كان أبًا قاسيًا، ظلم أبناءه وزوجته دون أن يشعر.
لطالما كان ابنًا مطيعًا لوالده، لا يرد له أمرًا، لكنه في المقابل فقد إنسانيته أمام أسرته.
شعر بالندم ينهش قلبه، وتمنى لو امتلك يومًا الشجاعة ليُصلح ما أفسده.
سمع صوت والده يناديه، فنهض متثاقلًا، وعيناه تفيضان بالحزن، وجهه شاحب كمن يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه.
لكن الجدّ لم يرَ شيئًا من ذلك، بل انفجر فيه بعنف:فقال
ـ فين المحروك ولدك؟ خلفت الهم يا جابر! داهية تاخد خلايفك كلهم، ولا واحد فيهم عاقل!
البت طول عمرها حاطة راسها براس الرجالة، وفاجرة وقليلة أدب الغايت ما بارت!
وقعدت في قرابيزني بعد ما فضحتنا في البلد، ودلوقتي راحت تلفّ على ولد عمها اللي أصغر منها!
قليلة الحيا اللي ناقص تربية!
والصغير عمال يرمح ورا بنات مصر!
والكبير اللي كنت فاكره عاقل، عايز يجوز على بنت عمه علشان العانس أخته!
بدل ما يروح يديها قلمين!
عقّل ولدك يا جابر! واعرف هو متجوز بنت مين! بنت سليم العامري؟!
كان وقع الكلمات كالصاعقة، لكن هذه المرة لم ينكسر جابر، بل رفع رأسه بثبات، وقال بصوتٍ قويٍّ
:
ـ لو هي بنت سليم العامري، هو ود جابر العامري!
جابر يا أبوي، اللي طول عمره ماشي تحت طوعك!
تقوله يمين يقول لك حاضر، شمال يقول لك حاضر!
بس كفاية ظلم يا أبوي، فيا وفي عيالي!
أنا ولدك زي ما سليم ولدك، وعيالي زيهم زي عيال سليم
مش غرب ولا جايين من الشارع، دول من بيت العامري!
غلت الدماء في عروق الجدّ، وعقد حاجبيه حتى غطى الغضب وجهه. لم يتخيل يومًا أن ابنه المطيع يقف في وجهه بهذا الشكل.
رفع عصاه وهواها على صدر ابنه بكل ما أوتي من غضب.
تراجع جابر إلى الخلف من قوة الضربة، لكن والده لم يتوقف، بل صرخ في وجهه قائلًا:
ـ عتغير من أخوك الميت يا أبو قلب أسود!
يا ريتك إنت اللي مت! هو لأ، على الأقل كان ربّى عيالك اللي مش لاقين رباية
تجمّدت ملامح جابر، وانكسر داخله شيء لا يُرمم. كانت كلمات والده كالسكاكين تمزق قلبه.
تذكّر حديثه القاسي مع ابنته ، فأدرك كام كان أباً ظالماً
.
أخذ نفسًا عميقًا محاولًا أن يملأ صدره بالأكسجين، لكن الهواء بدا ضيقًا خانقًا، وكأن العالم كله يضيق عليه.
ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ مملوء بالوجع:فقال
ـ ومن قال إن سليم مات يا أبوي؟ مش كل اللي مات اندفن تحت التراب... سليم عايش في قلبك وعقلك!
وأنا قدامك، بس ميت!
مدام بعد كل اللي عملته طلعت وحش، خليني وحش بالمرّة... بس على الأقل أبقى زين مع عيالي اللي طول عمري ظالمهم علشان أرضيك!
ثم ولّى ظهره، وخرج بخطواتٍ ثقيلة.
كان الباب نصف مفتوح، وخلفه وقفت نسمة تتابع ما يحدث بشماتةٍ ظاهرة.
أمسك جابر بذراعها بقوة، وغرز أصابعه في لحمها حتى شهقت من الألم.
سار بها يجرّها جَرًّا، ثم أوقفها أمام الجدّ وقال بصوتٍ غاضبٍ مدوٍّ:
ـ شايف العقربة دي؟ اللي إنت زعلان عليها؟
هي دي اللي هتخرب البيت!
بس علشان هي بنت سليم، مش هتشوف وساختها بخيتي سمك يا عقربة!
طيب، عندك فيّ؟
أنا اللي هجوز نوار!
ومش بس كده، ده كمان هوافق على جواز يحيى من هالة!
وابقي وريني هتعملي إيه!
تركها بعنفٍ وخرج وهو يُقسم في نفسه أن يُصلح كل شيء مع أسرته.
وقفت نسمة مصدومة، لا تصدّق أن عمّها الذي كان مطيعًا لجدها قد تغيّر بهذا الشكل.
أما الجدّ، فظلّ جالسًا في ذهول، لا يصدق أن ابنه الذي ربّاه على الطاعة قد ثار عليه أخيرًا.
*********************************
وقف كلٌّ من عمر ويحيى سريعًا، وعمّ الشعور بالخجل.
كانت مديحة تنظر إليهما بغضب شديد، ولكن حين انتبهت ورأت وجه يحيى الذي كان عليه آثار كدمات، ونظرت إلى يد عمر الملفوفة بشاشٍ طبي، تغيرت ملامحها لخوف وقلق ثم رمقهما بنظرة غاضبة، مدّت يدها وضربتهما وهي توبّخهما وتقول:
"مش كبرتوا على العمايل دي؟ كم مره أقول لكم بطلوا مشاكل؟ مش كفاية واحد في السجن؟ إنتوا غاويين تتعبوا قلبي معاكم ليه؟"
كانت توبّخهم كأنها أمّهم. لقد نسيت مديحة غضبها من يحيى وعمر حين رأتهما بهذا الشكل؛ تألمت من أجلهما، ولم تستطع السيطرة على مشاعر الأمومة التي تشعر بها تجاه هذين الاثنين.
ابتسم يحيى وعمر، فتحدث عمر مازحًا وهو يفتح ذراعيه قائلًا:
"مديحة يا حبيبة قلبي، الحمد لله على سلامتك يا مزّة! أنتي سامحتينا خلاص؟"
رفعت مديحة يدها ولكمته لكمة خفيفة في كتفه قائلة:
"مني تقولي ليا الاول مين عمل فيكم كده ، أبقى أشوف أسمحكم ولا لأ!"
تحدث يحيى بجدية وقال:
"مش مهم دلوقتي يا مديحة، المهم إحنا عايزين أوراق ضروري عامر قايلين عليها في أوضة. عامر! وبعدين أنتي ليه ما رحتيش لعامر ولا مرة لغاية دلوقتي؟"
جلست مديحة على أحد المقاعد، ونظرت إليهما وهي تحاول أن ترسم على وجهها ملامح القوة والصلابة. تحدثت بعد أن رفضت الاستماع لقلب الأم الذي يتألم داخلها من أجل ابنها، فقالت:
"ورحلوا ليه هو اللي عمل كده في نفسه، لما جاب اللي باعته وخانته وسكنها في بيتي . وراح رفعلها قضية طلاق كله ده من ورايا، وكأني عدوّته مش أمّه اللي خايفة عليه وعلى مصلحته!"
جلس يحيى بجوارها ثم نظر في عيونها وقال:
"أنتي السبب يا مديحة."
نظرت له مديحة بذهول، وهي غير مصدقة ما يقول. هل يعقل أن يقول إنها السبب في ضياع ابنها ورميه بين المجرمين؟ ابتسم يحيى ابتسامة صغيرة وقال:
"ما تبصّليش كده، أيوه أنتي السبب. أنتي اللي ربيتي عامر على إنه يبقى جدع مع أي حد حتى لو كان إنسان ما يستحقش. أنتي اللي دايمًا كنتِ تقولي له: أوعى في يوم تردّ بابك في وشّ حد محتاج ليك وانتي قادر تساعده."
صمتت مديحة ولم ترد؛ فحديث يحيى محق. هي التي ربّت ابنها بتلك الطريقة حتى تجعله إنسانًا صالحًا، ولكن في المقابل كان ابنها الضحية.
تنهد عمر بثقل وتحدث بلهجة جادة دون مزح فقال:
"مديحة، عامر خبّى عليكي علشان بيحبك. الظروف هي اللي أجبرت عامر على كده، وبرضه الظروف هي اللي ظهّرت نور تاني في حياة عامر. وزي ما قال يحيى، إنتي ربيتي عامر إنه يساعد الكل. روحيله يا مديحة، عامر مش عايز حاجة غير إنه يشوفك. إنتي وحشاه قوي هو ، ما وحشكِيش ولا إيه؟"
تساقطت الدموع من عيون مديحة بغزارة، دموع مليئة بالاشتياق والحزن والألم. بكت مديحة بصوت مسموع وقالت من بين شهقاتها:
"وحشني قوي يا عمر... كل ساعة بندَه عليه، بس هو مش بيرُد. كل ليلة بدخل أوضته أدور عليه، أقول يمكن اللي أنا فيه كابوس وابني نايم... بس مش بلاقيه. بيكون نايم بين المجرمين، بعد ما كان بيدافع عنهم!"
لم يتحمّل عمر أن يرى مديحة في حالة انهيار، فهو يعتبرها مثل أمّه. وقف واقترب منها وقبل رأسها، ودمعته تتساقط. أما يحيى فكان كالبركان؛ وقف وهو يضرب يده في المقعد بعنف، يتنفس بصوت مسموع، وعرقه يتناثر من الغضب، وعيونه مليئة بلهيب الانتقام.
توعّد يحيى في داخله أن يجعل من فعله في صديقه هذا سببًا ليدفع الثمن غاليًا.
وبعد قليل، حاول الجميع أن يتمالكوا أنفسهم، ومسحوا دموعهم، ثم ذهبت مديحة وفتحت غرفة عامر.
دخل عمر ويحيى إلى الداخل يبحثان عن الأوراق كما طلب منهم عامر. بحثوا في كل مكان ولم يجدوا شيئًا.
قلبوا المنزل رأسًا على عقب، لم يتركوا شيئًا في مكانه
، ومع ذلك لم يجدوا أي أثر لتلك الأوراق.
تركوا المنزل وذهبوا إلى مكتب عامر، الذي يقع في نفس العمارة السكنية. بدأوا يبحثون في كل شيء، في جميع الأوراق، ظلوا ساعات طويلة يبحثون ولم يجدوا شيئًا.
بل لاحظوا أن جميع الأوراق الخاصة بقضية نور قد اختفت!
جلس الجميع في حالة من اليأس. كان يحيى ينظر أمامه بتركيز شديد، يحاول أن يفهم أين اختفت تلك الأوراق ومن أخذها.
وجّه سؤاله إلى مديحة:
"مديحة، أنتي اديتي مفتاح مكتب عامر لحد؟ ومين دخل بيتك من ساعة ما اتقبض على عامر؟"
شردت مديحة وهي تحاول أن تتذكر.
وقف عمر وهو يفتش في الأوراق مرة أخرى، لكن لفت انتباهه شيء؛ نظر بحذر، فلاحظ ظلّ شخص يقف خلف باب المكتب المفتوح قليلًا.
أشار عمر ليحيى بهدوء كي ينتبه وينظر، ثم أشار ألا يتحدث.
كان عمر يتحدث مع مديحة بشكل طبيعي، لكن صاحب الظل كان يحاول أن يستمع لهم جيدًا.
اقترب يحيى بخطوات خفيفة جدًا من الباب، لكن حين فتحه ركض صاحب الظل إلى الأعلى!
ركض يحيى خلفه، وعمر من ورائه، بينما كان صاحب الظل يهرب بسرعة وهو يرتدي ملابس سوداء بالكامل.
هم يركضون، وهو يركض. وفجأة... اختفى!
لم ييأسوا، بل عزموا على إيجاده. وبينما كان يحيى يصعد للأعلى، اصطدم بـ ريم التي وقعت بين أحضانه.
في تلك اللحظة خرجت هالة على صوت الضجيج، فرأت المشهد، فاشتعلت غيرتها كالجنون.
اقتربت منهما بعينين تودّان أن تحرقا الدنيا، وقالت بسخرية:
"خير؟ أجيب لكم شجرة واثنين ليمون؟"
ابعد يحيى ريم عنه بعنف، ثم التفت الي هالة قائلاً:
"بصي، إنتِي فاهمة غلط خالص، وأنا هشرح لك كل حاجة... بس ده مش وقته. بعدين هقولك."
ثم تركها وذهب ليبحث عن صاحب الظل مرة أخرى.
نظرت ريم إلى هالة، ووضعت يدها على خصرها وقالت بمكر:
"مالك؟ نارك مولّعة ليّه؟ ابن خالتي، ولما لاقيني هاقع، ما هنتش عليّه راح سندنا فيه حاجة؟"
رمقتها هالة بنظرة احتقار، وقفت أمامها بثبات وقالت بقوة:
"بقولك إيه يا بت الغوازي كهن الغوازي ده ما ينفعش مع بيت العامري. لو جدّتك الغزية كانت لسه عايشة، كنتي سألتيها كم مرة حاولت مع العامري الكبير، لغاية ما زهق منها ورماها برّه البلد. ريّحي نفسك يا حفيدة الغوازي... يحيى العامري مش ليكي!"
هاجمت ريم هالة بعد هذا الحديث، وهي تحاول أن تضربها.
أمسكتها هالة بيديها، لكن ريم أمسكت بحجابها وخنقتها به بقوة وغلّ.
دخلت هالة في دوامة ذكريات مؤلمة، تذكّرت ما فعله بها والدها، فضاق نفسها أكثر، وتحولت عيونها إلى اللون الأبيض، وازرق وجهها.
وفجأة، ظهر طيف يحيى أمامها وكأنه يسحبها من تلك الدوامة.
استعادت هالة رشدها، أمسكت يدي ريم بقوة رغم ضعفها، واستطاعت أن تبعدها عنها، ثم التفتت، وبكفٍّ قوي نزلت به على وجه ريم.
وضعت ريم يدها على وجهها، ورفعتها لتضربها هي الأخرى، لكن هالة تفادت الضربة، وردّت بكفٍّ آخر.
حاولت ريم أن تهجم عليها مجددًا، فتراجعت هالة للخلف فصدمت بيحيى الذي ظهر فجأة.
نظر إليهما وقال بانفعال:
"هو في إيه؟"
ابتسمت هالة ونظرت إلى ريم بانتصار وقالت:
"ما فيش حاجة، يحيى... صح يا ريم؟"
هزّت ريم رأسها، وتركتهما وهي تغلي من الغضب كالقنبلة.
طلب يحيى من هالة أن تتبعه، وذهبا إلى شقة عامر حيث كانت مديحة وعمر بانتظارهما.
أغلقوا الباب جيدًا، ثم نظر يحيى إليهم وقال:
"إحنا مترقّبين. أنا كنت شاكك في الموضوع من ساعة ما رحت أقابل الشخص اللي كان هيجيبلي معلومات."
بدأ يحيى وعمر يسردان ما حدث معهم، وظل الجميع يفكرون:
من ذلك الذي يراقبهم داخل المنزل وفي كل مكان؟
وكيف اختفت جميع الأوراق؟
**********************************
في صباح يومٍ جديدٍ مليء بالمغامرات، كان يحيى يجلس داخل سيارته يتحدث مع عمر على الهاتف.
وعلى الجانب الآخر، كان عمر يجلس داخل سيارته، ويبدو عليه القلق الشديد، فقال بصوتٍ متوتر:
ـ يحيى... أنا قلقان على هالة، مش عارف إزاي سمعنا كلامها، أنا خايف يحصل لها حاجة.
كان عمر يشعر بالخوف على شقيقته، والأفكار السوداء لا تتركه، ظلّ يلوم نفسه: كيف استمع لكلامها هو وابن عمه، وتركها تُقحم نفسها في هذا الصراع؟
لم يختلف حال يحيى عن عمر؛ فقد استمع لابن عمه وهو يسبّ نفسه ويلعنها ألف مرة. كان رافضًا بشدة أن يدخلها في تلك المشكلة، لكنها ظلّت ليلةً كاملةً ترجوه وتتوسّل إليه، حتى استطاعت في النهاية إقناعه، فاقتحمت بنفسها الكارثة التي همّوا بها.
ضرب يحيى مقود السيارة بغضب، وردّ على ابن عمه بصوتٍ شديد الانفعال قائلاً:
ـ بص خلاص يا عمر، أنا هروح أجيبها، إن شاء الله أجرّها من شعرها وأكسر عضمها! أنا مش عارف إزاي أصلًا سمعت كلامها، بس أختك زنّانة!
صمت يحيى فجأة، ونظر في مرآة السيارة بتركيز، فرأى تلك السيارة السوداء تتبعه، فعلم أنهم يراقبونه.
نفخ بغيظ وضغط على أسنانه بعصبية، وأصبح مضطرًا أن ينفّذ فكرة هالة.
دقّ قلبه بخوفٍ عليها، لكنه لم يكن أمامه خيارٌ آخر.
كان عمر ينادي عليه عبر الهاتف، فأجابه يحيى قائلًا:
ـ أيوه يا عمر، أنا معاك، بس مع الأسف مضطرين نسمع كلام أختك. المهم ما تقلقش، أنا مش هسيبها، خلي بالك، هم دلوقتي أكيد ماشيين وراك، عشان في عربية ظهرت فجأة وماشية ورايا.
ردّ عمر عليه وهو يتوعّد قائلًا:
ـ أيوه شفتهم. ورايا أنا كمان .. أهم حاجة هالة يا يحيى، عينك عليها، أوعَى تحصل فيها حاجة، ولا حد يلمس شعرة منها. سلام.
أغلق الهاتف، وقبل أن يعود لقيادة السيارة، تفاجأ بمن اقتحمت السيارة وجلست بجواره.
نظر لها عمر بذهولٍ، غير مصدقٍ ما يراه، متسائلًا في نفسه: ماذا تفعل تلك هنا؟ وكيف علمت بمكانه؟
أما يحيى، فكان ما زال يقود سيارته، وتلك السيارة السوداء تتبعه.
توقف أمام متجرٍ ضخمٍ ودخل إليه، ثم تبعه ذلك الرجل.
حاول يحيى أن يتصرف بطبيعته رغم القلق الذي يقتله على هالة.
وجد تجمعًا كبيرًا من الناس داخل المتجر، فدخل بينهم، وحاول الرجل اللحاق به، لكن الزحام كان شديدًا.
اختفى يحيى داخل الزحام إلى الأبد، بينما ظلّ الرجل يبحث عنه دون فائدة.
وفي مكانٍ بعيد، كانت هالة تجلس داخل مطعم.
أشارت للعامل، فجاء إليها، فابتسمت له بابتسامةٍ زائفة، بينما في داخلها رغبةٌ في أن تضربه حتى تزهق روحه.
ذلك العامل الحقير عديم الضمير، الذي شهد زورًا على نور وعامر بالأكاذيب.
طلبت الحساب، ثم فتحت حقيبتها التي كانت تحتوي على مبلغٍ ضخمٍ من المال.
نظر العامل إلى الحقيبة بطمع، وتمنى لو استطاع أن يسرق منها شيئًا.
مدّت هالة يدها لتدفع الحساب، وفي تلك اللحظة رنّ هاتفها، فابتعدت لتجيب عليه بسرعة.
راقبها العامل بخبث، ومدّ يده خلسةً داخل الحقيبة، وأخذ منها ما استطاع، ثم خرج مسرعًا.
أنهت هالة المكالمة وهي تبتسم، فقد وقع ذلك الغبي في الفخ.
اقتربت من الطاولة، جمعت أغراضها، ثم نظرت من النافذة الزجاجية فرأت السيارة السوداء التي تتبعها منذ خروجها من المنزل.
ذهبت إلى المرحاض عمدًا، فظلّت السيارة تنتظرها بالخارج.
نظر الرجل إلى ساعته فوجد أنها تأخرت، فترك السيارة ودخل المطعم ليبحث عنها.
وبينما يتلفّت بين الوجوه، شعر بيدٍ تُوضع على كتفه، فالتفت فوجد سيدةً ترتدي ثياب سواد بالكامل، لا يظهر منها سوى عينيها.
أشارت له بيدها لتترك له الطريق، فابتعد قليلًا، فمرّت من خلفه وغادرت المكان.
خرجت السيدة خارج المطعم، ركبت سيارة أجرة، ثم ابتعدت.
رفعت المرأة الوشاح عن وجهها، فنظر إليها السائق قائلًا:
ـ هو في واحدة منقبة تخلع نقابها كده في العربية عادي؟
ابتسمت وهي تنظر إليه في المرآة ببريقٍ الحب وقالت:
ـ ركّز يا أُسطى في طريقك، أحسن الراجل يتوه منّي.
بادلها النظرة وهو يتنفس براحةٍ وقال:
ـ ما تخافيش... بس أهم حاجة إنتِي كويسه .
هزّت رأسها مؤكدةً له أنها بخير، ثم انطلقا في طريقهما.
ووويتبع