رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم هالة محمد
33 = حلال ولكن مرفوض - هالة وعمر- 33 /
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
لقد وصلتني نجمة جميلة أضاءت سماء روايتي، وجعلتني أشعر بسعادة كبيرة، فدفعتني للاستمرار في الكتابة بعدما كنت أظن أنه لا أحد يهتم بها.
أما أولئك الذين يقرؤون روايتي دون أن يتركون لي أثرًا أو تعليقًا، فأعتذر إن لم تنل روايتي إعجابهم، وأتمنى أن يجدوا فيها ما يُسعد قلوبهم.
فلنبدأ يا قارئي الجميل رحلةً جديدة في قصتنا، وأتمنى لك السعادة دائمًا.
وإن أعجبتك الرواية، لا تنسَ أن تدعمني، كما سأدعمك أنا بكلماتي، لنستمر معًا في هذه الرحلة الجميلة.
********************************
لنذهب عزيزي القارئ إلى قلب الصعيد، حيث منزل عائلة العامري.
في إحدى الغرف داخل البيت، جلس نوار أمام والده يحاول إقناعه بتزويج شقيقته لابن عمه. الجوّ كان مشحونًا، والكلمات تتثاقل في الصدور قبل أن تنطق بها الأفواه.
لكن الأب نهض بغضب، وصاح بصوتٍ كالرعد:
ـ قولتلك لا يعني لا! مش موافق يعني مش موافق!
يحيى ما ينفعش مع أختك، ده أصغر منها، وعاوز الناس تقول علينا إيه؟
نظر نوار إلى والده، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ممزوجة بخيبة الأمل، وقال بمرارة:
ـ الناس برده؟ ولا جدي هو اللي قالك قول لا يا جابر؟ وانت كالعادة يا بوي تقول حاضر... صح؟
تجمّد جابر للحظة، ثم رمق ابنه بنظرة مرتبكة وهدر بتوتر:
ـ قصدك إيه؟ قصدك إني ما ليش كلمة؟ إني مش راجل؟ قول يا نوار! خلاص كبرت وبقيت توقف في وِش أبوك وتقول إنه مش راجل يا ولد فاطمة؟
تنهد نوار بثقل، واقترب من والده وقبّل رأسه، ثم أمسك بيده وقبّلها، ونظر إليه بعينٍ يغمرها الأسى:
ـ عارف يا أبوي... طول عمري شايفك أحسن راجل في الدنيا.
من وأنا صغير، كنت بعمل زيك في كل حاجة.
كنت بسمع كلامك على طول:
اتجوز يا نوار نِسمة؟ حاضر يا أبوي.
سيب التعليم وخلّيك معايا نرعى الأرض؟ حاضر.
ابتعد نوار قليلًا، ثم أمسك العصا وضرب الأرض بقوة، ونظر إلى والده بوجهٍ صارم تملؤه القسوة وهو يقلد نبرته:
ـ خليك ناشف مع أهل بيتك، الحريم ملهاش دلع. اكسر راسها لو فتحت خشمها. خلي قلبك قوي.
اقترب منه مرة أخرى، وحدّق في عينيه بجمودٍ وقال:
ـ وبقيت حجر... كنت كل ما واحدة فيهم تتكلم، أنزل فيها بالعصاية. أكسر عضمها. حتى بتي الصغيرة ما رحمتهاش.
وانت؟ ما فيش مرة قلتلي عيب اللي بتعمله!
حتى لما غرزة السكنية في هاله وانا عقتل أختي الوحيدة.. علشان كلام الناس ما كلمتنيش ولا كلمة! ولا قولت عيب ولا إيه الي عملت في اختك
رفع نوار يده، وأمسك بيد أبيه وهو يرتجف غضبًا:
ـ إيدك دي... ما جتش يوم وادّتني كف على اللي عملته فيها!
بس تضربني ليه؟
إنت ما خطتش برجلك ولا رُحت وشُفتها وهي بتموت ولا مره
بس أول ما هو قال...
توقف لحظة، ثم رفع العصا مقلدًا صوت جده وقال بتهكمٍ قاتم:
ـ روح يا جابر، هات بنتك علشان نجوّزها لحمدان!
روح يا جابر، اقتل بنتك ومراتك علشان تغسل عارك!
قول ليحيى لا يا جابر على جوازه من بنتك حتي امي بعد العمر ده طلقتها بدل ما تجيبها هي واختي وتحميهم وتدافع عنهم
تجمّد جابر مكانه، ينظر إلى ابنه بعينين مشدوتين.
لقد رأى في نوار مرآةً قاسية تعكس بشاعته، كم هو أبٌ قاسٍ بلا رحمة.
نظر إلى الأرض بخجلٍ ثقيل، بينما جلس نوار تحت قدميه، ووضع يده على كتفه قائلاً بهدوءٍ متهدّج:
ـ ارفع وشك يا أبوي... أنا زيّك، ويمكن أكتر.
وقف نوار ، وقبّل رأس والده مرة أخرى، ثم ذهب ليخرج
فُتح الباب ، فسقطت نسمة أرضًا تحت قدميه. ابتلعت ريقها بخوف وتجمّدت مكانها من الرعب
ابتسم نوار بتهكم ثم
اقترب منها وجلس بجوارها، نظر إليها بعينين تشتعلان بالظلام قائلاً:
ـ عارفة يا نِسمة؟ فكّرت كتير أوي أقتلك وأخلّص... بس الموت راح للزيّك برضه.
كل يوم بفكر أرمي عليك يمين الطلاق، بس أفكّر في العيال وأرجع وخاف عليهم وسكت
وفجأة، صفَعها بكفٍّ قوي جعلها تصرخ.
أمسك بفكها بقوة، وهو يكتم أنفاسها بنظرةٍ حاقدة:فقال
ـ وحياة كل كلمة وسخه طلعت من لسانك . .. اللي عاوز قطعة علي امي واختي يا أعمل فيكِ اللي طول عمرك خايفة منه، وجيبها على قلبك وخليك خدامه ليها ومش هعملك مرة تانيه ولا أعبرك اخرك هتبقى أم العيال وبس يا بت أمينة
تركها بعنف فاصطدم رأسها بالأرض ثم ذهب خارج المنزل
، وبدأت أنفاسها تتقطع وهي تصرخ بصوتٍ ممزق:
ـ طيب... ابقى اعملها يا نوار! وأنا أقتلك، وأقتلها، والله لأقطعكم حتة حتة لو جبت
مرة عليّا يا نوار! يولع فيكوا وفي البيت كله عاوز تزوج علي
يا أخو العانس البايرة هقتلك يا نوار إنت سامع
كانت كلماتها تخرج كطعَناتٍ مجنونة، صدى صراخها يتردد في الجدران كأن البيت كلّه يرتجف من هولها.
ثم خيّم الصمت.
صمتٌ ثقيل، غريب، كأن الصعيد نفسه حبس أنفاسه.
حتى الهواء توقف لحظةً، يراقب ما تبقّى من بيتٍ تكسّر صوته بين الغضب والندم.
********************************
في القاهرة
في غرفة المشفى، يقف ذلك الحارس بزيٍّ رسمي يحرس تلك الغرفة، أو المفترض كذلك.
أقترب منه رجل يمشي بخطى واثقة، يرتدي زياً يظهر عليه الثراء.
فتح الحارس الباب دون أن ينطق بكلمة واحدة.
دخل ذلك الرجل، وهناك — تجلس هي تنظر أمامها بشرود.
وجهها عليه ملصقات طبية، وكانت كأنها في عالمٍ آخر، ودموعها تنساب على وجهها.
وحين اشتمّت رائحته، ابتلعت ريقها بخوفٍ شديد، وتشبثت بيديها بذلك الغطاء.
ظلت تحدّث نفسها داخلاً وتؤكّد أن ما تشعر به مجرد أوهام، وأنه ليس هو،
رغم أنها تعرف تلك الرائحة جيداً... رائحة كريهة مثل صاحبها.
اقترب، ووقف عند طرف السرير، شعرت به، لكنها لم تكن تملك الشجاعة لتنظر إليه.
ظلت تحدق للأمام، تتشبث بالغطاء بقوة.
اقترب منها أكثر، وكلما اقترب، ازداد قلبها خفقاناً من الرعب.
تحدث في أذنها بصوته الكريه، ذلك الصوت الذي يجعل دقات قلبها تتسارع خوفاً، وقال:
– وحشتيني يا نووووووور... كنتِ فاكرة مش هتشوفيني تاني؟
ابتعد عنها قليلاً، ثم أمسك وجهها بين يديه وأجبرها على النظر إليه بقوة،
ضغط على فكّها، ونظر في عينيها بشرٍ واضح،
ثم ابتسم ابتسامة مريضة حين رأى الرعب في نظراتها.
أصبح وجه نور شاحباً كوجوه الأموات،
ليس بسبب حالتها الصحية، بل من شدّة الرعب من جاسر.
ازدادت دموعها، تسيل كينبوع ماء يغرق وجهها.
ضغط على الجرح الذي في وجهها بقسوة، فصرخت صرخة سمعها الجميع في المكان،
لكن لم ينجدها أحد من ذلك المجنون.
ابتسم جاسر ابتسامته المريضة وقال:
– مين اللي عمل في وشّك كده؟
هم مش عارفين إن أنا اتجوزتك عشان وشّك الحلو ده؟
ثم نظر إلى جسدها نظرة شهوانية،
عضّ على شفته وقال:
– وحشتينا يا نور... إيه رأيك؟
أنا مستعد أسامحك على كل حاجة ونبدأ صفحة جديدة مع بعض،
بس في كام شرط كده:
أول حاجة، تقطعي صلتك بخالك الغبي اللي ظهر فجأة،
وتسحفي على إيدك ورجلك، وتبوسي رجلي وإيدي كل يوم.
وأنا هسامحك، عشان أنا قلبي طيب.
وهعملك كمان عملية تجميل، عشان يرجع وشّك الجميل زي ما كان،
وبالمرة أصلّح شوية حاجات فيك ما كانوش عاجبيني أوي.
نظرت له ثم صمتت، وفجأة انفجرت ضاحكة بشكل هستيري،
ارتفع صوت ضحكاتها أكثر فأكثر.
تركت التخت الذي كانت تجلس عليه، واقتربت منه حتى وقفت أمامه.
توقفت عن الضحك، ونظرت له بثبات وقالت بشجاعة:
– إنت مجنون يا جاسر الجيزاوي!
إنسان زيك مكانه مستشفى المجانين أو السجن...
اللي زيك ما ينفعش يعيش وسط البشر العاديين.
إنت مؤذي ومقرف.
ولو على وشي، أنا مش زعلانة... أنا فرحانة يا جاسر،
عشان لو ما كنتش حلوة، ما كنتش هعجب واحد زيك!
عارف يا جاسر؟ زمان كنت ببص في المراية وأقول لنفسي:
واحدة حلوة زيي ما ينفعش تعيش حياة عادية،
لازم تعيش في قصر وتلبس حرير.
بس من ساعة ما اتجوزتك، وأنا أقرفت أبص في وشي
كرهت المراية، وكرهت نفسي... وكرهتك إنت!
تنفس جاسر بصوتٍ مسموع، واسود وجهه من الغضب،
وعيناه تشتعلان بالنيران.
اقترب منها، ووضع يده حول عنقها،
بينما اليد الأخرى تضغط على الجرح في وجهها بقسوة.
كانت نور تحاول الصراخ، لكن الألم كان يخنقها،
والدموع تسيل على وجهها، وقدماها تتحركان بعشوائية.
تحول وجهها إلى الأزرق، واتسعت عيناها،
وأوشكت أنفاسها أن تنقطع.
مدّت يدها بصعوبة تبحث عن شيء...
أمسكت بالسكين الصغيرة الموضوعة بجانب طبق الفاكهة،
وغرزتها رغم ضعفها في قدمه.
صرخ جاسر، لكنها لم تتوقف، سحبت السكين وغرزتها مرة أخرى.
استمر جاسر في خنقها، رغم الألم الذي شعر به،
لكنها لم تتراجع، وظلت تطعنه حتى لم يعد يحتمل.
تركها، وما زالت السكين مغروسة في قدمه.
سقطت نور على الأرض تحاول التقاط أنفاسها،
زحفت على الأرض محاولة الهرب.
حاول جاسر أن يمسكها بقدميه، فصرخت بصوتٍ عالٍ.
دخل الشرطي والطبيب والممرضة على الفور،
وحين رأوا السكين مغروسة في قدمه، والدماء تغمر الأرض،
أسرعوا نحوه لايهتم احداً منهم به، بينما لم يهتموا بها
نعم، عزيزي القارئ، نحن في زمنٍ فسد فيه كل شيء.
أخذوه بعيداً، بينما اقتربت الممرضة من نور،
ساعدتها لتعود إلى السرير، وبدأت تنظّف جرحها الذي نزف من جديد.
وظلت نور تبكي...
********************************
عاد عمر ويحيى في الصباح الباكر منهكين، لا يكادان يريان أمامهما من شدة التعب.
كان يحيى يسير بصعوبة، ، بينما يتبعه عمر في حالة لا تقل سوءًا.
لكن عمر توقّف فجأة حين رآها جالسة في تلك الحديقة الصغيرة، تضم إلى صدرها تلك الدمية التي تمثل لها الدنيا بأكملها.
حاول أن يخطو وراء ابن عمه، لكن قلبه لم يطاوعه. اقترب منها ببطء، فرأى يديها ترتجفان وهي تبكي في صمت.
تنهد عمر بيأس، وجلس بجوارها دون أن تبدي هي أي اهتمام بوجوده.
كانت ريم ما تزال ممسكة بدميتها التي تذكرها بأمها الراحلة، تبكي بحرقة كأنها فقدت قلبها معها
.
قال عمر بصوتٍ هادئ وهو يحاول كسر الصمت:
ـ بتبكي ليه؟ وبعدين إيه الدبدوب اللي في إيدك ده؟ على طول ماشيه بيه؟
ازدادت مريم بكاءً عند سماع سؤاله، فقد تذكرت لحظة رحيل أمها، وبعدها مديحة ، وكل ما مرّ بها من وجعٍ وحزن.
فكر عمر قليلاً في طريقةٍ يشتّت بها حزنها، وقال محاولًا المزاح:
ـ بصي يا مريومة، أنا ما نمتش من امبارح، ده غير إننا كنا في مدعكة أنا والواد يحيى... كنا هنموت واتضربنا كمان.
بصي إيدي كده...
رفع يده التي كانت ملفوفة بالشاش الأبيض.
صرخت مريم بخوف، وأمسكت يده بقلق وهي تقول:
ـ يا نهار اسود! مين الحيوان اللي عمل فيك كده؟! إنت كويس إيدك بتوجعك طيب في حاجه تانيه وجعاك رد عليا
كانت تتحدث ودموعها لا تتوقف، يزداد خوفها وحزنها عليه كل لحظة.
نظر عمر إليها متأملًا ملامح وجهها، كأنها لوحة فنية نادرة لا مثيل لها في الوجود.
ظل يحدّق فيها بصمت، وهي تتحدث وتشهق بالبكاء وتضم يده بخوف.
قال بصدقٍ وهو يشعر بثقل كلماته:
ـ إنتِي يا مريم... أيوه إنتِي. لما بشوف الدموع في عينيك ببقى عاوز أعمل أي حاجة علشان تبطّلي عياط، وأشوف ضحكتك تنوّرة وشّك تاني.
توقفت دموعها، وارتفعت دقات قلبها مع كل كلمة.
لم تصدق ما تسمعه، تلك الكلمات الجميلة التي كانت أشبه باعتراف حبٍّ صريح.
سألت نفسها: هل هذا حقيقي أم أنها تحلم؟
ابتسمت ابتسامة جميلة، لكنها سرعان ما اختفت حين تذكّرت حديث عمر القديم.
وقفت فجأة، تركت يده، وصرخت فيه قائلة:
ـ إنت عاوز إيه مني؟! جاي تقول الكلام ده ليه دلوقتي؟!
ثم تابعت بغضبٍ ودموعها تتساقط:
ـ جاي تضحك عليا بالكلام ده، صح؟ قولت دي واحدة هبلة ورخيصة، أقولها كلمتين وأتسلّي معاها شوية، مش كده؟
شعر عمر بالضيق والاشمئزاز من نفسه ومن تصرفاته.
وقف واقترب منها، مدّ يده ليزيل دموعها، لكنها أبعدت يده بعنف.
ابتسم عمر من تصرفها، فزاد غضب مريم، وتقدّمت بخطواتٍ غاضبة محاولة الابتعاد، لكنه وقف في وجهها.
وكلما حاولت المرور، وقف يمنعها حتى قال بنبرةٍ متعبة:
ـ انتي يا بنت، أوقفي... أنا تعبان، اسمعيني. لما قلتلك الكلام ده، كنت قاصد أعمل كده علشان تبعدي عني...
قاطعت حديثه قائلة:
ـ وديني بعت، عاوز مني إيه دلوقتي؟!
صمت عمر، وتشتت تفكيره...
هل يحبها فعلاً؟
هل يستطيع أن يتزوجها؟
هل يجرؤ على مخالفة قانون الصعيد؟
هل يمكنه أن يقف في وجه كبير عائلة العامري من أجلها؟
كانت مريم تنظر إليه، وقلبها العاشق يرجو الله ألا يخذله، وأن يتمسك بها مرة واحدة فقط، أن ينطق بحبه ولا يرحل.
لكنها تنهّدت حين طال الصمت.
خطت عدة خطواتٍ مبتعدة، فناداها بصوتٍ خافت:
ـ مريومة... هو إنتِي ممكن تتحجّبي وتعيشي في الصعيد زي ستات الصعيد؟ وتعملي كل حاجة في البيت زيهم؟
هذه المرة لم تخفِ ابتسامتها، ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة جعلته أكثر جمالًا، وردّ وجهها الأحمر كالزهور.
قالت له بارتباك:
ـ هو يعني لو اتحجبت وعملت اللي بتقول عليه... إيه اللي ممكن يحصل؟
فأجاب مبتسمًا:
ـ يا ستي، جربي، مش هتخسري حاجة... هو الحجاب وحش؟
اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، وقالت وهي عابسًا بغيظٍ
ـ يعني إيه؟ بعد دا كله مش هيحصل حاجة؟ وبعدين قبل ما تنصحني، انصح نفسك يا بتاع الستات!
ضحك عمر وقال ممازحًا:
ـ يا بنتي ما أنا قلتلك، إن بتاع الستات في الزمن ده أحسن حاجة، على الأقل مضمون!
إنتِي مش عارفة إننا في زمن غريب؟
وعلى العموم، إنتِي مش هتخسري حاجة لما تلبسي الحجاب.
قالت وهي تشيح بوجهها:
ـ لا، هخسر! في فرق لما ألبس الحجاب علشان ربنا... ولما ألبسه علشانك!
تنهد عمر وقال بجدية:
ـ بصي يا مريم، أنا مش عايز أوعدك بحاجة وأطلع كداب.
إحنا عندنا لازم نتجوز من نفس البيئة اللي إحنا منها، علشان عندنا تقاليد وقوانين غير هنا.
ولو أنا اتحديت ده كله، ورُحت قلت لأهلي إني هتجوز بنت مش صعيدية،
يبقى على الأقل تكون البنت دي محجّبة...
يعني ما ينفعش أقولهم إني هتجوز بنت مش محجبة وبتلبس كمان قمصان وبنطلونات وفستان قصير.
قبل ما تفهميني غلط وتعيّطي تاني، يا ريت تفهميني بس. الستات هناك غير هنا والتفكير هناك غير هنا دا غير ان انا عاوز اجوز وحده محجبه يمكن أنا أكتر إنسان فاسدة بس تقولو إيه انا طماع عاوز اتجوز قديسه لم يدوس محرابها رجل
صمتت مريم ولم ترد، ثم تركته وذهبت.
ابتسم عمر بحزن، وسار في طريقه، وقد أصبحت خطواته أثقل من قبل.
أحسّ بحزنٍ عميق داخل قلبه...
كان يتمنى أن تستمع له، أن تفعل ما يريد، أن تساعده ليواجه عائلته...
لكن مريم اختارت الصمت.
***************************
لنعد، عزيزي القارئ، مرةً أخرى إلى الصعيد، ولنذهب إلى منزل الأفاعي وشياطين الإنس.
في منزل الغول كانت الأجواء مشحونة ومشتعلة. وقف الغول ينظر إلى زوجته وابنه بكراهيةٍ وغضب، ثم هدر بهما قائلًا:
ـ هي كلمة واحدة يا ولد نعمة! تروح تجيب بت الكلب اللي متجوزها من بيت المحروق أبوها، وتنسى جوازك من زينب، لغاية ما أشوف حل مع الكلب محمود، داهية تاخدكم كلكم!
وقفت نعمة بعصبية، وصرخت بصوتٍ مرتفع:
ـ وش الفقر دي! ما تدخلش بيتي تاني، لو جبت البنت دي هنا، هسيب لكم البيت وامشي!
ابتسم الغول ابتسامةً متسعة، ثم جلس ووضع قدمًا فوق الأخرى وقال:
ـ الباب يفوت جمل يا نعمة! ياك فكراني همسك فيكي؟ ده أنا مش طايق بوزك. الفقري ده في البيت! عتقولِي على البنت فقريّة؟ والله ما حد فقّر غيرك. غوري اتقلبي داهية، ما ترجّعك مرة فقريّة!
نظرت نعمة إلى زوجها بملامح غاضبة، وعيناها تشتعلان بالكُره. داخلها كان يموج بالحزن؛ فالغول لم يكن يومًا زوجًا صالحًا، بل دائمًا يعاملها بجفاء ويهينها أمام أولادها كلما سنحت له الفرصة. تكاثر الحقد في قلبها حتى صار كراهيةً لا تمحى.
نظر طلعت إلى أمه وهو يشعر بالحزن والعجز أمام إهانات والده الدائمة لها وله أيضًا. فكر قليلًا، يريد زهراء لينتقم منها، ويريد زينب لأنه يشتهيها كثيرًا. لم يكن زواجه من زينب بدافع الحب، بل من أجل شهواته.
ابتسم بخبث حين خطرت له فكرة، وتحدث بملامحٍ منكسرة:
ـ حاضر يا أبوي، أروح أجيب زهراء، وأحبّ على راس محمود لو عايز، بس ساعتها واد الكلب ده هيستغل خوفنا منه، وكل شوية ييجي يهددني، وانت عارفه راجل ناقص.
بس لو انت سبتني أعمل اللي أنا عايزه، أخلصك من محمود، وكمان أخليه يعرف مقامه. قلت إيه؟
نظر الغول إلى ابنه بسخرية وقال:
ـ وهتعرف تعمل حاجة يا ولد نعمة ؟! انت فاكرني اهبل؟ ده انت طول عمرك خايب، وآخرك كلام!
ابتلع طلعت تلك الإهانات بصعوبة، محاولًا أن يتغلب على الشعور المؤلم الذي يعتريه دائمًا من طريقة والده المهينة. رسم على وجهه ابتسامةً زائفة وقال:
ـ المرة دي غير، ولو ما عرفتش أعمل حاجة، هسيب البيت واخد أمي وأمشي.
ارتفعت ضحكات الغول المليئة بالكراهية والنفور من أسرته، وقال:
ـ موافق، يا ولد امك ، على الأقل أخلص منك ومن أمك الفقرية. داهية تاخدكم .
حاولت نعمة أن تمسك دموعها، تنظر لزوجها بكرهٍ شديد، فاقترب منها ابنها وقال بصوتٍ منخفض:
ـ هجيب لك زهراء، تعمليها خدامة عندك، وسيبك من الغول وكلامه. انتي ست البيت ده، ومحدش هيطلعك مني، بس اسكتي دلوقت عشان نعمل اللي إحنا عايزينه.
ابتسمت نعمة من حديث ابنها الخبيث؛ فقد أصبحت مثل تلك العائلة المريضة.
اللهم فُكّ عنها وعن ابنها الحقير ذلك الجحيم الذي سيجعل زهراء تعيش بداخله.
لم تشبع نفوسهم المريضة مما فعلوه بتلك الفتاة الصغيرة، التي كانت ضحية زواج القاصرات بسبب أطماع والدها في المال.
******************************
كانت هالة تجلس فوق سجادة الصلاة، تمسك بين يديها المصحف، تقرأ وتستغفر الله. شعرت أنها قللت احترامها مع المولى عز وجل حين خاطبته بتلك الطريقة، فظلّت على سجادتها حتى الصباح، تستغفر الله، وترجو أن يسامحها، بقلب خاشع ومليء بالندم.
فجأة، سمعت صوت الباب يُفتح بهدوء، فتنفست
بارتياح. كان قلبها يخفق بسرعة؛ فقد كانت قلقة للغاية علي يحيى و عمر لم يأتِ أحدهما منذ الأمس، وقفت، وضعت المصحف والسجادة في مكانهما، ثم ذهبت وهي تضبط حجابها.
نظرت لترى يحيى يدخل غرفته، ويبدو عليه التعب الشديد. تقدمت خلفه بخطوات بطيئة حتى لا ينتبه لها. ترك يحيى الباب مفتوحًا قليلًا، فلم يهتم بغلقه من شدة الإرهاق. بدأ يحيى في نزع ثيابه العلوية، فالتفتت بسرعة وهي تشعر بالخجل، ثم صارت بعد الخطوات وهي مرتبك ولكن
حين سمعت يحيى يتألم بصوت مسموع، التفتت مرة أخرى بخوف وقلق. وعندما رأت الجروح الخطيرة في جسده، شهقت من الرعب. التفت يحيى ليجدها خلفه، فبدأ بارتداء ثيابه مرة أخرى.
تحدثت هالة، وكل شيء فيها ينطق بالرعب والألم من أجله:
يحيى، مالك انت عملت حادثة! ولا إيه اللي حصل لك؟ رحت للدكتور؟ أكيد ما رحتش! بص! أنا هلبس هدومي بسرعة ونروح الدكتور... لا، أنا هطلب الإسعاف أحسن! لا، لا، أنا هجيب الدكتور هنا بس دقائق." فين التلفون
بدأت تتلفت حول نفسها تبحث عن الهاتف، وبدأت دموعها تهطل بغزارة كالامطار.
كان يحيى في حالة من الألم الشديد، لكنه شعر بسعادة كبيرة حين رأى كل هذا الاهتمام والقلق والخوف من هالة، فتأكد أنها في الطريق الصحيح وأنه لا يجبرها على شيء، بل تحبه من أعماق قلبها. اقترب يحيى منها مبتسمًا، يحاول إخفاء التعب الذي يفتك بجسده خلف تلك الابتسامة، ثم قال:
"اهدئي وأخد نفسك كده، أنا كويس، دي حادثة بسيطة خالص."
لكن هالة، التي غلبها القلق على حالته، غضبت وعيونها مليئة بالدموع، وصرخت بعصبية:
"هي إيه دي اللي بسيطة؟ انت مش شايف نفسك! طب بلاش! مش شايف؟ مش حاسس دا انت مش قادر توقف على رجلك شوف وشك عامل كيه ولا جسمك "
رفعت يدها وهي تصرخ، وقالت:
"هي كلمة واحدة هروح أغير هدومي وأخذك ونروح على المستشفى! انت سامع؟"
رفع يحيى يده، وهو يرسم الخوف الزائف على وجهه ، وقال بمزح:
"ممكن كلمة يا مس هالة؟"
نظرت له بغيظ، لكنه ابتسم وقال:
"أنا رحت للدكتور، هو اداني أدوية، بس محتاج حاجة صغيرة كده قبل ما آخد الأدوية. ممكن تعملي لي أكلة حلوة من إيدك؟"
لم تتحدث وذهبت ركضًا للمطبخ. ذهب يحيى للمرحاض في غرفته ليبدل ثيابه، ثم بعد قليل تمدد على التخت ليريح جسده قليلاً.
فجأة، احتضنته هالة بحب وشغف، وهي تنظر في عينيه وتقول له:
"يحيى يا حبيب قلبي ، انت كويس؟ يا ريت أنا وأنت لا."سلامتك يا عمري
تجمدت الدماء في عروق يحيى، مثبتًا نظره عليها وهو في حالة من عدم التصديق. فراها تبتسم له، وحين مد يده ليلمس وجهها ويبدلها العناق سمع صوت يناديه، لكنه لم يهتم. ظل يمد يده، فظل الصوت ينادي حتى ارتفع بقوة، فاستفاق يحيى، نظر لم يجدها، فألتفت يبحث عنها ليجدها تمسك بالطعام وتنديه باسمه مرارًا وتكرارًا وهي تقف بجوار التخت
نظر لها وظل صامتًا، ثم تنهد ورمقها بغيظ. وقف فجأة غاضبًا، أخذ الطعام ووضعه على الطاولة بعنف، وأمسك بها من ذراعها وأخرجها خارج الغرفة، ثم أغلق الباب في وجهها.
تحدث يحيى بصوت منخفض:
"بقي دي آخرها يا ولد العامري؟ بتحلم زي المراهقين! يا خراب بيتك يا كنزي!"
كانت هالة ما زالت تقف خلف الباب وتدق عليه بقلق، وهي تقول:
"يحيى! مالك؟ في إيه؟ رد عليا، افتح الزفت ده!"
صرخ بها من الداخل وقال:
"امشي من عندك أحسن! قسم بالله أروح أجيب المأذون وأكتب عليك دلوقتي، إن شاء الله، غصب عنك وعن عائلة العامري كلها! سامعة؟"
صمتت هالة، حين شعرت بالجدية في صوته، أدركت أنه لم يمزح. جلست على أحد المقاعد، تنظر لباب الغرفة، وابتسمت بخجل، رفعت عينيها للسماء ودعت ربها أن يجمعها به في الحلال عن قريب، وقررت أن تترك كل شيء في يد المولى عز وجل.
********************************
دق أحمد الباب في منزل مديحة. فُتِحَ الباب ليجد ريم واقفة أمامه، عينيها تلمع بالاستخفاف والتهكم،
تمنعه من الدخول. كانت طباعها سيئة، وتذكره بوالدها وشقيقها طلعت.
قال أحمد:
«قولي لام عامر إنّي عايز أقابلها».
ردت ريم بنبرة مليئة بالإهانة
: «مديحة قالت مش عايزه تشوف وش حد فيكم خالص، وكمان عايزه تطردكم بره العمارة. أنا من رأيي إنكم تشتروا كرامتكم وتمشوا أحسن»
.
صدم أحمد من ردها، فلم يتوقع أن فتاة في عمرها تتحدث مع رجل كبير في عمره بهذا الشكل المليء بعدم الاحترام. فتح فمه ليوبخها، لكنه وجدها صمتت، تحدق للأمام بشرُد. ثم فجأة تغيرت ملامحها، وابتسمت ابتسامة عريضة وقالت له:
«معلش يا دكتور، أنا كنت بقول لك الكلام اللي، ما دام مديحة ، قالتلي اقوله لم أشوف أحد منكم . بس تفضل، ادخل».
كآنت تكذب فلم تقول لها مديحة شيء
دخل أحمد، وعيناه تتفحصان تغير ريم المفاجئ. أشارت إلى الغرفة التي تجلس فيها مديحة ، ثم ابتسمت بخبث وذهبت للداخل وغابت عن الأنظار.
دق أحمد الباب فلم يجد إجابة، دق مرة أخرى وأخرى. فتحت مديحة الباب بغضب ولكن عندما رأيت أحمد تذكرت مريم، أرتسمت على وجهها ملامح أم حزينة منكسة، لكنها تذكرت ابنها الوحيد المحتجز ظلمًا فتغيرت ملامح ، مديحة مرة اخرة ثم مدت
يدها وأزاحت أحمد إلى الخارج بقوة:
«اطلع بره، مش عايزه أشوفك ولا أشوف أي حد من ريحتك برااااااااا».
أمسك أحمد بيدها بحزم، وأجبرها على الدخول. دخلت الغرفة مرة أخرى، وأغلق الباب بعنف. كانت مديحة تصرخ، تطلب منه الخروج، لكن صوته القوي والصارم قطع على صراخها:
«اسمعي الأول، وبعد كده همشي، ومش هتشوفي وشي تاني، علشان أنا كمان ما بقيتش عايز أشوفك بعد اللي عملتيه مع بنتي اللي ما لهاش أي ذنب، غير إنها حبتك واعتبرتك في مكان أمها الله يرحمها. بس دي غلطتي، كنت فاكرك ست قلبك أبيض، علشان كده سبت مريم تقرب منك، بس طلعتي عكس كده . على العموم يا مدام مديحة، أنا ما أعرفش بنت أختي غير من كام شهر».
بدأ أحمد يقص كل شيء عن علاقته بشقيقته الراحلة أم نور منذ البداية. كل كلمة كانت تنبض بالحزن والألم. حين انتهى، انهار بثقل كأنه يحمل جبالًا من الحزن فوق كتفيه. ثم قال:
«على فكرة يا مديحة، لو ابنك اتعذب عشان نور، سيبته بحب، أريحك. نور من ساعة ما اتجوزت وهي عايشة في عذاب، عشان جوزها بني آدم مريض، كان بيعذبها على أبسط الأشياء. لو مدت إيدها وسلمت على حد كان يفضل يضربها بحجة الغيرة والحب، ومرة فضل يضرب فيها
لغاية ما نزل الجنين اللي في بطنها. حتى أختي ركّبها المرض وماتت من الحزن والقهر على اللي حصل في بنتها، واللي كانت هي السبب فيه. يعني لو ابنك اتعذب شويه، فنور عاشت طول سنينها في عذاب. يا رب تكوني مبسوطة، لو علي ابنك ما تخافيش، هيطلع حتى لو دخلت أنا مكانه».
جلست مديحة تستمع، عينيها جامدتان لا تظهر عليهما أي حركة، لكن قلبها كان يتألم داخليًا. لم تشعر بالنشوة التي توقعتها عند رؤية نور تعيش في جحيم، بل شعرت بألم من أجلها والحزن عليها
.
قال أحمد:
«أنا كده خلصت كلامي. أنا كنت همشي النهارده، بس افتكرت إنك ممكن تفكري أني اتخليت عن ابنك، علشان كده مضطر أفضل هنا لغاية ما عامر يخرج. بس اطمني، لا أنا ولا بنتي هنزعجك في حاجة. اوعدك اليوم اللي هيخرج فيه عامر، إحنا هنمشي من هنا على طول، عن إذنك».
بعد خروج أحمد، جلست مديحة على الكرسي، الدموع تنساب على وجنتيها. كانت تبكي من أجل الجميع: ابنها الذي تعذب في حب إنسانة كانت تعشق المال أكثر من الحب، نور التي عذبت من أجل طمعها، مريم التي تبحث عن أم، وحتى من أجل نفسها. شعرت بحب عميق تجاه أحمد، لكنها لم تجرؤ على الاعتراف به. ومع ذلك، كانت كل لحظة معه تمنحها أحاسيس لم تعشها من قبل، أحاسيس لم تعرفها مع زوجها السابق، الذي ترك قلبها جريحًا مستمرًا معها للأبد
********************************
.
تذكّرت هالة شقيقها، ودار في خاطرها أن تسأل يحيى عنه، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. فتحت الباب لتخرج وتنظر إن كان قد أتى، تتساءل في نفسها: لماذا تأخّر؟
وقبل أن تخطو خارجًا، تفاجأت به يعود. وقف الاثنان أمام بعضهما، ولم ينطق أيٌّ منهما بكلمة، وكأنّ الصمت بينهما صار عادة منذ زمن.
اقترب عمر من شقيقته، واحتضنها بقوّة، فبادلته هالة العناق ذاته. ظلّا على حالهما، ساكنين في حضنٍ أخويّ دافئ، كأنّهما لم يلتقيا منذ أعوام. ثمّ رفع عمر رأسه وقبّل جبين أخته وقال بصوتٍ متهدّج:
"آسف .. أنا من عصبيتي ما كنتش عارف أقول إيه ولا أعمل إيه، حقك عليّ."
ابتسمت هالة بسعادة غامرة، وقد كانت تشتاق إلى شقيقها شوقًا كبيرًا، ثم قالت وهي تبتسم بحنان:
"يا حبيبي ولا يهمك ، انت حقك عليّ، بس والله يا عمر أنا ما عملتش أي حاجة تقلل منكم، ولا حتى من يحيى.
تبدّل وجه عمر عندما سمِع اسم يحيى، وبدأ يتمتم بكلمات غاضبة، الغيرة الأخوية تتأجّج داخله. لمحة هالة يده الملفوفة بالشاش الطبي، لطمت على وجهها، فصرخت فيه فجأة، مما جعله يتراجع خطوة إلى الخلف وهو يقول بدهشة:
"في إيه يخرب بيتك مالك يا بنت
نظرت إليه هالة بعينين تمتلئان بخوف والقلق وقالت:
"مالك يا عمر؟ إيدك فيها إيه؟ هو انت كنت في الحادثه مع يحيى؟"
ابتسم عمر بخبث، ونظر ناحية غرفة ابن عمّه وقال:
"الواد ده كدّاب، ضحك عليكي وقالك إننا عملنا حادثة، وإحنا لا حادثة ولا حاجة دا احنا كنا في حتة خناقة بس مع الأسف اتضربنا كل منه قبل ما ندخل . العركه قلت له يحيى انت عامل حسابك ولا لا اللي قال لو خايف انزل وانت عرفاني ما رضيتش اسيب لوحده وفي الاخر ايد كانت هتروح وأنا بدافع عنه، والأستاذ ولا هو هنا!"
رمقت هالة الغرفة بنظرة مشتعلة، وقالت بسخرية وبصوتٍ مرتفعٍ كي يسمعها:
"يعني اتضربت يا عمر مش حادثة؟ عارف، في ناس هنا كدابة، مكسوفة تقول إنها اتضربت
فُتح الباب فجأة، وخرج يحيى وهو يضغط على أسنانه بعصبية، نظر إلى ابن عمّه وقال بحدّة:
"ارتحت يا عمر؟"
هزّ عمر رأسه وهو يبتسم ابتسامة شماتة، لكنها سرعان ما اختفت حين لكمته هالة في كتفه بخفة قائلةً بسخرية:
"عتضحك على إيه؟ على خيبتكم
"
رفع يحيى حاجبه قائلًا باستهزاء:
"خيبتنا؟ يا بنتي، انتي صدقتي أخوكي الأهبل؟ إحنا اللي طحنّاهم!"
حرّكت هالة شفتيها يما ويسارًا ثم رفعت يدها باستهزاء وأشارت إليهما قائلة بسخرية لاذعة:
"ما هو باين يا عيال بيت العامري! ركبت العار لعيلة العامري!"
كان عمر ينظر إليهما مبتسمًا بخبث، كأنه يستمتع بما يحدث، فهو يعلم أنّ شقيقته تكره الكذب، وأنّ غضبها ليس بسبب ما حدث، بل لأنّ يحيى كذب عليها.
في تلك اللحظة، خرجت فاطمة على صوتهم المرتفع، ، وما إن رأتهم حتى ضربت على صدرها وقالت بفزع:
"يا مري! مالكم يا يامي؟ اسم الله عليكم يا حبايبي، إيه اللي حصلكم شحبت كالموت من خوفها عليهم
اقترب الاثنان منها بسرعة، يحاولان طمأنتها بأنّ كل شيء على ما يرام. وفي تلك الأثناء دق الباب ذهبت هالة لتفتح، الباب لتتفاجا ريم تبعدها بكراهية ثم تقتحم المنزل وتدخل دون استئذان، مسرعة بخطواتٍ مضطربة، وعيناها تتفحّصان المكان بلهفة، اقتربت من يحيى، أمسكت وجهه بين يديها وقالت بصوتٍ ملهوف:
"مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟"
ساد الصمت المكان، والدهشة تملأ العيون. اقترب عمر من شقيقته وقال بجديةٍ حادّة:
"هو ده اللي عايز يتجوزك؟"
لم تكن هالة بحاجةٍ إلى كلام عمر كي يشتعل غضبها، فقد تأجّجت في قلبها نار الغيرة، ونظرت إلى ريم بعينين تتلظّيان لهبًا، ثم تقدّمت نحوها بخطواتٍ ثابتةٍ واثقة، كلّ خطوة منها تحمل غضبًا مكبوتًا، وكرامةً جُرحت بشدّة.
"طره، ماذا سوف تفعل هالة مع ريم؟ هل سوف تدافع عن حبها وتبعت تلك الشيطانه عن يحيى ومن اين اجلبت ريم تلك الجراه حتى تقترب من يحيى بذلك الشكل وتتحدث معه بتلك اللهجه امام الجميع
وووويتبع
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
لقد وصلتني نجمة جميلة أضاءت سماء روايتي، وجعلتني أشعر بسعادة كبيرة، فدفعتني للاستمرار في الكتابة بعدما كنت أظن أنه لا أحد يهتم بها.
أما أولئك الذين يقرؤون روايتي دون أن يتركون لي أثرًا أو تعليقًا، فأعتذر إن لم تنل روايتي إعجابهم، وأتمنى أن يجدوا فيها ما يُسعد قلوبهم.
فلنبدأ يا قارئي الجميل رحلةً جديدة في قصتنا، وأتمنى لك السعادة دائمًا.
وإن أعجبتك الرواية، لا تنسَ أن تدعمني، كما سأدعمك أنا بكلماتي، لنستمر معًا في هذه الرحلة الجميلة.
********************************
لنذهب عزيزي القارئ إلى قلب الصعيد، حيث منزل عائلة العامري.
في إحدى الغرف داخل البيت، جلس نوار أمام والده يحاول إقناعه بتزويج شقيقته لابن عمه. الجوّ كان مشحونًا، والكلمات تتثاقل في الصدور قبل أن تنطق بها الأفواه.
لكن الأب نهض بغضب، وصاح بصوتٍ كالرعد:
ـ قولتلك لا يعني لا! مش موافق يعني مش موافق!
يحيى ما ينفعش مع أختك، ده أصغر منها، وعاوز الناس تقول علينا إيه؟
نظر نوار إلى والده، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة ممزوجة بخيبة الأمل، وقال بمرارة:
ـ الناس برده؟ ولا جدي هو اللي قالك قول لا يا جابر؟ وانت كالعادة يا بوي تقول حاضر... صح؟
تجمّد جابر للحظة، ثم رمق ابنه بنظرة مرتبكة وهدر بتوتر:
ـ قصدك إيه؟ قصدك إني ما ليش كلمة؟ إني مش راجل؟ قول يا نوار! خلاص كبرت وبقيت توقف في وِش أبوك وتقول إنه مش راجل يا ولد فاطمة؟
تنهد نوار بثقل، واقترب من والده وقبّل رأسه، ثم أمسك بيده وقبّلها، ونظر إليه بعينٍ يغمرها الأسى:
ـ عارف يا أبوي... طول عمري شايفك أحسن راجل في الدنيا.
من وأنا صغير، كنت بعمل زيك في كل حاجة.
كنت بسمع كلامك على طول:
اتجوز يا نوار نِسمة؟ حاضر يا أبوي.
سيب التعليم وخلّيك معايا نرعى الأرض؟ حاضر.
ابتعد نوار قليلًا، ثم أمسك العصا وضرب الأرض بقوة، ونظر إلى والده بوجهٍ صارم تملؤه القسوة وهو يقلد نبرته:
ـ خليك ناشف مع أهل بيتك، الحريم ملهاش دلع. اكسر راسها لو فتحت خشمها. خلي قلبك قوي.
اقترب منه مرة أخرى، وحدّق في عينيه بجمودٍ وقال:
ـ وبقيت حجر... كنت كل ما واحدة فيهم تتكلم، أنزل فيها بالعصاية. أكسر عضمها. حتى بتي الصغيرة ما رحمتهاش.
وانت؟ ما فيش مرة قلتلي عيب اللي بتعمله!
حتى لما غرزة السكنية في هاله وانا عقتل أختي الوحيدة.. علشان كلام الناس ما كلمتنيش ولا كلمة! ولا قولت عيب ولا إيه الي عملت في اختك
رفع نوار يده، وأمسك بيد أبيه وهو يرتجف غضبًا:
ـ إيدك دي... ما جتش يوم وادّتني كف على اللي عملته فيها!
بس تضربني ليه؟
إنت ما خطتش برجلك ولا رُحت وشُفتها وهي بتموت ولا مره
بس أول ما هو قال...
توقف لحظة، ثم رفع العصا مقلدًا صوت جده وقال بتهكمٍ قاتم:
ـ روح يا جابر، هات بنتك علشان نجوّزها لحمدان!
روح يا جابر، اقتل بنتك ومراتك علشان تغسل عارك!
قول ليحيى لا يا جابر على جوازه من بنتك حتي امي بعد العمر ده طلقتها بدل ما تجيبها هي واختي وتحميهم وتدافع عنهم
تجمّد جابر مكانه، ينظر إلى ابنه بعينين مشدوتين.
لقد رأى في نوار مرآةً قاسية تعكس بشاعته، كم هو أبٌ قاسٍ بلا رحمة.
نظر إلى الأرض بخجلٍ ثقيل، بينما جلس نوار تحت قدميه، ووضع يده على كتفه قائلاً بهدوءٍ متهدّج:
ـ ارفع وشك يا أبوي... أنا زيّك، ويمكن أكتر.
وقف نوار ، وقبّل رأس والده مرة أخرى، ثم ذهب ليخرج
فُتح الباب ، فسقطت نسمة أرضًا تحت قدميه. ابتلعت ريقها بخوف وتجمّدت مكانها من الرعب
ابتسم نوار بتهكم ثم
اقترب منها وجلس بجوارها، نظر إليها بعينين تشتعلان بالظلام قائلاً:
ـ عارفة يا نِسمة؟ فكّرت كتير أوي أقتلك وأخلّص... بس الموت راح للزيّك برضه.
كل يوم بفكر أرمي عليك يمين الطلاق، بس أفكّر في العيال وأرجع وخاف عليهم وسكت
وفجأة، صفَعها بكفٍّ قوي جعلها تصرخ.
أمسك بفكها بقوة، وهو يكتم أنفاسها بنظرةٍ حاقدة:فقال
ـ وحياة كل كلمة وسخه طلعت من لسانك . .. اللي عاوز قطعة علي امي واختي يا أعمل فيكِ اللي طول عمرك خايفة منه، وجيبها على قلبك وخليك خدامه ليها ومش هعملك مرة تانيه ولا أعبرك اخرك هتبقى أم العيال وبس يا بت أمينة
تركها بعنف فاصطدم رأسها بالأرض ثم ذهب خارج المنزل
، وبدأت أنفاسها تتقطع وهي تصرخ بصوتٍ ممزق:
ـ طيب... ابقى اعملها يا نوار! وأنا أقتلك، وأقتلها، والله لأقطعكم حتة حتة لو جبت
مرة عليّا يا نوار! يولع فيكوا وفي البيت كله عاوز تزوج علي
يا أخو العانس البايرة هقتلك يا نوار إنت سامع
كانت كلماتها تخرج كطعَناتٍ مجنونة، صدى صراخها يتردد في الجدران كأن البيت كلّه يرتجف من هولها.
ثم خيّم الصمت.
صمتٌ ثقيل، غريب، كأن الصعيد نفسه حبس أنفاسه.
حتى الهواء توقف لحظةً، يراقب ما تبقّى من بيتٍ تكسّر صوته بين الغضب والندم.
********************************
في القاهرة
في غرفة المشفى، يقف ذلك الحارس بزيٍّ رسمي يحرس تلك الغرفة، أو المفترض كذلك.
أقترب منه رجل يمشي بخطى واثقة، يرتدي زياً يظهر عليه الثراء.
فتح الحارس الباب دون أن ينطق بكلمة واحدة.
دخل ذلك الرجل، وهناك — تجلس هي تنظر أمامها بشرود.
وجهها عليه ملصقات طبية، وكانت كأنها في عالمٍ آخر، ودموعها تنساب على وجهها.
وحين اشتمّت رائحته، ابتلعت ريقها بخوفٍ شديد، وتشبثت بيديها بذلك الغطاء.
ظلت تحدّث نفسها داخلاً وتؤكّد أن ما تشعر به مجرد أوهام، وأنه ليس هو،
رغم أنها تعرف تلك الرائحة جيداً... رائحة كريهة مثل صاحبها.
اقترب، ووقف عند طرف السرير، شعرت به، لكنها لم تكن تملك الشجاعة لتنظر إليه.
ظلت تحدق للأمام، تتشبث بالغطاء بقوة.
اقترب منها أكثر، وكلما اقترب، ازداد قلبها خفقاناً من الرعب.
تحدث في أذنها بصوته الكريه، ذلك الصوت الذي يجعل دقات قلبها تتسارع خوفاً، وقال:
– وحشتيني يا نووووووور... كنتِ فاكرة مش هتشوفيني تاني؟
ابتعد عنها قليلاً، ثم أمسك وجهها بين يديه وأجبرها على النظر إليه بقوة،
ضغط على فكّها، ونظر في عينيها بشرٍ واضح،
ثم ابتسم ابتسامة مريضة حين رأى الرعب في نظراتها.
أصبح وجه نور شاحباً كوجوه الأموات،
ليس بسبب حالتها الصحية، بل من شدّة الرعب من جاسر.
ازدادت دموعها، تسيل كينبوع ماء يغرق وجهها.
ضغط على الجرح الذي في وجهها بقسوة، فصرخت صرخة سمعها الجميع في المكان،
لكن لم ينجدها أحد من ذلك المجنون.
ابتسم جاسر ابتسامته المريضة وقال:
– مين اللي عمل في وشّك كده؟
هم مش عارفين إن أنا اتجوزتك عشان وشّك الحلو ده؟
ثم نظر إلى جسدها نظرة شهوانية،
عضّ على شفته وقال:
– وحشتينا يا نور... إيه رأيك؟
أنا مستعد أسامحك على كل حاجة ونبدأ صفحة جديدة مع بعض،
بس في كام شرط كده:
أول حاجة، تقطعي صلتك بخالك الغبي اللي ظهر فجأة،
وتسحفي على إيدك ورجلك، وتبوسي رجلي وإيدي كل يوم.
وأنا هسامحك، عشان أنا قلبي طيب.
وهعملك كمان عملية تجميل، عشان يرجع وشّك الجميل زي ما كان،
وبالمرة أصلّح شوية حاجات فيك ما كانوش عاجبيني أوي.
نظرت له ثم صمتت، وفجأة انفجرت ضاحكة بشكل هستيري،
ارتفع صوت ضحكاتها أكثر فأكثر.
تركت التخت الذي كانت تجلس عليه، واقتربت منه حتى وقفت أمامه.
توقفت عن الضحك، ونظرت له بثبات وقالت بشجاعة:
– إنت مجنون يا جاسر الجيزاوي!
إنسان زيك مكانه مستشفى المجانين أو السجن...
اللي زيك ما ينفعش يعيش وسط البشر العاديين.
إنت مؤذي ومقرف.
ولو على وشي، أنا مش زعلانة... أنا فرحانة يا جاسر،
عشان لو ما كنتش حلوة، ما كنتش هعجب واحد زيك!
عارف يا جاسر؟ زمان كنت ببص في المراية وأقول لنفسي:
واحدة حلوة زيي ما ينفعش تعيش حياة عادية،
لازم تعيش في قصر وتلبس حرير.
بس من ساعة ما اتجوزتك، وأنا أقرفت أبص في وشي
كرهت المراية، وكرهت نفسي... وكرهتك إنت!
تنفس جاسر بصوتٍ مسموع، واسود وجهه من الغضب،
وعيناه تشتعلان بالنيران.
اقترب منها، ووضع يده حول عنقها،
بينما اليد الأخرى تضغط على الجرح في وجهها بقسوة.
كانت نور تحاول الصراخ، لكن الألم كان يخنقها،
والدموع تسيل على وجهها، وقدماها تتحركان بعشوائية.
تحول وجهها إلى الأزرق، واتسعت عيناها،
وأوشكت أنفاسها أن تنقطع.
مدّت يدها بصعوبة تبحث عن شيء...
أمسكت بالسكين الصغيرة الموضوعة بجانب طبق الفاكهة،
وغرزتها رغم ضعفها في قدمه.
صرخ جاسر، لكنها لم تتوقف، سحبت السكين وغرزتها مرة أخرى.
استمر جاسر في خنقها، رغم الألم الذي شعر به،
لكنها لم تتراجع، وظلت تطعنه حتى لم يعد يحتمل.
تركها، وما زالت السكين مغروسة في قدمه.
سقطت نور على الأرض تحاول التقاط أنفاسها،
زحفت على الأرض محاولة الهرب.
حاول جاسر أن يمسكها بقدميه، فصرخت بصوتٍ عالٍ.
دخل الشرطي والطبيب والممرضة على الفور،
وحين رأوا السكين مغروسة في قدمه، والدماء تغمر الأرض،
أسرعوا نحوه لايهتم احداً منهم به، بينما لم يهتموا بها
نعم، عزيزي القارئ، نحن في زمنٍ فسد فيه كل شيء.
أخذوه بعيداً، بينما اقتربت الممرضة من نور،
ساعدتها لتعود إلى السرير، وبدأت تنظّف جرحها الذي نزف من جديد.
وظلت نور تبكي...
********************************
عاد عمر ويحيى في الصباح الباكر منهكين، لا يكادان يريان أمامهما من شدة التعب.
كان يحيى يسير بصعوبة، ، بينما يتبعه عمر في حالة لا تقل سوءًا.
لكن عمر توقّف فجأة حين رآها جالسة في تلك الحديقة الصغيرة، تضم إلى صدرها تلك الدمية التي تمثل لها الدنيا بأكملها.
حاول أن يخطو وراء ابن عمه، لكن قلبه لم يطاوعه. اقترب منها ببطء، فرأى يديها ترتجفان وهي تبكي في صمت.
تنهد عمر بيأس، وجلس بجوارها دون أن تبدي هي أي اهتمام بوجوده.
كانت ريم ما تزال ممسكة بدميتها التي تذكرها بأمها الراحلة، تبكي بحرقة كأنها فقدت قلبها معها
.
قال عمر بصوتٍ هادئ وهو يحاول كسر الصمت:
ـ بتبكي ليه؟ وبعدين إيه الدبدوب اللي في إيدك ده؟ على طول ماشيه بيه؟
ازدادت مريم بكاءً عند سماع سؤاله، فقد تذكرت لحظة رحيل أمها، وبعدها مديحة ، وكل ما مرّ بها من وجعٍ وحزن.
فكر عمر قليلاً في طريقةٍ يشتّت بها حزنها، وقال محاولًا المزاح:
ـ بصي يا مريومة، أنا ما نمتش من امبارح، ده غير إننا كنا في مدعكة أنا والواد يحيى... كنا هنموت واتضربنا كمان.
بصي إيدي كده...
رفع يده التي كانت ملفوفة بالشاش الأبيض.
صرخت مريم بخوف، وأمسكت يده بقلق وهي تقول:
ـ يا نهار اسود! مين الحيوان اللي عمل فيك كده؟! إنت كويس إيدك بتوجعك طيب في حاجه تانيه وجعاك رد عليا
كانت تتحدث ودموعها لا تتوقف، يزداد خوفها وحزنها عليه كل لحظة.
نظر عمر إليها متأملًا ملامح وجهها، كأنها لوحة فنية نادرة لا مثيل لها في الوجود.
ظل يحدّق فيها بصمت، وهي تتحدث وتشهق بالبكاء وتضم يده بخوف.
قال بصدقٍ وهو يشعر بثقل كلماته:
ـ إنتِي يا مريم... أيوه إنتِي. لما بشوف الدموع في عينيك ببقى عاوز أعمل أي حاجة علشان تبطّلي عياط، وأشوف ضحكتك تنوّرة وشّك تاني.
توقفت دموعها، وارتفعت دقات قلبها مع كل كلمة.
لم تصدق ما تسمعه، تلك الكلمات الجميلة التي كانت أشبه باعتراف حبٍّ صريح.
سألت نفسها: هل هذا حقيقي أم أنها تحلم؟
ابتسمت ابتسامة جميلة، لكنها سرعان ما اختفت حين تذكّرت حديث عمر القديم.
وقفت فجأة، تركت يده، وصرخت فيه قائلة:
ـ إنت عاوز إيه مني؟! جاي تقول الكلام ده ليه دلوقتي؟!
ثم تابعت بغضبٍ ودموعها تتساقط:
ـ جاي تضحك عليا بالكلام ده، صح؟ قولت دي واحدة هبلة ورخيصة، أقولها كلمتين وأتسلّي معاها شوية، مش كده؟
شعر عمر بالضيق والاشمئزاز من نفسه ومن تصرفاته.
وقف واقترب منها، مدّ يده ليزيل دموعها، لكنها أبعدت يده بعنف.
ابتسم عمر من تصرفها، فزاد غضب مريم، وتقدّمت بخطواتٍ غاضبة محاولة الابتعاد، لكنه وقف في وجهها.
وكلما حاولت المرور، وقف يمنعها حتى قال بنبرةٍ متعبة:
ـ انتي يا بنت، أوقفي... أنا تعبان، اسمعيني. لما قلتلك الكلام ده، كنت قاصد أعمل كده علشان تبعدي عني...
قاطعت حديثه قائلة:
ـ وديني بعت، عاوز مني إيه دلوقتي؟!
صمت عمر، وتشتت تفكيره...
هل يحبها فعلاً؟
هل يستطيع أن يتزوجها؟
هل يجرؤ على مخالفة قانون الصعيد؟
هل يمكنه أن يقف في وجه كبير عائلة العامري من أجلها؟
كانت مريم تنظر إليه، وقلبها العاشق يرجو الله ألا يخذله، وأن يتمسك بها مرة واحدة فقط، أن ينطق بحبه ولا يرحل.
لكنها تنهّدت حين طال الصمت.
خطت عدة خطواتٍ مبتعدة، فناداها بصوتٍ خافت:
ـ مريومة... هو إنتِي ممكن تتحجّبي وتعيشي في الصعيد زي ستات الصعيد؟ وتعملي كل حاجة في البيت زيهم؟
هذه المرة لم تخفِ ابتسامتها، ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة جعلته أكثر جمالًا، وردّ وجهها الأحمر كالزهور.
قالت له بارتباك:
ـ هو يعني لو اتحجبت وعملت اللي بتقول عليه... إيه اللي ممكن يحصل؟
فأجاب مبتسمًا:
ـ يا ستي، جربي، مش هتخسري حاجة... هو الحجاب وحش؟
اقتربت منه بخطواتٍ بطيئة، وقالت وهي عابسًا بغيظٍ
ـ يعني إيه؟ بعد دا كله مش هيحصل حاجة؟ وبعدين قبل ما تنصحني، انصح نفسك يا بتاع الستات!
ضحك عمر وقال ممازحًا:
ـ يا بنتي ما أنا قلتلك، إن بتاع الستات في الزمن ده أحسن حاجة، على الأقل مضمون!
إنتِي مش عارفة إننا في زمن غريب؟
وعلى العموم، إنتِي مش هتخسري حاجة لما تلبسي الحجاب.
قالت وهي تشيح بوجهها:
ـ لا، هخسر! في فرق لما ألبس الحجاب علشان ربنا... ولما ألبسه علشانك!
تنهد عمر وقال بجدية:
ـ بصي يا مريم، أنا مش عايز أوعدك بحاجة وأطلع كداب.
إحنا عندنا لازم نتجوز من نفس البيئة اللي إحنا منها، علشان عندنا تقاليد وقوانين غير هنا.
ولو أنا اتحديت ده كله، ورُحت قلت لأهلي إني هتجوز بنت مش صعيدية،
يبقى على الأقل تكون البنت دي محجّبة...
يعني ما ينفعش أقولهم إني هتجوز بنت مش محجبة وبتلبس كمان قمصان وبنطلونات وفستان قصير.
قبل ما تفهميني غلط وتعيّطي تاني، يا ريت تفهميني بس. الستات هناك غير هنا والتفكير هناك غير هنا دا غير ان انا عاوز اجوز وحده محجبه يمكن أنا أكتر إنسان فاسدة بس تقولو إيه انا طماع عاوز اتجوز قديسه لم يدوس محرابها رجل
صمتت مريم ولم ترد، ثم تركته وذهبت.
ابتسم عمر بحزن، وسار في طريقه، وقد أصبحت خطواته أثقل من قبل.
أحسّ بحزنٍ عميق داخل قلبه...
كان يتمنى أن تستمع له، أن تفعل ما يريد، أن تساعده ليواجه عائلته...
لكن مريم اختارت الصمت.
***************************
لنعد، عزيزي القارئ، مرةً أخرى إلى الصعيد، ولنذهب إلى منزل الأفاعي وشياطين الإنس.
في منزل الغول كانت الأجواء مشحونة ومشتعلة. وقف الغول ينظر إلى زوجته وابنه بكراهيةٍ وغضب، ثم هدر بهما قائلًا:
ـ هي كلمة واحدة يا ولد نعمة! تروح تجيب بت الكلب اللي متجوزها من بيت المحروق أبوها، وتنسى جوازك من زينب، لغاية ما أشوف حل مع الكلب محمود، داهية تاخدكم كلكم!
وقفت نعمة بعصبية، وصرخت بصوتٍ مرتفع:
ـ وش الفقر دي! ما تدخلش بيتي تاني، لو جبت البنت دي هنا، هسيب لكم البيت وامشي!
ابتسم الغول ابتسامةً متسعة، ثم جلس ووضع قدمًا فوق الأخرى وقال:
ـ الباب يفوت جمل يا نعمة! ياك فكراني همسك فيكي؟ ده أنا مش طايق بوزك. الفقري ده في البيت! عتقولِي على البنت فقريّة؟ والله ما حد فقّر غيرك. غوري اتقلبي داهية، ما ترجّعك مرة فقريّة!
نظرت نعمة إلى زوجها بملامح غاضبة، وعيناها تشتعلان بالكُره. داخلها كان يموج بالحزن؛ فالغول لم يكن يومًا زوجًا صالحًا، بل دائمًا يعاملها بجفاء ويهينها أمام أولادها كلما سنحت له الفرصة. تكاثر الحقد في قلبها حتى صار كراهيةً لا تمحى.
نظر طلعت إلى أمه وهو يشعر بالحزن والعجز أمام إهانات والده الدائمة لها وله أيضًا. فكر قليلًا، يريد زهراء لينتقم منها، ويريد زينب لأنه يشتهيها كثيرًا. لم يكن زواجه من زينب بدافع الحب، بل من أجل شهواته.
ابتسم بخبث حين خطرت له فكرة، وتحدث بملامحٍ منكسرة:
ـ حاضر يا أبوي، أروح أجيب زهراء، وأحبّ على راس محمود لو عايز، بس ساعتها واد الكلب ده هيستغل خوفنا منه، وكل شوية ييجي يهددني، وانت عارفه راجل ناقص.
بس لو انت سبتني أعمل اللي أنا عايزه، أخلصك من محمود، وكمان أخليه يعرف مقامه. قلت إيه؟
نظر الغول إلى ابنه بسخرية وقال:
ـ وهتعرف تعمل حاجة يا ولد نعمة ؟! انت فاكرني اهبل؟ ده انت طول عمرك خايب، وآخرك كلام!
ابتلع طلعت تلك الإهانات بصعوبة، محاولًا أن يتغلب على الشعور المؤلم الذي يعتريه دائمًا من طريقة والده المهينة. رسم على وجهه ابتسامةً زائفة وقال:
ـ المرة دي غير، ولو ما عرفتش أعمل حاجة، هسيب البيت واخد أمي وأمشي.
ارتفعت ضحكات الغول المليئة بالكراهية والنفور من أسرته، وقال:
ـ موافق، يا ولد امك ، على الأقل أخلص منك ومن أمك الفقرية. داهية تاخدكم .
حاولت نعمة أن تمسك دموعها، تنظر لزوجها بكرهٍ شديد، فاقترب منها ابنها وقال بصوتٍ منخفض:
ـ هجيب لك زهراء، تعمليها خدامة عندك، وسيبك من الغول وكلامه. انتي ست البيت ده، ومحدش هيطلعك مني، بس اسكتي دلوقت عشان نعمل اللي إحنا عايزينه.
ابتسمت نعمة من حديث ابنها الخبيث؛ فقد أصبحت مثل تلك العائلة المريضة.
اللهم فُكّ عنها وعن ابنها الحقير ذلك الجحيم الذي سيجعل زهراء تعيش بداخله.
لم تشبع نفوسهم المريضة مما فعلوه بتلك الفتاة الصغيرة، التي كانت ضحية زواج القاصرات بسبب أطماع والدها في المال.
******************************
كانت هالة تجلس فوق سجادة الصلاة، تمسك بين يديها المصحف، تقرأ وتستغفر الله. شعرت أنها قللت احترامها مع المولى عز وجل حين خاطبته بتلك الطريقة، فظلّت على سجادتها حتى الصباح، تستغفر الله، وترجو أن يسامحها، بقلب خاشع ومليء بالندم.
فجأة، سمعت صوت الباب يُفتح بهدوء، فتنفست
بارتياح. كان قلبها يخفق بسرعة؛ فقد كانت قلقة للغاية علي يحيى و عمر لم يأتِ أحدهما منذ الأمس، وقفت، وضعت المصحف والسجادة في مكانهما، ثم ذهبت وهي تضبط حجابها.
نظرت لترى يحيى يدخل غرفته، ويبدو عليه التعب الشديد. تقدمت خلفه بخطوات بطيئة حتى لا ينتبه لها. ترك يحيى الباب مفتوحًا قليلًا، فلم يهتم بغلقه من شدة الإرهاق. بدأ يحيى في نزع ثيابه العلوية، فالتفتت بسرعة وهي تشعر بالخجل، ثم صارت بعد الخطوات وهي مرتبك ولكن
حين سمعت يحيى يتألم بصوت مسموع، التفتت مرة أخرى بخوف وقلق. وعندما رأت الجروح الخطيرة في جسده، شهقت من الرعب. التفت يحيى ليجدها خلفه، فبدأ بارتداء ثيابه مرة أخرى.
تحدثت هالة، وكل شيء فيها ينطق بالرعب والألم من أجله:
يحيى، مالك انت عملت حادثة! ولا إيه اللي حصل لك؟ رحت للدكتور؟ أكيد ما رحتش! بص! أنا هلبس هدومي بسرعة ونروح الدكتور... لا، أنا هطلب الإسعاف أحسن! لا، لا، أنا هجيب الدكتور هنا بس دقائق." فين التلفون
بدأت تتلفت حول نفسها تبحث عن الهاتف، وبدأت دموعها تهطل بغزارة كالامطار.
كان يحيى في حالة من الألم الشديد، لكنه شعر بسعادة كبيرة حين رأى كل هذا الاهتمام والقلق والخوف من هالة، فتأكد أنها في الطريق الصحيح وأنه لا يجبرها على شيء، بل تحبه من أعماق قلبها. اقترب يحيى منها مبتسمًا، يحاول إخفاء التعب الذي يفتك بجسده خلف تلك الابتسامة، ثم قال:
"اهدئي وأخد نفسك كده، أنا كويس، دي حادثة بسيطة خالص."
لكن هالة، التي غلبها القلق على حالته، غضبت وعيونها مليئة بالدموع، وصرخت بعصبية:
"هي إيه دي اللي بسيطة؟ انت مش شايف نفسك! طب بلاش! مش شايف؟ مش حاسس دا انت مش قادر توقف على رجلك شوف وشك عامل كيه ولا جسمك "
رفعت يدها وهي تصرخ، وقالت:
"هي كلمة واحدة هروح أغير هدومي وأخذك ونروح على المستشفى! انت سامع؟"
رفع يحيى يده، وهو يرسم الخوف الزائف على وجهه ، وقال بمزح:
"ممكن كلمة يا مس هالة؟"
نظرت له بغيظ، لكنه ابتسم وقال:
"أنا رحت للدكتور، هو اداني أدوية، بس محتاج حاجة صغيرة كده قبل ما آخد الأدوية. ممكن تعملي لي أكلة حلوة من إيدك؟"
لم تتحدث وذهبت ركضًا للمطبخ. ذهب يحيى للمرحاض في غرفته ليبدل ثيابه، ثم بعد قليل تمدد على التخت ليريح جسده قليلاً.
فجأة، احتضنته هالة بحب وشغف، وهي تنظر في عينيه وتقول له:
"يحيى يا حبيب قلبي ، انت كويس؟ يا ريت أنا وأنت لا."سلامتك يا عمري
تجمدت الدماء في عروق يحيى، مثبتًا نظره عليها وهو في حالة من عدم التصديق. فراها تبتسم له، وحين مد يده ليلمس وجهها ويبدلها العناق سمع صوت يناديه، لكنه لم يهتم. ظل يمد يده، فظل الصوت ينادي حتى ارتفع بقوة، فاستفاق يحيى، نظر لم يجدها، فألتفت يبحث عنها ليجدها تمسك بالطعام وتنديه باسمه مرارًا وتكرارًا وهي تقف بجوار التخت
نظر لها وظل صامتًا، ثم تنهد ورمقها بغيظ. وقف فجأة غاضبًا، أخذ الطعام ووضعه على الطاولة بعنف، وأمسك بها من ذراعها وأخرجها خارج الغرفة، ثم أغلق الباب في وجهها.
تحدث يحيى بصوت منخفض:
"بقي دي آخرها يا ولد العامري؟ بتحلم زي المراهقين! يا خراب بيتك يا كنزي!"
كانت هالة ما زالت تقف خلف الباب وتدق عليه بقلق، وهي تقول:
"يحيى! مالك؟ في إيه؟ رد عليا، افتح الزفت ده!"
صرخ بها من الداخل وقال:
"امشي من عندك أحسن! قسم بالله أروح أجيب المأذون وأكتب عليك دلوقتي، إن شاء الله، غصب عنك وعن عائلة العامري كلها! سامعة؟"
صمتت هالة، حين شعرت بالجدية في صوته، أدركت أنه لم يمزح. جلست على أحد المقاعد، تنظر لباب الغرفة، وابتسمت بخجل، رفعت عينيها للسماء ودعت ربها أن يجمعها به في الحلال عن قريب، وقررت أن تترك كل شيء في يد المولى عز وجل.
********************************
دق أحمد الباب في منزل مديحة. فُتِحَ الباب ليجد ريم واقفة أمامه، عينيها تلمع بالاستخفاف والتهكم،
تمنعه من الدخول. كانت طباعها سيئة، وتذكره بوالدها وشقيقها طلعت.
قال أحمد:
«قولي لام عامر إنّي عايز أقابلها».
ردت ريم بنبرة مليئة بالإهانة
: «مديحة قالت مش عايزه تشوف وش حد فيكم خالص، وكمان عايزه تطردكم بره العمارة. أنا من رأيي إنكم تشتروا كرامتكم وتمشوا أحسن»
.
صدم أحمد من ردها، فلم يتوقع أن فتاة في عمرها تتحدث مع رجل كبير في عمره بهذا الشكل المليء بعدم الاحترام. فتح فمه ليوبخها، لكنه وجدها صمتت، تحدق للأمام بشرُد. ثم فجأة تغيرت ملامحها، وابتسمت ابتسامة عريضة وقالت له:
«معلش يا دكتور، أنا كنت بقول لك الكلام اللي، ما دام مديحة ، قالتلي اقوله لم أشوف أحد منكم . بس تفضل، ادخل».
كآنت تكذب فلم تقول لها مديحة شيء
دخل أحمد، وعيناه تتفحصان تغير ريم المفاجئ. أشارت إلى الغرفة التي تجلس فيها مديحة ، ثم ابتسمت بخبث وذهبت للداخل وغابت عن الأنظار.
دق أحمد الباب فلم يجد إجابة، دق مرة أخرى وأخرى. فتحت مديحة الباب بغضب ولكن عندما رأيت أحمد تذكرت مريم، أرتسمت على وجهها ملامح أم حزينة منكسة، لكنها تذكرت ابنها الوحيد المحتجز ظلمًا فتغيرت ملامح ، مديحة مرة اخرة ثم مدت
يدها وأزاحت أحمد إلى الخارج بقوة:
«اطلع بره، مش عايزه أشوفك ولا أشوف أي حد من ريحتك برااااااااا».
أمسك أحمد بيدها بحزم، وأجبرها على الدخول. دخلت الغرفة مرة أخرى، وأغلق الباب بعنف. كانت مديحة تصرخ، تطلب منه الخروج، لكن صوته القوي والصارم قطع على صراخها:
«اسمعي الأول، وبعد كده همشي، ومش هتشوفي وشي تاني، علشان أنا كمان ما بقيتش عايز أشوفك بعد اللي عملتيه مع بنتي اللي ما لهاش أي ذنب، غير إنها حبتك واعتبرتك في مكان أمها الله يرحمها. بس دي غلطتي، كنت فاكرك ست قلبك أبيض، علشان كده سبت مريم تقرب منك، بس طلعتي عكس كده . على العموم يا مدام مديحة، أنا ما أعرفش بنت أختي غير من كام شهر».
بدأ أحمد يقص كل شيء عن علاقته بشقيقته الراحلة أم نور منذ البداية. كل كلمة كانت تنبض بالحزن والألم. حين انتهى، انهار بثقل كأنه يحمل جبالًا من الحزن فوق كتفيه. ثم قال:
«على فكرة يا مديحة، لو ابنك اتعذب عشان نور، سيبته بحب، أريحك. نور من ساعة ما اتجوزت وهي عايشة في عذاب، عشان جوزها بني آدم مريض، كان بيعذبها على أبسط الأشياء. لو مدت إيدها وسلمت على حد كان يفضل يضربها بحجة الغيرة والحب، ومرة فضل يضرب فيها
لغاية ما نزل الجنين اللي في بطنها. حتى أختي ركّبها المرض وماتت من الحزن والقهر على اللي حصل في بنتها، واللي كانت هي السبب فيه. يعني لو ابنك اتعذب شويه، فنور عاشت طول سنينها في عذاب. يا رب تكوني مبسوطة، لو علي ابنك ما تخافيش، هيطلع حتى لو دخلت أنا مكانه».
جلست مديحة تستمع، عينيها جامدتان لا تظهر عليهما أي حركة، لكن قلبها كان يتألم داخليًا. لم تشعر بالنشوة التي توقعتها عند رؤية نور تعيش في جحيم، بل شعرت بألم من أجلها والحزن عليها
.
قال أحمد:
«أنا كده خلصت كلامي. أنا كنت همشي النهارده، بس افتكرت إنك ممكن تفكري أني اتخليت عن ابنك، علشان كده مضطر أفضل هنا لغاية ما عامر يخرج. بس اطمني، لا أنا ولا بنتي هنزعجك في حاجة. اوعدك اليوم اللي هيخرج فيه عامر، إحنا هنمشي من هنا على طول، عن إذنك».
بعد خروج أحمد، جلست مديحة على الكرسي، الدموع تنساب على وجنتيها. كانت تبكي من أجل الجميع: ابنها الذي تعذب في حب إنسانة كانت تعشق المال أكثر من الحب، نور التي عذبت من أجل طمعها، مريم التي تبحث عن أم، وحتى من أجل نفسها. شعرت بحب عميق تجاه أحمد، لكنها لم تجرؤ على الاعتراف به. ومع ذلك، كانت كل لحظة معه تمنحها أحاسيس لم تعشها من قبل، أحاسيس لم تعرفها مع زوجها السابق، الذي ترك قلبها جريحًا مستمرًا معها للأبد
********************************
.
تذكّرت هالة شقيقها، ودار في خاطرها أن تسأل يحيى عنه، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. فتحت الباب لتخرج وتنظر إن كان قد أتى، تتساءل في نفسها: لماذا تأخّر؟
وقبل أن تخطو خارجًا، تفاجأت به يعود. وقف الاثنان أمام بعضهما، ولم ينطق أيٌّ منهما بكلمة، وكأنّ الصمت بينهما صار عادة منذ زمن.
اقترب عمر من شقيقته، واحتضنها بقوّة، فبادلته هالة العناق ذاته. ظلّا على حالهما، ساكنين في حضنٍ أخويّ دافئ، كأنّهما لم يلتقيا منذ أعوام. ثمّ رفع عمر رأسه وقبّل جبين أخته وقال بصوتٍ متهدّج:
"آسف .. أنا من عصبيتي ما كنتش عارف أقول إيه ولا أعمل إيه، حقك عليّ."
ابتسمت هالة بسعادة غامرة، وقد كانت تشتاق إلى شقيقها شوقًا كبيرًا، ثم قالت وهي تبتسم بحنان:
"يا حبيبي ولا يهمك ، انت حقك عليّ، بس والله يا عمر أنا ما عملتش أي حاجة تقلل منكم، ولا حتى من يحيى.
تبدّل وجه عمر عندما سمِع اسم يحيى، وبدأ يتمتم بكلمات غاضبة، الغيرة الأخوية تتأجّج داخله. لمحة هالة يده الملفوفة بالشاش الطبي، لطمت على وجهها، فصرخت فيه فجأة، مما جعله يتراجع خطوة إلى الخلف وهو يقول بدهشة:
"في إيه يخرب بيتك مالك يا بنت
نظرت إليه هالة بعينين تمتلئان بخوف والقلق وقالت:
"مالك يا عمر؟ إيدك فيها إيه؟ هو انت كنت في الحادثه مع يحيى؟"
ابتسم عمر بخبث، ونظر ناحية غرفة ابن عمّه وقال:
"الواد ده كدّاب، ضحك عليكي وقالك إننا عملنا حادثة، وإحنا لا حادثة ولا حاجة دا احنا كنا في حتة خناقة بس مع الأسف اتضربنا كل منه قبل ما ندخل . العركه قلت له يحيى انت عامل حسابك ولا لا اللي قال لو خايف انزل وانت عرفاني ما رضيتش اسيب لوحده وفي الاخر ايد كانت هتروح وأنا بدافع عنه، والأستاذ ولا هو هنا!"
رمقت هالة الغرفة بنظرة مشتعلة، وقالت بسخرية وبصوتٍ مرتفعٍ كي يسمعها:
"يعني اتضربت يا عمر مش حادثة؟ عارف، في ناس هنا كدابة، مكسوفة تقول إنها اتضربت
فُتح الباب فجأة، وخرج يحيى وهو يضغط على أسنانه بعصبية، نظر إلى ابن عمّه وقال بحدّة:
"ارتحت يا عمر؟"
هزّ عمر رأسه وهو يبتسم ابتسامة شماتة، لكنها سرعان ما اختفت حين لكمته هالة في كتفه بخفة قائلةً بسخرية:
"عتضحك على إيه؟ على خيبتكم
"
رفع يحيى حاجبه قائلًا باستهزاء:
"خيبتنا؟ يا بنتي، انتي صدقتي أخوكي الأهبل؟ إحنا اللي طحنّاهم!"
حرّكت هالة شفتيها يما ويسارًا ثم رفعت يدها باستهزاء وأشارت إليهما قائلة بسخرية لاذعة:
"ما هو باين يا عيال بيت العامري! ركبت العار لعيلة العامري!"
كان عمر ينظر إليهما مبتسمًا بخبث، كأنه يستمتع بما يحدث، فهو يعلم أنّ شقيقته تكره الكذب، وأنّ غضبها ليس بسبب ما حدث، بل لأنّ يحيى كذب عليها.
في تلك اللحظة، خرجت فاطمة على صوتهم المرتفع، ، وما إن رأتهم حتى ضربت على صدرها وقالت بفزع:
"يا مري! مالكم يا يامي؟ اسم الله عليكم يا حبايبي، إيه اللي حصلكم شحبت كالموت من خوفها عليهم
اقترب الاثنان منها بسرعة، يحاولان طمأنتها بأنّ كل شيء على ما يرام. وفي تلك الأثناء دق الباب ذهبت هالة لتفتح، الباب لتتفاجا ريم تبعدها بكراهية ثم تقتحم المنزل وتدخل دون استئذان، مسرعة بخطواتٍ مضطربة، وعيناها تتفحّصان المكان بلهفة، اقتربت من يحيى، أمسكت وجهه بين يديها وقالت بصوتٍ ملهوف:
"مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟"
ساد الصمت المكان، والدهشة تملأ العيون. اقترب عمر من شقيقته وقال بجديةٍ حادّة:
"هو ده اللي عايز يتجوزك؟"
لم تكن هالة بحاجةٍ إلى كلام عمر كي يشتعل غضبها، فقد تأجّجت في قلبها نار الغيرة، ونظرت إلى ريم بعينين تتلظّيان لهبًا، ثم تقدّمت نحوها بخطواتٍ ثابتةٍ واثقة، كلّ خطوة منها تحمل غضبًا مكبوتًا، وكرامةً جُرحت بشدّة.
"طره، ماذا سوف تفعل هالة مع ريم؟ هل سوف تدافع عن حبها وتبعت تلك الشيطانه عن يحيى ومن اين اجلبت ريم تلك الجراه حتى تقترب من يحيى بذلك الشكل وتتحدث معه بتلك اللهجه امام الجميع
وووويتبع