رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم هالة محمد
32 =حلال ولكن مرفوض - دموع الفتيات ومن أجل الصداقة - 32 /
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
شكرًا لك على تلك الرسالة الجميلة التي تجعلنا في حالة من الفرح والسعادة.
هذا الورد لك
تقديرًا لتفاعلك الجميل.
لولا رسالتك وتفاعلك، ما كنت سأعلم أن هناك من يحب روايتي.
وبفضلك، أدركت أن هناك من يتابعها ويحبها، لنبدأ معًا أحداث روايتنا
*********************************
في القاهرة
ذهب عمر وأحضر شقيقته وأمه من المستشفى. جلس داخل السيارة صامتًا، كأن العالم من حوله لا يهمه، ولم يوجه إلى شقيقته كلمة واحدة، كأنها لم تكن موجودة
من الأساس. أما هالة، فكانت غارقة في عالمها الخاص، عالم يكتنفه الحزن ويلاحقها أينما ذهبت.
توقف عمر أمام أحد المتاجر القريبة من المنزل، لكن
هالة رفضت الذهاب معه، رغم إصرار والدتها على مرافقتها، فذهبت في النهاية إلى المنزل بمفردها.
وعند دخول العمارة السكنية، تفاجأت هالة بتلك
الشيطانية الصغيرة، تحدق فيها بعينين ملؤهما الشر،
فانتشر الهيجان في صدرها عند رؤيتها ريم تتحدث بلهجة مهينة، فقالت:
"إيه يا هالة، عارفة إنك كنتي في المستشفى؟ هو أحد من إخواتك ضربك تاني أكيد عملته لهم فضيحة زي ما فضحتهم في البلد، عيب عليكي! مش علشان عدّيتي الـ30 وبقيتي عانس، كل شوية تفضحيهم، مش كده؟
"
لم تهتز هالة من كلمات تلك الشيطانية، رغم ثقلها وغمرها بالكراهية والإهانة. ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة، اقتربت بخطوات بطيئة من ريم، وعيناها تحرقانها باحتقار صامت، ثم همست بكلمات مليئة بالألفاظ المهينة، فقالت:
"فضيحة إيه يا بنت الغوازي؟ قصدك على العملة الوسخة اللي عملها أخوكي الشمام الي عمري ما عبرته ولا حطيته شبشب في رجلي! وبعدين يا بنت الغوازي، إنتي آخر واحدة تتكلمي عن الفضيحة! يعني جدتك
رقاصة وكانت بتترمى على كل راجل في البلد شويه، علشان واحد فيهم يعبرها، ولما ما لقيتش حد عبرها اتجوزت جدك وادي الحلبي الشحات اللي ما لهوش أصل من فصل وصح. معلومة: مش كل واحدة عدّت سن الـ30 عملت زي أمك وراحت اتجوزت واحد زي أبوك وادي الغوازي، تاجر المخدرات المجرم!"
عابسًا وجه ريم بشدة حتى تغيّرت ملامحها، كانت أنفاسه ترتفع وتتقطع من شدة السخط. بعدما ردّت هالة الإهانة أضعاف مضاعفة، ففتّحت شفاهها لتبخ
سمومها، لكن فجأة تفاجأ الجميع بجهوم مديحة، التي كانت غاضبة لأقصى حد. احمرّ وجهها من شدة الحنق، وصاحت مديحة بصوت مرتفع في وجه هالة وقالت:
"أستاذك المحترم طلع خال نور الخائنة اللي كسرت قلب ولدي واتجوزت واحد تاني! دلوقتي إبني هيروح في داهية بسببها! انتي كنتِ عارفة إنه خال نور صح، ردي!"
حزنة هالة حين رأت مديحة في تلك الحالة، حاولت بلطف أن تخاطبها بهدوء لتهدئتها وتخفف من شدة الهيجان فيها، لكن قبل أن تفتح هالة فمها، فوجئت
بريـم تتحدث بمكر، تغذي غضب مديحة لتشتعل أعصابها أكثر، قائلة:
"هي مش نور دي اللي كانت قاعده معاكي إنتي وأمك في الشقة فوق دي؟ حتى مريم قالتلي إنكم كنتم قاعدين معاهما قبل ما تيجوا هنا."
تجمدت مديحة في مكانها، مذهولة مما تسمع، لم تتوقع أبدًا أن يصل الحديث إلى هذا الحد. اجتاحها الهيجان من الداخل، وبدون تفكير رفعت يدها لتصفع هالة. لكن هالة لم تكن ساكنة، كانت تحدق في ريم بعيون مليئة
بالـغيظ، ومدت يدها وسحبتها بعنف. وفي تلك اللحظة، تحركت يد مديحة، وارتطمت الصفع بقوة على وجه ريم، فارتدت إلى الخلف وسقطت أرضًا من شدة
الضربة، بينما ارتفع الأدرينالين والصرخات تملأ المكان.
في هذه الأثناء دخل الجميع، من بينهم عمر الذي حين رأى ما حدث لريم ضحك بصوت مرتفع مليء بالشماتة. صرخت مديحة بصوت مرتفع في الجميع وقالت:
"اطلعوا برا، بيتي! مش عاوز أشوف واحد فيكم!"
اقترب منها يحيى الذي دخل مع أحمد ومريم، ثم قال لها:
"حاضر يا مديحة، بس الأول نخرج عامر من الأزمة اللي هو فيها، وأ نطمن عليه وكنا هنمشي."
رد عمر مؤكدًا على كلام يحيى وقال:
"بص يا مديحة، رغم أني مش طايق الزفت ولد سليم، بس هو معاه حق. مفيش أحد مني هيمشي غير لما يخرج عامر بسلامه."
ألقت مديحة عليهم نظرة مليئة بالـسخط والحزن، ثم انصرفت وهي تبكي.
*********************************
في الصعيد
في منزلِ الغول، حيث تأوي الشياطينُ ذواتُ النفوسِ السوداء المستلذّاتُ بالدمارِ والساعياتُ لبثّ الشرور، جلس ذلك الشيطان مع خدمِه، يتبادلون ضحكاتٍ
مريضةٍ تُدوّي كطنينِ الخرابِ، وتكشف عن قلوبٍ لا تعرفُ إلا السقم. كانوا يتلذّذون بما خلّفوه من خرابٍ في القريةِ؛ قريةٍ غمرتها بحورُ الدماء، وتوهّجت فيها نارُ الثأرِ، تتأجّج في كل زاويةٍ كوحشٍ هائجٍ يلتهم البيوتَ والأرواح، بينما صدورهم خاويةٌ من الندم، كأنَّ الرحمة لم تُخلق لهم يومًا.
ابتسم ذلك الشيطانُ وتكلّم بابتسامةٍ خبيثٍة قائلاً:
«بس طلعت مش ساهل يا منشاوي — دماغك ولا دماغ إبليس؟ قتلت حسن ولبسته في بيت زيان، وخلّيت العيلتين نازلين يطحنوا بعض؛ يا ما قربوا يخلصوا. قولي عملتها إزاي يا منشاوي، وقولي
تحدّث المنشاوي ببرودٍ مميتٍ، خالي من أي ندمٍ على تلك الجريمةِ البشعةِ في حقّ الإنسانيّة؛ جريمةُ قتلِ روحٍ بريئةٍ لم تُرتكب ذنبًا، فقال:
«ولا حاجة يا كبير. أنا بس دورت على أقرب بيتٍ لأبو رحاب من بيوت عائلة زيان، واستنيت الليل، ولما سكت الناس رحت ناطت على البيت من غير ما حد يحسّ
وضربت حسن برصاصةٍ جابت أجله الي كان فرحان بالصلح، وهو اللي راح من غير رجعة.»
ابتسم الغولُ ابتسامةً ماكرةً، ثم أخرج رزمةً من المال وألقاها إلى المنشاوي، فخطفها بلهفةٍ كمن يبتلعُ غنيمةً، وعيناه تلمعان ببريقِ الطمعِ والجشع، كعيونِ ذئبٍ جائعٍ انقضَّ على فريسته.
أخذ الغول نفسًا عميقًا من الشيشةِ، ثم أطلق الدخانَ باستمتاعٍ وقال:
«شايف الفلوس اللي في إيدك دي يا منشاوي؟ هديك قدّها مرتين تاني لو عملت الي بقولك عليه.»
ابتلع المنشاوي ريقه، واتقدت عيناه ببريقٍ لم يخِبْ، كأنّ ما بين يديه لا يكفيه. اقترب من الغول متلهفًا، وصوته يفضحُ رغبته في المزيد، فقال:
«قولي يا كبير عايز إيه؟ أنا خدامك.»
تحولت عيناه إلى جمرٍ يقدحُ بالشرِّ والحقدِ، وأنفاسُه تتصاعد محمّلةً بالكراهية، ثم قال:
«عاوزك تراقب كل خطوة بيعملها الكلب النائب — كل نفس. وأهم حاجة تعرف مين أكتر عيلة في البلد تكون على خلاف مع النائب، بس بشرط تكون عيلة كبيرة ليها كلمة في البلد. سامع يا منشاوي؟»
هزّ المنشاوي رأسه بطاعةٍ، وفي هذا الأثناء أتي والدُ زهراء. فاشار الغولُ للمنشاوي بالرحيل.
امتلأ وجهُ والدِ زهراء بملامحَ الغضبِ والغيظ، وتعالى صوتهُ المتهدّجُ قائلاً:
«بقي دي أمور! يا أبو طلعت، ولدك سايب البنت ليها شهور مرمية وما سألش فيها مرة؛ لا ومش بس كده دا كمان، راح يخطب زينب بنت حسين علي البت اللي ملهاش شهور متزوجة! ولدك!»
رمق الغول والدَ زهراء بنظرةٍ متقدةٍ احتشدت فيها الغضبُ والاحتقار، ثم أفرغ كلماتِه بلهجةٍ مهينةٍ تنزفُ سمًّا وتطعنُ الكرامةَ في صميمها، فقال:
«وطي صوتك يا طقلق عرّق وبعيدل بتك مش متربايه! لو كانت متربايهّة ما كنتش تسيب جوزها وهو عيان، ما قادرش يوقف على رجليه وتعايره بمرضه. ولدي حرّ يتجوز إن شاء الله، عشره براحته— وبتِك عندك ما تلزمنّاش. داهية تاخدك وتاخد بتك في يومٍ واحد، يا عيلة فقرا!»
رغم الدماء التي تفور في عروقه من وقعِ الكلمات المهينة وامتهانِ كرامته، ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ باردة، وانطلق صوتهُ بنبرةِ تهديدٍ قائلاً:
«طيب اسمع يا غول، علشان أنت راجل ناقص وصنفٍ وسخ: لو ولدك ما جاش البيت وحب علي رأس بنتي ورجعها البيت وساب زينب، يمينًا بالله يا أروح أقول مين اللي قتل علي ولد ماهر.»
انسحب الغضب من جسدِ الغول كبركانٍ قد اشتعل، فوقفَ فجأةً من مقعده، وضرب الطاولة بقبضته في انفجارِ غضبٍ جعل ما عليها يتناثر ويسقط أرضًا. ثم
أمسك والد زهراء كالثورِ الهائج ممسكًا بعنقهِ وخنقَه ببطشٍ حتى احتقنَ وجهه وكادت أنفاسه تنقطع. وفي
تلك اللحظة، تقدّم ابنهُ طلعت متوكئًا على عصاه، وحين را ذلك ركض بصعوبة نحو والده اقترب منه وأمسك به من
من الخلف وهو يحاول ان ينتزعَ قبضةَ أبيه القاسية عن والدِ زهراء، الذي أوشكت روحه أن تُزهقَ بلا رجعة.
تحدّث طلعت بخوفٍ قائلاً:
«في إيه يا بوي؟ الراجل هيموت في إيدك! بعد عنه جرالك إيه؟»
ردّ الغول وهو ما يزال ممسكًا بوالدِ زهراء بقوةٍ:
«سيبني! أقتل ولد الشحات الجعان اللي بيهدّدني! الوَاطِي!»
سحبَ طلعت والده بعنفٍ، فوقعَ أرضًا يتلوّى من الألم، وما إن أفلتَ عنقُ والدِ زهراء حتى هوى الأخير أيضًا، يلهث بأنفاسٍ متقطعةٍ وهو يزحف محاولًا الخروج من ذلك المنزل. ارتفعت عيناه المرتجفتان نحو الغول، فرأى فيهما نيرانًا متأججةً من الغضب؛ فشدّ نفسه بصعوبةٍ
ونهض على قدميه الواهنتين. التفت الغولُ إلى ابنهِ وهو يرمقه بغيظٍ محتدم، ثم رفع قدمه وضرب بها قدمَ طلعت المصاب، دون أن يلتفت لكونه ابنه أو لضعفه ومرضه.
ارتفع صراخُ طلعت من شدّةِ الألم، وفي تلك اللحظة دخلت نعمة وهي تصرخُ، فاحتضنت ابنَها، بينما الغول يزمجرُ صائحًا، ونَظراتُهُ مشتعلةٌ كالسهامٍ، ثم تحدث بغضٍب وقال:
«كله منك يا ولد نعمة؟ يا حيلت أمك! ربنا ياخدك انت وإمّك في ساعةٍ واحدة
! تركهم وراح! غاضباً!»
ظلّت نعمة تحتضن ابنها وتبكي من أجلِه، بينما كان طلعت ينظر إلى والده بانكسار.
****************************
كان يحيى يقف فوق مبنى الشركة بملامح صارمة توحي بالجدية. تقدّمت
نحوه سارة بخطوات متهادية يكسوها الدلال، ثم توقفت بجانبه وهي تعبث بخصلات شعرها، وقالت بصوت بارد:
ـ نعم.
اقترب منها ونظر إليها بعينين مظلمتين وقال:
ـ خلي المجنون ابن خالتك يروح زي الشاطر يتنازل ويطلع عامر، أحسن ما خليه يعفن في السجن.
ابتسمت واقتربت منه، تمسكت بذراعه بقوة خفية، وعيناها تغوصان فيه بشغفٍ يتجاوز الحب إلى رغبة في الاستحواذ، قائلة:
ـ سيبك من جاسر، إنت عارف إن هو مجنون، دا غير إنه بيكره عامر لدرجة إنه مستعد يدخل السجن عشان عامر يفضل مسجون. أنا مستعدة أخرج عامر من دلوقتي… بس بشرط.
ضحك يحيى بسخرية ثم نزع يدها وقال لها:
ـ انسي يا سارة، مش هتجوزك. أنا هتجوز واحدة بس وهي هالة العامري. قولي لجاسر يطلع عامر بدل ما أحطه في دماغي.
ثم تركها ورحل، فاستشاط جنونها، وأطلقت صرخة مدوية وهي تهوي بقدميها على الأرض في نوبة غضب عارمة، قائلة:
ـ برضه يا يحيى هتتجوزني… وابقى شوف أنا ولا إنت.
تجاوزت سارة حدود العشق حتى غدت أسيرة هوس اسمه يحيى، تتنفسه جنونًا وتراه غاية وجودها. فهل سينحني القدر أمام رغبتها لتظفر بما تهوى، أم سيردّها خائبة أمام جدار المستحيل؟
وبعد ساعات، ذهب يحيى إلى قسم الشرطة ليدلي بشهادته عمّا جرى في تلك الليلة التي أنقذ فيها عامر من المجرمين. احتفظ بالجزء المتعلق بهالة ونور حتى لا يعقد الأمور أكثر
، ثم طلب مقابلة عامر. دخل إلى الغرفة التي سيجتمعان فيها، فوجد عمر جالسًا في انتظاره.
جلس الاثنان صامتين، وكأنهما غريبان لا صلة بينهما، وقد انقطعت تلك الأخوة التي نشآ عليها منذ الصغر. خيّم السكون حتى انفتح الباب، فدخل عامر وعلى محيّاه أثر الإرهاق والحزن. حدّق فيهما لحظة، ثم تقدّم نحوهما، فنهضا إليه وضرباه على كتفيه مداعبةً وهما يقولان له:
ـ انشف ياد
تحدث عمر بمزح فقال:
ـ مالك ياد … هو السجن غريب عليك؟ اللي يشوفك كده يفكرك أول مرة تدخل السجن.
نظر عامر لعمر بغيظ وقال:
ـ انت متخلف، انت ليه محسسني إن أنا مجرم؟ ده أنا محامي. يا متخلف
ضحك عمر وقال:
ـ ما تفركش كتير، محامي من حرامي. المهم إنكم كلكم بتوع قسام وسجون في الآخر. وما تزعلش قوي كده… ما احنا كنا رد سجون برضه.
ارتفع صوت ضحكات الأصدقاء حين تذكروا أنهم دخلوا السجن ثلاثتهم بتُهم مختلفة.
تحدث يحيى بجدية قائلاً:
ـ دلوقتي خلينا نتكلم جد. أنا قدمت شهادتي بس من غير ما أجيب سيرة نور ولا أي حد تاني.
ألقى يحيى نظرة تحذير إلى عامر، وكأنّه يطالبه بألا يذكر اسم هالة في التحقيقات خوفًا عليها. فأومأ عامر برأسه إشارةً منه أنه فهم ما يريد. نظر إليهما عمر بشك، فبادر يحيى بالكلام ليشتت تركيزه:فقال
ـ في حاجة مهمة… العيال دي شكلها وراها حاجة. مش صدفة يكونوا في نفس المكان اللي كنت فيه. دا غير إن لو اتأخرت لحظة في اليوم ده كان زمانك ميت. العيال دي ليها علاقة أكيد بالزفت اللي اسمه جاسر الجيزاوي.
تحدث عمر بشرود وهو ينظر أمامه:
ـ كمان الواد بتاع الدليفري ده لازم يتراقب. أصله هو اللي جاب نور. إزاي يشهد زور ويقول كل الحوارات الكدب دي؟ أكيد في حد وراه.
تنهد عامر بعمق، وأطبق بأحد أصابعه على جفنه المثقل من فرط الإرهاق، ثم قال:
ـ مش محتاج تفكير كتير يا عمر. أكيد الكلب جاسر دفع له فلوس علشان يشهد زور.
رد يحيى بإصرار قائلاً:
ـ يبقى لازم نراقبه، ونثبت إنهم مرتشيين وشهود زور.
شرد عامر برهة، وكأن ذكرى بالغة الأهمية ارتسمت في ذهنه، فاستدار نحو أصدقائه متعجلاً وقال بلهفة:
ـ في حاجة مهمة أنا كنت ناسيها. نور إدّتني ملف مهم علشان أرفع بيه قضية الطلاق. الملف فيه أكتر من تقرير طبي على مدار سنين جواز نور بالواطي. فيه آثار تعذيب، خصوصًا إجهاض ابنه. الأوراق دي في البيت، وهتفيدني جدًا. يا ريت تجيبوها وتدوها للمحامي… أنا بثق فيه.
نظر يحيى وعمر لبعضهم ثم انفجرا بالضحك.
حدّق فيهم عامر بدهشة، ثم انفجر صارخًا بغيظٍ يتفجر من فمه قائلاً:
ـ انتو بتضحكوا على إيه يا باردين؟ هو ده وقته ضحك؟ هو أنا بقول نكت؟
تنحنح يحيى وهو يحاول يسيطر على ضحكاته وقال:
ـ مديحة لسه النهارده الصبح طردانا من العمارة كلها
ضحك عمر بمزح وقال:
ـ بس طبعًا علشان وشنا بارد قاعدين… بس ده ما يمنعش إن لو رحنا عند شقتك، مديحة هتعلقني على باب الشقة.
أطرق عامر رأسه إلى الأرض، وتلبدت ملامحه بغيوم الحزن والاضطراب، حين باغته طيف أمه، أغلى ما يملك في هذه الحياة. انقبض صدره بخوف عاصف، إذ تخيّل عجزه عن الخلاص من محنته، ورأى قلبها يتهشّم تحت وقع الفقد. تسلّل إلى نفسه هاجس آخر أكثر
مرارة: هل ستغفر له ما اقترفه، أم أنّ خيانته ستظل وصمة لا يمحوها الزمن؟
امتدت يد يحيى فوق كتفه، محاولةً أن تشدّه من هاوية أفكاره، وأن تمنحه شيئًا من الثبات وسط
عاصفته الداخلية. لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، انفتح الباب بقوة، ووقف حارس الأمن بصرامة لا تعرف الرحمة. أمسك بذراع عامر واقتاده بعيدًا، فيما تبعه يحيى وعمر بخطوات مثقلة، يحمل كلٌّ منهما قلقًا لا يقلّ.
*********************************
خرجت هالة من غرفتها، فرأت يحيى جالسًا أمام
حاسوبه، غارقًا في فحص ما بين يديه بدقة شديدة. توقفت لحظة، ونظرت إليه بشوق لم تستطع إخفاءه،
ثم وبّخت نفسها سريعًا وعادت إلى غرفتها. وقبل أن تختفي، ناداها بصوته. عادت هالة نحوه، محاولة أن
تُظهر الجدية في ملامحها، وأن تُخفي ذلك الحب الذي يتسلل حتى إلى نبرة صوتها. تحدثت بصوت حاولت أن تجعله خاليًا من المشاعر، فقالت له:
— خيرا.
ابتسم يحيى وهو يرمقها بعينين تغرقان في عشق يكسو كل ملامحها، ثم قال:
— خيرا يا كنزي، مالك دي طريقة تكلمي بها خطيبك؟
رفعت أحد أصابع يدها كعادتها حين تغضب منه، ثم قالت:
— اسمع يا ولد العامري، مش كل ساعة أقولك بلاش الاسم الزفت ده، كمان أنا مش خطيبتك، ويا ريت تقفل الموضوع ده.
وقف واقترب منها، ثم رفع يده مبتسمًا ليُريها الفارق الشاسع في الطول بينهما، وقال لها بغرور:
— إيه رأيك... كنزي ولا لأ؟
نظرت له بغيظ، كأنها تنظر لأحد المباني المرتفعة، ثم تذكرت أكثر شيء يزعجه، فقالت:
— لو انت فرحان بطولك، افتكر إني أكبر منك تتكلم معايا بطريقة احسن من كده ويا ريت تتعلم إنك تتكلم مع الأكبر منك باحترام.
أيقن أنّها تريد أن تجعله يغضب. فرسم على وجهه ابتسامة باردة، وقال لها:
— براحة يا كنزي، العصبية مش حلوة. كل ما تتعصبي، بتقصري وتقصري أكتر. بعد كده مش هلاقي فستان فرح على قدك. صح يا كنزي، حياتي أنا خطبتك من نوار، وهو وافق... يعني إنتي خطيبتي رسمي.
ردت عليه بغضب يكسوه الكسرة والقهر، وقالت:
— ما خطبتنيش ليه من أبوي وجدك يا يحيى؟
وهنا أدرك يحيى سبب تصرفها معه بتلك الطريقة. علم أنّها على علم بما جرى في الصعيد، ولم يكن يدرك أنّ الحقيقة أكبر وأكثر مما تصوّر.
قرر يحيى أن يتلاعب بها قليلًا ليكشف ما حدث لها، فقال لها بصوت هادئ مكسوه بالمكر
— ومين قاللك إني ما خطبتكيش من أبوكي وجدك؟ أنا خطبتك فعلاً، وجدك ما رفضش، وأبوك موافق.
صرخت في وجهه:
— إنت كداب يا يحيى! أبوي رافض، ومفيش حد في بيت العامري وافق على جوازنا
اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها بحزم، كأنما يريد كبح أي أكاذيب محتملة، ثم قال:
— مين قاللك إنهم رافضين جوازنا؟ قوليلي، إيه اللي حصل؟ ليه فجأة اتغيرتي معايا؟
صمتت وارتبكت، ولفتت نظرها إلى الجنب الآخر،
محاولة الهرب بصمتها. لكن يحيى أمسك بذراعها بقوة، وأجبرها أن تنظر إليه مرة أخرى، وقال بصوت صارم:
— مدام خرستي ومش عاوزة تقولي إيه اللي حصل، يبقى كلامي هو اللي هيمشي. أنا خطبتك من أخوك الكبير، وهو موافق. وبعد ما عامر يخرج بسلامه هنعمل الفرح على طول.
سحبت يدها منه بعنف، وعادت إلى غرفتها مرة أخرى.
نظر يحيى إليها بيأس وحزن، ثم أمسك الهاتف وتحدث مع نوار ليستعلم هل عمه ما زال رافض الزواج أم موافق، قبل أن يغادر المكان.
********************************
جلس يحيى في السيارة، وما إن بدأت عجلة القيادة بالدوران حتى تفاجأ بعمر يقتحم المقعد بجانبه. نظر يحيى إليه باستغراب، فرسم عمر على وجهه ابتسامة مستفزة. رفع يحيى أحد حاجبيه كما اعتاد، ثم تحدث بلهجة ساخرة:
— خير يا أبو نسب؟
رمقه عمر بنظرة مليئة بالغيظ وقال:
— اسمع يا ولد، سليم احنا مش نسايب، واختي مش هتجوزها، تمام؟ ودلوقتي سوق، خلينا نمشي.
فتح يحيى باب السيارة محاولًا إخراج عمر، لكنه تمسّك بالمقعد بقوة. تحدث عمر بإصرار:
— مش هنزل! رجلي على رجلك! عامر مش صاحبك وحدك!
أصر يحيى على موقفه، خوفًا على ابن عمه، فتحدث بغيظ:
— انزل ياد ، أنا مش طايق شكلك!
رد عمر بنفس النبرة وهو يخفي خوفه، فما زالت قلوبهم مليئة بالمحبة والأخوة لبعضهما، فقال:
— القلوب عند بعضها يا ولد العامري… بس برضه مش نازل، ريّح نفسك.
ضغط يحيى على أسنانه بغضب، ثم قاد السيارة وانطلق، متجهًا نحو المجهول.
أوقف يحيى السيارة في مكان يعج بالعشوائيات، يظهر على سكانه علامات الجريمة بوضوح. ابتلع عمر ريقه بقلق، ثم نظر إلى ابن عمه وقال:
— يحيى… المكان اللي جبتنا فيه…
نفخ!
يحيى بملل:فقال
— افتكر إني قلت لك : بلاش تيجي معايا، خايف تنزل ومشي
قال عمر بغيظ
— ما براحة على نفسك يا ولد سليم، علشان أنا على آخري منك. أنا مش خايف ولا زفت، أنا بس عايز أعرف إنت عامل حسابك قبل ما تيجي المكان ده ولا لأ.
نظر يحيى لعمر بثقة، ثم أخرج سلاحه الناري. لمعة عيون عمر تغيّرت فجأة، وظهر الفرح المميز لرجال الصعيد، حين يرون ذلك الشيطان
أمسك عمر السلاح بلهفة وقال:
— جبته منين المغفلق ده؟
رد يحيى وهو مسترجع ذكرياته في الصعيد:
— من نوار، لما كنت هناك…
قال عمر بحزن طفولي:
— وما بعتليش واحد زيه… ولا أنا مش أخوه؟
رمق يحيى عمر بنظرة ساخرة:
— دا على أساس إنك بتكلم أخوك، دا حتى لما بيرن عليك مش بترد.
رد عمر بعند:
— وايه دخل دا في إنه يبعتلي واحد؟
فجأة، دُق باب السيارة. فتح يحيى الزجاج قليلًا، ونظر إلى رجل وجهه مليء بالعلامات الناتجة عن الشجار، ويظهر عليه شدة الإجرام. تحدث الرجل بصوت غليظ وقال:
— عاوزين حاجة يا بهوات؟
رد يحيى بصوت قوي:
— مستنيين طلب هناخده ونمشي.
رد الرجل بسماجة وهو يبتسم ابتسامة سخيفة:
— طلبك عندنا يا باشا… مش إنت اللي الواد سيكا، برضه مستنيك جوه.
شعر يحيى بالقلق من ذلك الرجل، أما عمر فلم يكن يفهم شيئًا، لكنه أيضًا لم يسترح لذلك المجرم. اضطر
عمر ويحيى للنزول من السيارة، ثم أغلق يحيى السيارة جيدًا. ذهبا معه وهما ينظران حولهما يمينًا ويسارًا بتوتر، حتى وصلا إلى مكان مليء بالعديد من الرجال، ومن بينهم رجل معلق من قدميه ينزف الدماء من كل مكان.
تجمّدت أنفاس يحيى، واتسعت عيناه على آخرهما حين لمح ذلك الرجل. لم يحتج إلى وقت ليتذكّره؛ فبرغم الندوب والكدمات التي شوهت ملامحه، كان يعرفه حق
المعرفة. إنه نفس الرجل الذي التقاه منذ فترة قصيرة، يوم طلب منه أن يتعقّب أولئك المجرمين الثلاثة… الذين شهدوا زورًا على عامر، والذين تعدّوا عليه في السابق بضربه حتى كادوا يفتكون به، لولا أن انتزعه يحيى من بين أنيابهم.
شعر يحيى، ومعه عمر، بأن الأرض تُطبق من حولهما… لقد وقعوا في فخ محكم. غريزة النجاة دفعته للتراجع خطوة إلى الوراء، يبحث بعينيه عن أي مخرج للهروب.
وفجأة… انبعث صوت متهدج، متقطع الأنفاس، من ذلك الرجل الذي يترنح على حافة الموت:
— ساعِدني… بالله عليك… ساعدونا… سأموت… ألحقنا يا باشمهندس!
تحدث أحد المجرمين الثلاثة فقال:
— منوّرين… معلش على المكان، أصلي كان عندنا حفلة.
ثم نظر إلى ذلك الرجل الذي يتنفس بصعوبة من كثرة الضرب، فضحك جميع المجرمين بسخافة.
اقترب عمر من يحيى وقال بصوت منخفض:
— إنت جبت المغفلق معاك ولا لأ؟ علشان لو مش معاك هيتعلموا علينا جامد… ودي عيبة كبيرة في حق عيلة العامري.
هز يحيى رأسه بصمت، فتنفس عمر بارتياح.
رفع أحد المجرمين يده إلى الجرح الغائر في رأسه، ذاك الذي خلّفته ضربة هالة بمفتاح الحديد في الماضي. اشتعل الغضب في عينيه، ثم صرخ بصوت متحشرج غاضبًا:
— فين بت الكلب اللي كانت معاك؟
نظر يحيى حوله، فرأى أحد الرجال ممسكًا بعصاه. خطف يحيى العصا من يده بسرعة وقوة، ثم رماها عليه بمهارة أصابته في رأسه فأطلق الرجل صرخة ألم حادة.
في تلك اللحظة اندلع الهجوم الكبير على يحيى وعمر، فوجد الاثنان نفسهما وسط المعركة، يضربهما المجرمون بعنف، بينما كانا يتبادلان الحماية ويقاتلان جنبًا إلى جنب.
مدّ أحد المجرمين يده إلى جيبه الجانبي وأخرج سلاحًا أبيض يلمع ببريق الغدر. اقترب بخطوات حذرة من يحيى وسط الشجار، حتى صار خلفه، ثم رفع السلاح عاليًا ليغرسه في ظهره. لكن قبل أن يهوي به
، انقبضت يد عمر على النصل في اللحظة الأخيرة. انغرز السلاح في كف عمر، فاختلط الحديد بدمه، ومع ذلك لم يفلته.
حاول المجرم أن يهاجمه مجددًا، غير أن عمر باغته
بركلة عنيفة تحت الحزام طرحته أرضًا. لم يرحمه عمر؛ اندفع فوقه، يركله في نفس الموضع مرارًا بغل وغضب، ثم خطف السلاح من يده وضربه به على وجهه. تعالت صرخة المجرم وهو يضع يده فوق وجهه المدمى، بينما ضحك عمر رغم ألمه واقترب منه قائلاً:
— دي حاجة بسيطة… علشان تفكّر قبل ما تمد إيدك على واحد من بيت العامري!
لم يكن حال يحيى يختلف عن حال عمر؛ هو الآخر كان غارقًا في صراع مميت. كان يسدد اللكمات المتتالية إلى وجه أحد المجرمين بعنف لا يلين، لكن خصمه كان
قوي البنية، إذ باغته بركلة قاسية في جسده، ثم أمسك بقطعة حديد وضربه بها في بطنه وساقيه. تألم يحيى بشدة، وتقدم المجرم مبتسمًا رافعًا الحديد ليهوي بها فوقه، لكن يحيى، في لحظة مباغتة، نهض بكل قوته وهجم عليه بسرعة أربكته.
استغل دهشة خصمه وطرحه أرضًا، ثم انهال عليه بلكمات متتالية غاضبة، جعلت أنفاسه تتسارع من شدة المجهود. لكن سرعان ما فوجئ بهجوم جديد من بعض المجرمين الآخرين، وقبل أن يمسه أحدهم، قبض يحيى على نفس القطعة الحديدية وبدأ يلوح بها عشوائيًا، يضرب بها كل من اقترب منه بجنون.
في تلك الأثناء كان عمر قد انتهى من فكّ وثاق الرجل المعلق، وبعد أن حرره نظر حوله بحثًا عن ما يعينه في هذه المعركة الطاحنة، فوقع بصره على خشبة ضخمة. أمسكها بكل ما تبقى من قوته وضرب بها المجرمين من الخلف، غير عابئ بالألم النازف من يده.
وبينما كان الاثنان يتصارعان في صراع دموي، استل يحيى السلاح الناري من حزامه، وأطلق طلقات في الهواء، ثم صوب رصاصة واحدة في ذراع أحد المجرمين الثلاثة. ارتبك الجمع وتراجع، وفي تلك اللحظة أمسك عمر بيد يحيى وهو يصيح بصوت هادر:
— احنا هنطلع من هنا! لو كلب فيكم عمل حركة… هفرغ الرصاص في نفوخه، سامعين؟!
ارتجف المجرمون وتفرقوا بخوف، فخرج يحيى وعمر من المكان وهم يجرّون الرجل المصاب، يركضون نحو السيارة. وما إن صعدوا وانطلقوا هاربين من ذلك الجحيم، حتى ظلوا غافلين عن رجل يقف في الظل، ممسكًا بهاتفه يتحدث بصوت خافت:
— أيوه يا باشا… زي ما هي قالت بالضبط، كل معلوماتها صحيحة. آه، الرجال اتضربوا، بس مفيش حد مات زي ما أمرت حضرتك. أنا وراه في كل مكان، وهي بتوصل المعلومات تمام…
ثم أغلق الهاتف، وسار بخطوات ثابتة خلف يحيى وعمر.
****************************
كانت مريم تقف أمام منزل مديحة، تدق الباب وتبكي بكاءً يشبه بكاء الطفلة الصغيرة التي ترجُو أمَّها.
لقد رأت في مديحة الأم التي حُرمت منها منذ رحيل والدتها، فعاشت معها في شهور قليلة إحساسًا لم تذقه منذ سنوات طويلة.
نادَت بصوت مرتجف والدموع تخنقها:
ــ "ماما… علشان خاطري افتحي الباب، اسمعيني مرة واحدة بس. بلاش تعملي فيَّا كده… أرجوكي، بلاش تحرميني من حنانك وتسيبيني زي ما ماما ماتت وسابتني. علشان خاطري يا ماما… والنبي، اسمعيني وحياة عامر عندك."
في الداخل، جلست مديحة خلف الباب تبكي بحرارة، ودموعها الساخنة تتساقط على وجنتيها. كانت تتألم لأجل مريم، غير أنّ شعور الغضب والخذلان مما جرى كان أقوى منها.
أما مريم، فقد انهارت أمام الباب وجلست أرضًا، وأسندت رأسها علي الباب، تبكي بصوت متهدّج، وتنادي بصوت واهن:
ــ "ماما… إنتِ مش بتحبيني صح؟ مش شايفاني زي عامر؟ طب ليه خليتيني أحبك واعتبرك زي ماما؟ ليه حسستيني بحنان الأم من تاني بعد ما اتحرمت منه وأنا طفلة… وبعدين تيجي تعاقبيني؟ عايزاني أعيش إحساس اليُتم تاني؟ أنا ليَّ سنين عايشة ببكي كل يوم… وكل يوم ماما بتوحشني. بس من ساعة ما شوفتك… بطّلت أحس إني يتيمة. إنتِي كنتِ بتعطفي عليّا وبس… مش كده؟"
كان أحمد يستمع لحديث ابنته منذ البداية، فانهالت دموعه بلا إرادة، وضاق صدره حتى شعر بالعجز يخنقه. لم يحتمل أن يرى ابنته تُمزّق بهذا الألم.
اقترب منها وجلس بجوارها، ثم ضمّها بين ذراعيه ومسح دموعها عن وجهها، يقبّل رأسها ووجنتيها ودموعه هو الآخر لا تنقطع. قال لها بصوت متهدّج
:
ــ "حبيبة بابا… يا قلبي يا مريم… يا مريومة الدنيا… يا كل الدنيا… يا عمري. إنتِي مش محتاجة حد… أنا آسف يا بنتي، آسف إني ما عرفتش أعوضك عن حنان الأم. بس من النهاردة… هاعمل كل حاجة، هاعمل المستحيل علشانك. بس بالله عليكي، ما تبكيش… مش عايز أشوف دمعة تاني في عينيكي."
تعلّقت مريم بأبيها تبكي بحرارة، وظل هو يبكي مثلها، يشاركها الوجع ذاته.
أما مديحة، فكانت في الداخل تبكي أكثر منهما، ممزّقة بين قلبها الغارق في الحنان وروحها المثقلة بالغضب
.
ثم اصطحب أحمد ابنته إلى منزلهما وأغلق الباب، فيما ظلّت مديحة وحدها في عتمة بيتها تبكي بلا توقف.
************************************
جلست نور داخل الزنزانة، وضعت رأسها على الحائط تبكي بحرقة. دموعها تنساب كقطرات ندى مثقلة بالأوجاع والآلام. أخذت تسترجع حياتها الماضية مع عامر، وكيف كانت سعيدة بجواره، لكن طمعها جرّها إلى التهلكة، ولم تكتفِ بذلك بل سحبت عامر معها إلى نفس المصير. وما إن خطر ببالها ما قد يحدث لعامر، حتى انفجرت تبكي بصوت عالٍي
اقتربت منها إحدى السجينات، يكسو ملامحها الإجرام والقسوة، صرخت بها قائلة:
– "ما بَس يا سنيورة! مش عارفين ننام منك اتخمدي بلاش زن وقرف
ظلّت نور تبكي ولم ترد. ازداد غضب السجينة، وفجأة جذبت نور من شعرها وطرحتها أرضًا بقوة. صرخت
نور، وغرست أظافرها في يد المرأة بعنف، ففلتت يدها من شعرها. استشاطت السجينة غضبًا، وصاحت بلهجة سوقية:
– "إنتِي جننتي؟ بتمدّي إيدِك عليّا يا رخيصة! أمال ما كنتيش جايّة بفضيحة! واحدة شمال زيّك تمدّ إيديها عليّا!"
انتفضت نور وردّت بعزم:
– "أنا مش رخيصة يا رخيصة يا زبالة! ابعدي عنّي بدل ما أخلي يومك أسود!"يا رد السجون
نظرت إليها المرأة بعينين يملؤهما الشر، ثم هاجمتها وصفعتها بقوة حتى طرحتها أرضًا. حاولت أن تمسكها من شعرها من جديد، لكن نور أمسكت بيدها وغرست
أسنانها فيها بغضب، ثم قلبتها أرضًا وجلسَت فوقها تضربها بلا رحمة، تخرج كل ما بداخلها من غيظ وحزن وقهر.
تجمّعت السجينات بسرعة وأمسكن بنور ليبعدنها عن المرأة، التي تورّم وجهها من شدة الضرب. وبينما كنّ يحاولن السيطرة على نور، أخرجت المرأة من جيبها شيئًا صغيرًا وحادًّا خفية، واقتربت منها دون أن ينتبه أحد. فجأة اندفعت وغرست ذلك الشيء في وجه نور بقوة. صرخت نور صرخة مدوية، وصرخ الجميع معها، وقد انهمر الدم من وجهها بغزارة، مخلفًا جرحًا غائرًا وعميقًا.
**********************************
كانت هالة فوق سطح المبنى، ترقب الأفق بعينين مثقلتين بالدموع، تستحضر ما جرى لها. ما زالت تلك القطعة الصغيرة من الزجاج تحمل دماءها شاهدةً على لحظة انكسارها. جلست على الأرض تبكي بحرقة، تستعيد ظلم الأيام وقسوة الناس. وتذكرت حين كانت في المستشفى.
في غرفتها آنذاك، جلست ممسكة بالهاتف، ينهش القلق قلبها. نظرت إليه مرارًا وهي تنتظر اتصالًا من يحيى. ارتفع الرنين فجأة، فأسرعت تجيب بلهفة، تظن أنه هو. لكن الصوت الذي انطلق لم يكن صوته، بل صوت امرأة غاضبة، حادّ كالسوط:
"إنتِي عاوزه تتجوزي ولدي يا عااانس؟
يا بايرة! عايزه تاخدي الواد الأصغر منك؟
ده اللي في سِنِّك عيالهم بقوا أطول منك!
مش مكسوفة من روحِك؟ ولا عشان ما لقيتيش راجل يعَبِّرك، جايه تلفّي ورا ولدي؟
ما انتي فاجرة… وسخة… ما شُفتيش تربية!
وديني وما أعبد أنا اللي هربيكي!
اسمعي يا عاانس، لو ما بعدتيش عن ولدي أجي لعندك وأفضحك قدام الناس كلها، وأقول إنك دايرة ورا الواد عشان يتجوزك!"
عادت هالة من تلك الذكرى المريرة التي كانت كالسهم في قلبها. انفجرت باكية، وارتعش جسدها من شدّة الألم. رفعت عينيها إلى السماء، تصرخ بكل ما تبقى لها من قوة:
"ليه أنا؟! عملت إيه؟ ليه بتعاقبني؟!
هو ما فيش غيري؟ لحد إمتى هافضل عايشه في عذاب
أنا تعبت… مش قادرة أتحمل ظلم الناس ولا قسوة كلامهم… أنا بشر مش حجر!"
ثم وضعت يدها على صدرها تضرب قلبها بعنف وهي تبكي:
"ده خلاص… مش قادر يتحمل! ما بقاش فيه مكان يستوعب قسوة البشر وظلمهم وجبروتهم.
إنت سايبهم يظلموني ليه؟ مش بتاخد حقي منهم يا رب؟!
يا رب… يا ربااااااااا!"
لقد أعياها الألم، وأثقلت روحها الأوجاع، أما عقلها فكان يجلدها بذكرياتها فلا يزيدها إلا عذابًا فوق عذاب. وظلت تصرخ وتبكي، ودموعها تحجب عنها الرؤية، لكنها رفعت بصرها للسماء تناجي ربَّها، تستغيث
بالرحمن أن يخلّصها من قلوبٍ نزعت منها الرحمة.
ووويتبع
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
شكرًا لك على تلك الرسالة الجميلة التي تجعلنا في حالة من الفرح والسعادة.
هذا الورد لك
لولا رسالتك وتفاعلك، ما كنت سأعلم أن هناك من يحب روايتي.
وبفضلك، أدركت أن هناك من يتابعها ويحبها، لنبدأ معًا أحداث روايتنا
*********************************
في القاهرة
ذهب عمر وأحضر شقيقته وأمه من المستشفى. جلس داخل السيارة صامتًا، كأن العالم من حوله لا يهمه، ولم يوجه إلى شقيقته كلمة واحدة، كأنها لم تكن موجودة
من الأساس. أما هالة، فكانت غارقة في عالمها الخاص، عالم يكتنفه الحزن ويلاحقها أينما ذهبت.
توقف عمر أمام أحد المتاجر القريبة من المنزل، لكن
هالة رفضت الذهاب معه، رغم إصرار والدتها على مرافقتها، فذهبت في النهاية إلى المنزل بمفردها.
وعند دخول العمارة السكنية، تفاجأت هالة بتلك
الشيطانية الصغيرة، تحدق فيها بعينين ملؤهما الشر،
فانتشر الهيجان في صدرها عند رؤيتها ريم تتحدث بلهجة مهينة، فقالت:
"إيه يا هالة، عارفة إنك كنتي في المستشفى؟ هو أحد من إخواتك ضربك تاني أكيد عملته لهم فضيحة زي ما فضحتهم في البلد، عيب عليكي! مش علشان عدّيتي الـ30 وبقيتي عانس، كل شوية تفضحيهم، مش كده؟
"
لم تهتز هالة من كلمات تلك الشيطانية، رغم ثقلها وغمرها بالكراهية والإهانة. ارتسمت على وجهها ابتسامة ساخرة، اقتربت بخطوات بطيئة من ريم، وعيناها تحرقانها باحتقار صامت، ثم همست بكلمات مليئة بالألفاظ المهينة، فقالت:
"فضيحة إيه يا بنت الغوازي؟ قصدك على العملة الوسخة اللي عملها أخوكي الشمام الي عمري ما عبرته ولا حطيته شبشب في رجلي! وبعدين يا بنت الغوازي، إنتي آخر واحدة تتكلمي عن الفضيحة! يعني جدتك
رقاصة وكانت بتترمى على كل راجل في البلد شويه، علشان واحد فيهم يعبرها، ولما ما لقيتش حد عبرها اتجوزت جدك وادي الحلبي الشحات اللي ما لهوش أصل من فصل وصح. معلومة: مش كل واحدة عدّت سن الـ30 عملت زي أمك وراحت اتجوزت واحد زي أبوك وادي الغوازي، تاجر المخدرات المجرم!"
عابسًا وجه ريم بشدة حتى تغيّرت ملامحها، كانت أنفاسه ترتفع وتتقطع من شدة السخط. بعدما ردّت هالة الإهانة أضعاف مضاعفة، ففتّحت شفاهها لتبخ
سمومها، لكن فجأة تفاجأ الجميع بجهوم مديحة، التي كانت غاضبة لأقصى حد. احمرّ وجهها من شدة الحنق، وصاحت مديحة بصوت مرتفع في وجه هالة وقالت:
"أستاذك المحترم طلع خال نور الخائنة اللي كسرت قلب ولدي واتجوزت واحد تاني! دلوقتي إبني هيروح في داهية بسببها! انتي كنتِ عارفة إنه خال نور صح، ردي!"
حزنة هالة حين رأت مديحة في تلك الحالة، حاولت بلطف أن تخاطبها بهدوء لتهدئتها وتخفف من شدة الهيجان فيها، لكن قبل أن تفتح هالة فمها، فوجئت
بريـم تتحدث بمكر، تغذي غضب مديحة لتشتعل أعصابها أكثر، قائلة:
"هي مش نور دي اللي كانت قاعده معاكي إنتي وأمك في الشقة فوق دي؟ حتى مريم قالتلي إنكم كنتم قاعدين معاهما قبل ما تيجوا هنا."
تجمدت مديحة في مكانها، مذهولة مما تسمع، لم تتوقع أبدًا أن يصل الحديث إلى هذا الحد. اجتاحها الهيجان من الداخل، وبدون تفكير رفعت يدها لتصفع هالة. لكن هالة لم تكن ساكنة، كانت تحدق في ريم بعيون مليئة
بالـغيظ، ومدت يدها وسحبتها بعنف. وفي تلك اللحظة، تحركت يد مديحة، وارتطمت الصفع بقوة على وجه ريم، فارتدت إلى الخلف وسقطت أرضًا من شدة
الضربة، بينما ارتفع الأدرينالين والصرخات تملأ المكان.
في هذه الأثناء دخل الجميع، من بينهم عمر الذي حين رأى ما حدث لريم ضحك بصوت مرتفع مليء بالشماتة. صرخت مديحة بصوت مرتفع في الجميع وقالت:
"اطلعوا برا، بيتي! مش عاوز أشوف واحد فيكم!"
اقترب منها يحيى الذي دخل مع أحمد ومريم، ثم قال لها:
"حاضر يا مديحة، بس الأول نخرج عامر من الأزمة اللي هو فيها، وأ نطمن عليه وكنا هنمشي."
رد عمر مؤكدًا على كلام يحيى وقال:
"بص يا مديحة، رغم أني مش طايق الزفت ولد سليم، بس هو معاه حق. مفيش أحد مني هيمشي غير لما يخرج عامر بسلامه."
ألقت مديحة عليهم نظرة مليئة بالـسخط والحزن، ثم انصرفت وهي تبكي.
*********************************
في الصعيد
في منزلِ الغول، حيث تأوي الشياطينُ ذواتُ النفوسِ السوداء المستلذّاتُ بالدمارِ والساعياتُ لبثّ الشرور، جلس ذلك الشيطان مع خدمِه، يتبادلون ضحكاتٍ
مريضةٍ تُدوّي كطنينِ الخرابِ، وتكشف عن قلوبٍ لا تعرفُ إلا السقم. كانوا يتلذّذون بما خلّفوه من خرابٍ في القريةِ؛ قريةٍ غمرتها بحورُ الدماء، وتوهّجت فيها نارُ الثأرِ، تتأجّج في كل زاويةٍ كوحشٍ هائجٍ يلتهم البيوتَ والأرواح، بينما صدورهم خاويةٌ من الندم، كأنَّ الرحمة لم تُخلق لهم يومًا.
ابتسم ذلك الشيطانُ وتكلّم بابتسامةٍ خبيثٍة قائلاً:
«بس طلعت مش ساهل يا منشاوي — دماغك ولا دماغ إبليس؟ قتلت حسن ولبسته في بيت زيان، وخلّيت العيلتين نازلين يطحنوا بعض؛ يا ما قربوا يخلصوا. قولي عملتها إزاي يا منشاوي، وقولي
تحدّث المنشاوي ببرودٍ مميتٍ، خالي من أي ندمٍ على تلك الجريمةِ البشعةِ في حقّ الإنسانيّة؛ جريمةُ قتلِ روحٍ بريئةٍ لم تُرتكب ذنبًا، فقال:
«ولا حاجة يا كبير. أنا بس دورت على أقرب بيتٍ لأبو رحاب من بيوت عائلة زيان، واستنيت الليل، ولما سكت الناس رحت ناطت على البيت من غير ما حد يحسّ
وضربت حسن برصاصةٍ جابت أجله الي كان فرحان بالصلح، وهو اللي راح من غير رجعة.»
ابتسم الغولُ ابتسامةً ماكرةً، ثم أخرج رزمةً من المال وألقاها إلى المنشاوي، فخطفها بلهفةٍ كمن يبتلعُ غنيمةً، وعيناه تلمعان ببريقِ الطمعِ والجشع، كعيونِ ذئبٍ جائعٍ انقضَّ على فريسته.
أخذ الغول نفسًا عميقًا من الشيشةِ، ثم أطلق الدخانَ باستمتاعٍ وقال:
«شايف الفلوس اللي في إيدك دي يا منشاوي؟ هديك قدّها مرتين تاني لو عملت الي بقولك عليه.»
ابتلع المنشاوي ريقه، واتقدت عيناه ببريقٍ لم يخِبْ، كأنّ ما بين يديه لا يكفيه. اقترب من الغول متلهفًا، وصوته يفضحُ رغبته في المزيد، فقال:
«قولي يا كبير عايز إيه؟ أنا خدامك.»
تحولت عيناه إلى جمرٍ يقدحُ بالشرِّ والحقدِ، وأنفاسُه تتصاعد محمّلةً بالكراهية، ثم قال:
«عاوزك تراقب كل خطوة بيعملها الكلب النائب — كل نفس. وأهم حاجة تعرف مين أكتر عيلة في البلد تكون على خلاف مع النائب، بس بشرط تكون عيلة كبيرة ليها كلمة في البلد. سامع يا منشاوي؟»
هزّ المنشاوي رأسه بطاعةٍ، وفي هذا الأثناء أتي والدُ زهراء. فاشار الغولُ للمنشاوي بالرحيل.
امتلأ وجهُ والدِ زهراء بملامحَ الغضبِ والغيظ، وتعالى صوتهُ المتهدّجُ قائلاً:
«بقي دي أمور! يا أبو طلعت، ولدك سايب البنت ليها شهور مرمية وما سألش فيها مرة؛ لا ومش بس كده دا كمان، راح يخطب زينب بنت حسين علي البت اللي ملهاش شهور متزوجة! ولدك!»
رمق الغول والدَ زهراء بنظرةٍ متقدةٍ احتشدت فيها الغضبُ والاحتقار، ثم أفرغ كلماتِه بلهجةٍ مهينةٍ تنزفُ سمًّا وتطعنُ الكرامةَ في صميمها، فقال:
«وطي صوتك يا طقلق عرّق وبعيدل بتك مش متربايه! لو كانت متربايهّة ما كنتش تسيب جوزها وهو عيان، ما قادرش يوقف على رجليه وتعايره بمرضه. ولدي حرّ يتجوز إن شاء الله، عشره براحته— وبتِك عندك ما تلزمنّاش. داهية تاخدك وتاخد بتك في يومٍ واحد، يا عيلة فقرا!»
رغم الدماء التي تفور في عروقه من وقعِ الكلمات المهينة وامتهانِ كرامته، ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ باردة، وانطلق صوتهُ بنبرةِ تهديدٍ قائلاً:
«طيب اسمع يا غول، علشان أنت راجل ناقص وصنفٍ وسخ: لو ولدك ما جاش البيت وحب علي رأس بنتي ورجعها البيت وساب زينب، يمينًا بالله يا أروح أقول مين اللي قتل علي ولد ماهر.»
انسحب الغضب من جسدِ الغول كبركانٍ قد اشتعل، فوقفَ فجأةً من مقعده، وضرب الطاولة بقبضته في انفجارِ غضبٍ جعل ما عليها يتناثر ويسقط أرضًا. ثم
أمسك والد زهراء كالثورِ الهائج ممسكًا بعنقهِ وخنقَه ببطشٍ حتى احتقنَ وجهه وكادت أنفاسه تنقطع. وفي
تلك اللحظة، تقدّم ابنهُ طلعت متوكئًا على عصاه، وحين را ذلك ركض بصعوبة نحو والده اقترب منه وأمسك به من
من الخلف وهو يحاول ان ينتزعَ قبضةَ أبيه القاسية عن والدِ زهراء، الذي أوشكت روحه أن تُزهقَ بلا رجعة.
تحدّث طلعت بخوفٍ قائلاً:
«في إيه يا بوي؟ الراجل هيموت في إيدك! بعد عنه جرالك إيه؟»
ردّ الغول وهو ما يزال ممسكًا بوالدِ زهراء بقوةٍ:
«سيبني! أقتل ولد الشحات الجعان اللي بيهدّدني! الوَاطِي!»
سحبَ طلعت والده بعنفٍ، فوقعَ أرضًا يتلوّى من الألم، وما إن أفلتَ عنقُ والدِ زهراء حتى هوى الأخير أيضًا، يلهث بأنفاسٍ متقطعةٍ وهو يزحف محاولًا الخروج من ذلك المنزل. ارتفعت عيناه المرتجفتان نحو الغول، فرأى فيهما نيرانًا متأججةً من الغضب؛ فشدّ نفسه بصعوبةٍ
ونهض على قدميه الواهنتين. التفت الغولُ إلى ابنهِ وهو يرمقه بغيظٍ محتدم، ثم رفع قدمه وضرب بها قدمَ طلعت المصاب، دون أن يلتفت لكونه ابنه أو لضعفه ومرضه.
ارتفع صراخُ طلعت من شدّةِ الألم، وفي تلك اللحظة دخلت نعمة وهي تصرخُ، فاحتضنت ابنَها، بينما الغول يزمجرُ صائحًا، ونَظراتُهُ مشتعلةٌ كالسهامٍ، ثم تحدث بغضٍب وقال:
«كله منك يا ولد نعمة؟ يا حيلت أمك! ربنا ياخدك انت وإمّك في ساعةٍ واحدة
! تركهم وراح! غاضباً!»
ظلّت نعمة تحتضن ابنها وتبكي من أجلِه، بينما كان طلعت ينظر إلى والده بانكسار.
****************************
كان يحيى يقف فوق مبنى الشركة بملامح صارمة توحي بالجدية. تقدّمت
نحوه سارة بخطوات متهادية يكسوها الدلال، ثم توقفت بجانبه وهي تعبث بخصلات شعرها، وقالت بصوت بارد:
ـ نعم.
اقترب منها ونظر إليها بعينين مظلمتين وقال:
ـ خلي المجنون ابن خالتك يروح زي الشاطر يتنازل ويطلع عامر، أحسن ما خليه يعفن في السجن.
ابتسمت واقتربت منه، تمسكت بذراعه بقوة خفية، وعيناها تغوصان فيه بشغفٍ يتجاوز الحب إلى رغبة في الاستحواذ، قائلة:
ـ سيبك من جاسر، إنت عارف إن هو مجنون، دا غير إنه بيكره عامر لدرجة إنه مستعد يدخل السجن عشان عامر يفضل مسجون. أنا مستعدة أخرج عامر من دلوقتي… بس بشرط.
ضحك يحيى بسخرية ثم نزع يدها وقال لها:
ـ انسي يا سارة، مش هتجوزك. أنا هتجوز واحدة بس وهي هالة العامري. قولي لجاسر يطلع عامر بدل ما أحطه في دماغي.
ثم تركها ورحل، فاستشاط جنونها، وأطلقت صرخة مدوية وهي تهوي بقدميها على الأرض في نوبة غضب عارمة، قائلة:
ـ برضه يا يحيى هتتجوزني… وابقى شوف أنا ولا إنت.
تجاوزت سارة حدود العشق حتى غدت أسيرة هوس اسمه يحيى، تتنفسه جنونًا وتراه غاية وجودها. فهل سينحني القدر أمام رغبتها لتظفر بما تهوى، أم سيردّها خائبة أمام جدار المستحيل؟
وبعد ساعات، ذهب يحيى إلى قسم الشرطة ليدلي بشهادته عمّا جرى في تلك الليلة التي أنقذ فيها عامر من المجرمين. احتفظ بالجزء المتعلق بهالة ونور حتى لا يعقد الأمور أكثر
، ثم طلب مقابلة عامر. دخل إلى الغرفة التي سيجتمعان فيها، فوجد عمر جالسًا في انتظاره.
جلس الاثنان صامتين، وكأنهما غريبان لا صلة بينهما، وقد انقطعت تلك الأخوة التي نشآ عليها منذ الصغر. خيّم السكون حتى انفتح الباب، فدخل عامر وعلى محيّاه أثر الإرهاق والحزن. حدّق فيهما لحظة، ثم تقدّم نحوهما، فنهضا إليه وضرباه على كتفيه مداعبةً وهما يقولان له:
ـ انشف ياد
تحدث عمر بمزح فقال:
ـ مالك ياد … هو السجن غريب عليك؟ اللي يشوفك كده يفكرك أول مرة تدخل السجن.
نظر عامر لعمر بغيظ وقال:
ـ انت متخلف، انت ليه محسسني إن أنا مجرم؟ ده أنا محامي. يا متخلف
ضحك عمر وقال:
ـ ما تفركش كتير، محامي من حرامي. المهم إنكم كلكم بتوع قسام وسجون في الآخر. وما تزعلش قوي كده… ما احنا كنا رد سجون برضه.
ارتفع صوت ضحكات الأصدقاء حين تذكروا أنهم دخلوا السجن ثلاثتهم بتُهم مختلفة.
تحدث يحيى بجدية قائلاً:
ـ دلوقتي خلينا نتكلم جد. أنا قدمت شهادتي بس من غير ما أجيب سيرة نور ولا أي حد تاني.
ألقى يحيى نظرة تحذير إلى عامر، وكأنّه يطالبه بألا يذكر اسم هالة في التحقيقات خوفًا عليها. فأومأ عامر برأسه إشارةً منه أنه فهم ما يريد. نظر إليهما عمر بشك، فبادر يحيى بالكلام ليشتت تركيزه:فقال
ـ في حاجة مهمة… العيال دي شكلها وراها حاجة. مش صدفة يكونوا في نفس المكان اللي كنت فيه. دا غير إن لو اتأخرت لحظة في اليوم ده كان زمانك ميت. العيال دي ليها علاقة أكيد بالزفت اللي اسمه جاسر الجيزاوي.
تحدث عمر بشرود وهو ينظر أمامه:
ـ كمان الواد بتاع الدليفري ده لازم يتراقب. أصله هو اللي جاب نور. إزاي يشهد زور ويقول كل الحوارات الكدب دي؟ أكيد في حد وراه.
تنهد عامر بعمق، وأطبق بأحد أصابعه على جفنه المثقل من فرط الإرهاق، ثم قال:
ـ مش محتاج تفكير كتير يا عمر. أكيد الكلب جاسر دفع له فلوس علشان يشهد زور.
رد يحيى بإصرار قائلاً:
ـ يبقى لازم نراقبه، ونثبت إنهم مرتشيين وشهود زور.
شرد عامر برهة، وكأن ذكرى بالغة الأهمية ارتسمت في ذهنه، فاستدار نحو أصدقائه متعجلاً وقال بلهفة:
ـ في حاجة مهمة أنا كنت ناسيها. نور إدّتني ملف مهم علشان أرفع بيه قضية الطلاق. الملف فيه أكتر من تقرير طبي على مدار سنين جواز نور بالواطي. فيه آثار تعذيب، خصوصًا إجهاض ابنه. الأوراق دي في البيت، وهتفيدني جدًا. يا ريت تجيبوها وتدوها للمحامي… أنا بثق فيه.
نظر يحيى وعمر لبعضهم ثم انفجرا بالضحك.
حدّق فيهم عامر بدهشة، ثم انفجر صارخًا بغيظٍ يتفجر من فمه قائلاً:
ـ انتو بتضحكوا على إيه يا باردين؟ هو ده وقته ضحك؟ هو أنا بقول نكت؟
تنحنح يحيى وهو يحاول يسيطر على ضحكاته وقال:
ـ مديحة لسه النهارده الصبح طردانا من العمارة كلها
ضحك عمر بمزح وقال:
ـ بس طبعًا علشان وشنا بارد قاعدين… بس ده ما يمنعش إن لو رحنا عند شقتك، مديحة هتعلقني على باب الشقة.
أطرق عامر رأسه إلى الأرض، وتلبدت ملامحه بغيوم الحزن والاضطراب، حين باغته طيف أمه، أغلى ما يملك في هذه الحياة. انقبض صدره بخوف عاصف، إذ تخيّل عجزه عن الخلاص من محنته، ورأى قلبها يتهشّم تحت وقع الفقد. تسلّل إلى نفسه هاجس آخر أكثر
مرارة: هل ستغفر له ما اقترفه، أم أنّ خيانته ستظل وصمة لا يمحوها الزمن؟
امتدت يد يحيى فوق كتفه، محاولةً أن تشدّه من هاوية أفكاره، وأن تمنحه شيئًا من الثبات وسط
عاصفته الداخلية. لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، انفتح الباب بقوة، ووقف حارس الأمن بصرامة لا تعرف الرحمة. أمسك بذراع عامر واقتاده بعيدًا، فيما تبعه يحيى وعمر بخطوات مثقلة، يحمل كلٌّ منهما قلقًا لا يقلّ.
*********************************
خرجت هالة من غرفتها، فرأت يحيى جالسًا أمام
حاسوبه، غارقًا في فحص ما بين يديه بدقة شديدة. توقفت لحظة، ونظرت إليه بشوق لم تستطع إخفاءه،
ثم وبّخت نفسها سريعًا وعادت إلى غرفتها. وقبل أن تختفي، ناداها بصوته. عادت هالة نحوه، محاولة أن
تُظهر الجدية في ملامحها، وأن تُخفي ذلك الحب الذي يتسلل حتى إلى نبرة صوتها. تحدثت بصوت حاولت أن تجعله خاليًا من المشاعر، فقالت له:
— خيرا.
ابتسم يحيى وهو يرمقها بعينين تغرقان في عشق يكسو كل ملامحها، ثم قال:
— خيرا يا كنزي، مالك دي طريقة تكلمي بها خطيبك؟
رفعت أحد أصابع يدها كعادتها حين تغضب منه، ثم قالت:
— اسمع يا ولد العامري، مش كل ساعة أقولك بلاش الاسم الزفت ده، كمان أنا مش خطيبتك، ويا ريت تقفل الموضوع ده.
وقف واقترب منها، ثم رفع يده مبتسمًا ليُريها الفارق الشاسع في الطول بينهما، وقال لها بغرور:
— إيه رأيك... كنزي ولا لأ؟
نظرت له بغيظ، كأنها تنظر لأحد المباني المرتفعة، ثم تذكرت أكثر شيء يزعجه، فقالت:
— لو انت فرحان بطولك، افتكر إني أكبر منك تتكلم معايا بطريقة احسن من كده ويا ريت تتعلم إنك تتكلم مع الأكبر منك باحترام.
أيقن أنّها تريد أن تجعله يغضب. فرسم على وجهه ابتسامة باردة، وقال لها:
— براحة يا كنزي، العصبية مش حلوة. كل ما تتعصبي، بتقصري وتقصري أكتر. بعد كده مش هلاقي فستان فرح على قدك. صح يا كنزي، حياتي أنا خطبتك من نوار، وهو وافق... يعني إنتي خطيبتي رسمي.
ردت عليه بغضب يكسوه الكسرة والقهر، وقالت:
— ما خطبتنيش ليه من أبوي وجدك يا يحيى؟
وهنا أدرك يحيى سبب تصرفها معه بتلك الطريقة. علم أنّها على علم بما جرى في الصعيد، ولم يكن يدرك أنّ الحقيقة أكبر وأكثر مما تصوّر.
قرر يحيى أن يتلاعب بها قليلًا ليكشف ما حدث لها، فقال لها بصوت هادئ مكسوه بالمكر
— ومين قاللك إني ما خطبتكيش من أبوكي وجدك؟ أنا خطبتك فعلاً، وجدك ما رفضش، وأبوك موافق.
صرخت في وجهه:
— إنت كداب يا يحيى! أبوي رافض، ومفيش حد في بيت العامري وافق على جوازنا
اقترب منها أكثر، ونظر في عينيها بحزم، كأنما يريد كبح أي أكاذيب محتملة، ثم قال:
— مين قاللك إنهم رافضين جوازنا؟ قوليلي، إيه اللي حصل؟ ليه فجأة اتغيرتي معايا؟
صمتت وارتبكت، ولفتت نظرها إلى الجنب الآخر،
محاولة الهرب بصمتها. لكن يحيى أمسك بذراعها بقوة، وأجبرها أن تنظر إليه مرة أخرى، وقال بصوت صارم:
— مدام خرستي ومش عاوزة تقولي إيه اللي حصل، يبقى كلامي هو اللي هيمشي. أنا خطبتك من أخوك الكبير، وهو موافق. وبعد ما عامر يخرج بسلامه هنعمل الفرح على طول.
سحبت يدها منه بعنف، وعادت إلى غرفتها مرة أخرى.
نظر يحيى إليها بيأس وحزن، ثم أمسك الهاتف وتحدث مع نوار ليستعلم هل عمه ما زال رافض الزواج أم موافق، قبل أن يغادر المكان.
********************************
جلس يحيى في السيارة، وما إن بدأت عجلة القيادة بالدوران حتى تفاجأ بعمر يقتحم المقعد بجانبه. نظر يحيى إليه باستغراب، فرسم عمر على وجهه ابتسامة مستفزة. رفع يحيى أحد حاجبيه كما اعتاد، ثم تحدث بلهجة ساخرة:
— خير يا أبو نسب؟
رمقه عمر بنظرة مليئة بالغيظ وقال:
— اسمع يا ولد، سليم احنا مش نسايب، واختي مش هتجوزها، تمام؟ ودلوقتي سوق، خلينا نمشي.
فتح يحيى باب السيارة محاولًا إخراج عمر، لكنه تمسّك بالمقعد بقوة. تحدث عمر بإصرار:
— مش هنزل! رجلي على رجلك! عامر مش صاحبك وحدك!
أصر يحيى على موقفه، خوفًا على ابن عمه، فتحدث بغيظ:
— انزل ياد ، أنا مش طايق شكلك!
رد عمر بنفس النبرة وهو يخفي خوفه، فما زالت قلوبهم مليئة بالمحبة والأخوة لبعضهما، فقال:
— القلوب عند بعضها يا ولد العامري… بس برضه مش نازل، ريّح نفسك.
ضغط يحيى على أسنانه بغضب، ثم قاد السيارة وانطلق، متجهًا نحو المجهول.
أوقف يحيى السيارة في مكان يعج بالعشوائيات، يظهر على سكانه علامات الجريمة بوضوح. ابتلع عمر ريقه بقلق، ثم نظر إلى ابن عمه وقال:
— يحيى… المكان اللي جبتنا فيه…
نفخ!
يحيى بملل:فقال
— افتكر إني قلت لك : بلاش تيجي معايا، خايف تنزل ومشي
قال عمر بغيظ
— ما براحة على نفسك يا ولد سليم، علشان أنا على آخري منك. أنا مش خايف ولا زفت، أنا بس عايز أعرف إنت عامل حسابك قبل ما تيجي المكان ده ولا لأ.
نظر يحيى لعمر بثقة، ثم أخرج سلاحه الناري. لمعة عيون عمر تغيّرت فجأة، وظهر الفرح المميز لرجال الصعيد، حين يرون ذلك الشيطان
أمسك عمر السلاح بلهفة وقال:
— جبته منين المغفلق ده؟
رد يحيى وهو مسترجع ذكرياته في الصعيد:
— من نوار، لما كنت هناك…
قال عمر بحزن طفولي:
— وما بعتليش واحد زيه… ولا أنا مش أخوه؟
رمق يحيى عمر بنظرة ساخرة:
— دا على أساس إنك بتكلم أخوك، دا حتى لما بيرن عليك مش بترد.
رد عمر بعند:
— وايه دخل دا في إنه يبعتلي واحد؟
فجأة، دُق باب السيارة. فتح يحيى الزجاج قليلًا، ونظر إلى رجل وجهه مليء بالعلامات الناتجة عن الشجار، ويظهر عليه شدة الإجرام. تحدث الرجل بصوت غليظ وقال:
— عاوزين حاجة يا بهوات؟
رد يحيى بصوت قوي:
— مستنيين طلب هناخده ونمشي.
رد الرجل بسماجة وهو يبتسم ابتسامة سخيفة:
— طلبك عندنا يا باشا… مش إنت اللي الواد سيكا، برضه مستنيك جوه.
شعر يحيى بالقلق من ذلك الرجل، أما عمر فلم يكن يفهم شيئًا، لكنه أيضًا لم يسترح لذلك المجرم. اضطر
عمر ويحيى للنزول من السيارة، ثم أغلق يحيى السيارة جيدًا. ذهبا معه وهما ينظران حولهما يمينًا ويسارًا بتوتر، حتى وصلا إلى مكان مليء بالعديد من الرجال، ومن بينهم رجل معلق من قدميه ينزف الدماء من كل مكان.
تجمّدت أنفاس يحيى، واتسعت عيناه على آخرهما حين لمح ذلك الرجل. لم يحتج إلى وقت ليتذكّره؛ فبرغم الندوب والكدمات التي شوهت ملامحه، كان يعرفه حق
المعرفة. إنه نفس الرجل الذي التقاه منذ فترة قصيرة، يوم طلب منه أن يتعقّب أولئك المجرمين الثلاثة… الذين شهدوا زورًا على عامر، والذين تعدّوا عليه في السابق بضربه حتى كادوا يفتكون به، لولا أن انتزعه يحيى من بين أنيابهم.
شعر يحيى، ومعه عمر، بأن الأرض تُطبق من حولهما… لقد وقعوا في فخ محكم. غريزة النجاة دفعته للتراجع خطوة إلى الوراء، يبحث بعينيه عن أي مخرج للهروب.
وفجأة… انبعث صوت متهدج، متقطع الأنفاس، من ذلك الرجل الذي يترنح على حافة الموت:
— ساعِدني… بالله عليك… ساعدونا… سأموت… ألحقنا يا باشمهندس!
تحدث أحد المجرمين الثلاثة فقال:
— منوّرين… معلش على المكان، أصلي كان عندنا حفلة.
ثم نظر إلى ذلك الرجل الذي يتنفس بصعوبة من كثرة الضرب، فضحك جميع المجرمين بسخافة.
اقترب عمر من يحيى وقال بصوت منخفض:
— إنت جبت المغفلق معاك ولا لأ؟ علشان لو مش معاك هيتعلموا علينا جامد… ودي عيبة كبيرة في حق عيلة العامري.
هز يحيى رأسه بصمت، فتنفس عمر بارتياح.
رفع أحد المجرمين يده إلى الجرح الغائر في رأسه، ذاك الذي خلّفته ضربة هالة بمفتاح الحديد في الماضي. اشتعل الغضب في عينيه، ثم صرخ بصوت متحشرج غاضبًا:
— فين بت الكلب اللي كانت معاك؟
نظر يحيى حوله، فرأى أحد الرجال ممسكًا بعصاه. خطف يحيى العصا من يده بسرعة وقوة، ثم رماها عليه بمهارة أصابته في رأسه فأطلق الرجل صرخة ألم حادة.
في تلك اللحظة اندلع الهجوم الكبير على يحيى وعمر، فوجد الاثنان نفسهما وسط المعركة، يضربهما المجرمون بعنف، بينما كانا يتبادلان الحماية ويقاتلان جنبًا إلى جنب.
مدّ أحد المجرمين يده إلى جيبه الجانبي وأخرج سلاحًا أبيض يلمع ببريق الغدر. اقترب بخطوات حذرة من يحيى وسط الشجار، حتى صار خلفه، ثم رفع السلاح عاليًا ليغرسه في ظهره. لكن قبل أن يهوي به
، انقبضت يد عمر على النصل في اللحظة الأخيرة. انغرز السلاح في كف عمر، فاختلط الحديد بدمه، ومع ذلك لم يفلته.
حاول المجرم أن يهاجمه مجددًا، غير أن عمر باغته
بركلة عنيفة تحت الحزام طرحته أرضًا. لم يرحمه عمر؛ اندفع فوقه، يركله في نفس الموضع مرارًا بغل وغضب، ثم خطف السلاح من يده وضربه به على وجهه. تعالت صرخة المجرم وهو يضع يده فوق وجهه المدمى، بينما ضحك عمر رغم ألمه واقترب منه قائلاً:
— دي حاجة بسيطة… علشان تفكّر قبل ما تمد إيدك على واحد من بيت العامري!
لم يكن حال يحيى يختلف عن حال عمر؛ هو الآخر كان غارقًا في صراع مميت. كان يسدد اللكمات المتتالية إلى وجه أحد المجرمين بعنف لا يلين، لكن خصمه كان
قوي البنية، إذ باغته بركلة قاسية في جسده، ثم أمسك بقطعة حديد وضربه بها في بطنه وساقيه. تألم يحيى بشدة، وتقدم المجرم مبتسمًا رافعًا الحديد ليهوي بها فوقه، لكن يحيى، في لحظة مباغتة، نهض بكل قوته وهجم عليه بسرعة أربكته.
استغل دهشة خصمه وطرحه أرضًا، ثم انهال عليه بلكمات متتالية غاضبة، جعلت أنفاسه تتسارع من شدة المجهود. لكن سرعان ما فوجئ بهجوم جديد من بعض المجرمين الآخرين، وقبل أن يمسه أحدهم، قبض يحيى على نفس القطعة الحديدية وبدأ يلوح بها عشوائيًا، يضرب بها كل من اقترب منه بجنون.
في تلك الأثناء كان عمر قد انتهى من فكّ وثاق الرجل المعلق، وبعد أن حرره نظر حوله بحثًا عن ما يعينه في هذه المعركة الطاحنة، فوقع بصره على خشبة ضخمة. أمسكها بكل ما تبقى من قوته وضرب بها المجرمين من الخلف، غير عابئ بالألم النازف من يده.
وبينما كان الاثنان يتصارعان في صراع دموي، استل يحيى السلاح الناري من حزامه، وأطلق طلقات في الهواء، ثم صوب رصاصة واحدة في ذراع أحد المجرمين الثلاثة. ارتبك الجمع وتراجع، وفي تلك اللحظة أمسك عمر بيد يحيى وهو يصيح بصوت هادر:
— احنا هنطلع من هنا! لو كلب فيكم عمل حركة… هفرغ الرصاص في نفوخه، سامعين؟!
ارتجف المجرمون وتفرقوا بخوف، فخرج يحيى وعمر من المكان وهم يجرّون الرجل المصاب، يركضون نحو السيارة. وما إن صعدوا وانطلقوا هاربين من ذلك الجحيم، حتى ظلوا غافلين عن رجل يقف في الظل، ممسكًا بهاتفه يتحدث بصوت خافت:
— أيوه يا باشا… زي ما هي قالت بالضبط، كل معلوماتها صحيحة. آه، الرجال اتضربوا، بس مفيش حد مات زي ما أمرت حضرتك. أنا وراه في كل مكان، وهي بتوصل المعلومات تمام…
ثم أغلق الهاتف، وسار بخطوات ثابتة خلف يحيى وعمر.
****************************
كانت مريم تقف أمام منزل مديحة، تدق الباب وتبكي بكاءً يشبه بكاء الطفلة الصغيرة التي ترجُو أمَّها.
لقد رأت في مديحة الأم التي حُرمت منها منذ رحيل والدتها، فعاشت معها في شهور قليلة إحساسًا لم تذقه منذ سنوات طويلة.
نادَت بصوت مرتجف والدموع تخنقها:
ــ "ماما… علشان خاطري افتحي الباب، اسمعيني مرة واحدة بس. بلاش تعملي فيَّا كده… أرجوكي، بلاش تحرميني من حنانك وتسيبيني زي ما ماما ماتت وسابتني. علشان خاطري يا ماما… والنبي، اسمعيني وحياة عامر عندك."
في الداخل، جلست مديحة خلف الباب تبكي بحرارة، ودموعها الساخنة تتساقط على وجنتيها. كانت تتألم لأجل مريم، غير أنّ شعور الغضب والخذلان مما جرى كان أقوى منها.
أما مريم، فقد انهارت أمام الباب وجلست أرضًا، وأسندت رأسها علي الباب، تبكي بصوت متهدّج، وتنادي بصوت واهن:
ــ "ماما… إنتِ مش بتحبيني صح؟ مش شايفاني زي عامر؟ طب ليه خليتيني أحبك واعتبرك زي ماما؟ ليه حسستيني بحنان الأم من تاني بعد ما اتحرمت منه وأنا طفلة… وبعدين تيجي تعاقبيني؟ عايزاني أعيش إحساس اليُتم تاني؟ أنا ليَّ سنين عايشة ببكي كل يوم… وكل يوم ماما بتوحشني. بس من ساعة ما شوفتك… بطّلت أحس إني يتيمة. إنتِي كنتِ بتعطفي عليّا وبس… مش كده؟"
كان أحمد يستمع لحديث ابنته منذ البداية، فانهالت دموعه بلا إرادة، وضاق صدره حتى شعر بالعجز يخنقه. لم يحتمل أن يرى ابنته تُمزّق بهذا الألم.
اقترب منها وجلس بجوارها، ثم ضمّها بين ذراعيه ومسح دموعها عن وجهها، يقبّل رأسها ووجنتيها ودموعه هو الآخر لا تنقطع. قال لها بصوت متهدّج
:
ــ "حبيبة بابا… يا قلبي يا مريم… يا مريومة الدنيا… يا كل الدنيا… يا عمري. إنتِي مش محتاجة حد… أنا آسف يا بنتي، آسف إني ما عرفتش أعوضك عن حنان الأم. بس من النهاردة… هاعمل كل حاجة، هاعمل المستحيل علشانك. بس بالله عليكي، ما تبكيش… مش عايز أشوف دمعة تاني في عينيكي."
تعلّقت مريم بأبيها تبكي بحرارة، وظل هو يبكي مثلها، يشاركها الوجع ذاته.
أما مديحة، فكانت في الداخل تبكي أكثر منهما، ممزّقة بين قلبها الغارق في الحنان وروحها المثقلة بالغضب
.
ثم اصطحب أحمد ابنته إلى منزلهما وأغلق الباب، فيما ظلّت مديحة وحدها في عتمة بيتها تبكي بلا توقف.
************************************
جلست نور داخل الزنزانة، وضعت رأسها على الحائط تبكي بحرقة. دموعها تنساب كقطرات ندى مثقلة بالأوجاع والآلام. أخذت تسترجع حياتها الماضية مع عامر، وكيف كانت سعيدة بجواره، لكن طمعها جرّها إلى التهلكة، ولم تكتفِ بذلك بل سحبت عامر معها إلى نفس المصير. وما إن خطر ببالها ما قد يحدث لعامر، حتى انفجرت تبكي بصوت عالٍي
اقتربت منها إحدى السجينات، يكسو ملامحها الإجرام والقسوة، صرخت بها قائلة:
– "ما بَس يا سنيورة! مش عارفين ننام منك اتخمدي بلاش زن وقرف
ظلّت نور تبكي ولم ترد. ازداد غضب السجينة، وفجأة جذبت نور من شعرها وطرحتها أرضًا بقوة. صرخت
نور، وغرست أظافرها في يد المرأة بعنف، ففلتت يدها من شعرها. استشاطت السجينة غضبًا، وصاحت بلهجة سوقية:
– "إنتِي جننتي؟ بتمدّي إيدِك عليّا يا رخيصة! أمال ما كنتيش جايّة بفضيحة! واحدة شمال زيّك تمدّ إيديها عليّا!"
انتفضت نور وردّت بعزم:
– "أنا مش رخيصة يا رخيصة يا زبالة! ابعدي عنّي بدل ما أخلي يومك أسود!"يا رد السجون
نظرت إليها المرأة بعينين يملؤهما الشر، ثم هاجمتها وصفعتها بقوة حتى طرحتها أرضًا. حاولت أن تمسكها من شعرها من جديد، لكن نور أمسكت بيدها وغرست
أسنانها فيها بغضب، ثم قلبتها أرضًا وجلسَت فوقها تضربها بلا رحمة، تخرج كل ما بداخلها من غيظ وحزن وقهر.
تجمّعت السجينات بسرعة وأمسكن بنور ليبعدنها عن المرأة، التي تورّم وجهها من شدة الضرب. وبينما كنّ يحاولن السيطرة على نور، أخرجت المرأة من جيبها شيئًا صغيرًا وحادًّا خفية، واقتربت منها دون أن ينتبه أحد. فجأة اندفعت وغرست ذلك الشيء في وجه نور بقوة. صرخت نور صرخة مدوية، وصرخ الجميع معها، وقد انهمر الدم من وجهها بغزارة، مخلفًا جرحًا غائرًا وعميقًا.
**********************************
كانت هالة فوق سطح المبنى، ترقب الأفق بعينين مثقلتين بالدموع، تستحضر ما جرى لها. ما زالت تلك القطعة الصغيرة من الزجاج تحمل دماءها شاهدةً على لحظة انكسارها. جلست على الأرض تبكي بحرقة، تستعيد ظلم الأيام وقسوة الناس. وتذكرت حين كانت في المستشفى.
في غرفتها آنذاك، جلست ممسكة بالهاتف، ينهش القلق قلبها. نظرت إليه مرارًا وهي تنتظر اتصالًا من يحيى. ارتفع الرنين فجأة، فأسرعت تجيب بلهفة، تظن أنه هو. لكن الصوت الذي انطلق لم يكن صوته، بل صوت امرأة غاضبة، حادّ كالسوط:
"إنتِي عاوزه تتجوزي ولدي يا عااانس؟
يا بايرة! عايزه تاخدي الواد الأصغر منك؟
ده اللي في سِنِّك عيالهم بقوا أطول منك!
مش مكسوفة من روحِك؟ ولا عشان ما لقيتيش راجل يعَبِّرك، جايه تلفّي ورا ولدي؟
ما انتي فاجرة… وسخة… ما شُفتيش تربية!
وديني وما أعبد أنا اللي هربيكي!
اسمعي يا عاانس، لو ما بعدتيش عن ولدي أجي لعندك وأفضحك قدام الناس كلها، وأقول إنك دايرة ورا الواد عشان يتجوزك!"
عادت هالة من تلك الذكرى المريرة التي كانت كالسهم في قلبها. انفجرت باكية، وارتعش جسدها من شدّة الألم. رفعت عينيها إلى السماء، تصرخ بكل ما تبقى لها من قوة:
"ليه أنا؟! عملت إيه؟ ليه بتعاقبني؟!
هو ما فيش غيري؟ لحد إمتى هافضل عايشه في عذاب
أنا تعبت… مش قادرة أتحمل ظلم الناس ولا قسوة كلامهم… أنا بشر مش حجر!"
ثم وضعت يدها على صدرها تضرب قلبها بعنف وهي تبكي:
"ده خلاص… مش قادر يتحمل! ما بقاش فيه مكان يستوعب قسوة البشر وظلمهم وجبروتهم.
إنت سايبهم يظلموني ليه؟ مش بتاخد حقي منهم يا رب؟!
يا رب… يا ربااااااااا!"
لقد أعياها الألم، وأثقلت روحها الأوجاع، أما عقلها فكان يجلدها بذكرياتها فلا يزيدها إلا عذابًا فوق عذاب. وظلت تصرخ وتبكي، ودموعها تحجب عنها الرؤية، لكنها رفعت بصرها للسماء تناجي ربَّها، تستغيث
بالرحمن أن يخلّصها من قلوبٍ نزعت منها الرحمة.
ووويتبع