📁 آخر الروايات

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم هالة محمد

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم هالة محمد


31 = حلال ولكن مرفوض - حسن والجد القاسي - 31 /
للجميع@
مرحبًا، عزيزي القارئ،❤
قد وصلتني رسالتك الجميلة، كزهرة رقيقة تفوح بالعطر، وكانت دعمًا للفصل السابق من قِبَل خمسة عشر شخصًا كريمًا.🌺
أما أولئك الذين لم يصلني منهم أي دعم أو رسالة، فأعلم أن روايتي لم تَسْر قلوبهم، وأعتذر لهم إن لم أكن عند حسن ظنهم.🌹
أشكرك، عزيزي القارئ، على دعمك لروايتي، فدعمك كالوردة التي تمنح البستان حياة، وهو ما يدفعنا للاستمرار والإبداع.🌸
شكرًا لكم جميعًا، والآن دعونا نبدأ أحداث روايتنا، ونزرع معًا المزيد من الزهور
*****************************
في الصعيد، داخل منزلٌ رحبٌ بالسلام ورفض الحرب، من أجل إيقاف بحور الدماء التي سيغرق الجميع فيها، حتى لا تزهق الأرواح بلا ذنب. لكن النفوس السوداء وشياطين الإنس وقفوا في وجه ذلك السلام.
في داخل منزل، عائلة أبو رحاب
دخلت فتاة في العشرين من عمرها، تحمل ثياب زوجها، وابتسامة تنير وجهها، لا تعلم أن هذه ستكون آخر مرة تبتسم فيها. اقتربت الفتاة وهي تساعد زوجها في ارتداء الثياب، فقالت:
— يعني خلاص يا حسن؟ مفيش تار ولا مشاكل مع بيت زيان؟
تحدث حسن مبتسمًا بسعادة: فقال
«الحمدلله مفيش. أنا فضلت طول الليل سهران مع أبوي، واكلم فيه عن الخراب اللي هيحصل من التار والبيوت اللي هتخرب، والأطفال اللي هيتيموا. وفكرته كمان إن إحنا وعائلة زيان طول عمرنا أهل وجيران، وقلت له: شكلك نسيت يا حج إن مرات ولدك الكبير من بيت زيان حرام تخرب بيت ولدك
، بعد كلام كتير وشد ورخي ، الحمدلله. علي الصلح
اقتربت زوجته منه، وهي تحدق فيه بفخر، ثم غمرته بقبلات على وجنتيه واحتضنته بمحبة وقوة وقالت
يا حبيب يا حسن ربنا يخليك ليا يا احسن زوج في الدنيا
. وضع حسن يده فوق بطنها البارز وتحدث موجّهًا الكلام للصغار أمامه:فقال
«أنا عملت دا كله علشانكم، علشان لما تيجوا الدنيا بخير وسلامة، تعيشوا بأمان من غير خوف من التار»
. قبّل رأس زوجته ثم خرج من الغرفة.
دق على غرفة شقيقه، ففتحت له زوجته شقيقه وهي مبتسمة وقالت:
— حسن يا أجدع واحد في بيت أبو رحاب، ربنا يخليك ويبارك فيك زي ما وقفت في وش الشر يا وش الخير.
قهقه حسن بصوت مرتفع وقال:
«إيه دا كله يا مرات أخويا؟ أنا كده هتغر وأشوف نفسي عليكم — أنتم حرين»
.
ردت قائلة
: «اتغر براحتك، هو انت اللي عملته قليل؟
» ثم تنهدت، وانعكست على وجهها ملامح الضيق والحزن وقالت بصوت منكسر:
«أنا ما كنتش أنام الليلة يا حسن، وانا خايفة التار يلف الغايت عندي وييجي على أولادي، واشوف عيالي رافعين سلاح، في وش اهلي وأهلي يرفعوا السلاح في وش اعيالي، ولا أخوك يطلقني ويخرب بيتي
».
نظر حسن إلى زوجة اخيه بابتسامة بشوشة، ثم قال لها:
«أهو الحمدلله، ما فيش حاجة من اللي كنتي خايفة منها هتحصل، ربنا عدها علي خير. روحي شوفي جوزك اتأخر ليه».
رد شقيقه من الداخل قائلاً
: «أنا جاهز يا حسن، يلا نشوف أبوك والرجالة، خلنا نوصل المشوار ده ونفض
».
ذهبا الاثنين، وبعد قليل خرجا من المنزل بصحبة والدهما، كبير عائلة أبو رحاب، رجل زو هيبه وقوة وصرامة. سارت خطوات حسن ووالده وشقيقه واسعة، وهو يقول لهم:
«يلا أبوي، شدوا حيلكم شويه».
رد والده:
«مالك يا حسن، مستعجل على إيه؟»
ابتسم حسن وقال
: «مستعجل على الخير، يأبو حسن».
وفي تلك اللحظة، فوق أحد المباني الخاصة بعائلة ال زيان، كان هناك شيطان يختبئ في الخفاء ليشعل النار، ليتلتهم الجميع بلا رحمة. أمسك السلاح ونظر إلى الشاب
الطبيب الذي سعى للخير من أجل إيقاف الشر، لكن الشيطان لا يحب الخير. أطلق رصاصة الغدر التي اخترقت جسد حسن، فسقط على الأرض دون أن يحرك ساكنًا.
وقف والده وشقيقه مشلولي الحركة، عيناهما مفتوحتان والذهول قد تجمد على وجهيهما، متجمدين أمام جسده الممدد على الأرض، حيث الدماء تتدفق بلا رحمة، كأن الأرض تمتص حياته.
صرخت زوجته صرخة مزقت الصمت، اهتزت معها القرية وجباليها، واندفعت نحو زوجها، احتضنته بقوة يائسة، تهز رأسها رفضةً للواقع، تناديه باسمه، ودموعها الساخنة تتساقط على جسده مختلطة بدمه، كأن كل قطرة منها تشهد على فاجعة فقدانه.
ظلت زوجته تصرخ وتقول:
— حسن يا حسن، سايبني ورايح فين يا حسن، يا مراااااااااري يا مراري، ياخراب بيتي، يا يتمي عيالي، يا حسن! قتلوك يا حبيبي، يا سندي، قتلوك يا قلبي!
اقترب الأب بخطوات متعثرة من جسد ابنه، أزاح العمامة البيضاء عن رأسه ووضعها على الأرض كأنها قطعة من قلبه ذهبت بلا رجعة. مسح دماءه بيدين
ترتجفان، والدماء تغرق الأرض كأنها تحاول رسم مأساة لا تنتهي. صمت غريب ملأ المكان، وعيناه لم تفارقه، كأنهما تلاحقان كل نفس يتلاشى مع كل قطرة
دم. الصدمة سكنت ملامحه، والألم ينبعث في صدره، يعرف وحده مدى ثقلها وحجم الفقد الذي لا يزول.
ظل الأب يهذي ببعض الكلام قائلاً:
— دم الغالي ما يبقاش على الأرض، يا غالي يا حسن، قوم يا حسن، بلاش جلع ماسخ، قوم يا ولدي!
رغم الدماء التي غطت يديه وجسد ابنه، رفض عقل الأب أن يصدق أن ابنه رحل للأبد دون عودة.
صرخت الزوجة وهي تحتضن جسد زوجها:وقالت
— حسن مات! ولدك مات! قتلوه بيت زيان! قوم خد تار ولدك ولع فيهم، أحرق قلوبهم على أعز ما ليهم زي ما حرقوا قلبي على جوزي، ويتموا عيالي قبل ما ييجوا على الدنيا!
لا تندهش، عزيز القاري ، نعم… هي نفسها المرأة التي قبل لحظات كانت تقف مع السلام ضد الثأر، والآن تطلب الثأر بلا رحمة. في الصعيد، الثأر ليس حكرًا على
الرجال، فالنساء أحيانًا أشد شراسة. هناك في قلب الصعيد امرأة قطعت رأس رجل ورقصت به في كل القرى ثأراً لوالدها وتلك حقيقة لست مجرد سطر في رواية
في هذه البلاد درس يتعلمه الجميع: النساء والرجال، والكبار والصغار العين بالعين، والنفس بالنفس.
ركض شقيق حسن داخل المنزل، ثم عاد وهو في يده السلاح الملعون؛ دماؤه تغلي وعيونه لا تصبر، يفكر فقط في الثأر. وقف لحظة ونظر للخلف فوجد زوجته تبكي وتصرخ على شقيقه، رمقها بنظرة حارقة ثم قال
:
— أخوي قتلوه أولاد زيان، يا بنت زيان، انتي طالق طالق طالق!
لطمت الزوجة على وجهها ظلماً وقهراً.
وعلى بعد خطوات، كانت عائلة زيان تمشي في اتجاه منزل بيت العامري من أجل السلام، لا يعلمون أن السلام ذهب للأبد. تفاجأ الجميع بوجود شقيق حسن وهو يرفع السلاح ويطلق النار على الجميع، وقلبه يشتعل داخله
نار الانتقام والثأر. ارتفعت أصوات الطلقات وغرقت القرية في الدماء؛ حمل الجميع أسلحتهم واندلعت ساحة القتال، زهقت فيها العديد من الأرواح بلا ذنب.
هكذا، عزيز القاري الثأر، في الصعيد ليست قصص حب كما تقرأ في الروايات؛ لا يوجد حب في الثأر، بل الثأر، حرب، أرواح تزهق، بحور من الدماء ونار تشتعل، لا تنطفى، تظل تتوارثها الأجيال.
*****************************
كان يحيى على مشارف طريق القرية، وفجأة باغته الرصاص يتساقط كالمطر لا يرحم أحدًا. حاول التقدّم، لكن رصاصة طائشة أصابت إطار سيارته، فانحرفت واصطدمت بقوة بأحد الأشجار، فارتطم رأسه بالزجاج الأمامي وانفجر جرحه بالدم.
خرج من السيارة، بأنفاس متقطّعة من شدّة النزيف، يبحث عن هاتفه بين الزجاج المكسور والدماء. وبعد لحظات من الفوضى عثر عليه، فاتصل بنوار، لكن دون رد. أعاد المحاولة مرات وسط هدير الرصاص، مصرًّا على الوصول إليه.
وعلي الجنب الآخر، كان نوار يتسلل داخل الأرض الزراعية خلف أفراد عائلة هاني، ذلك الشاب الذي مات بسبب طيشه وانتشار السلاح في البلاد. وعلى إثر وفاته اشتعلت الحرب. كان نوار ينظر يمينًا ويسارًا وهو يدعو الله أن يمرّ ما يفعله بسلام، حتى لا تغرز أقدام أسرته في نار الثأر
وحين فتح نوار باب المنزل الخاص بعائلة العامري في الأرض الزراعية، ركض محمد إلى أمه بشوق ولهفة. احتضنته أمه بقوة وهي تبكي، وظلّت دموعهما تنهمر . أما الأب فجلس مطأطئ الرأس إلى الأرض، ينظر إلى ابنه نظرة عتاب وحزن، محمّلاً إياه وزر ما حدث من دمار في القرية.
بكى الابن وركض ليجلس أمام والده، يمسك يده محاولًا تقبيلها، لكن الأب سحب يده بعنف، ثم جلس في جانب آخر صامتًا. وبعد قليل، أخرج نوار هاتفه وقال:
ـ ألو؟ إيه يا يحيى؟ مش سامعك يا ولد عمي.
جاء صوت يحيى متعبًا ومشحونًا بالتوتر:
ـ نوار، أنا على أول البلد مش عارف أدخل… هو في إيه؟ الحرب قامت ولا إيه؟
دق قلب نوار برعب حين علم أن ابن عمه داخل القرية. ركض وهو يتحدث بصوت متقطع من الركض:فقال
ـ خليك مكانك يا يحيى، أنا جاي. أوعى تتحرك يا ولد عمي. البلد خربانة… العيلتين نازلين قتل في بعض.
وبعد معاناة وسط طلقات النار، استطاع نوار الوصول إلى يحيى. وصلا معًا إلى المنزل بصعوبة بالغة.
صرخت أمينة حين رأت يحيى ينزف الدماء، وركضت نحوه بخوف:
ـ يحيى، يا ولدي… إنت كويس يا قلبي؟ إيه الدم ده؟
قبّل رأسها، ثم جلس على أحد المقاعد وهو يتنفس بثقل وقال:
ـ أنا كويس، متخافيش يا ست الكل.
فأجابته بحزن:
ـ ما أخافش كيه يا ولدي؟ هو أنا ليا في الدنيا دي غيرك؟ إيه اللي جابك دلوقتي بس؟
نظر يحيى للجد وقال:
ـ هو إيه اللي حاصل يا جدي؟ مش كنت قايل إن الصلح هيتم؟
نظر الجد إلى حفيده بوجه مليء بالهموم، ثم بدأ يقصّ له كل شيء.
كان نوار يجلس في صمت، حلقه جاف كالصحراء. تفاجأ بكأس ماء أمامه، فأخذه وشربه دفعة واحدة، ثم قال:
ـ جدعة يا نسمة… أنا كنت هموت من العطش.
ردت بصوت هادئ ورقيق:فقالت
ـ بعد الشر عليك يا أبو عامري. تحب أجيبلك حاجة تانية؟
تفاجأ نوار بصوتٍ كان يظنّه أنها زوجته، لكنه حين استمع لصوت اكتشف أنها لم تكن زوجته، بل صديقتها
جلست نسمة بجوار يحيى بغضب وقالت:
ـ وانت يا شيخ نوار… كنت هتعمل إيه لم يحيى اتعور؟ معرفتش تحمي ولد عمك! ولا عشان هو مش أخوك؟ بس لو كان عمر حصله كده، كنت زمانك خربت الدنيا.
هدر يحيى بصوت حاد:
ـ نسمة، لمّي لسانك! اتكلمي مع جوزك بأدب يا قليله الادب . وبعدين نوار ماكانش معايا وقت الحادث، أول ما اتصلت عليه جه على طول .كتر خيره
رمقها نوار بنظرة حارقة جعلتها تشعر بالرعب، ثم وقف غاضبًا وترك المكان متوجهًا إلى حديقة المنزل.
ذهب يحيى ليستريح في غرفته، منهكًا من ذلك اليوم الطويل الشاق. داخل الغرفة، أخذ حمامًا دافئًا، ثم طهّر جروحه بعناية، وألقى بجسده المرهق في نوم عميق
.
في الحديقة، تفاجأ نوار بقدوم تلك المرأة تحمل له طعامًا وأدوية مسكّنة. ابتسمت وهي تضع الطعام أمامه وقالت:
ـ الأكل يا أبو عامري انت من الصبح على لحم بطنك. كل لقمة، وأنا هروح أعملك شاي.
ردّ عليها بصرامة:
ـ مين قالك إني عايز آكل؟ وإنتِي قاعدة ليه لحد دلوقتي؟ إحنا في نص الليل.
تنحنحت بخجل وقالت:
ـ أنا كنت همشي، بس نسمة خافت أروح لوحدي والضرب شغّال زي المطر. قالت استني لحد ما يهدا… بس ما هديش. وعلى العموم أنا همشي دلوقتي.
وقبل أن تتحرك بخطواتها، أوقفها نوار قائلاً:
ـ خلاص… روحي نامي مع مرات عمي، والصبح روّحي يا . اسمك إيه
ابتسمت وقالت بفرحة:
ـ اسمي فرحة يا أبو عامري.
************************************
كان أحمد يبحث عن نور منذ الصباح وبعد ساعات من البحث المتواصل قامت نور بالاتصال عليه وأخبرته أنه عادت لذلك المنزل الذي كآنت تجلس به ذهب أحمد بصحبه ابنته مريم جلس الجميع في المنزل نظر أحمد لأبنت شقيقته بعتب وقال لها
كده يا نور تمشي من غير ما تقولي ليه يا بنتي كده انا كنت هموت من الخوف يا المجنون ده يكون عمل فيكي حاجه
"مسحت دموعها التي لم تتوقف، وتحدّثت بقلبٍ يعتصره الألم ونفسٍ منكسرة، شاعرةً وكأنها لعنة تُدمّر حياة الجميع، فقالت
انا اسفه يا خالو انا عارفه ان من ساعة مظهرهت في حياتكم وأنا سبب كل المشاكل بس خلاص انا هبعد عنكم وهتحمل نتيجة اختاري
"اقترب منها وضمّها إلى صدره كأبٍ حنون، يهمس إليها برفق وحنان، يغمره الأسى لأجلها ثم قال
تعرفي يا نور إني أول مرة شفتك فيها كنت مبسوط وحزين في نفس الوقت مبسوط ان أخيرًا شفتك بعد ما أمك الله يسامحها طول السنين مقطعاني ورافضة اي تواصل ما بيني عشان مشاكل لا انا ولا هي لنا ذنب فيها بس اقول ايه الله يسامحها كانت عنيده وحزنت علشان يوم ما
"صمت أحمد، وامتلأت عيناه بالدموع، وتحدث بصوت مختنق يغلب عليه البكاء، ترتجف نبراته كأنها تنزف وجع فقال
كان يوم وفاة اختي الي أفضلت سنين احاول معاها علشان نكون عائلة بس هي الله يرحمه كآنت رافضة علشان ما ابوي اللي هو ابوها اتجوز امي
وطلق امها مع ان الجواز والطلاق نصيب وشرع الله وانا ما كنتش جيت على الدنيا لما كله ده حصل بس الله يرحمها ويسامحها كانت كل محاول اقرب منها تبعد عن لدرجة أنها عملت لي محضر في قسم الشرطه وخليتهم خدوا عليي تعهد اني مقربلهاش مره تانيه
.
"ارتفع بكاء نور وهي تحتمي بحضن أحمد الدافئ، حضن امتلأ بالعطف والحنان كأنه حضن أب، فشعرت داخله بأمان ضائع لم تعرفه منذ زمن طويل "تأثرت مريم، فغرقت عيناها بالدموع، ثم نهضت لتحتضن والدها ونور وهي تبكي بحرارة وفي هذه اللحظة دق الباب ذهب أحمد وفتح باب ليتفاجا برجال الشرطه واقفون امام الباب تحدث احدهم وقال
دا بيت نور عزمي
اقتربت نور وأمسك بذراعه أحمد وهي تموت من الخوف ردت بصوت مرتبك فقالت
ايوه يا فندم أنا نور خير في حاجه
انت مطلوب القبض عليكي بتهمة الشروع في قتل زوجك جاسر الجيزاوي
صرخت نور وهي تهز رأسها رفضًا حاول أحمد التحدث مع رجال الامن ولكن قاموا باخذ نور
ركب أحمد سيارته هو و مريم وذهبا خلف سيارة الشرطه أمسكت مريم الهاتف وهي تحاول الاتصال علي عامر نظر لها والدها وتحدث بصوت مرتفع وغاضب وقال
بتكلمي مين دلوقتي يا مريم احنا في إيه ولا إيه
رجفة مريم من صوت والدها وقالت يا بابا بكلم عامر وهو محامي نور يجي يشوف المصيبه ده
"وعلى الجانب الآخر، في منزل مديحة، كان عامر يجلس مع أمه. نظرت إليه فرأت ابنها يحرّك الطعام أمامه بوجه عابس وعيون شاردة."
تحدث مديحة وهي تضع يديها فوق ظهر ابناها بلمسه حنونه وقالت
مالك يا عامر قولي يا حبيب فيك إيه لو علي موضوع بتاع أحمد أطمن انا لسه بعقلي مش هضحك الناس عليك واجوز وانا في السن ده ابتسم عامر وهو يقبل
رأسه أمه دق الباب مع رنين الهاتف أمسك عامر الهاتف وقبل ان يجب قامت مديحة بفتح الباب رأت رجال الامن قالت
إنت يا اخرت صبري عملت ايه المرادي
أتت عامر وقال
خير يا حضرة الضابط
نظر له الضابط بغضب وتحدث بصرامه قائلا
إنت عامر مهران
ايوه وعلي فكره إبني محامي معروف
ماما استنى
ابتسم الظابط بسخرية وقال
انت مطلوب القبض عليك بتهم الشروع في قتل جاسر الجيزاوي زوج المدعوة نور عزمي ودا أذن من النائب العام اتفضل معاً بعد أذنك يا متر من غير شوشرة
صرخت مديحة بصوت مرتفع وقالت إبني ما قتلش حد وملهوش علاقه بالزفته اللي اسمها نور
أخذ رجال الأمن عامر وذهبت مديحة خلف ابنها وهي تبكي وتصرخ
وبعد ساعات في مركز الشرطه
كأن يجلس كل من أحمد ومريم التي تحاول الاتصال بعامر "ولكنه لحظة وقفا مذهولًا حين رأى عامر يأتي بصحبة الشرطة كمُتَّهَم." حاولا التحدث معه لكن رجل الأمن لم يسمح بذلك را أحمد مديحة تأت وهي شبه راكضة خلف عامر اقترب منها وقال
مديحة هو في إيه
نظرت له وكأنها وجدت طوق النجا تحدث بلهفة قائلا
الحقني يا احمد عامر متهمه بجريمه قتل بيقولو أنه حاول يقتل زوج الزفت الي اسمها نور بس إبني عمره ما يعمل كده انا عارفه كويس وبعدين هو من سنين ما شافش نور دي خالص ربنا يخدها
"لاذت مديحة بالصمت وتجمدت ملامحها، وحدقت في أحمد بعينين متسعتين تغمرهما الأسئلة التي عجز لسانها عن البوح بها حين رأت نور تمسك بيده
ارتبك احمد وامتلأت ملامحه بالحزن وتحدث بصوت مهزوز قائلا
مديحة اسمعني الأول نور تبقي بنت اختي بس في حاجات كتير لازم اشرحها لك
: جلست مديحة بلا حركة، كأن العالم من حولها قد تجمد، صمت ثقيل يكسو المكان. عيونها تحدق في الفراغ، وتحاول أن تقنع نفسها بأن ما يحدث ليس إلا كابوسًا، كابوس مؤلم يطاردها دومًا. كل خفقة قلبها تتحدى عقلها وكل نفس يلهث بين ضلوعها يصرخ بالواقع الذي ترفضه. كانت تأمل أن تمر دقائق قليلة فقط لتستيقظ، لتجد ابنها بجوارها، لتعود الحياة إلى نسقها الطبيعي، قبل أن ينكسر عالمها تمامًا.
جلس احمد بعيدًا عنها، صامتًا، عينيه تملؤها الآلام، قلبه يئن معها ومع الألم الذي يراه فيها. لم يكن يريد لها أن تعرف الحقيقة بهذه الطريقة الموجعة، لكن كل شيء بدا خارج إرادته.
أما مريم، فدموعها لم تتوقف، بل ازدادت حدتها حين رأت مديحة في هذه الحاله. خوفٌ عميق سيطر على قلبها، خوف أن تخسر مديحة، الملاذ الوحيد لها، الأم التي لم تنل حنانها منذ وفاة والدتها. ارتجفت يدها
وهي تمسك الهاتف، أصابعها تكاد لا تلمس الأزرار، لكن إصرارها كان أقوى. اتصلت به، رغم أنها لم تكن ترغب بالكلام، معه لكنها تعلم يقينًا أنه الوحيد القادر على إخراج مديحة من هذا الظلام الغارق في قلبها، الوحيد الذي يمكنه أن يخرجها من تلك الحاله رد الطرف الآخر
فقالت
مريم عمر تعالي علي القسم بسرعة ارجوك يا عمر
*******************************
في صعيد مصر، داخل منزل العامري
جلس كلٌّ من جابر والجد ويحيى.
قال يحيى بصوت يملأه الفرح
«جدي… أنا نويّت إن شاء الله أتجوز».
ضحك الجد بسعادة وقال:
«يا ألف مبروك يا غالي، يا ولد الغالي. قول لي يا حبيب جدك، عاوز تاخد مين؟ شاور إنت بس، حتى لو عاوز بنت من بنات البندر. ممنوع على الكل، بس إلل إنت … إنت غيرهم كلهم».
اقترب يحيى من الجد، وقبّل رأسه ويده باحترام قائلاً
:
«لا يا جدي… أنا ما عاوزش من بنات البندر. اللي عاوزها من هنا».
تدخّل جابر قائلًا:
«عين العقل يا ولدي. بنات البندر لا إحنا شبههم ولا هم شبهنا. قول مين عاوز من بنات البلد… وأنا وجدك نروح نخطُبها لك».
ابتسم يحيى، وجلس إلى جوار عمه وقال بحماس
«لا يا عمي… إنت مش محتاج تروح حِتّه كل الي عاوز منك توافق يا عمي . أنا طالب إيد هالة منك».
تجمّدت ملامح الجد وجابر من الصدمة، وعمّ الصمت المكان كالموت. وفي تلك اللحظة، دخلت أمينة تحمل بعض المشروبات الساخنة. فلما سمعت حديث ابنها، ارتجفت يداها وسقطت المشروبات، وتحطمت الكؤوس إلى شظايا متناثرة.
اقترب منها يحيى ليطمئن عليها، فأمسكت بيده بشدّة وقالت:
«مين اللي ضاغط عليك علشان تتجوزها؟ جَدّك صح؟»
ثم التفتت إلى الجد غاضبة وقالت:
«عاوز ولدي يتجوز البايرة… العانس ليه؟ هو ولدي ناقصه إيه علشان ياخد واحدة أكبر منه؟ هو عشان ما مش عيقول غير حاضر ونِعم، تظلموه؟! تجوزوه دي اللي ما حدش عِبرها ولا بصّ في وشّها؟!»
"اضطرم قلب يحيى غضبًا من كلمات أمها الجارحة، التي طعنت كرامة الفتاة التي يحبها."
وقال لأمه بحزم:
«يا حَجّة أمينة… أول حاجة، بنت عمي مش عانس ولا بايرة. دي ستّ البنات! ومفيش حد ضاغط عليّا. أنا مش عيل ولا بنت ولا صغير علشان حد يختار لي. أنا راجل، وأنا اللي اخترتها… ومش هاخد غيرها، ومش هتجوز غيرها».
صرخت نسمة، عيناها تشتعلان بالغلّ:فقالت
«أكيد سحرتلك فاطمة العمدة علشان تزوّج بنتها… عقب السوق! العقربة بنت العقربة! أنا عرفها
وفي تلك الأثناء، دخل نوار على وقع الشجار. قبضت نسمة على ثيابه بعنف وقالت:
«تعال شوف يا سيد الرجالة! أمّك وأختك العانس ضحكوا على أخوي علشان يجوز أختك. بس والله… لو حصل، أطلّق منك واخُد عيالي… وما تعرفوا ليا طريق!»
لم يجب نوار، فقد كان ما يزال يحاول استيعاب ما يجري. لكن الإجابة جاءت إلى نسمة على غير ما توقعت؛ صفعة قوية من يحيى ارتطمت بوجهها وأردتها أرضًا. نظر يحيى إليها وهو مكفهرّ، والعروق في جبينه نافرة من شدّة الغضب.
أسرعت أمينة نحو ابنتها تحتضنها قائلة:
«باين عليهم سَحروا لك صح يا يحيى! هتضرب أختك؟ الي خايفة عليك علشان العانس الي ضحكة عليك
صرخ يحيى في وجهها:
«ضربتها علشان هي قليلة أدب ولو قلت ادبها تاني هكسر رقبتها!»
ثم التفت إلى عمه قائلاً:
«عمي نوار، أنا طالب إيد هالة منك. قلتَ إيه؟ بس قبل ما ترد… مالكش دعوة بأي كلمة قالتها أمي ونسمة. وا حقّكم فوق راسي».
صرخت أمينة بجنون:
«لو اتجوزتها يا يحيى… لا إنت ولدي ولا أعرفك!»
نظر يحيى إلى أمه بحزن عميق، ثم عاد إلى عمه بثبات ينتظر الإجابة. لكن الجد قطع الصمت قائلًا:
«روح دلوقتي يا يحيى… وبعدين بينا كلام. روح يا ولدي. وانتِ يا أمينة… خدّي بتِك وادخلي جوّه. تعالَ يا جابر معايا».
خرج الجميع، وبقي نوار ممسكًا بالهاتف حتي يتصل على شقيقه ليفهم منه كل شيء
*********************************
عودة للقاهره
في قسم الشرطة
جلس عامر، أمام ضابط المباحث فوجه له السؤال قائلاً:
"ما قولك في التهم المنسوبة إليك؟"
رد عامر:
"محصلش يا فندم، دي تهم لا أساس لها من الصحة. أنا ماليش علاقة بمدام نور، هي مجرد موكله عندي مش أكتر."
نظر الضابط لعامر بشك قائلاً:
"غريبة، مع إن التحريات أثبتت إنك انت ومدام نور كنتوا على علاقة غرامية زمان."
رد عامر بقوة وثبات:
"زي ما حضرتك قلت زمان، وأظن إن التحريات اللي حضرتك عملتها تثبت لك إني ما شفتش مدام نور غير من فترة قريبة، وده بسبب أني المحامي الخاص بها في قضية الطلاق."
ابتسم الضابط بسخرية وقال:
"دخل الشهود يا بني."
فتح الباب ودخل ثلاثة رجال. صدمة عامر حين رأى هؤلاء الرجال الذين كانوا يريدون قتله عندما كان يجلس في ذلك المكان المهجور لأول مرة رأى نور بعد عدة سنوات، فتذكرهم على الفور.
تحدث الضابط قائلاً:
"قول."
رد أحد الرجال:
"يا باشا، إحنا كنا قاعدين مع بعض، فجأة شفنا عربية راكنة بعيد في حتة مقطوعة وبتهتز. رحنا نشوف فيها إيه، لقينا، استغفر الله العظيم، الأستاذ ده في العربية مع واحدة ست، وهما في وضع مش تمام. كنا هنطلب الشرطة، بس هو هدد وقال إنه محامي وممكن يلبسنا قضية، وإحنا ناس غلابه يا باشا، فخفنا ومشينا."
وقف عامر وصرخ بهما:
"إنت كداب أنا كنت موجود لوحدي، وأنتم التلاتة هجمتوا عليا، وكنت عاوزين تقتلوني من غير أي سبب. وأنا عندي شهود بالكلام ده. وبعدين سؤال: انتوا ازاي عرفتوا اللي معايا إنها مدام نور؟"
أمسك أحدهم الهاتف وأظهر صورة نور وقال:
"بص يا بيه ،هي الست دي إحنا ما كناش نعرف هي مين، بس أنا شفت صورتها على النت، وعرفت إنها ست متجوزة من راجل، مهم فقلنا نعمل خير ونروح نقول لجوزها بدل ما هو مش عارف حاجة. بعد كده، ، الهانم أم البيه طلبت مننا نشهد بالي شفناه وإحنا ما نقدرش نتاخر عن شهادة الحق."
لم يستطع عامر التحكم في غضبه، فهجم على الرجل وأطرحه أرضًا، وبدأ يوجه له اللكمات بغضب كالبركان. وقف الضابط وأمسك به بصعوبة، وما زال غاضبًا ويريد ضرب الرجل مرة أخرى،
ثم وأمر المسؤولة بإحتجازه وعرضه علي النيابة العامة ا
بعد قليل دخلت نور وجلست أمام الضابط، الذي وجه لها السؤال قائلاً:
"نور عزمي، ما قولك في التهم المنسوبة إليك، إنك حاولت قتل زوجك جاسر الجيزاوي بمساعدة عشيقك عامر مهران بعد ما اكتشف زوجك خيانتك له؟"
تحدثت نور وهي تبكي:فقالت
"والله العظيم ما حصل. أنا كنت موجودة في الشقة وحدي، فتحت الباب لقيت جاسر هجم عليّ وكأن عاوز يقتلني، وفضل يضرب في لغاية ما كنت هموت تحت إيده. حتى ممكن تسأل بتاع الدليفري، أنا كنت طالبه دليفري وقتها."
أمر الضابط بدخول الشاهد الآخر. دخل العامل،
وابتسمت نور بسعادة حين رأته، شعرت بالأمل، لكنه سرعان ما تحول إلى جحيم عندما بدأ يتحدث بعد أن وجه له الضابط السؤال: وقال
"أنا كنت بودي الأوردر يا فندم، فالمدام دي فتحت ليا الباب، وهي لا مؤاخذة كده يعني لابسة لبس مش تمام
، وفجأة لقيت راجل دخل البيت ومسك فيها وهو
بيقول لها: 'بتخونيني يا نور؟' بعد كده لقيت راجل تاني طالع، هو لافف نصه التحتاني يا فندم، وخارج من الحمام. بعد كده هو والمدام هجموا علي الراجل وضربوه، أنا بصراحة خفت وجريت.
"
ظلت نور تصرخ وتقول
:
"كذب والله العظيم ما حصل! حسبي الله ونعم الوكيل فيك! منك لله حرام عليك!"
أمر الضابط بإحتجازها وعرضها علي النيابة العامة
أما في الخارج، عند مديحة، دخل عمر القسم راقدًا، وهو لا يفهم شيئًا. اقترب منها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة وقال:
"مديحة، في إيه؟ وفين عامر؟"
وعند ذكر ابنها، تساقطت الدموع منها، وتحدثت بقلب موجوع:
"عامر راح يا عمر… إبني راح… تعب عمري اللي عايشه عشانه راح."
نظر عمر إلى مريم لتشرح له، لكنها لم تستطع التحدث من شدة البكاء، فعيونها ووجهها صاروا باللون الأحمر، ولم يخرج منها سوى الشهقات والفهقات المليئة بالدموع.
تحدث أحمد، الذي كان في حالة صعبة أيضًا، موجّهًا الحديث لعمر:
"خدها وروّحها على البيت دلوقتي يا عمر، وإنا هفهمك كل حاجة، بس يا ريت تشوف لها دكتور أو حاجة، حالتها صعبة جدًا."
أخذ عمر مديحة وذهب، وهو عازم على العودة مرة أخرى لقسم الشرطة حتى يفهم ماذا يجري.
*********************************
في الصعيد
أشرق الصباح على عائلة العامري بعد ليلة طويلة بلا نوم. كل واحدٍ منهم حمل همَّه بطريقته؛ فمنهم من أقنع نفسه أنه على حق ولم يظلم أحدًا، ومنهم من كان قلبه يشتعل غضبًا لكرامته الجريحة أمام الجميع. وبينهم أفاعٍ تبثّ سمومها وتصب الزيت على النار، فتزيد الكراهية وتُشعل الغضب أكثر فأكثر. وكان فيهم من شعر بالقهر وخيبة الأمل، بينما كان العاشق كمن ينتظر نفحة رحمة تسمح له أن يعيش مع من يحب.
دق يحيى على غرفة عمه، وفجأة وجد من يهللون ويركضون عليه بفرحة. تفاجأ يحيى بالصغيرين عامري وفاطمة يحضنانه بقوة، فبادلهم يحيى الأحضان وقبّلهم وقال لهم:
– حبايب قلبي وحشتوني قوي
رد الصغير وقال:
– فين هالة يا يحيى؟ أنا توحشتها قوي خدني ليها. نِسمة مش هتعرف تعمل أكل حلو كمان عتضربني
تنهد يحيى بثقل ثم ابتسم، ووضع يده فوق رأس الصغير وهو يداعبه . دخل يحيى مقتنعًا أن من الواضح ان شقيقته ليست كما تدّعي البراءة،
وتحدث قائلا:
– خلاص يا عامري باشا، أنا هاخدك تعيش معايا أنا وهالة لمّا نتجوز إن شاء الله
صرخت فاطمة من الفرح، واقتربت من يحيى وعانقته بشدة، قائلة:
– صح يا خال إنت وعمتي هتتجوزوا؟
– صح يا بطه، يلا اختاري فستان حلو علشان تحضري الفرح
ضرب الصغير قدميه في الأرض بغضب وهو عابس الوجه وقال:
– لا أنا دي عمتي أنا، أنا اللي هتجوزها. إنت روح يا يحيى اتجوز عمتك
أمسك يحيى به من ثيابه مازحًا وقال:
– تتجوز مين ياض؟ إنت شِبر ونص؟ دي أنا بس اللي هتجوزها. إنت سامع يا عيل؟
رد الصغير بعناد:
– لا يحيى، أنا اللي هاخدها وهروح أقول لجدي
ركض الصغير وذهب خلف يحيى وفاطمة وهم يضحكون عليه. ظل يركض حتى وصل للحديقة ونادى على جده بصوت مرتفع.
كان جابر غارقًا في عالمٍ تغشاه الكآبة، ملامحه حزينة وقلبه يعتصره الألم. ظل يتساءل في مرارة: لماذا لم يحبه والده كما أحب شقيقه الراحل؟ لقد كان دائمًا الابن المطيع، يفعل كل شيء حتى يحجز لنفسه موطئًا
صغيرًا في قلب والده، ولكنه اكتشف أن قلبه لم يحبه يومًا، ولن يحبه أبدًا، بل حتى أبناؤه لن ينالوا منه ما ناله أبناء شقيقه
اقترب يحيى من عمه وجلس بجواره وتحدث بلهفة قائلا:
– صباح الخير يا عمي، أنا كنت بدور عليك علشان الموضوع اللي كلمتك فيه. بص يا عمي أسمعني كويس، أنا مش عاوزك تحط كلمة واحدة من الكلام اللي اتقال من نسمة وأمي. وما تقلقش على بنتك، أنا اللي اخترتها وأنا عمري ما هسمح لحد إنه يزعلها ولا يغلط فيها بكلمة، حتى لو كانت أمي. إنت عارفني وعارف إني قد كلامي
نظر جابر إلى يحيى بملامح منكسرة، وتنهد تنهيدة مثقلة بالأسى. داخله شعور بالعجز، كان يتمنى لو أن ابنته اقترنت برجل مثل يحيى، يرفع عنها اللقب المؤلم ويصونها من ألسنة الناس الجارحة. ولكن كلمات ابنه أعادته إلى ماضٍ موجع لا ينفك يطارده. عودة للامس
ذهب جابر مع والده وجلسا سويًا، وتحدث جابر بفرحة عارمة فقال:
– الحمد لله يا أبوي، ربنا كريم، هنخلص من هم هالة ومشاكلها ومن كلام الناس. عارف يا حج، أنا فكرت زمان كتير أطلب من يحيى إنه يتزوج هالة، بس كانت تقيلة على لساني إني أقوله. بس ربنا كريم وجات من يحيى… مالك يا أبوي ساكت ليه؟
انطلق كلام ذلك الجدّ، وقلبه صلد لا يعرف للرحمة سبيلًا ولا يلين فيه، فقال:
– إنت هترفض يا جابر، بنتك ما تنفعش مع ولد أخوك. لو اتجوزوا العيلة هتخرب. وبعدين، بنتك كبيرة وأنا عاوز أشوف أحفاد يحيى قبل ما أموت. ده ولد سليم الغالي، الله يرحمه، أخوك ما خلفش غيره ولد واحد، وانا عاوز اسم أخوك يفضل حي. لو يحيى اتجوز بنتك يمكن ما يخلفش عشان بنتك كبرت
فتح جابر فمه ليتحدث، فأوقفه والده بإشارة منه واستكمل حديثه القاسي دون أي رحمة قائلا:
– عارف عاوز تقول إيه… إن بنتك لسه ما كملتش الأربعين سنة، بس برضو هي كبيرة ويمكن تحتاج علاج علشان تخلف، والعلاج هيأخد سنين. هتكون بنتك خلاص ما تنفعش تخلف. وبعدين، بنتك قليلة الأدب ما تنفعش مع ولد أخوك. ده غير إن لو الجوازة دي تمت هتكون جوازة نحس وشؤم. بنت أخوك هتطلق من
ولدك. ما يرضكش إن المرأة اللي معاها عيال تطلق وتخرب بيتها عشان بنتك. آخر الكلام، إنت تقول لولد أخوك إنك مش موافق، بس ما تقولوش إني قلت لك. وبنتك ما تقلقش، حمدان لسه عاوزها. زوجه ليه؟
راجل كبير، ولا هيقول لك خلفتِ ولا ما خلفتيش؟ ولو مش عاوز يتجوزها، اهي مرزوعه في مصر سيبها هناك
قبَّل الصغيرُ جده جابر وقبلة دافئةً مفعمة بالبراءة، أعادته من غياهب تلك الذكريات القاسية. فضم جابر الصغير إليه ثم نظر إلى ابن شقيقه الذي ما زال يتحدث ويحاول الإقناع. مدَّ جابر يده فوضعها فوق يد يحيى، وألقى عليه نظرةً حزينة، ثم نطق أخيرًا بتلك الكلمة الثقيلة على قلبه وقال:
– بنت ما تنفعكش، ربنا يكرمك بواحدة أحسن منها يا ولد أخويا
رد يحيى بإصرار رغم خيبة الأمل التي تسكن قلبه، فقال:
– بس أنا مش عاوز غير بنتك يا عمي، ومش شايف أحسن منها. وأنا هاعتبر نفسي ما سمعتش حاجة، وهسيبك تفكر مرة تانية. وحتى لو رفضتني تاني، أنا برضه هتقدم وهفضل أتقدم ليها واطلب إيدها منك لغاية ما توافق، وهتوافق إن شاء الله
أتى صوت نوار من الخلف الذي انضم إليهم قائلا:
– وأنا موافق يا يحيى على جوازك من أختي، بس بشرط
أشرق وجه يحيى بابتسامة واسعة، واقترب من نوار وضمه بمحبة وتحدث بثقة وقال:
– قول كل شروطك يا نوار وأنا موافق عليها
– هو شرط واحد يا يحيى، وأنا عارف إنك راجل وكلمتك سيف. ولو وعدت عمرك ما هتخلف وعدك وأنا يكفيني منك كلمة وعد يا ولد عمي. وشرطي هو: لو شاء ربنا واتجوزت أختي، وجيت أنا في يوم من الأيام اتجوزت على أختك ولا طلقتها؟ أختي برا الموضوع. قولت إيه يا ولد عمي؟
علم يحيى أن نوار غاضب من أفعال نسمة، لكنه لم يلومه، فشقيقته مخطئة. فتحدث يحيى قائلا:
– إن شاء الله مفيش طلاق ولا زواج على نسمة. أنا عارف إنها غلطانة في حقك وحقك علي رأس وأنا هخليها تيجي تعتذر لك. وزي ما قلت يا نوار، أنا كلمتي سيف، وأخدها كلمة مني؟ حياتك إنت ونسمة مالهاش دخل بحياتي أنا وهالة
ابتسم نوار، ثم قال ليحيى:
– وأنت ما تخافش، أنا هخلي عمك يوافق، بس دلوقتي لازم تروح القاهرة
قص نوار ليحيى كل ما أخبره به عمر حين تحدث معه، فلم ينتظر يحيى لحظة واحدة. وحين علم بما حدث لعامر، ذهب مسرعًا ليأخذ سيارته ويعود إلى القاهرة.
*************************
ذهب يحيى إلى المستشفى فور عودته من الصعيد، فقد اشتاق إليها كثيرًا وقلق عليها، وحاول الاتصال بها مرارًا لكنها لم تجب. وعندما وصل، فوجئ برفضها مقابلته. نظر إلى فاطمة، وارتسمت على وجهه علامات الاستفهام؛ لم يفهم سبب تصرفها، فهي لا تجيب ولا
تريد اللقاء. لم يحتمل الانتظار، ففتح باب الغرفة بعنف رغم اعتراض والدتها، ونظر إليها بوجه مشحون بالغضب، واضطر لكبح جماح مشاعره بالضغط على أسنانه.
أما هي، فجلست ذاهلة، عيونها ذابلة وروحها مطفأة، غارقة في صمتها الموحش. ناده عليها بصوت حاد وقال
ممكن أعرف أي لعب العيال ده انا مش فاضي للجنان بتاعك ردي
نظرت له وتحدثت ببرود مستفزه قائله
مفيش حاجه انا خلاص مش موافقه علي الزواج منك وياريت بلاش نتكلم مع بعض تاني احنا نرجع زي الاول مفيش بينا لا كلام ولا سلام
رغم الألم الذي يعصر قلبه من كلماتها التي حطمت جميع آماله، كان عقله يهمس له بأن وراء هذا الحديث القاسي سرًّا ما يدفعها لفعل ذلك. أخذ نفسًا عميقًا، ورفع حاجبه بتؤدة، ثم ابتسم بسخرية خفيفة وقال:
اه واضح ان الضربه اللي خدتيها على دماغك اثرت علكي عشان كده عتقولي الكلام الفارغ دا وعلشان انتي بنت عمي وزوجتي المستقبليه ان شاء الله عن قريب هعمل نفسي ما سمعتش ولا كلمه ويلا لم هدومك عشان هتخرجي وأنا هروح اشوف الدكتور يعمل لك اشاعه علي مخك قبل ما نمشي نشوف ايه فيه
كان قلبها يفيض بالسعادة لتعلقه بها، لكن لعقلها رأيًا آخر؛ فقد ذكّرها بضرورة التخلي والابتعاد عن من تحب، حتى لو تحطّم قلبها وغاصت روحها في الحزن الأبدي. ارتجف لسانها بالكلمات التي تكسر القلب، وارتسمت على عينيها دموع خفيفة، فيما ارتعشت يداها وهي تحاول أن تخفي ألمها خلف ابتسامة باهتة. وقالت:
اقف عندك يا يحيى انا مش هتجوزك لو كنت اخر راجل في الدنيا
اقترب منها امسك بيدها بقوة ساحبًا إياها حتى توقفت أمام المرآة دخل المرحاض. ارتجفت أصابعها بين قبضته، فيما امتزج الغضب بعينيه، ثم انفجر صوته كالرعد، وقال بغيظ:
بصي كده علي نفسك كويس هتعرف انك كدابه في كل كلمه وكل حرف أنتي كدابه يا هالة انتي بتحبيني زي ما انا بحبك وموافقة تزوجني انتي اصلا عمرك ما هتوافق تزوجي من حد غيري
ثم استكمل حديثه بجوارأذنها بلهجه تهديد وصرامه قائلا
انتي ليا انا وبس يا زوجتي المستقبليه
ثم ابتعد عنها ونظر لها في المرايه وقال يلا اسيبك تبكي شويه بدل ما انتي حابسه دموعك بالعافية الي انا متأكد انها وراها حاجة هي الي مخليك تقولي الكلام الفارغ دا بس انا هعرفها وهعرف مين وراها وساعتها مش هرحموا ولا هرحمك عشان اتخبي عليا تاني انا هروح اجهز الاوراق عشان نمشي
وما إن خرج، جلست هالة على الأرض، واضعة يدها على فمها لتكتم شهقاتها، وانهمرت دموعها من قلبها المثقل بالألم. كان وقع الأحداث يخترق روحها ويفطر قلبها، وظلت تبكي بحرقة، متسائلة في صمت: ماذا فعلت حتى يقسو الجميع عليها؟ ثم رفعت عينيها، محاولة أن توقف سعادتها في وجهه بما تبقى لها من قوة، لكن الحزن امتد في ملامحها، يعكس الأسى العميق الذي يسكن روحها.
ووويتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات